سوزان فورنييه، وجيل أفيري
خلال العقدين الماضيين، أصبح المديرون مولعين بالتسويق القائم على العلاقة؛ إذ أغرتهم فرصة استخدام بيانات العملاء لبناء علاقات مخصصة ومربحة، فاستثمرت الشركات بكثافة في أنظمة إدارة علاقات العملاء التي تقيس قيمة المعاملات. ولا يُظهر هذا الاهتمام أي بوادر للانحسار؛ فقد أظهرت دراسة حديثة لشركة «جارتنر» أن ٧٥٪ من المديرين يخططون لمزيد من الاستثمارات في إدارة علاقات العملاء خلال العام المقبل. ومع ذلك، فإن معظم أنظمة إدارة علاقات العملاء استُخدمت فقط لتصنيف العملاء إلى شرائح، بناءً على مستويات ربحيتهم الحالية. ولئن كان لهذا النهج أثر في النتائج النهائية، إلا أنه لا يُسهم كثيرًا في الانتقال من التسويق الجماهيري إلى العلاقات الفردية. لقد تحولت إدارة علاقات العملاء إلى إدارة ربحية العملاء، وهي ممارسة أحادية البعد تركز على الشركة، وتستند إلى الاقتصاد والتكاليف، وتفتقر إلى الفهم العميق لأسباب وطرق تكوّن العلاقات بين الناس والشركات والعلامات التجارية، وقد أدى هذا النقص في الحس العلاقي إلى بروز اتجاه جديد، إذ تستخدم كثير من الشركات أنظمة إدارة علاقات العملاء؛ لتحديد العملاء ذوي الإيرادات المنخفضة، والتكاليف المرتفعة، و«التخلص» منهم. وفي استطلاع حديث أجريناه شمل ٩٠٠ عميل، أفاد ٣٠٪ منهم بأنهم يعرفون شخصًا تم التخلي عنه من قبل شركة تربطه بها علاقة تجارية. ولسنا من السذاجة بحيث نعتقد أنه ينبغي للشركات الامتناع من تحليل بيانات مشتريات العملاء، أو كفاءة الإنفاق التسويقي، غير أننا وجدنا أن المعلومات الأساسية حول القيمة العمرية للعميل قد تكون مؤشرًا محدودًا، بل مضللًا أحيانًا عن حال العلاقة مع العميل وإمكاناتها. وإن برامج الولاء، وهي أبسط أنواع برامج إدارة علاقات العملاء، لا تعالج واقع العلاقات معالجة كافية، ولا تبني أواصرها المتينة. وعلى الرغم من أن برامج إدارة علاقات العملاء قد تمنع العملاء من تحويل تعاملاتهم إلى جهات أخرى، فإنها أقل فاعلية في تحديد الأسباب التي تدفعهم للبقاء. والمفارقة أن هذه البرامج قد تساهم، في بعض الأحيان، في خلق عملاء ذوي تكلفة مرتفعة، وقيمة منخفضة. وعلى أي وجه نظرت، فإن الشركات تقع في خطأ ما.
إن الأمر يتطلب تحولًا جذريًّا في النظرة، غير أن الفرص العظيمة تظل متاحة للمديرين المستعدين للتأمل العميق في جانب «العلاقة» من إدارة علاقات العملاء، وفي أدوارهم في صناعة القيمة أو هدمها. فإذا ما أُعطي جانب «العلاقة» حقه من العناية، أمكن تحسين العلاقات الجيدة، وتقويم السيئة منها.
إعادة التركيز على العلاقات في إدارة علاقات العملاء
سعيًا إلى فهمٍ أعمق للعلاقات التي تربط المستهلكين بالعلامات التجارية والشركات، قمنا بدراسة أناسٍ كانت علاقاتهم في طور النشوء، أو قائمة، أو قد انقضت. وقد قادتنا أبحاثنا إلى تمييز ثلاث طرائق رئيسية يُخفق فيها التطبيق الحالي لإدارة علاقات العملاء. أولًا: يبدو أن الشركات تنسى أن علاقاتها ليست مع المستهلكين فحسب، بل مع أناسٍ يعيشون حياةً غنيةً ومعقدة. فبرامج إدارة علاقات العملاء تعتمد على معلومات الشراء، وتكاد لا تعالج الحاجات العميقة للعلاقة. ثانيًا: إذا كانت العلاقات تتنوع أشكالًا وأحجامًا، فعلى الشركات أن تعي متطلبات الأنواع المختلفة من العلاقات، ولا سيما ما يتجاوز نموذج الولاء المثالي؛ فكل علاقة تتطلب نهجًا خاصًّا في التعامل، وعلى المديرين أن يكيفوا برامجهم وفقًا لذلك. وأخيرًا: إن الشركات لا تدرك أن العلاقات ذات وجهين، وأنها تتطور مع كل تفاعل. ومهما أحب المديرون أن ينسبوا الفضل لأنفسهم في العلاقات المربحة، فعليهم أيضًا أن ينظروا في ذواتهم؛ ليتعلموا سبب انهيار العلاقات. وإن فشلهم في التعامل مع العلاقات على أنها أعمال ديناميكية قيد التكوين، يجعلهم يهملون علاقات كان من الممكن أن تدر عليهم قيمة عظيمة.
