همانت تانجا مع كيفن ماني
لأكثر من قرن من الزمان، جعلت اقتصادات الحجم الكبير الشركة المؤسسة المثالية للأعمال التجارية، غير أن موجة من التقنيات الجديدة المهمة، التي تتسارع بفضل الذكاء الاصطناعي (AI)، تقلب اقتصادات الحجم الكبير رأسًا على عقب. إن الأعمال التجارية في القرن القادم ستُدار وفقًا لاقتصادات “اللا-حجم” (economies of unscale)، حيث تُقلب المزايا التنافسية التقليدية للحجم على أعقابها.
يُمكِّن اقتصاد اللا-حجم قوتين سوقيتين متكاملتين: ظهور المنصات والتقنيات التي يمكن استئجارها عند الحاجة. لقد أدت هذه التطورات إلى تآكل العلاقة العكسية القوية بين التكاليف الثابتة والإنتاج التي كانت تُعرِّف اقتصادات الحجم الكبير، الآن، تستطيع الشركات الصغيرة غير الضخمة استهداف الأسواق المتخصصة ومنافسة الشركات الكبرى بنجاح، تلك التي تثقلها عقود من الاستثمارات في التوسع، في الإنتاج الكمي، والتوزيع، والتسويق.
كانت الاستثمارات في التوسع منطقية للغاية في السابق، ففي مطلع القرن العشرين، شهد العالم طفرة تكنولوجية لا مثيل لها في التاريخ، حينها، طور المخترعون ورواد الأعمال السيارات والطائرات والراديو والتلفزيون، وأنشؤوا شبكات الكهرباء والهاتف.
لقد مهدت هذه التقنيات الجديدة لعصر الحجم الكبير من خلال تمكين الإنتاج الكمي وتوفير الوصول إلى الأسواق الجماهيرية، فقد أدت الكهرباء إلى الأتمتة، مما سمح للشركات ببناء مصانع ضخمة لإنتاج السلع بكميات هائلة. ووصل الراديو والتلفزيون إلى جماهير واسعة، استغلتها الشركات عبر التسويق الجماهيري، وكانت اقتصادات الحجم الكبير هي من تحكم نجاح الأعمال.
لقد منح الحجم الكبير ميزة تنافسية هائلة، فهو لم يخفض التكاليف الثابتة فحسب، بل خلق أيضًا حاجزًا مهيبًا أمام دخول المنافسين، وقد أمضت المؤسسات من شتى الأنواع القرن العشرين في السعي لتحقيق التوسع، وهكذا انتهى بنا المطاف إلى شركات عملاقة، وجامعات تضم خمسين ألف طالب، ومزودي رعاية صحية عابرين للحدود.
اليوم، نشهد طفرة تكنولوجية جديدة. بدأت هذه الطفرة تقريبًا في عام 2007م، عندما انطلقت الحوسبة المحمولة والاجتماعية والسحابية مع ظهور هاتف iPhone، وFacebook، وخدمات Amazon Web Services (AWS) على التوالي، والآن نضيف الذكاء الاصطناعي (AI) إلى المزيج، إن الذكاء الاصطناعي هو كهرباء هذا القرن—التقنية التي ستغذي كل شيء.
يمتلك الذكاء الاصطناعي خاصية فريدة تحل محل الإنتاج الكمي والتسويق الجماهيري كأساس للميزة التنافسية، فهو قادر على التعلم عن الأفراد وتخصيص المنتجات لهم تلقائيًا على نطاق واسع. هكذا، يقدم تطبيق الملاحة GPS “ويز” (Waze) خريطة طريق مخصصة لوجهتك في لحظة زمنية محددة؛ خريطة قد لا تناسب أي شخص آخر أو في أي وقت آخر، ولا حاجة لذلك. يمكّن الذكاء الاصطناعي التخصيص الجماعي (mass customization) لأسواق تتقلص باطراد، وإذا تم بناء منتج خصيصًا من أجلك، فستفضله غالبًا على منتج صُنع لملايين الأشخاص الذين يشبهونك إلى حد ما فقط.
هذا هو أساس اقتصاد اللا-حجم، فالشركات الرابحة في طفرة التكنولوجيا الحالية هي التي تمنح كل عميل ما يريده بالضبط بشكل مربح، لا تلك التي تقدم للجميع الشيء نفسه.
