إريك فون هيبل في مقابلة مع مارثا إي. مانغلزدورف
ماذا لو كان الكثير مما تعرفه أو تظن أنك تعرفه عن عملية الابتكار خاطئًا؟
هذا هو السؤال الذي يرى إريك فون هيبل أنه ينبغي للعديد من الشركات ورجال الأعمال التفكير فيه. إذ إن فون هيبل، وهو أستاذ الابتكار التكنولوجي في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Sloan School of Management)، وأستاذ أيضًا في قسم نظم الهندسة في المعهد ذاته، قد أمضى معظم حياته المهنية في إجراء أبحاث قادته إلى استنتاج جذري: إن النظرة التقليدية لعملية ابتكار المنتجات معيبة، ففي الرؤية التقليدية، تحصل الشركات على قدر كبير من الفضل في ابتكار المنتجات بحسب فون هيبل، بينما يحصل المستخدمون على قدر ضئيل جدًّا.
يؤكد فون هيبل أن الأفكار المتعلقة بالمنتجات الجديدة أو المحسنة غالبًا ما تأتي أولًا من المستخدمين الذين يطورون نسخًا مرتجلة لتلبية احتياجاتهم الخاصة، ثم قد يكتشف المصنعون ابتكارات المستخدمين ويصقلونها ويستفيدون منها، لا سيما إذا بدأت تلك الابتكارات في الانتشار بين مجموعة من المستخدمين.
يمتلك فون هيبل عقودًا من البحث لدعم نظريته، فخلال السنوات، قام هو وباحثون آخرون بدراسة ابتكار المستخدمين في صناعات متنوعة، ووجدوا أن نسبة المستخدمين الذين يبتكرون يمكن أن تكون كبيرة، فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجراها نيكولاوس فرانكه وسونالي شاه أن أكثر من ثلث أعضاء نوادي الرياضات ” الخطرة” قد طوروا أو عدلوا منتجات رياضية لاستخدامهم الشخصي، بينما وجدت دراسة أخرى أجرتها باميلا دي. موريسون وآخرون أن أكثر من ربع موظفي المكتبات عدلوا أنظمة معلومات المكتبة المحوسبة، ويُعد المستخدمون الرياديون (lead users) -أي المستخدمون المتقدمون الذين لديهم أكبر احتمال للابتكار لتلبية احتياجاتهم الخاصة- مهمين بشكل خاص في نظر فون هيبل.
تحدثت مارثا إي. مانغلزدورف، مديرة التحرير في سلون مانجمنت ريفيو(MIT Sloan Management Review)، مع فون هيبل في وقت سابق من هذا العام. وفي هذا المقتطف من حديثهما، الذي تم تحريره من أجل الوضوح، يشرح فون هيبل نتائجه المفاجئة وآثارها على المديرين التنفيذيين.
إريك، لقد درست ابتكار المستخدمين لسنوات عديدة، حدثني كيف بدأت في هذا الموضوع أول مرة.
بدأ الأمر عندما كنت أتردد على معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأنا في الثانية عشرة من عمري. كان والدي أستاذًا هنا أيضًا، وأحيانًا عندما كان يأتي إلى العمل كان يصطحبني معه ويتركني أتجول في الممرات طوال اليوم، كنت أتجول وأدخل إلى المختبرات وأسأل عما يجري. آمل ألا أكون قد سببت إزعاجًا لمن زرتهم؛ فمن جهتي كانت تجربة رائعة، وكان الناس لطفاء جدًّا معي. أحد الأمور التي شاهدتها أن العلماء كانوا يصنعون أدواتهم الخاصة؛ كانوا يصنعون المعدات التي يحتاجون إليها، وأحيانًا ترى المصنعين يأتون ويسألون عما يفعله العلماء ويسألون عن المعدات التي صنعوها.
بعد سنوات عديدة، عندما التحقت بالدراسات العليا ودرست النموذج التقليدي للابتكار الذي يبرز المصنعين كمبتكرين، تذكرت ما رأيته في مختبرات MIT، وبدأت أشك في الحكمة التقليدية، ثم لاحقًا، عندما عدت إلى MIT كأستاذ مساعد وبدأت أدرس الابتكار في الأدوات العلمية بشكل رسمي، وجدت أن شركات الأدوات العلمية تحصل فعليًّا على ابتكاراتها إلى حد كبير من المستخدمين. لكن كان هناك جانب مثير للاهتمام: مدراء شركات الأدوات لم يكونوا يعلمون أن هذا ما كان يحدث، كانوا يظنون أنهم يتبعون النموذج التقليدي القائم على مراقبة احتياجات المستخدمين والابتكار لتقديم منتجات جديدة لهم.