المبدأ الأول: معرفة العملاء بوصفهم أناسًا
إن أنظمة إدارة علاقات العملاء المعاصرة تنظر إلى العملاء بوصفهم “مستهلكين”، تراقب تواريخ شرائهم، وتحتسب تكاليف خدمتهم. ورغم أن مقاييس مثل: تكاليف الاستحواذ والاحتفاظ، وإمكانات البيع المتقاطع، وقيمة العميل مدى الحياة، تمنح رؤى اقتصادية تخدم أجندة الشركة، إلا أنها تغفل عن أن العميل أولًا وأساسًا إنسان قد تدخل علامة تجارية ذات معنى إلى حياته. ثمة فرق كبير بين نظامٍ يقتصر على بيانات الشراء والديموغرافيا، ونظامٍ يأخذ في الحسبان ما يشعر به الأفراد، وما يقدرونه، وكيف يقضون أيامهم. يمكنك معرفة المشتري بجمع بيانات الشراء والديموغرافيا، لكن لتأسيس علاقة حقًّا، ينبغي لك أن تدرك ما الذي يحرك هذا الإنسان. إن القضية هنا هي التمييز بين امتلاك المعلومات وبناء المعنى؛ فامتلاك المعلومات يعني تفكيك الأفكار المعقدة وتقزيمها إلى أجزاء صغيرة يسهل التعامل معها. أما بناء المعنى فيعني جمع هذه الأجزاء في كليات أكبر، وأكثر تجريدًا. ومن المفارقة أن المعلومات والمعنى كثيرًا ما يعملان في اتجاهين متضادين: فالسياق كل شيء للمعنى، أما في المعلومات فالسياق مجرد ضوضاء. وللأسف، فإن أنظمة إدارة علاقات العملاء اليوم التي صممها خبراء تقنية المعلومات، أمثل ما تكون لإدارة المعلومات، لكنها لا تعين المديرين كثيرًا على فهم كيف تلائم العلامة التجارية حياة الإنسان.
ولإدراك أهمية نشر أنظمة إدارة علاقات العملاء، القادرة على استكشاف المعنى، تأمل كيف عاملت شركة “بيبود”، وهي بقالة أمريكية عبر الإنترنت تابعة لشركة “رويال أهولد إن في”. زبونة في الخمسين من عمرها سنسميها “بريندا”. كانت بريندا ذات جدول مزدحم للغاية، تعمل بدوام كامل في كلية محلية، وتنجز دراستها الجامعية، وأصبحت وصية على حفيدها بعد وفاة ابنتها. وقد كان اكتشافها “بيبود” بمثابة “منقذ للحياة”؛ إذ مكنها من طلب حاجياتها الغذائية عبر الإنترنت، ليقوم زوجها بجلبها من متجر قريب في أثناء يومه. كل عشرة أيام تقريبًا، كانت تضع طلبًا جديدًا، وبحلول الشهر الثاني، أصبحت “مدمنة” على الخدمة، وتوقفت عن استخدام المتاجر الأخرى كليًّا. وكما تقول بريندا: “كان عقدَ عونٍ إذا جرى كل شيء على ما يرام، أصل من هنا إلى هناك، وفي الثلاجة طعام، ولا شيء ينهار”.
لكن بعد ستة أشهر من التسجيل، انتهى شهر العسل فجأة؛ فقد غيرت “بيبود” سياسة استلام البضائع دون سابق إنذار، وصارت تلزم بريندا بالذهاب إلى موقع آخر أبعد بنصف ساعة عن منزلها، وعلمت بالتغيير عند الساعة الواحدة صباحًا حين حاولت جدولة طلب عبر الإنترنت، فأجابتها الشركة: “تعذرت معالجة الطلب”. شعرت بريندا بـ”الخيانة”. إذ كانت تبذل أقصى جهدها لتوفي بين مسؤولياتها الكثيرة في ظروف صعبة، فإذا بـ”بيبود” تغير القواعد فجأة. قالت: “إنه مثل الشركات التي تراها في الأخبار تغلق أبوابها، وعندما يحضر العمال لا يجدون وظائف”. وبرأيها، كان على الشركة أن تدرك مدى أهمية وجود موقع قريب للاستلام. فقد زودت “بيبود” بكثير من بياناتها الشخصية عبر الإنترنت، وخاضت معهم تفاعلات لا تحصى كشفت خلالها كثيرًا من تفاصيل حياتها. وما كان أشد إيلامًا لها أن الشركة لم تكلف نفسها عناء إبلاغها بالتغيير المرتقب في نموذج العمل. قالت: “نتحدث طوال الوقت، ولم يستطيعوا حتى رفع سماعة الهاتف للاتصال بي! لا يجب أن يعامل من نهتم لأمرهم بهذه الطريقة!”. وبعد أسابيع، حين وصلها كوبون بقيمة خمسة وعشرين دولارًا لعملية الشراء القادمة، شعرت بالإهانة وخيبة الأمل العميقة، وكان إحساسها: “لا تلقوا إلي المال، بل أظهروا أنني ذات قيمة! واعترفوا أنكم أخطأتم”.
إنّ الواقع لَيَشهدُ بأنّ السياق الفردي يُشكّلُ علاقة الإنسان بالعلامة التجارية تشكيلًا عظيمًا، وقد تتناثر الإشارات السياقية هنا وهناك، غير أنّ الشركة إن أولتها عنايةً استطاعت أن تستثمرها في بناء علاقات أوثق. ولا ريب أنّ على الشركات أن تُصغي إلى الصنف الصحيح من “المعطيات”. فكلّ شركةٍ تملك ميزانية لإدارة علاقات العملاء (CRM) قادرة على جمع بيانات الشراء وإدارتها، وحساب تكاليف الخدمة. ولكن، لتحقيق ميزة تنافسية متمايزة، لا بُدّ للشركات من بيانات أمتن، تُعينها على رسم صورة أكمل عن حاجات الناس وتطلعاتهم، وكيف تُسهم العلامة التجارية في إعانتهم على شؤون حياتهم. وإنّ بلوغ هذا الفهم يقتضي التماس الإشارات الخفيّة التي يُرسلها العملاء في أثناء المعاملات، والإصغاء إليها، وتأويلها. ومما يُذكر في هذا الباب أنّ شركاتٍ مثل: “إل. إل. بين” (L.L. Bean) و”أمريكان إكسبريس” تدرب موظفي خدمة العملاء على تدوين ملاحظات عن تفاعلاتهم مع الزبائن، ثم تحويلها إلى فهم سياقي واسع. فكثيرًا ما يوصي موظفو “إل. إل. بين” بمنتجات مخصوصة، بناءً على معلومات خاصة يزودهم بها العميل (كأن تخبرهم الأم أنّ ابنها شديد الإسراف في استعمال حذائه). أما “ريتز-كارلتون” التابع لفنادق “ماريوت”، فيدير نظامًا يُسمّى “ميستيك” (Mystique)، يجمع ملاحظات الموظفين عن النزلاء من قبيل أنواع الفاكهة التي تُترك على أطباق خدمة الغرف، أو إصابة النزيل بنزلة برد. وبإضافة البيانات السياقية التي تُستقى من محادثات العملاء، أو من متابعة المشترين خلال تفاعلهم مع الخدمات، أو في أثناء زياراتهم للمتاجر، تستطيع الشركات توسيع فهمها لعملائها، وتحسين إدارة علاقات العملاء.