هناك جانب آخر لا يقل أهمية، إذ تدفع الموجة التقنية الحالية باقتصادات اللا-حجم إلى الأمام. فبفضل القدرة على استئجار الحجم بسهولة وفورًا، تستطيع الشركات أن تبقى مرنة ومركزة، وتتكيف بسرعة أكبر مع تغير الطلب والظروف، وبتكلفة وجهد أقل بكثير.
وهكذا، تجد الشركات الضخمة نفسها محاصرة من قبل منافسين غير ضخام؛ فشركة Stripe، وهي شركة خدمات مالية غير ضخمة مقرها سان فرانسيسكو، تتحدى البنوك الكبرى، وAirbnb، ومقرها أيضًا سان فرانسيسكو، هي شركة فنادق غير ضخمة تستقطب عملاء من سلاسل الفنادق الكبرى، أما Warby Parker، فهي شركة نظارات غير ضخمة مقرها نيويورك، تهدد العلامات التجارية الكبرى في مجال النظارات.
إذا كانت اقتصادات اللا-حجم ستسود في عالم الأعمال الجديد هذا، فكيف يمكن لمؤسسة، وهي بحكم تعريفها كيان ضخم متوسع، أن تنافس وتزدهر؟
P&G بوصفها منصة للسلع الاستهلاكية
ستتعلم الشركات الذكية كيفية استغلال اقتصادات اللا-حجم، لكن ذلك سيتطلب تحولًا كبيرًا في عقلية الإدارة، وقد يستلهم القادة الدروس من تطور شركة Procter & Gamble Co. (P&G).
في عام 1837م، أسس ويليام بروكتر وصهره جيمس جامبل شركة في سينسيناتي بولاية أوهايو لصناعة الشموع والصابون، نمت الشركة ببطء، وتلقت دفعة من العقود مع جيش الاتحاد في أثناء الحرب الأهلية، وجاءت انطلاقتها في عام 1878م، تمامًا مع وصول الصحف إلى المستهلكين على نطاق واسع وافتتاح خطوط السكك الحديدية التي كانت قادرة على نقل المنتجات بكفاءة إلى أي مدينة رئيسية، ووفقًا للرواية، ترك أحد كيميائيي الشركة خلاط الصابون يعمل أثناء الغداء، مما أدى إلى إدخال المزيد من الهواء في صابون P&G الأبيض، جعل الهواء الصابون يطفو. قامت الشركة بتسويق المنتج تحت اسم “Ivory” وطرحته في جميع أنحاء البلاد، وبدأت P&G في التوسع.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع انطلاق سوق المستهلكين، طرحت P&G مسحوق الغسيل “Tide”، أول صابون جماهيري مخصص لغسالات الملابس الأوتوماتيكية، وبحلول نهاية القرن العشرين، كانت P&G قد توسعت لتصبح عملاقًا، حيث تقدم أكثر من 300 علامة تجارية وتحقق إيرادات سنوية تبلغ 38 مليار دولار.
في عام 2016م نشرت شركة التحليل CB Insights رسمًا بيانيًا يوضح كيف يمكن لشركات صغيرة وناشئة أن تنافس شركة كبيرة مثل بروكتر آند جامبل (P&G) عبر مداخل متعددة. وقدّم الرسم صورة مغايرة لفكرة “العملاق الموحّد”؛ إذ عرض الشركة بوصفها مجموعة علامات ومنتجات منفصلة، بحيث يصبح كل منتج ساحة منافسة مستقلة يمكن للاعبين الجدد الدخول إليها، خاصةً عندما يعتمدون على التقنية ويبتكرون في نموذج العمل أو يركّزون على احتياج محدد لدى المستهلك.
وضرب الرسم أمثلة على ذلك في مجالات مختلفة: مثل منافسة بعض الشركات الناشئة لنماذج بيع شفرات الحلاقة عبر الاشتراكات، وظهور بدائل صديقة للبيئة في سوق حفاضات الأطفال، وكذلك ابتكار منتجات جديدة في مجال العناية النسائية، إلى جانب طرح خيارات “مخصّصة” في صبغات الشعر تنافس المنتجات الجماهيرية التقليدية.
