جوشوا إس. غانز
عندما تم إطلاق مختبر التدمير الخلّاق (CDL) في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو في عام 2012م، كان الهدف الجريء لهذا البرنامج المُخصص للشركات العلمية الناشئة والقابلة للنمو الهائل هو خلق أسهم بقيمة 50 مليون دولار خلال خمس سنوات. وفي عام 2017م، تجاوزت شركات CDL مبلغ 790 مليون دولار في خلق الأسهم؛ هذه هي قوة سوق الحكم.
سوق الحكم هو نقطة التقاء بين العلم والتكنولوجيا، أعني بالعلم ذلك النوع من المعرفة الذي يُنتج في المؤسسات الأكاديمية والمختبرات البحثية، وأعني بالتكنولوجيا التطبيق التجاري لتلك المعرفة. فسوق الحكم هو مكان، مثل CDL، حيث يلتقي منتجو المعرفة مع رجال الأعمال والمستثمرين.
أسواق الحكم ضرورية وقيّمة لأن هناك عدم توافق بين العلم والتكنولوجيا في عدة جوانب، وهناك عدم توافق من الناحية الجغرافية، إذ يتركز العلم في الجامعات المنتشرة في جميع أنحاء العالم، في حين تتجمع التكنولوجيا في أماكن قليلة مثل وادي السيليكون في كاليفورنيا وكمبريدج في ماساتشوستس في الولايات المتحدة. فمشهد العلم يشبه السهول العظمى المتموجة بلطف، في حين أن مشهد التكنولوجيا يرتفع مثل جبل أوليمبوس.
هناك أيضًا عدم توافق في توزيع المواهب العلمية والتكنولوجية، وأعتقد أن ذلك ربما يرجع إلى الطبيعة المتضادة للوظيفتين. فمن المفترض أن يسلك العلماء طرقًا غير مثمرة؛ فهذا جزء من عمليتهم، أما التكنولوجيون، فمن المفترض أن يسلكوا الطرق المثمرة، وفي عمليتهم، تُعد الطرق غير المثمرة غير مرحب بها وقد تكون مدمرة.
وباختصار، رغم أنه من المفترض أن يسير العلم والتكنولوجيا جنبًا إلى جنب، إلا أنهما عادة لا يستطيعان الاقتراب كثيرًا من بعضهما بعضًا. تم تصميم CDL لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا تقريب العلم والتكنولوجيا من بعضهما من خلال بناء سوق للحكم.
الحجة لصالح أسواق الحكم
عادةً، يكون رواد الأعمال الذين يسعون لتسويق معارفهم العلمية التي حصلوا عليها بشق الأنفس قليلي أو عديمي الخبرة التجارية، وللبدء، يحتاجون إلى المشورة. ما هي الأسواق أو القطاعات التي يجب أن يستهدفوها؟ هل يجب عليهم ترخيص معرفتهم، وإذا كان الأمر كذلك، فلمن؟ أم يجب أن يعملوا بمفردهم؟ ما نوع الأشخاص الذين يجب عليهم توظيفهم؟ متى وأين يجب أن يبحثوا عن التمويل؟ هناك العديد من هذه الأسئلة، ومن غير المرجح أن يجدوا شخصًا واحدًا قادرًا على الإجابة عنها، ناهيك عن مجموعة من الأشخاص ذوي وجهات نظر متنوعة تساعد العلماء على إيجاد الإجابات الصحيحة لمشروعاتهم.
ونتيجة لذلك، يتجه العديد من العلماء الرياديين إلى مراكز التكنولوجيا مثل وادي السيليكون للحصول على الإجابات التي يحتاجونها، لكن حتى هناك، قد يكون من الصعب جدًّا الوصول إلى شبكة من المستشارين والمستثمرين.