غير أنّ الفهم الحقيقي يتجاوز استخلاص الرؤى المتعلقة بالشراء والاستهلاك، بل يقتضي أيضًا تنمية التعاطف مع الحياة الشعورية الأوسع للفرد، وفهم كيف تبدو التجربة من منظور العميل. تأمل في حال مستخدمة أخرى لـ”بيبود” (Peapod) سنسميها “فيرجيني”، وهي امرأة عزباء، محترفة في أوائل الثلاثينيات من عمرها، كانت تكره التسوق للمواد الغذائية، حتى إنها كثيرًا ما كانت تجد مطبخها خاليًا من الطعام. وقد رأت في فرصة طلب الحاجيات عبر الإنترنت أمرًا “يفوق الجاذبية”، فما لبثت أن صارت تطلب أسبوعيًّا. إلا أنّ فيرجيني كانت تضمر مخاوف بشأن الخصوصية والأمان؛ إذ إنّ كون الغرباء يختارون حاجياتها، ويدخلون بيتها، وأحيانًا يعلقون على ما تشتريه، كان يبعث في نفسها الضيق. وزاد على ذلك أن “بيبود” دأبت على تقديم عروض تشجيعية تزيد من مخاوفها (“لاحظنا أنك لم تطلبي منذ مدة؛ إليك قسيمة خصم بقيمة 25 دولارًا”). ولما طلب أحد الموزعين دخول حمامها، بلغ الأمر منتهاه؛ فقد رأت فيرجيني أنّ “بيبود” قد خرق قاعدة غير منطوقة في علاقتهما، وهي قاعدة لم تدركها الشركة؛ لأنها أغفلت الاعتبار لحياتها العاطفية، ولم تُكتشف مخاوفها في بحوث المستهلكين التي أجرتها الشركة.
فكيف كان لـ”بيبود” أن تدرك مخاوف فيرجيني بشأن الخصوصية، وهي لم تبُح بها مباشرةً في أي من تعاملاتها مع الشركة؟ لم يكن السبب عزوف فيرجيني عن الحديث عن تجاربها؛ فقد شاركتنا قصصها مرارًا، بل إنّ “بيبود” لم تكلّف نفسها عناء السؤال. وإدراكًا للمخاطر الكامنة في الجهل بما يهم العملاء، عمدت بعض الشركات الرائدة إلى انتهاج أساليب مبتكرة في بحوث السوق لاستكشاف المخاوف الخفية. فشركة “هارلي-ديفيدسون” لصناعة الدراجات النارية، تستعين بإثنوغرافيين محترفين يعيشون نمط حياة “هارلي”. وتُلزم الشركة كبار موظفيها بقضاء وقت في الميدان؛ ليكتسبوا رؤى عميقة عن تجارب الناس. وتعتمد “بروكتر آند جامبل” على أداة بحثية تُسمى “زيمت” (ZMET)، وهي تقنية حاصلة على براءة اختراع لرسم المعاني المجازية العميقة للعلامات التجارية، كما أن التحليل السردي يُعد سبيلًا آخر. وتجرب شركات أخرى تقنيات ناشئة تبشّر بإمكانات واعدة في فك شيفرة تجارب الناس؛ فثمة تطبيقات الويب الدلالي التي تستخدم برمجيات الوكلاء الأذكياء لمسح كم هائل من المعلومات التي تجمعها أنظمة إدارة علاقات العملاء داخليًّا، أو تستقيها من الويب خارجيًّا. ومهما تعددت الوسائل، فإنّ المديرين الجادين في فهم عملائهم لا بدّ لهم من البحث عن سبل تتجاوز تحليل بيانات الشراء، ليضيئوا جوانب حياة الناس.