هذا مؤشر واضح على ما تواجهه الشركات الكبرى في عصر تفضّل فيه اقتصادات اللامقياس (economies of unscale) على اقتصادات الحجم (economies of scale)، فالشركات الصغيرة غير المتضخمة تستطيع تحدي الشركات الكبرى بمنتجات أو خدمات موجهة بدقة أكبر نحو أسواق متخصصة، منتجات قادرة على التفوق على العروض الموجهة للجمهور العام. وعندما تنجح الشركات غير المتضخمة في جذب عدد كافٍ من العملاء، تبدأ اقتصادات الحجم في العمل ضد الشركات القائمة؛ إذ ترتفع تكلفة الحجم مع انخفاض عدد الوحدات المنتجة عبر المصانع وأنظمة التوزيع الضخمة والمكلفة، وهي أعباء لا تتحملها الشركات غير المتضخمة.
تدرك شركة P&G حجم التحديات التي تطرحها الشركات الرشيقة غير المتضخمة، وقد بدأت الاستجابة لها عمليًا. فمنذ ما يقارب عقدًا من الزمن، تدير الشركة برنامجًا بعنوان «التواصل والتطوير». وبعد 175 عامًا كانت فيها معظم ابتكاراتها وتطوير منتجاتها الجديدة يُنجز داخل أسوارها، أدرك قادتها أن الأفكار الأذكى لا يمكن حصرها في مؤسسة واحدة، وأن خارج الشركة مخترعين وخبرات قد يفوق عددهم وقدرتهم ما تستطيع P&G استيعابه داخليًا. وقد أتاح الإنترنت قناة مباشرة للوصول إلى هؤلاء والتعاون معهم وتحويل ابتكاراتهم إلى منتجات قابلة للتطبيق.
يدعو برنامج Connect + Develop أي شخص لديه منتج قد يناسب P&G لتقديم مقترح تطوير للشركة، ورغم أن ذلك لا يُصاغ بهذا الشكل، إلا أن Connect + Develop يضع P&G كمنصة للمنتجات المتخصصة بطريقة تعود بالنفع على الشركة (التي تستفيد من قيمة المنتجات الجديدة غير المتضخمة بدلًا من منافستها) وعلى المبتكرين (الذين يمكنهم “استئجار” توزيع وتسويق ومعرفة P&G لإيصال منتجاتهم إلى السوق).
لم يُحوّل برنامج Connect + Develop شركة P&G من شركة ضخمة إلى شركة غير متضخمة، لكنه وضعها على الطريق الصحيح. ووفقًا لدراسة نُشرت عام 2015م للباحثة نسلي نازك أوزكان، أستاذة الاقتصاد في جامعة إسطنبول، فإن حوالي 45% من المبادرات في محفظة تطوير المنتجات لدى الشركة تضمنت عناصر رئيسية تم اكتشافها عبر Connect + Develop. وقد تبدو النسخة المستقبلية غير المتضخمة من P&G أشبه بمنصة عملاقة للمنتجات الاستهلاكية تُستأجر من قبل مجموعة متغيرة باستمرار من الكيانات الصغيرة المتخصصة؛ نموذج AWS للبضائع الاستهلاكية الملموسة.
جي إي (GE) وولمارت يسعيان إلى اقتصادات اللامقياس
ليست P&G الشركة الكبرى الوحيدة التي تجرب اقتصادات التوسع المرن، فشركة جنرال إلكتريك (GE)، الشركة متعددة الجنسيات ومقرها بوسطن، ماساتشوستس، هي أيضًا شركة عريقة تحاول الحفاظ على حيويتها في العصر الجديد، الرهان الكبير لـ GE هو منصة Predix، وهي منصة قائمة على الذكاء الاصطناعي (AI) يمكن للشركات الأخرى استخدامها للاستفادة من إمكانات إنترنت الأشياء (IoT).
خلال معظم تاريخها، بنت GE منتجات صناعية؛ مثل قاطرات القطارات، ومحركات الطائرات، وآلات أتمتة المصانع، وأنظمة الإضاءة، وغيرها. وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة، تبنت GE مفهوم إنترنت الأشياء، إذ أدركت بحق أن العديد من منتجاتها الصناعية كانت بالفعل مليئة بالحساسات؛ هذه الحساسات يمكنها نقل بياناتها عبر السحابة إلى Predix، التي بدورها تستطيع استخدام تلك البيانات للتعلم بشكل أعمق عن آلات GE بشكل إجمالي.