كيف يحدث ذلك؟
أحد الأسباب هو أن ما يقدره المصنعون ويعترفون به على أنه “المنتج” هو التصميم الهندسي للمنتج، أما المستخدمون -العلماء في هذه الحالة- فيصنعون نماذج أولية يمكنهم استخدامها، لكنهم لا يصممون منتجات مناسبة للتصنيع. غالبًا ما يأخذ المستخدمون الذين يحتاجون إلى منتج جديد أجزاءً مما لديهم ويجمعونها معًا ليحققوا ما يريدون، وعندما يرى المصنعون ما فعله المبتكرون من المستخدمين، يميلون إلى عدّ ما أنشأه المستخدم فكرة أو حاجة، لكنهم لا يعدّونه نموذجًا أوليًّا لمنتج من تصميم المستخدم.
إذًا لا يستطيع المصنعون بيع ما ابتكره المستخدم بطريقة مرتجلة.
صحيح؛ ابتكارات المستخدمين ليست مناسبة للبيع كما هي، لذا قد يصنفها المديرون على أنها مجرد أفكار أو احتياجات، لكن المنتجين غالبًا ما يغفلون عن حقيقة أن ما فعله المستخدم هو نموذج أولي لمنتج يعمل، وربما يكون جزءًا أكثر قيمة في عملية الابتكار من الهندسة التي يقوم بها المنتج لإنشاء منتج قابل للبيع. لقد أدرك المستخدمون وجود حاجة جديدة لديهم، وابتكروا حلًّا يعمل ويحقق قيمة لهم، وما يحدث بعد ذلك أن مستخدمين آخرين ينسخون ابتكارات المستخدمين التي يحتاجون إليها أيضًا، وهذا يخلق إشارة على وجود طلب عام في السوق للمُنتجين اليقظين.
هل من المرجح أن يحدث ابتكار المستخدمين في بعض أنواع الأسواق أكثر من غيرها؟ أظن أنه سيكون أكثر شيوعًا حيث يوجد عدد كبير من المستخدمين الأفراد ذوي الميل العلمي أو الهندسي أو الميكانيكي -أو المستخدمين الهواة- مقارنةً -على سبيل المثال- بأسواق الأعمال كثيفة رأس المال.
كلا، ليس الأمر كذلك، تذكّر أنّ المستخدم في هذا السياق قد يكون شركة أيضًا، فعلى سبيل المثال، تقوم شركة IBM بتطوير العمليات الجديدة التي تستخدمها في مصانعها لصنع أشباه الموصلات، لأنها ترغب في استخدامها بنفسها، تمامًا كما يصنع العالِم أداة علمية جديدة لأنه يرغب في استخدامها بنفسه. تعريف الابتكار من قبل المستخدم هو ذلك الذي يبتكره فرد أو شركة لاستخدامهم الخاص، أما الابتكار من قبل المنتج، في المقابل، فهو ذلك الذي يبتكره فرد أو شركة بغرض البيع.
وبين الأفراد، صحيح أنه ليس كل مستخدم مرشح بالقدر نفسه ليكون مبتكرًا، وإن كان عدد المستخدمين الذين يبتكرون يفوق التوقعات، فقد أظهرت دراسة أجريتها مؤخرًا مع ستيفن فلاورز، ييرون دي يونغ، وتانيا سينوزيتش على المستهلكين البريطانيين، أن 6.1% من المستهلكين في المملكة المتحدة ممن تجاوزوا سن الثامنة عشرة قد أنشؤوا أو عدّلوا منتجًا لاستخدامهم الشخصي خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.
إن التعليم العالي والتعليم الفني يحدثان فرقًا كبيرًا؛ ففي الدراسة البريطانية، كان الأشخاص الحاصلون على درجات البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه في المجالات التقنية أكثر ميلًا ليكونوا مبتكرين بصورة ملحوظة.