المبدأ الثاني: التفكير فيما وراء الولاء
إن نظم إدارة علاقات العملاء في عصرنا تدرك أن أصناف العملاء متباينة، وليسوا جميعًا على مرتبة سواء. غير أن اعتماد الشركات في تقسيم السوق على أساس التكاليف، وقيم الحياة الكلية للعملاء، يوقعها في شرك بناء الاستراتيجيات على نتائج العلاقات لا على المدخلات التي تُنشئ قيمة العميل ابتداءً. وقد أظهرت البحوث أن الناس يكوّنون أنماطًا شتى من العلاقات مع العلامات التجارية. وقد رسمنا خارطةً لثمانية عشر نوعًا من العلاقات بين العلامات التجارية. فمن هذه العلاقات ما هو عميق وطويل الأمد، ومنها ما هو سطحي وعابر، ومنها ما يلبي حاجات عاطفية أو اجتماعية، ومنها ما هو أقرب إلى النفعية. وقد تكون العلاقات هرمية أو متكافئة من حيث السلطة، وقد يكون طابعها موجبًا أو سالبًا. ومع هذا التباين الواسع في أنماط العلاقات، فإن أكثر الشركات تركّز على “زواج العلامة التجارية” القائم على الولاء، رغم وجود أنماط أخرى من العلاقات العاطفية الراسخة، كـ”أوثق الصداقات”، و”الإدمان”، و”النزوات العابرة”. فبدلًا من حصر النظر في الزواج، تملك الشركات فرصًا عظيمة لبناء قيمة إضافية إذا ما ركزت وكيّفت استراتيجياتها مع الأنماط التي تلائم علاماتها التجارية. وقد وجدنا أن إمكان الربح متحقق في أنماط شتى من العلاقات، وإنما الحذق في فهم عقد العلاقة الخاص بكل نمط. فالعقود تحدد الأعراف والشروط الناظمة للعلاقة، وتبين ما يجب على الشركات فعله، أو اجتنابه لصيانة العلاقة. كما أن العقود تحكم المكافآت الاقتصادية الممكنة؛ إذ تتطلب العقود المختلفة مقاديرَ متباينة من الوقت والموارد. وقد درسنا عقود تسع علاقات تجارية؛ فمع أن “أوثق الصداقات” و”الزواج” يشغلان حيزًا عاطفيًّا متقاربًا، إلا أنهما يسيران على قواعد مختلفة أساسًا: فالزواج عقد اجتماعي تدعمه الأعراف للبقاء معًا مهما كانت الظروف، أما أوثق الصداقات فمبنية على المصالح المشتركة، والاختيار الحر. فالزواج يدور على الالتزام والمحبة والإخلاص، وأما الصداقة الوثيقة فأساسها الألفة والمكافأة المتبادلة. ويقيم الشركاء في الزواج حواجز تحول دون الانفصال، ويرون أنه لا بأس بمحاولة تغيير الطرف الآخر، وهو أمر يناقض أصول الصداقة.
ولسنين عديدة، سعت شركة هارلي-ديفيدسون إلى رعاية الولاء للعلامة التجارية عبر علاقات الزواج مع عملائها، غير أن الإدارة اكتشفت أن الهدف الأنسب والأجدى استراتيجيًّا هو بناء أوثق الصداقات، إذ رأت أن ذلك أوفق بروح الأخوة التي تميز ثقافة الشركة. وقد فرض هذا التحول قواعد جديدة للتعامل، صارت تهدي سلوك موظفي هارلي مع العملاء: “الأصدقاء متساوون: لا تدعم، ولا تلمّح إلى وجود هرمية في السلطة أو السيطرة… لا تظهر أنك تجهل أو لا تفهم الآخر؛ فذلك يطعن في جوهر الألفة التي تقوم عليها الصداقة… لا تفشِ سرًّا أودعه الصديق عندك… وكن حاضرًا عند الحاجة لأي سبب كان”. وقد امتدت آثار هذه القواعد الجديدة إلى كل شيء، من التواصل المباشر في التسويق، إلى عروض البرامج، إلى برامج تدريب الضباط الميدانيين في المجتمع، وأنواع قواعد بيانات العملاء الجاري تطويرها.
وقد أعانتنا أبحاثنا على استجلاء الأعراف المرشدة لفئات أخرى من العلاقات كذلك. فمثلًا، “أفضل العملاء” يحبون أن يُنظر إليهم على أنهم مميزون، ويتوقعون معاملة خاصة، وغالبًا ما يبالغون في تقدير أرباحهم للشركة. أما في “النزوات العابرة”، فيرغب الأفراد في إبقاء المكاسب العاطفية عالية، مما يتطلب من الشركات إيجاد وسائل للحفاظ على الإثارة. أما “الشركاء”، فيتوقع منهم تقديم التنازلات والتكيف لتحقيق أهداف تعود بالنفع على الطرفين.
وبالنظر إلى تعدد فئات العلاقات، فماذا بوسع الشركات الرائدة أن تفعل لتدبير علاقات أكثر ربحًا مع العملاء؟ أولًا، ينبغي للمديرين أن يكون لديهم تصور واضح لأنماط العلاقات في محافظ عملائهم. إن برامج إدارة علاقات العملاء، وبيانات العملاء التي تغذيها لا تقدم إلا إرشادًا محدودًا حول كيفية تعظيم خلق القيمة عبر الأنماط المختلفة؛ فغالب الشركات تكتفي بتحويل الموارد من العملاء الأقل ربحية، أو الأعلى تكلفة، إلى العملاء الأكثر ربحًا، غير أن ذلك تبسيط مفرط. ولتحقيق الأثر المنشود، يجب على المديرين معرفة أنواع العلاقات في محافظ عملائهم، وعدد كل نوع نسبيًّا. وهذه المعرفة تمكنهم من اختيار شرائح العلاقات استراتيجيًّا، وتصميم البرامج وبروتوكولات التفاعل بما يلائم قواعد كل عقد ناظم، وتخصيص الموارد بما يناسب الصيانة والنمو.
المبدأ الثالث: تحمل المسؤولية في العلاقات المتبادلة
إن المسوِّقين يسارعون إلى نسب نجاح العلاقات إلى أنفسهم، غير أن تحفيز العملاء الجيدين، والاستغناء عن السيئين ليس إلا جانبًا من جوانب التسويق بالعلاقات، وهو في نظرنا الجانب اليسير منها، أما الجانب الأعسر فهو إصلاح العلاقات حينما تعتريها الشدائد. ولقد خبرنا أن نسبة كبيرة من العلاقات التجارية في عصرنا هذا مشوبة بالنزاع، فإذا اضطربت العلاقة سارعت أكثر الشركات إلى لوم العميل. وينبغي لأنظمة إدارة علاقات العملاء الفعّالة أن تعين الشركات على إدراك دورها في تشكيل العلاقات، خيرًا كان أم شرًّا.