تساعد منصة Predix شركة GE على تحسين منتجاتها لعملائها، فكل ما تتعلمه Predix من قاطرات GE يساعد شركة السكك الحديدية على تشغيل قاطراتها من GE بشكل أفضل، وفي هذا العصر من اللامقياس، فتحت GE أيضًا منصة Predix أمام شركات أخرى، تستخدمها لإنشاء كتالوج من التطبيقات لمصممي الصناعات. على سبيل المثال، استخدمت شركة Genpact، وهي شركة خدمات مهنية عالمية مقرها هاميلتون، برمودا، وانفصلت عن GE عام 2005م، منصة Predix لاستضافة أداة تحسين مخزون قطع الغيار الحرجة لديها؛ كما تقدم شركة Tech Mahindra Ltd، متعددة الجنسيات ومقرها مومباي والتي تستخدم أيضًا Predix، تطبيقًا لإدارة مزارع الطاقة الشمسية عن بُعد. بل وتستضيف GE مؤتمرًا يُسمى Predix Transform، حيث يتعلم المطورون الصناعيون من بعضهم البعض ويساهمون في بناء منظومة Predix.
وكما هو الحال مع P&G، فإن Predix لا تعيد هيكلة GE بالكامل، لكنها وسيلة لاستفادة GE من اللامقياس، عبر استخدام مهاراتها وبياناتها لإنشاء منصة يمكن للآخرين استئجارها.
أما استحواذ شركة Walmart Stores Inc. على Jet.com Inc. عام 2016م، فيقدم درسًا آخر في اللامقياس للشركات الكبرى، فقد كانت Walmart رائدة في بناء الحجم، لكنها الآن أصبحت شديدة الهشاشة مع تفكك تجارة التجزئة، ولهذا السبب دفعت ثلاثة مليارات دولار لشراء شركة بالكاد أثبتت نفسها. تقوم Jet.com على منصة ذكاء اصطناعي (AI) متقدمة تهدف إلى تقديم أدنى الأسعار الممكنة للمستهلكين (حتى أقل من Walmart) من خلال تحليل مجموعة من العوامل، منها كمية ما يطلبه العميل وبعده عن المنتج. معظم المنتجات على Jet.com تأتي من بائعين مستقلين — أكثر من 2000م منهم، والعرض المقدم للبائعين هو أن Jet.com نفسها لن تنافسهم، على عكس ما تفعله Amazon عندما تدخل في منافسة مباشرة مع البائعين الذين يستخدمون Amazon Marketplace.
من منظورٍ واحد، اشترت شركة Walmart منصة Jet.com من أجل خبرتها الفكرية وتكنولوجيتها المبتكرة، غير أنّه من منظور “التوسع المرن” (unscale)، يبدو الأمر كأن Walmart تجرب استراتيجية المنصّة. ربما تتطور Jet.com لتصبح وسيلة تتيح لتجار التجزئة المتخصصين في الأسواق الصغيرة استئجار قوة منصة Walmart لبيع المنتجات المادية لأي شخص في أي مكان.
ثلاث طرق لإعادة هيكلة الشركات الكبرى وفق مبدأ التوسع المرن
سيعثر القادة الأذكياء في شركات «فورتشن 500» على سبل لإعادة ابتكار مؤسساتهم بما يلائم عصر «التوسع المرن». وفيما يلي ثلاث مقاربات تساعدهم على البقاء ذوي صلة، وعلى أداء أدوار مؤثرة في اقتصاد التوسع المرن:
١. التحول إلى منصة. إن منصات مثل Connect + Develop وPredix وJet.com جميعها نماذج يمكن أن تحتذي بها الشركات الكبرى الأخرى. يمكن لمرافق الكهرباء تبني عقلية المنصة وتحويل شبكاتها إلى أنظمة تدعم آلاف المنتجين الصغار للطاقة، ويمكن للبنوك الكبرى أن تصبح منصات للتطبيقات المالية الصغيرة والمتخصصة، مثل تطبيقات الادخار للمستهلكين Digit وAcorns وStash.