لكن ليس المتعلمون وحدهم من يكونون مبتكرين من المستخدمين؛ خذ على سبيل المثال ألواح التزلج (skateboards) التي طورها أطفال في سن الثالثة عشرة، هل تعلم كيف نشأت ألواح التزلج؟
لا أظن ذلك.
كانت أحذية التزلج (roller skates) سابقًا عبارة عن قطع معدنية تُثبت على الأحذية، وكانت تتألف من جزأين، بحيث يمكن تعديلها لتناسب الحذاء. اكتشف الأطفال أنهم يستطيعون فك الجزأين، وتثبيت أحدهما في مؤخرة لوح خشبي والآخر في مقدمته، وهكذا يحصلون على لوح تزلج، ومن هنا جاء المنتج والاسم.
إذا كان الابتكار يحدث بهذه الطريقة كثيرًا، فلماذا يسود الاعتقاد التقليدي بأن الشركات المصنعة هي المبتكرون الأساسيون؟
منذ كتابات [جوزيف أ.] شومبيتر في ثلاثينيات القرن العشرين، افترض الاقتصاديون وصانعو السياسات أن المنتجين سيبتكرون لأنهم يستطيعون توزيع تكاليف ابتكاراتهم على العديد من المشترين، لأن الأسواق غالبًا ما تضم العديد من المشترين. ما أدركته أنا وزملائي هو أن هذا المنطق ينهار في المراحل الأولى من نشوء السوق، فالأسواق تبدأ صغيرة وغير مؤكدة؛ إذ لا يوجد عدد كبير من المستخدمين، لذا، في تلك المرحلة المبكرة، فإنّ قدرة المستخدم على الاستفادة من الابتكار تكاد تكون مساوية لقدرة الشركة المصنعة.
ومؤخرًا، أصبح واضحًا أن هذا يمثل جزءًا من نموذج جديد كليًّا للابتكار. إليك كيف تبدو الصورة العامة لمسار انتقال الابتكار من المستخدم إلى التسويق التجاري في ثلاث مراحل. (انظر: “نموذج ابتكار جديد” [A New Innovation Paradigm].)
[ملاحظة المحرر: لمزيد من التفاصيل حول هذا النموذج وأحدث الأبحاث في مجال ابتكار المستهلكين، انظر مقال “عصر المبتكر-المستهلك” [The Age of the Consumer-Innovator] الذي كتبه فون هيبل، سوسومو أوغاوا وييرون بي. جي. دي يونغ في عدد خريف 2011 من MIT Sloan Management Review]
وإليك مثالًا جيدًا: أول جهاز للقلب والرئتين (heart-lung machine)، الذي اخترعه الطبيب جون هيشام جيبون. كان الأطفال يصابون بالحمى الروماتيزمية، وتتضرر صمامات قلوبهم بسبب المرض، وأحيانًا لا يمكن إصلاح الصمامات. كان الأطفال الصغار يموتون على طاولات العمليات، وكان ذلك مأساويًّا لهم ولعائلاتهم ولجراحي الأوعية الدموية.
لذا قام جيبون بتصميم وبناء أول جهاز للقلب والرئتين بنفسه؛ ففي عام 1935م، نجح في استخدام النموذج الأولي لجهاز القلب والرئتين على الحيوانات، وفي عام 1953م استخدم آلته لأول مرة على مريض بشري.
لماذا لم تطور شركات المعدات الطبية جهاز القلب والرئتين بدلًا من ترك الأمر لمستخدم؟ لأنهم لم يكونوا واثقين من وجود سوق في تلك المرحلة المبكرة. مرة أخرى، النقطة العامة هي أن الشركات لا تفضل الأسواق الصغيرة وغير المؤكدة، وكل سوق في بدايته يكون صغيرًا وغير مؤكد (وهذه هي المرحلة الأولى في الشكل). سواء كان الابتكار جهاز القلب والرئتين أو لوح تزلج، إذا كان جديدًا وظيفيًّا، غالبًا ما يكون المستخدمون هم أول من يبتكره.
وبالتأكيد، يبتكر المستخدمون العديد من الأشياء التي يرغبون فيها بأنفسهم، لكنها لا تلبي حاجة عامة، وبالتالي لا تملك إمكانات سوقية. وتحدث عملية فرز النافع من غير النافع في المرحلة الثانية من الشكل، فإذا نجح الابتكار ووجد طلبًا عامًّا، سيتبناه مستخدمون آخرون وينتجون نسخًا لأنفسهم، وربما يحسنون ما فعله المبتكر الأصلي أيضًا.