سواء أقرت الشركات بذلك أم أنكرت، فإن كثيرًا منها يشجع سلوك العملاء السيئ من غير قصد. فصناعة الاتصالات مثلًا مشهورة بمنح العملاء حوافز مالية لينتقلوا إلى مزود آخر. وفي شركة “بيبود”، كانت بروتوكولات جدولة التوصيل، ونمو قاعدة العملاء يدفعان الناس إلى تثبيت مواعيد التوصيل، حتى وإن أدى ذلك إلى الإلغاء في اللحظة الأخيرة؛ مما يسبب تحديات تشغيلية للشركة، ويزيد من تكاليف الخدمة. وإذ أدركت شركة “بيست باي” الأمريكية الكبرى للإلكترونيات هذه الانحيازات، نظرت في دورها في تشجيع العملاء على السلوك غير المرغوب فيه. ومن الممارسات التي رصدتها: شراء العملاء لكميات كبيرة من السلع ذات الهامش الربحي المنخفض بغرض إعادة البيع؛ وإرجاع العملاء للسلع ليشتروا ذاتها بأسعار أقل بعد أن صارت مستعملة، وبحث العملاء في الإنترنت عن العروض المخفضة ليغتنموا وعد الشركة بأدنى سعر. وأدركت إدارة “بيست باي” أن لوم العملاء على هذه الأفعال ليس من الإنصاف؛ إذ إن عروض الأسعار وسياسات المتاجر، وأساليب البيع لديها كانت عامل تمكين. فجاء ردها بإعادة تشكيل مزيج المنتجات لتقليل التركيز على السلع الجاذبة ذات الخسارة، وإعادة تصميم العروض الترويجية لردع العملاء المتعلقين بالصفقات، كما قلصت العروض المقدمة لما يُسمَّون “العملاء المسيئين”، وحذفتهم من قوائم البريد الترويجي، وعدلت سياسات الإرجاع لتصعب استغلال النظام. وبدل أن تعين طالبي الصفقات غير النزيهة على استغلال الثغرات، باتت تسعى إلى تنمية شراكات أكثر ربحية مع قاعدة أوسع من العملاء.
ولكن، مع الأسف، فإن قبول المسؤولية عن العلاقات السيئة أمر نادر، ولوم العميل هو الأصل الغالب. فإذا عجز أحد عملاء الخطوط الجوية عن حضور اجتماع مهم أو مناسبة بسبب إلغاء الرحلة، فإن الشركة لا تعتذر، بل ترى أن على العميل أن يسافر في اليوم السابق. وبالمثل، إذا فقدت الشركة أمتعة راكب فيها أدوية مهمة، كان رأيها أن عليه أن يحتفظ بالأدوية في حقيبته المحمولة. غير أن ثمة مفارقة مزعجة: حين يقرر المديرون التشدد مع العملاء المتطلبين أو الانتهازيين، وجدنا أن كثيرًا ممن يستهدفونهم هم أنفسهم الذين اجتهدت الشركة في استقطابهم عبر إدارة علاقات العملاء. وقد سمينا ذلك بـ”فخ أفضل العملاء”. فهؤلاء “الأفضل” هم نتيجة طبيعية لبرامج إدارة العلاقات التي ترى في العملاء البلاتينيين غاية المنى؛ إذ تُمنح لهم الخصومات، ويغمرون بالعناية، والمعاملة الخاصة، ويُسمح لهم بتجاوز القواعد، ومع مرور الزمن، ومع ازدياد مطالبهم وتوقعاتهم، يصبحون أكثر كلفة في الخدمة، بل قد يصيرون عبئًا على الأرباح. و”فخ أفضل العملاء” هو مثال صارخ على معاقبة الشركات للمستهلكين على جهل الإدارة بفن إدارة العلاقات.
وقد وجدنا مثالًا جليًّا على “فخ أفضل العملاء” في متجر “فيلينز بيسمنت”، السلسلة الشهيرة في ماساتشوستس، والمتخصصة في العلامات الفاخرة بأسعار مخفضة، والمملوكة اليوم لشركة سيمز. لقد كان تموضع “فيلينز بيسمنت” الفريد كجنة لصائدي الصفقات هو ما مهد لأسوأ كوابيسها؛ فقد كانت سياستها الشرائية تقوم على اقتناء كميات محدودة من البضائع كيفما توفرت من حيث النوع والحجم، ثم توزيعها على عدة متاجر، حتى وإن أدى ذلك إلى تفريق طقم الصحون مثلًا. وهذا ما كان يدفع العملاء إلى شراء ما يروق لهم حين يجدونه؛ أملًا في العثور على بقية القطع في متجر آخر، وإن لم يجدوا أعادوها. وكان نظام التسعير، القائم على التخفيضات التلقائية، وفق جدول محدد، يزيد من حمى الشراء. وكانت إحدى الزبونات التي سنسميها “نورما”، من أوفى عملاء “فيلينز بيسمنت” على مدى ثلاثين عامًا، فقد أنفقت خلالها مئات الآلاف من الدولارات بحسب روايتها، ثم تلقت يومًا اتصالًا ورسالة رسمية من مدير يفيد بعدم السماح لها بدخول المتجر بعد اليوم.
لقد كانت نورما طوال السنين من أكثر العملاء انتظامًا، وكانت عضوًا في “نادي المطلعين”، وهو شرف لا يناله إلا أفضل العملاء الذين تحددهم قاعدة بيانات إدارة العلاقات. وكانت نورما تتلقى عروضًا خاصة، ودعوات لحضور الفعاليات السابقة للبيع، وكان معظم الموظفين يعرفونها باسمها الأول، وصار بعضهم أصدقاء شخصيين لها؛ إذ كانت تعرف عائلاتهم، وتهديهم هدايا المواليد، وتواسيهم في الشدائد.
ولكن لمّا قامت الإدارة بتحليل البيانات المتعلقة بنورما، رأوا أمرًا مغايرًا، فعلى الرغم من أنّها أقدمت على مئات المشتريات، وأنفقت آلاف الدولارات في السنة، فإنّها كانت أيضًا تعيد كثيرًا مما ابتاعته. كانت تحمل السلع إلى بيتها، فإذا لم تناسبها (إذ لم تكن في المتجر غرف للقياس)، أو لم تستطع إكمال مجموعة الصحون التي كانت ترجو جمعها، أعادتها. وقد ذكرت رسالة الإدارة “كثرة الشكوى”؛ إذ لم يكن شيء في المتجر يروق لنورما. غير أنّ نورما لم تكن تشتكي، بل كانت في نظرها تسعى إلى “مساعدة شركتها”. وفي بعض الأحيان كانت تعلم عن البضائع أكثر من البائعين أنفسهم، وتبدي لهم اقتراحات في كيفية عرض السلع لتسريع تصريف المخزون.