ليس المقصود هنا أنّ على كل مؤسسة أن تتحول إلى منصة أو تواجه الفناء، بل إن استراتيجية المنصة الناجحة تتيح طريقًا للنمو في عصر التوسع المرن. فالمنصات يمكن أن تكون مربحة للغاية وطويلة الأمد، لأن الشركات العاملة عليها تصبح معتمدة عليها في نجاحها، ولهذا السبب برزت AWS كمحرك أرباح لشركة Amazon، حيث تجاوزت هوامش التشغيل ٢٠٪، مقارنةً بالأرقام المنخفضة لأعمال البيع بالتجزئة لدى Amazon.
أمضت الشركات النشطة عقودًا في بناء توسّعٍ شديد التخصص داخل صناعاتها؛ فأنشأت مصانع عالية الكفاءة، وقنوات توزيع راسخة، ومنافذ بيع، وسلاسل توريد، وخبرات تسويقية، وشراكات عالمية ممتدة. واليوم بات على قادتها أن يطرحوا سؤالًا مختلفًا: أليس من الأجدى أن تُستثمر هذه القدرات عبر إتاحتها -ببساطة وأناقة- لشركات أخرى تستفيد منها بدل أن تبدأ من الصفر؟
تخيل شركة Ford Motor Co. كمنصة لصناعة السيارات تتيح لمئات الشركات الصغيرة تصميم مركبات جديدة مبتكرة وتصنيعها وتسويقها وتوصيلها للعملاء؛ كل ذلك بطريقة تمكّن هذه الشركات الصغيرة من خدمة سوق متخصصة وتحقيق الربح. وتخيّل، مثلًا، لو أن شركة صناعية أو غذائية كبرى توقفت عن الاستحواذ على العلامات التجارية، وتحولت بدلًا من ذلك إلى “منصّة إنتاج”: تتيح قدراتها التصنيعية وشبكاتها اللوجستية أمام المنتجين الصغار وروّاد الأعمال، بحيث يتمكن أي مشروع ناشئ من الاستفادة من هذه البنية الضخمة لإيصال منتجاته إلى السوق بسرعة وسلاسة، وربما عبر إجراءات رقمية مبسطة لا تتجاوز بضع خطوات على منصة إلكترونية.
٢. ترسيخ التركيز المطلق على المنتج؛ عندما تكبر الشركات، غالبًا ما تفقد تركيزها وسط العمليات والبيروقراطية والسياسة والاهتمام بسعر الأسهم، والعديد من الأمور الأخرى التي لا علاقة لها بصنع منتج ممتاز لسوق محددة بوضوح. فهي تحاول ابتكار منتجات ترضي أكبر عدد ممكن من الناس، لتحقيق اقتصاديات التوسع وزيادة الربحية. لكن في عصر التوسع المرن، يصبح إنتاج هذه المنتجات ذات الجاذبية الجماهيرية نقطة ضعف؛ إذ يتيح ذلك لمنافس صغير يركز على المنتج أن يطيح بها.
ينبغي للشركات الكبرى في عصر التوسع المرن أن تسعى لتشبه شبكة من الشركات الصغيرة، كل منها ملتزم تمامًا بإنتاج منتج مثالي لشريحته من السوق، لأن الشركات الكبرى ستنتهي بتأجير كل شيء آخر، لقد بدأت الشركات بالفعل في التخلي عن المهام غير الأساسية منذ عدة عقود، فشركة Apple Inc. وNike Inc. تعهدان التصنيع لشركات صينية، بينما تدير Netflix خدمة بثّ الترفيه عبر AWS بدلًا من بناء مراكز بيانات خاصة بها. أما شركات التوسع المرن من الجيل القادم، فستعهد بالكثير من المهام الأخرى، كل ما لا يتعلق بتطوير منتج ممتاز يجب الاستغناء عنه.
سيكون المبدعون للمنتجات هم من يقودون الأعمال، بينما توفر الإدارة العليا المنصة التي يبنون عليها، من المرجح أن تبدو شركات «فورتشن 500» بعد عشرين عامًا أصغر حجمًا، أسرع حركة، وأقرب إلى شبكات مترابطة من شركات صغيرة، بدلًا من أن تبقى على هيئة عمالقة أعمال متضخّمين كما نراها اليوم.