ويمثل ذلك معلومات سوقية للمنتج اليقظ، الذي يدخل في المرحلة الثالثة. أول ما يحدث في المرحلة الثالثة هو ظهور الشركات الصغيرة، وغالبًا ما يكون مؤسسو الشركات الأولى من ذوي الروابط الجيدة بالمستخدمين -كالجراحين أو ممارسي رياضة التزلج على الألواح، على سبيل المثال- لأنهم أول من يتلقى إشارة تشكل السوق، ثم، في نهاية المطاف، تدخل الشركات الكبرى، لأنها تقول: الآن لدينا معلومات كافية عن هذه السوق وسندخله، ربما من خلال الاستحواذ على إحدى تلك الشركات الصغيرة، لأننا الآن نعلم أن هناك سوقًا بحجم مناسب لنا.
ومن الواضح أن انتشار الإنترنت (Internet) أحدث تغيرات كبيرة في مدى سهولة تعاون المستخدمين. حدثني قليلًا عن تأثير ذلك فيما شهدته في هذا المجال من ابتكار المستخدمين.
كان في السابق من الصعب على المستخدمين التعاون بسهولة، وبمجرد أن يتجاوز الأمر المستخدم الفردي، يعود المنتج ليجمع الطلب ويبيع للمستخدمين. أما اليوم، ومع ظهور الإنترنت، فقد انخفضت تكاليف التواصل بشكل كبير، ونتيجة لذلك، أصبح بإمكان المستخدمين المتعاونين تنفيذ مشاريع ابتكار ضخمة مثل نظام “لينكس” (Linux). وتعمل هذه العملية على النحو التالي: أقوم أنا بجزء من الابتكار الذي أبرره لحاجتي الخاصة، وتقوم أنت بجزئك الذي تبرره لحاجتك الخاصة، ثم نعمل معًا في مجموعة عبر الإنترنت، وسرعان ما نجمع جهودنا لننتج شيئًا مثل “لينكس”، أو برنامج خادم الويب “أباتشي” (Apache web server software)، أو شيئًا مثل الطابعة ثلاثية الأبعاد (3-D printer) التي أمتلكها هنا في مكتبي؛ فقد طوّرها مجتمع كامل من نحو ألف هاكر (hackers)، إنه أمر مذهل!
قبل ظهور الإنترنت، كان على المستخدمين أن يكونوا في المكان الجغرافي نفسه لكي يتعاونوا في الابتكارات.
هل درستَ ابتكار المستخدمين طوال مسيرتك المهنية؟
إلى حد كبير.
وكيف كان حال المعرفة عندما بدأتَ؟ لا بد أنك لم تكن متوافقًا مع التفكير السائد في ذلك الوقت.
كلا. كان الناس يودونني كشخص، ولذلك حاولوا بلطف أن يصححوا أفكاري، في كل مرة كنت أجري فيها دراسة تظهر انتشار ابتكار المستخدمين في مجال ما، كانوا يأتون بتفسير محدد لتبرير هذه النتائج. وكما ذكرت سابقًا، فقد درستُ أولًا مصادر الابتكار في الأجهزة العلمية، وفي تلك الدراسة، وثّقت أن نحو 80% من عينة مكوّنة من 111 جهازًا علميًّا قد اخترعها المستخدمون أنفسهم وصنعوا نماذجها الأولية، لكن هذا لم يتوافق مع النمط التقليدي الذي يرى أن المصنع هو المبتكر، لذا كان الناس بلطف يخبرونني أن هذه النتيجة الغريبة سببها أن العلماء —
—لأنهم علماء— فقد يكونون مبدعين بشكل خاص ولديهم تعليم تقني.
صحيح. هل كنتِ هناك يا مارثا؟ (يضحك). الوضع اليوم أفضل بكثير. أعمل الآن على هذا الموضوع مع العديد من الزملاء الرائعين، ولدي ثقة بأننا سنتمكن في النهاية من مساعدة الناس على التفكير في المستخدمين كمصدر مهم للابتكار، وليس فقط كمستهلكين سلبيين للابتكار.