وبحسب أبحاثنا، فإنّ العلاقات السيئة مع الزبائن أكثر عددًا من الزبائن السيئين أنفسهم. وما غفلت عنه إدارة متجر “فايلينز بيسمنت” هو دورها الذاتي في نشوء المشكلة. فمع مرور الزمن، وبسبب العناية الخاصة التي أولاها الموظفون لنورما، صارت تتوقع الاعتراف بها، والاهتمام بأمرها. فقد كانت تمنح أسعار التخفيضات قبل حلول مواسمها، وتطلع على البضائع قبل عرضها في القاعة، ويستجيب المديرون لأفكارها في تحسين شؤون المتجر. وكانت نورما تعلم أنّها “مميزة”؛ لأن الجميع أخبروها بذلك، ولم تكن السياسات الرسمية تنطبق عليها. وكلما اعترفت إدارة علاقات العملاء بمكانة نورما بعروض خاصة، ازدادت توقعاتها؛ فالشركة التي جعلت من نورما زبونة من مستوى البلاتين، حولتها رويدًا رويدًا إلى زبونة كثيرة المطالب، تزداد كلفة خدمتها يومًا بعد يوم.
ولم تكن نورما زبونة سيئة لأنها غير مربحة، بل كان انعدام الربحية نتيجة لنمط العلاقة التي فاوضها المتجر معها، لا سببًا لها. ففي حالتها، كانت زيادة كلفة الخدمة نتيجة مشتركة، ولم تدرك الإدارة دورها في ذلك، بل إنّ الإدارة خلقت توقعًا أسهم في المشكلة، ثم عجزت عن التفاوض على علاقة جديدة أكثر واقعية. وفي كل تفاعل، أتيحت للموظفين فرصة لتعديل مسار العلاقة، لكنهم لم يفعلوا. فبإرضاء رغبات نورما، والانصياع لها، عززت الشركة العلاقة غير المتوازنة. وقد ترك متجر “فايلينز بيسمنت” لنورما أن تملي شروط العلاقة بينهما، ولم يبين لها أن العلاقة صارت مؤذية، وأنه ينبغي إبرام عقد جديد للعلاقة. فإذا راعى المديرون القواعد المتغيرة للعلاقة، استطاعوا أن يمنعوا نشوء العلاقات السيئة، وأن يضعوا العلاقات المضطربة على المسار القويم.
استكشاف القيمة الكامنة في علاقات الزبائن: مخطط عمل
في ثمانينيات القرن العشرين، شرعت كثير من الشركات في التركيز على بناء قيمة العلامة التجارية لتحقيق ميزة مستدامة، وفي تسعينياته، حين أتيح للشركات كالمصارف وشركات الاتصالات وبطاقات الائتمان الوصول إلى كم هائل من بيانات الزبائن، انتقلت الأولوية إلى البحث عن سبل أفضل لزيادة قيمة الزبون. وإذا شاءت الشركات أن تعظم قيمة علاقاتها مع الزبائن في المستقبل، وجب عليها أن تعيد تعريف تصورها لقيمة الزبون، وطرق قياسها. فبدلًا من تعظيم الإيرادات من كل زبون منفرد، وتقليل كلفة خدمته، قد تجد الشركات أن التركيز على إدارة “قيمة العلاقة” في مجموعها أجدى على المدى الطويل: أي قيمة الخيار الكامنة في محفظة العلاقات التي يمثلها زبائنها كافة. ومن الزبائن المرتبطين بعلاقات شراكة طويلة الأمد مع الشركة إلى أولئك المنخرطين في علاقات عابرة قصيرة، ينبغي للمديرين أن ينظروا في كل نوع من العلاقات عند تصميم برامج إدارة علاقات العملاء.
وإدارة قيمة العلاقة تمر بأربع مراحل متميزة: تحليل محفظة علاقات الزبائن، ووضع استراتيجية لمحفظة العلاقات، وتصميم استراتيجيات مناسبة لكل نوع من العلاقة، وتتبع صحة العلاقة وأدائها.
تحليل محفظة علاقات الزبائن: الخطوة الأولى أن يُحصى أنواع العلاقات التي تربط الناس بعلاماتهم التجارية. وقد وجدت بعض الشركات نفعًا في استخدام علم الإثنوغرافيا، والمقابلات المتعمقة؛ لاستخلاص رؤى حول العلاقات من المعاني العميقة التي يضفيها الزبائن على فئات المنتجات، أو العلامات بعينها. فمثلًا، يمكن للمقابلات حول الحوادث الحرجة أن تكشف عن قواعد التفاعل، وكيفية تفاعل الزبائن عند خرقها. كما أن الاستبانات التي يقيم فيها الناس العلامات التجارية من حيث حاجاتهم، ودوافعهم في العلاقة، وأبعادها، وخصائص قوتها، أو حتى ملامحها العامة، يمكن أن تعين الشركات على تحديد عقود العلاقة لعلاماتها. ويمكن أيضًا استخدام الخرائط الإدراكية لرسم أنواع العلاقات البارزة ضمن العلامات التجارية والفئات. والمقصود هو تمييز أنماط العلاقات عبر المستهلكين؛ أي: تقسيم السوق بحسب أنواع العلاقات. وبدلًا من تطوير علاقات مخصصة لكل زبون على حدة، فإن الهدف هو اكتشاف وإنشاء شرائح قائمة على العلاقة، تتألف من أناس يرتبطون بالعلامة للأسباب ذاتها.