٣. النمو عبر إعادة التجميع الديناميكي؛ الفائزون في اقتصاد التوسع المرن يجعلون كل عميل يشعر وكأنه سوق منفرد، فالمنتجات والخدمات القابلة للتخصيص للفرد ستتفوق على المنتجات والخدمات الجماهيرية، ومع ذلك، هناك طريقة واحدة تتيح للشركة —أي مجموعة من المنتجات— الحفاظ على ميزة. فعندما تدرك الشركة احتياجات عميل معين لأحد منتجاتها، يمكنها أن تعرض عليه منتجات أخرى من مجموعتها، يمكن للشركة الكبرى أن تجمع منتجات مخصصة لكل عميل.
لفهم كيفية عمل ذلك، انظر إلى شركة The Honest Co. ففي عام ٢٠١٢م، بدأت Honest ببيع مجموعة من الحفاضات والمناديل العضوية الآمنة عبر نظام الاشتراك. وفي ذلك العام الأول، حققت الشركة عشرة ملايين دولار من الإيرادات عبر خدمة عميل متخصص أراد منتجًا متخصصًا يختلف عن العلامات التجارية الجماهيرية، وقد استخدمت الشركة تلك المعرفة لتطوير منتجات أخرى في السياق نفسه، مثل الشامبو ومعجون الأسنان والفيتامينات.
بحلول عام ٢٠١٦م، كان لدى Honest ١٣٥ منتجًا متخصصًا، وجمعتهم في مجموعات مناسبة للعملاء المناسبين، وفي ذلك العام، تجاوزت المبيعات ٣٠٠ مليون دولار. بطريقة ما، أصبحت Honest بمنزلة نسخة مصغرة من P&G، تقدم مجموعة متنوعة من المنتجات، لكن مع فارق كبير: فالشركة تعرف عملاءها ويمكنها تجميع منتجاتها المختلفة وفقًا لذلك. أما كل منتج من منتجات P&G فهو علامة تجارية مستقلة، تباع في المتاجر لأشخاص لا تستطيع P&G معرفتهم أو فهمهم بعمق كما تفعل Honest. (تباطأ نمو Honest عام ٢٠١٧م، وتنحى المدير التنفيذي Brian Lee، لكن الشركة لا تزال ملتزمة باستراتيجية تجميع المنتجات).
إعادة التجميع الديناميكية تتيح للشركة أن تحاكي مزايا الحجم دون أن تضطر فعليًّا إلى بناء ذلك الحجم، فبإمكان الشركة أن تظل مرنة ومبتكرة، ومركزة على المنتج، وتستخدم محفظتها لتوسيع مبيعاتها لكل عميل على حدة، وهكذا، قد تعمل شركة مثل P&G في المستقبل كمنصة لآلاف الكيانات التي تركز على المنتجات، ومع ذلك تكون ذكية بما يكفي لفهم كل عميل وتقديم حزمة منتجات مصممة خصيصًا له.
روح “اللا-حجم” في أمازون
إذا أردت لمحة أخيرة عن مستقبل بلا حجم (Unscaled)، فانظر إلى الروح الكامنة وراء شركة Amazon.com Inc. ففي أوائل عام 2017م، نشر المدير التنفيذي جيف بيزوس رسالة للمساهمين كتب فيها: “لقد ظللت أذكّر الناس بأن اليوم هو اليوم الأول (Day 1) منذ عقود. أعمل في مبنى تابع لأمازون يسمى اليوم الأول، وعندما انتقلت إلى مبنى آخر، أخذت الاسم معي”.
اليوم الأول، كما كتب بيزوس، يدور حول خلق أعمال جديدة باستمرار داخل أمازون، أعمال مرنة تركز على المنتج، يمكن بناؤها بسرعة فوق منصة أمازون المؤسسية وتعمل كأنها شركات ناشئة غير متضخمة، أما اليوم الثاني، فيبدأ حين تتثاقل الشركة بأعباء حجمها.
كيف سيتمكن بيزوس من إبقاء أمازون تدور في فلك اليوم الأول مرة بعد أخرى؟ “لا أعرف الجواب الكامل”، يعترف في الرسالة، “لكن ربما أعرف بعض أجزائه.” وقد قدم أربع نقاط يعدها “حزمة أساسية للدفاع عن اليوم الأول”. وهذه النقاط تتوافق مع ما نعرفه عن فلسفة اللا-حجم.