الأمر هو أن التفكير من منظور ابتكار المستخدمين يُعد تحولًا نموذجيًّا كبيرًا عن النموذج السائد الذي يرى أن المنتجين هم من “يكتشف الحاجة ويشبعها” بمنتج جديد يطورونه. ومن المعروف أن تحقيق هذا التحول في النماذج أمر بالغ الصعوبة.
أمر مثير للاهتمام، برأيك، إلى أي مدًى زاد وعي الشركات الكبرى بإمكانات ابتكار المستخدمين؟
بدأت الشركات الكبرى تدرك إمكانات ابتكار المستخدمين، بعضهم قاوم الفكرة في البداية، ثم غيّر رأيه. اقتصاديًّا، ابتكار المستخدمين أقل تكلفة بالنسبة لهم، فالمستخدمون يبتكرون المنتجات على نفقتهم الخاصة، وليس على نفقة المصنع، ثم، كما رأينا في العملية المكونة من ثلاث مراحل التي وصفتها سابقًا، ينتظر المصنعون ويراقبون ليروا أي ابتكارات المستخدمين تحقق النجاح الذي يرغبون في تطويره هندسيًّا ثم تسويقه تجاريًّا.
مثال جيد على ذلك هو شركة “ليغو” (LEGO)، لكن هناك العديد من الأمثلة الأخرى؛ فقد أمضت “ليغو” عدة سنوات في تطوير منتج “ليغو مايندستورمز” (LEGO Mindstorms) بالتعاون مع معهد “إم آي تي” (MIT)، بقيادة الأستاذ ميتش ريزنيك (Mitch Resnick) وآخرين. ثم، خلال بضعة أشهر فقط من طرح المنتج، كان هناك ألف هاكر يعملون عليه.
من أين جاء هؤلاء الهاكرز؟ عندما تبدأ بالنظر خارج “ليغو”، ترى العديد من مجتمعات المستخدمين، هناك، على سبيل المثال، أكثر من عشرين ألفًا من محبي “ليغو” البالغين حول العالم، وكثير منهم مصممون بارعون للغاية.
والنتيجة النهائية أن المستهلكين المبتكرين جعلوا منتج “مايندستورمز” أفضل بكثير، في البداية، لم يكن لدى فريق “ليغو” فكرة واضحة عما يجب فعله حيال ذلك، فوفقًا للحكمة التقليدية، ليس من المفترض أن يفعل المستهلك ذلك، بل من المفترض أن يكون مستهلكًا فقط ويستهلك.
ثم حدث أمر مثير للاهتمام؛ فقد تكيّفت “ليغو”. قالت “ليغو”: “حسنًا، كيف يمكننا أن نجد هذه الابتكارات من المستخدمين بشكل منهجي؟ لماذا لا نتيح للناس نشر ابتكاراتهم؟” وهذا ما فعلوه. قالوا: الآن يمكنك نشر تصاميمك الخاصة بـ”ليغو”، ويمكنك تصميم رسوماتك الخاصة لتغليف منتجك، بل ويمكنك حتى بيع ما صممته على موقعنا الإلكتروني. سنراقب ونرى حجم مبيعاتك، وإذا بدا أن هناك شيئًا يحظى بشعبية كبيرة، سنشتري الترخيص منك.
طوّرت “ليغو” طريقة منهجية للقيام بما كان يحدث سابقًا بالصدفة؛ أي أن يلاحظ المصنعون ابتكارات المستخدمين ويستفيدوا من أنجحها. ويمكن للمصنعين الآخرين أن يتعلموا القيام بذلك أيضًا.
إذا كنتُ مصنعًا، ما الذي ينبغي أن أعرفه عن هذا الأمر؟ يبدو أن هناك العديد من النتائج التي تؤثر في كيفية تفكيري حول الابتكار.
أولًا، عليك أن تفكر في مصدر الابتكارات، وغالبًا ما تأتي الحداثة الوظيفية في طليعة الأسواق من المستخدمين.
لذا يجب على المصنعين أن يتعلموا ما يفعله المستخدمون، ثم ينبغي أن يدركوا أن من المنطقي أحيانًا الحصول مجانًا من الخارج على ما كانوا سيضطرون لإنفاق المال عليه في الداخل، والميزة بالنسبة لك ليست فقط التصميم الذي تحصل عليه، بل أيضًا إثبات القيمة وفائدة الاستخدام.