وضع استراتيجية لمحفظة العلاقات: فإذا أتمّت الشركات جرد علاقاتها، أمكنها أن تحدّد أيّ العلاقات ينبغي استهدافها لتعظيم خلق القيمة. وللشركات في ذلك خيارات؛ فبوسعها أن تسعى إلى تحسين أنواع العلاقات جميعها التي يمثلها المتفاعلون مع علاماتها التجارية، أو أن تركّز مواردها على علاقات بعينها ذات أهمية، أو مرغوبية استراتيجية، كما فعلت شركة هارلي-ديفيدسون في علاقتها النموذجية المسماة “أفضل صداقة”. أما التقسيم العلاقي لشركة بيبود -مثلًا- فقد يشير إلى تركيز متعدد الجوانب على ثلاث فئات من العملاء: الشراكات، والصداقات، وأفضل العملاء. وبدلًا من ذلك، قد تقرر الشركات التركيز على بعض علاقاتها الأكثر إشكالًا؛ أملًا في تحويلها إلى علاقات أفضل، ومن ثم زيادة إجمالي قيمة محفظة علاقاتها. وهناك خيار استراتيجي آخر يتمثل في استثمار المحافظ متعددة العلامات التجارية، للترويج لأنواع مختلفة من العلاقات، فشركة بي إم دبليو -على سبيل المثال- لديها فرصة لاستكشاف الحاجات العلاقية المتنوعة لفئات الأفراد المختلفة من خلال طرازات معينة من السيارات؛ فقد تروّج لسيارة السيدان الفاخرة 740 بوصفها علامة “الشراكة الثابتة”، على النقيض من سيارة زد3 رودستر الموجهة لمن ينشدون علاقة أكثر إثارة. أما شركة فريتو-لاي المملوكة لشركة بيبسيكو، فقد تعتمد استراتيجية مماثلة في محفظة منتجاتها من الوجبات الخفيفة، فتجعل من “شيتوس” علامة “العلاقة السرية”، و”بيوغلس” علامة “صديق الطفولة”. وقد وضعت “فريتو-لاي” برنامجًا على مستوى الشركة لتعريف المديرين بهذا النمط من التفكير المرتكز على العلاقات. وبتمييز العملاء بحسب نوع العلاقة لا بحسب الربحية الاقتصادية، يستطيع المديرون تقديم إدارة علاقات عملاء تواكب الواقع الفعلي للعلاقة.
تصميم الاستراتيجيات المناسبة لكل نوع من العلاقات: إن الإدارة الفعالة لعلاقات العملاء تتطلب فهمًا عميقًا لأسس العلاقات، وينبغي لاستراتيجيات التعامل مع العملاء أن تراعي تنوع العلاقات التي تديرها الشركة، وأن تلتزم بالقواعد التي تحكم كل نوع منها. ويجب على الشركات أن تضع قواعد ثابتة، وغير قابلة للكسر بحسب نوع العلاقة، وتحدد ما يمكن اعتباره من الكماليات التي لا تمس جوهر العلاقة. ومن الواضح أن لهذه القواعد آثارًا مالية كبيرة؛ فمن المهم معرفة أي القواعد تزيد التكاليف، وأيها تزيد الإيرادات، وهل بالإمكان وضع سياسات تعود بالنفع على الشركة والعملاء معًا. ولتوليد الأفكار الاستراتيجية، يمكن للمديرين تحليل أفضل وأسوأ علاقاتهم لاستكشاف أسباب النجاح والإخفاق. ويمكن للشركات استخدام هذه المعلومات لتعزيز العلاقات الإيجابية، وتشجيع توسع العلاقات الناشئة، وإعادة التفاوض في العلاقات المتعثرة. كما يمكنها إجراء تجارب ميدانية، واختبارات حساسية؛ لتقييم أثر تصرفات الشركة المختلفة في النتائج.
متابعة صحة العلاقات وأدائها: إن الخطوة الأخيرة في بناء قيمة العلاقات تقتضي اختيار المقاييس المناسبة للمتابعة والأداء، ولدعم الجيل القادم من استراتيجيات العلاقات، ينبغي للشركات تجاوز المقاييس التقليدية للوعي والشراء وإعادة الشراء، واعتماد مؤشرات أكثر حساسية لصحة العلاقات. ويمكن للشركات، من جملة الأمور: تطوير دراسات متابعة شهرية أو سنوية تتضمن أسئلة؛ لتقييم مزايا العلاقة ودوافعها وقواعد التعامل فيها، فتراقب من خلالها صحة وربحية أنواع العلاقات المختلفة عبر الزمن. ويمكن أن توفر مدونات العملاء ومنتديات النقاش مزيدًا من المعلومات عن الطابع العاطفي للعلاقات، ودرجة ارتباط العميل بالعلامة التجارية، واعتماد كل منهما على الآخر، ودرجات الألفة أو الالتزام، كما يمكن تقييم أداء العلامة التجارية كشريك علاقي بفحص سجلات شكاوى خدمة العملاء، أو المراجعات الإلكترونية؛ لمعرفة كيف ينظر الناس إلى تصرفات العلامة، وفهم أي التصرفات تدعم العلاقة، وأيها تثير القلق، ويمكن مراقبة محافظ العلاقات لتنبيه المديرين على المشكلات الوشيكة؛ فارتفاع نسبة العلاقات العدائية قد يدفع الشركات إلى إعادة التفاوض في علاقات بعينها، أو التفكير في نهج آخر، كإطلاق حملة علاقات عامة جديدة.