النقطة الأولى هي “الهوس الحقيقي بالعميل”. ففي هذا العصر غير المتضخم، المنتجات الفائزة تجعلك تشعر وكأنك سوق فريد من نوعه. ولتحقيق ذلك، لا بد من معرفة عميقة بالعميل واستعداد لبناء منتجات تلبي بدقة شريحة معينة مهما كانت صغيرة، وكما رأينا، غالبًا ما تفشل الشركات الكبرى في هذا، لأنها تسعى لبناء منتجات لأوسع مجموعة ممكنة من العملاء. كتب بيزوس: “البقاء في اليوم الأول يتطلب منك التجربة بصبر، وقبول الفشل، وزرع البذور، وحماية الشتلات، والمراهنة بقوة عندما ترى رضا العميل”. وبفضل هذا النهج، جلبت لنا أمازون عبر السنين أشياء مثل Kindle وAmazon Web Services وAlexa. ويبدو أن الشركة تجدد نفسها باستمرار.
النقطة الثانية لبيزوس هي “مقاومة البدائل الوهمية” (resist proxies). فالشركات الضخمة قد تضل طريقها في إدارة أمور لا أهمية لها. من ذلك مثلًا العمليات الإجرائية؛ فكثيرًا ما تصبح العملية هي الغاية، يكتب بيزوس: “تتوقف عن النظر إلى النتائج وتكتفي بالتأكد من أنك تقوم بالعملية بشكل صحيح”. ومن البدائل الوهمية الأخرى الاعتماد على بحوث السوق بدلًا من المعرفة الحقيقية بالعملاء. “أنت، مالك المنتج أو الخدمة، يجب أن تفهم العميل، وأن تمتلك رؤية، وأن تحب ما تقدمه”. وهذا عمدًا يبدو كإرشادات لشركة ناشئة، يريد بيزوس أن يشعر العاملون في أمازون وكأنهم في مجموعة من الشركات الناشئة.
نقطته الثالثة: “احتضان التوجهات الخارجية.” كما يشير بيزوس: “الاتجاهات الكبرى ليست صعبة الاكتشاف (يكثر الحديث عنها)، لكنها غريبة في صعوبة تبنيها لدى المؤسسات الكبرى”. فعلى سبيل المثال، كانت شركات الصحف ترى الإنترنت قادمًا من بعيد، لكنها أخرت الانتقال إلى الإنترنت حتى فات الأوان على كثير منها، فإذا عملت الشركة الكبرى كمجموعة من الشركات الصغيرة المرنة، كانت أقدر على رصد التقنيات الجديدة والاستجابة لها مع تغير الأذواق.
أما النقطة الأخيرة لليوم الأول فهي “اتخاذ القرارات بسرعة عالية” (high-velocity decision-making). وهذه تتلاءم تمامًا مع فلسفة اللا-حجم، يكتب بيزوس: “لا تستخدم أبدًا عملية اتخاذ قرار واحدة تناسب الجميع”. دع الوحدات الأصغر تتخذ قراراتها بناءً على رؤاها وواقع عملائها. فكلما كبرت الشركة، ازدادت تعقيدًا، وبدا أن القرارات معقدة، ويشعر التنفيذيون أنهم بحاجة إلى كم هائل من المدخلات والمعلومات قبل اتخاذ القرار، وكل ذلك يؤدي إلى الجمود وبزوغ اليوم الثاني، على الشركات أن تتخذ قراراتها كما لو أنه اليوم الأول وأن تمضي بسرعة إذا ثبت خطأ القرار.
تذكّر أن الشركة الكبرى (corporation) ليست موجودة منذ الأزل؛ بل هي اختراع من عصر الصناعة جاءت استجابة لظروف فريدة، ومن المنطقي أن مجموعة جديدة من الظروف تتطلب هيكلًا جديدًا، وربما سيبدو ذلك الهيكل كشيء لم يوجد بعد، لكن من المؤكد أن نوعًا من الشركات غير المتضخمة سيظهر في المستقبل القريب.
المراجع
1. “Disrupting Procter & Gamble: Private Companies Unbundling P&G and the Consumer Packaged Goods Industry,” CB Insights, April 19, 2016, www.cbinsights.com.
2. N.N. Ozkan, “An Example of Open Innovation: P&G,” Procedia: Social and Behavioral Sciences 195 (July 3, 2015): 1496-1502.
3. J. Bezos, “2016 Letter to Shareholders,” Amazon.com, April 12, 2017, www.amazon.com.