ولكن ماذا لو استطعنا إتاحة الوصول إلى أسواق الحكم لرواد الأعمال العلميين، ربما في جامعاتهم أو في جامعات قريبة؟! ستجمعهم هذه الأسواق مع رواد أعمال ناجحين سبق لهم بناء شركات كبيرة.
قد تبدأ هذه الحالة بيوم تعارف واحد، ولكن لإنشاء سوق حكم قوية، يجب أن يكون هناك تفاعل مستمر، إذ يحتاج رواد الأعمال المحتملون إلى التعرف على نظرائهم الناجحين والعكس صحيح. هذا لن يحدث من خلال معسكر تدريبي مدته ثلاثة أشهر على غرار Y Combinator. إذ يخبرنا قادة المشروعات الجديدة والمرشدون والمستثمرون أنهم بحاجة إلى تفاعل منتظم على مدار عام وربما أكثر للحصول على فكرة حقيقية عن العمل وإمكاناته الحقيقية، هذا يعني جمعهم جميعًا في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، ومطابقتهم بشكل ملائم، وتوفير الأساس لعلاقة طويلة الأمد. وإذا كان سوق الحكم يشبه سوق الزواج، فيجب أن يكون أقرب إلى مؤسسة دينية منه إلى مواعدة سريعة.
تشير الأبحاث إلى أن العائد من إنشاء مثل هذا المكان للعلاقات طويلة الأمد يمكن أن يكون مرتفعًا، إذ أظهرت الدراسات أن العلاقات العائلية -وهي طريقة شائعة يحصل بها رواد الأعمال على الحكم في غياب السوق- تدفع الاختراع وريادة الأعمال، كما نعلم أن جمع المواهب العلمية والتكنولوجية في منطقة واحدة، مثل وادي السيليكون، يعزز ريادة الأعمال، إذ يدعم هذا فكرة أن إنشاء السوق يمكن أن يطلق الإمكانات التجارية للأبحاث العلمية التي قد تبقى خاملة لولا ذلك.
اللاعبون الرئيسيون
دعونا نزُر اجتماعًا لـCDL في تورنتو لنرى كيف يبدو سوق الحكم. المكان هو قاعة محاضرات نموذجية في كلية إدارة الأعمال، فيها صفوف على شكل حرف U متدرجة تحت سطح طاولة ضيق، حيث يجلس التقنيون -رواد الأعمال الذين أسسوا شركاتهم الخاصة ونجحوا في بيعها- في الصف الأول، وتوني لاكافيرا، الذي باع مؤخرًا شبكة الهواتف المحمولة الكندية الخاصة به، Wind Mobile (التي تُعرف الآن باسم Freedom Mobile Inc.)، مقابل 1.6 مليار دولار، يجلس بجوار مايكل هايات، الذي باع شركته الناشئة الكندية BlueCat Networks Inc. مقابل ما يقارب 400 مليون دولار، وعلى الجانب الآخر من الصف يجلس ويليام تَنستال-بيدو، قد لا تعرف اسمه، لكن ربما تتحدث بالفعل مع اختراع شركته الناشئة، أليكسا، التي استحوذت عليها شركة Amazon.com Inc، وبجواره تجلس أنوشه أنصاري، رائدة الأعمال المشهورة بجائزة Ansari XPRIZE، والتي سافرت بنفسها إلى الفضاء، وإلى جانبها يجلس بارني بيل، الذي تأمل شركته Moon Express Inc في استخراج المعادن من “القارة الثامنة” للأرض؛ لقد جاؤوا إلى كلية روتمن للإدارة لمساعدة العلماء الرياديين في إطلاق شركاتهم الناشئة الخاصة.
يقف رواد الأعمال الجدد في المكان الذي قد يقف فيه محاضر، فهم عادة باحثون بعد الدكتوراه أو أساتذة جامعات، مع وجود بعض الطلاب أحيانًا، وتأتي أفكارهم من مجالات أبحاثهم الخاصة، وغالبًا من جهودهم البحثية التي استمرت لسنوات عديدة لا يتحدثون في هذا الاجتماع؛ فقد حدث ذلك سابقًا مع المرشدين الذين يتفاعلون معهم بين هذه اللقاءات، فالآن، هم هنا للاستماع إلى ذوي الخبرة في الأعمال لتلقي أحكامهم.