إن الشركات التي تسعى إلى تحسين القيمة الإجمالية لعلاقاتها مع العملاء لا يمكنها الاعتماد على الحلول القياسية، والتحليلات الجاهزة التي طبعت ممارسة إدارة علاقات العملاء حتى اليوم. فبالنسبة لمعظم الشركات، يتطلب الانتقال إلى نهج مرتكز على العلاقات تحولًا كبيرًا في الفكر والممارسة؛ إذ ينبغي للمديرين توسيع نطاق البيانات التي تجمعها أنظمة إدارة علاقات العملاء، وتخصيص الحلول بما يلائم أنواع العلاقات التي تديرها الشركة، وإعادة تدريب الموظفين المتعاملين مع العملاء ليكونوا أكثر حساسية للإشارات العلاقية التي يتلقونها ويرسلونها. وليس الحفاظ على الوضع القائم خيارًا ممكنًا؛ فعلى الشركات أن تكف عن إدارة علاقاتها من أجل العائد الاقتصادي المباشر، وأن تشرع في التركيز على بناء القيمة طويلة الأمد لهذه العلاقات. أما الشركات التي تتجاهل تحديات بناء العلاقات، فإنها تخاطر بفقدان عملاء ذوي قيمة لصالح منافسين أكثر براعة في إدارة العلاقات.
المراجع
1. S.A. Mertz, “Dataquest Insight: CRM Software Market Share Analysis, Worldwide, 2008,” Gartner Inc., July 6, 2009.
2. T.H. Davenport, J.G. Harris and A.K. Kohli, “How Do They Know Their Customers So Well?” MIT Sloan Management Review 42, no. 2 (winter 2001): 63-73.
3. A. Johnson, “Hotels Take ‘Know Your Customer’ to a New Level,” Wall Street Journal, Feb. 7, 2006, sec. D, p. 1.
4. S. Fournier and L. Lee, “Getting Brand Communities Right,” Harvard Business Review 87 (April 2009): 105-111.
5. G.L. Christiansen and J.C. Olson, “Mapping Consumers’ Mental Models with ZMET,” Psychology and Marketing 19, no. 6 (June 2002): 477-501.
6. A typology of consumer-brand relationship forms may be found in S. Fournier, “Consumers and Their Brands: Developing Relationship Theory in Consumer Research,” Journal of Consumer Research 24, no. 4 (March 1998): 343-353. The typology includes the following types of relationships: arranged marriages, casual friends/buddies, marriages of convenience, committed partnerships, best friendships, compartmentalized friendships, kinships, rebounds/avoidance-driven relationships, childhood friendships, courtships, dependencies, flings, enmities, secret affairs and enslavements. Two broader relationship categories, communal and exchange relationships, are analyzed in P. Aggarwal, “The Effects of Brand Relationship Norms on Consumer Attitudes and Behavior,” Journal of Consumer Research 31, no. 1 (June 2004): 87-101.
7. S. Fournier, “Getting Brand Relationships Right” (presentation at Marketing Science Immersion Conference, Boston, October 27-28, 2010).
8. G. McWilliams, “Minding the Store: Analyzing Customers, Best Buy Decides Not All Are Welcome — Retailer Aims to Outsmart Dogged Bargain-Hunters and Coddle Big Spenders — Looking for ‘Barrys’ and ‘Jills.’” Wall Street Journal, Nov. 8, 2004, sec. A, p. 1.
9. S. McCartney, “Delta Sends Its 11,000 Agents to Charm School,” Wall Street Journal, Feb. 3, 2011, sec. D, p. 1.
10. Much has been written in the human and brand relationships literatures about the different types of relationships that people engage in and the rules that underpin them. For representative examples of interpersonal research studies to inform your relationship inventories, see S. Duck, “Handbook of Personal Relationships: Theory, Research, and Interventions” (New York: John Wiley & Sons, 1988); R.A. Hinde, “Toward Understanding Relationships” (London, United Kingdom: Academic Press, 1980); R.S. Weiss, “The Provisions of Social Relationships,” in “Doing Unto Others: Joining, Molding, Conforming, Helping, Loving,” ed. Z. Rubin (Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, 1974), 17-26; M. Wish, M. Deutsch and S.J. Kaplan, “Perceived Dimensions of Interpersonal Relations,” Journal of Personality and Social Psychology 33, no. 4 (April 1976): 409-420; and H.H. Kelley, “Personal Relationships: Their Nature and Significance,” in “The Emerging Field of Personal Relationships,” eds. R. Gilmour and S. Duck (Hillsdale, New Jersey: Lawrence Erlbaum, 1986), 3-19. For representative examples of consumer research documenting different types of commercial relationships, see Fournier, “Consumers and Their Brands”; L.L. Price and E.J. Arnould, “Commercial Friendships: Service Provider-Client Relationships in Context,” Journal of Marketing 63, no. 4, (October 1999): 38-56; M. Blackston, “Beyond Brand Personality: Building Brand Relationships,” in “Brand Equity and Advertising: Advertising’s Role in Building Strong Brands,” eds. D.A. Aaker and A.L. Biel (Hillsdale, New Jersey: Lawrence Erlbaum, 1993), 113-124; and Aggarwal, “The Effects of Brand Relationship Norms.”
11. S. Fournier, “Lessons Learned About Consumers’ Relationships With Their Brands,” in “Handbook of Brand Relationships,” eds. D.J. Macinnis, C.W. Park and J.R. Priester (Armonk, New York: M.E. Sharpe, 2009), 5-23.
12. S. Springfield and P. Sharma, “A Case Study in Bridge-Building Between Academics and Practitioners,” in “New Art and Science of Branding: Conference Summary,” Marketing Science Report 10-300, eds. I. Gallo and E. Paulson (September 2009).
13. Several recent studies suggest a battery of metrics that companies can use to understand the nature and strength of their consumer-brand relationships. Fournier’s brand relationship quality index (see Fournier, “Consumers and Their Brands”; and Thomson et al.’s measure of brand-self attachment (M. Thomson, D.J. Macinnis and C.W. Park, “The Ties That Bind: Measuring the Strength of Consumers’ Emotional Attachments to Brands,” Journal of Consumer Psychology 15, no. 1 (2005): 77-91) or the self-brand connection of Escalas (J.E. Escalas, “Narrative Processing: Building Consumer Connections to Brands,” Journal of Consumer Psychology 14, nos. 1 and 2 (2004): 168-180 may be useful in this regard.