إنه النموذج الأولي التجريبي (beta prototype)، فقد صنعه الناس بالفعل، وحسّنوه، وهو يعمل حقًّا، ولو حاول المصنع أن يفعل الشيء نفسه، لكان عليه أن يبتكر منتجًا، ويطرحه في السوق، ويرى ما إذا كان المستخدمون سيقدرونه، وكل ذلك باستخدام أموال الشركة الخاصة. فإذا كان بإمكان الشركات أن تستفيد من ابتكار المستخدمين، أو أن يفعل ذلك منافسوها، وكان ذلك أقل تكلفة، فعليها أن تتعلم كيف تفعل ذلك لتحقيق ميزة تنافسية.
من الذي يجيد هذا الأمر؟
عادةً ما تكون الشركات الجديدة التي لا تمتلك بنية تحتية ضخمة للبحث والتطوير (R&D) وما شابه ذلك هي المعنية بهذا الأمر، فهذه الشركات لا تعتمد على الأساليب التقليدية لتطوير المنتجات الجديدة، ومع ذلك، هناك استثناءات؛ فعلى سبيل المثال، تقوم وحدة الرعاية الصحية في شركة GE Healthcare أحيانًا ببيع معدات التصوير الطبي مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) بأسعار زهيدة لبعض المستخدمين مقابل الحصول على بعض الحقوق فيما يبتكره هؤلاء الأشخاص، لقد أدركوا أن المستخدمين المهرة في المجال الطبي غالبًا ما يبتكرون تحسينات مهمة، ولذلك طوروا نظامًا للابتكار يسعى لاكتشاف مثل هذه الابتكارات واحتوائها.
لقد ميزت بين هؤلاء المستخدمين الرياديين، الذين أفهم أنهم مستخدمون متقدمون لديهم احتمال أعلى نسبيًّا للابتكار، وبين المستخدمين العاديين. كيف لي، بصفتي مُصنِّعًا، أن أحدد من هم هؤلاء المستخدمون الرياديون؟ وأين أجدهم؟
ما تفعله هو أن تتوجه إلى الطليعة في سوقك، وتبحث عن الأشخاص الذين يواجهون أكثر المشكلات تطرفًا في الوقت الحالي، فعلى سبيل المثال، في دراسة حالة موثقة في شريط فيديو على موقعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، كانت شركة 3M تبحث عن جراحين يُعدون مستخدمين رياديين في مجال مكافحة العدوى. وقد اكتشفوا أن الجراحين الذين يجرون عمليات لمرضى السرطان قد طوروا أساليب محسنة لمكافحة العدوى، وذلك لأن هؤلاء المرضى غالبًا ما يكونون ضعيفي المناعة، فيتعرضون لعدوى خطيرة. لدي مواد مجانية على موقعي يمكن للناس استخدامها لإجراء دراسات تهدف إلى العثور على “المستخدمين الرياديين” في أسواقهم.
ما يراه المنتجون ورواد الأعمال في دليل المشروع ومقاطع الفيديو على الموقع هو أن طريقة تحديد المستخدمين الرياديين تشبه إلى حد ما عملية التشبيك (Networking). ابحث عن شخص متميز في المجال الذي تبحث فيه -كأن يكون لاعب تنس بارعًا إذا كنت تبحث عن منتجات تنس جديدة، أو جراحًا بارعًا يهتم بمكافحة العدوى إذا كنت تبحث عن أساليب جديدة لمكافحة العدوى- واسأل هذا الشخص عن خبرته. ثم اسأله أيضًا: من يعرف أكثر منك؟ من يواجه مشكلة أشد مما تواجه؟
إنها الطريقة نفسها التي يتبعها الصحفيون؛ تجد شخصًا لديه معرفة بموضوع معين وتسأله: “هل هناك شخص آخر يعرف أكثر؟” ثم تعيد العملية، إنها عملية سريعة نسبيًّا.
وهكذا تكتشف الأماكن التي يُحتمل أن تكون مركزًا للابتكار، وتحدد من هم المستخدمون الأكثر احتمالًا للابتكار، فالأمر في جوهره يشبه القيام بعملية تحقيق وتشبيك، وفي هذه الحالة بهدف معرفة أين تكمن المشكلة.