هذا ليس حاضنة أعمال، إذ يجتمع هذا الفريق ليوم أو يومين كل شهرين، ثم ينفض الاجتماع، فبعضهم يعود إلى منازلهم في تورونتو، وبعضهم إلى منازل أبعد بكثير. أحد رواد الأعمال الجدد، تشارلز أوليون، الذي تحمل شركته الناشئة اسم Heuritech SAS، جاء من باريس. والجواب عن السؤال البديهي لماذا؟ ببساطة: أين يمكنك أن تلتقي هذا العدد الكبير من أصحاب الخبرة الذين قد يكونون مستعدين لإرشادك في رحلتك الريادية خلال الأشهر العشرة القادمة؟
هذا الحدث الخاص بـCDL حر ومنفتح، لكنه ليس فوضويًّا، إذ يجب على كل رائد أعمال أن يغادر الاجتماع بثلاثة أهداف يجب تحقيقها خلال الشهرين التاليين، بالإضافة إلى التزام من واحد على الأقل من المرشدين بتقديم الدعم المستمر، وإلا، فلن يتمكنوا من العودة إلى CDL.
تم تصميم العملية لفرض التوافق، إذ يجب على المرشدين الموافقة على أهداف المشروع الريادي، وعلى عكس الحالات التي قد يستمع فيها رائد الأعمال لمستشار واحد، فإن النتيجة هنا هي جمع خبرات متنوعة لمنح رواد الأعمال الجدد التركيز الذي يحتاجونه بشدة لتحويلهم إلى علماء قادرين على إيصال التقنيات إلى السوق.
المقاعد غير الرخيصة
رواد الأعمال -الجدد والقدامى- ليسوا الأشخاص الوحيدين في الغرفة، ففي الصف الذي خلف المرشدين يجلس المستثمرون، الذين يأتون من جميع أنحاء العالم، يعرفون السوق عندما يرونه، وغالبًا ما يتم الالتزام بملايين الدولارات من التمويل في دقائق خلال اجتماعات CDL. لم يكن جمع الأموال هو الهدف الأساسي من هذا السوق للحكم، ولكن عندما يقضي المستثمرون وقتًا مع العلماء الرياديين على مدى فترة طويلة، يرون أكثر من مجرد خطة عمل؛ يرون مسارًا، يرون القرارات والأهداف التي لم تتحقق، والتحولات التي تصنع مشروعًا جديدًا. وفي كل اجتماع، تقل المخاطر تدريجيًّا على الاستثمارات التي يفكرون فيها.
في الصف الذي خلف المستثمرين يجلس المنافسون، يمثلون شركات قائمة، وبسبب قلقهم من الاضطرابات المحتملة، يبحثون عن نافذة لرؤية ما قد يواجهونه في الأشهر والسنوات القادمة، يراقبون ويتحدثون مع رواد الأعمال الجدد، فأحيانًا يصبحون عملاء، وأحيانًا يوفرون مخرجًا (بيع الشركة).
في الصف الأخير يجلس العلماء ذوو الخبرة، فالعلم الذي يتم تسويقه في هذا المختبر معقد، لذا، يستعين CDL بأشخاص مثل ستيف مان، أستاذ جامعة تورونتو الذي اخترع التصوير عالي المدى الديناميكي (HDR)، من بين أشياء أخرى كثيرة، وروس صلاح الدينوف، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كارنيجي ميلون والذي يشغل أيضًا منصب مدير أبحاث الذكاء الاصطناعي في شركة Apple Inc، كل منهم يتأكد من أن العلم يمكن شرحه وفهمه. ولعدم التفوق عليهم، هناك فريق من أساتذة الاقتصاد، بمن فيهم أنا، يقومون بالأمر نفسه تقريبًا.