نعم، إنها عملية تشبيك تهدف إلى العثور على المستخدمين الذين يعانون من المشكلة التي تحاول حلها بشكل حاد جدًّا، وإذا كان أي مستخدم قد طور واختبر حلًّا جيدًا، فإن هؤلاء “المستخدمين الرياديين” هم الأكثر احتمالًا لأن يكونوا قد فعلوا ذلك.
كيف ينبغي للشركات أن تتعامل مع ابتكار المستخدمين؟
إذا عددت التصميم أمرًا ينبغي البحث عنه خارجيًّا بدلًا من القيام به داخليًّا، فهناك العديد من الأمور التي يمكنك القيام بها لتكون استباقيًّا في مجال ابتكار المستخدمين. أحدها هو تطوير أساليب ابتكار تهدف بشكل منهجي إلى البحث عن ابتكارات المستخدمين الواعدة، وقد ناقشنا ذلك بالفعل. وأمر آخر هو تزويد المستخدمين بأدوات لتعديل منتجاتك. تقول: حسنًا، نحن ندرك أنكم، أيها المستخدمون، ستكونون المصممين النموذجيين، سنمنحكم مجموعة متكاملة من الأدوات لتفضلوا العمل معنا، نطلق على هذه الأدوات اسم “مجموعات أدوات ابتكار المستخدمين” (User Innovation Toolkits). فعلى سبيل المثال، قام مصنعو الدوائر المتكاملة الخاصة بالتطبيقات (ASICs) بتصميم مجموعة أدوات يمكن لعملائهم استخدامها لتصميم الدوائر التي يمكن للمصنعين تصنيعها لاحقًا، يمكنك أن تجد قسمًا كاملًا مخصصًا للمقالات حول مجموعات الأدوات في قسم المنشورات على موقعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT).
ما مدى قابلية تطبيق مجموعات الأدوات؟
أعتقد أنها قابلة للتطبيق على نطاق واسع. فكر، على سبيل المثال، في المعماريين؛ معظم أنظمة التصميم بالحاسوب (CAD) التي يستخدمها المعماريون توفر ميزات محددة مسبقًا يمكنهم اختيارها، مثل أحجام النوافذ المحددة مسبقًا، إنها في الأساس مجموعة أدوات، وإذا حاولت شراء مطبخ من مكان مثل هوم ديبوت (Home Depot)، ستجد ما هو في جوهره مجموعة أدوات لتصور تصميم مطبخك.
ما يمكنك فعله كشركة هو تقديم وحدات لإمكانات التصميم تجذب الناس للعمل معك بشكل أكثر سهولة. أجد صعوبة في التفكير في مجال لا يمكن أن تنطبق عليه مجموعات الأدوات بدرجة معينة.
وبصفتك رجل أعمال ينظر إلى المستقبل، ينبغي أن تفكر في مجموعات الأدوات؛ ينبغي أن تفكر في الابتكار بوصفه عملية بحث، ما الذي ينبغي أن تتوقف عن فعله؟ أو تقلل منه أو تفكر في تقليله مع مرور الوقت؟
أعتقد أنه ينبغي عليك التفكير في جعل التصميم خارجيًّا، ينبغي أن تفكر في طرق لجذب التصاميم إليك، عبر مجموعات الأدوات أو عبر الواجهات، انظر إلى فيسبوك (Facebook): فهم يجذبون المحتوى المصمم من قبل المستخدمين إليهم. إنهم يخلقون سطحًا جاذبًا يجمع الناس حولهم. إنه مثال مثالي للسماح للمستخدمين بتصميم المحتوى؛ ففيسبوك لا يحاول كتابة الصفحات لمستخدميه.
من الطريف أنه عندما تتحدث عن التصميم المجاني الذي ينتجه المستخدمون، يقول البعض في البداية: “يا إلهي، هذا أمر رهيب. لن يتمكن أحد من كسب رزقه بعد الآن”. ولكن في الواقع، تعديل نظام الابتكار لديك لمساعدة المستخدمين على الابتكار عبر مجموعات الأدوات، ثم الاستفادة من التصاميم المجانية والمختبرة مسبقًا من قبل المستخدمين، يمكن أن يعزز نجاح المنتجين، ويمكن أن يضمن حصول المستخدمين على ما يريدون ويزيد من الرفاه الاجتماعي، إنه أمر إيجابي.