وأخيرًا، ليسوا جالسين، بل إنهم واقفون في مؤخرة الغرفة المزدحمة، طلاب برنامج ماجستير إدارة الأعمال في روتمن. قد يبدو وجودهم فكرة متأخرة، لكن هذه فرصة تعليمية بالإضافة إلى كونها سوقًا، علاوة على ذلك، يلعب بعضهم بالفعل أدوارًا نشطة في الشركات الناشئة التي تتم مناقشتها في الطابق السفلي. في السنوات الأخيرة، رفض 10% منهم عروض عمل من شركات مثل McKinsey & Co. وأمازون للانضمام إلى شركات CDL الناشئة.
العائد منذ عام 2012م، تم تأسيس 400 مشروع جديد في مختبر التدمير الخلّاق (CDL)، شركة Validere Technologies Inc.، التي قدمت تقنية لتقييم جودة السوائل إلى السوق، فدخلت إلى CDL وهي تفكر في صناعة مستحضرات التجميل، وغادرت وهي تخدم شركات النفط والنفايات الخطرة. أما شركة Nymi Inc. التي تتخذ من تورونتو مقرًّا لها، وبفضل براءات اختراعها في التحقق من الهوية عبر نبضات القلب، فقد توقفت عن محاولة ترخيص التقنية وبدأت في تصنيع الأجهزة القابلة للارتداء. وشركة Bridgit Inc. التي يقع مقرها في كيتشنر، أونتاريو، والتي تقودها مؤسسات من النساء، تُحدث ثورة في إدارة المشروعات الكبيرة من خلال مجموعة برامجها الخاصة بقوائم الأعمال الإنشائية، والقائمة تطول وتستمر.
وقد نما CDL أيضًا، إذ توجد الآن مختبرات التدمير الخلّاق في جامعة كولومبيا البريطانية، وجامعة كالغاري، وجامعة دالهوزي (هاليفاكس)، وHEC مونتريال، وابتداءً من هذا العام، في جامعة نيويورك. ومع تطور هذه المختبرات، تظهر تخصصات مختلفة: الذكاء الاصطناعي في تورونتو ومونتريال، والتكنولوجيا الحيوية والصحة في نيويورك وفانكوفر، والطاقة والنفط في كالغاري، وعلوم البيئة والمحيطات في هاليفاكس.
لقد اختارت الجامعات المذكورة أعلاه تبني اسم CDL والعمل معنا بشكل منسق، لكن نموذج CDL متاح للجميع. كثيرًا ما يُشار إلى أن كليات الأعمال يمكن أن تكون محورًا مهمًّا بين العلم والتكنولوجيا، لكن ذلك كان وعدًا أكثر منه واقعًا. يبرهن مختبر التدمير الخلّاق أن هذا الوعد يمكن تحقيقه، وكل ما يتطلبه الأمر هو وجود سوق ومحاولة جريئة لجمع المواهب المناسبة في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب.
إذا بذلت كليات الأعمال الجهد، أعتقد أنها ستكتشف ما وصفه كيفن ريفيت وديفيد كلاين بأنه “لوحات رامبرانت في العلية” في كل مكان.7
المراجع
1. A. Agrawal, A. Galasso, وA. Oettl، “الطرق والابتكار” مراجعة الاقتصاد والإحصاء 99، رقم 3 (يوليو 2017)، 417-434؛ J. Guzman وS. Stern، “أين وادي السيليكون؟” ساينس 347، رقم 6222 (6 فبراير 2015)، 606-609.
2. لمزيد من الأسئلة، انظر J. Gans، S. Stern، وJ. Wu، “أسس استراتيجية ريادة الأعمال”، (ملخص)، 28 سبتمبر 2016، https://ssrn.com/abstract=2844843.
3. J. Guzman، “اذهب غربًا أيها المشروع: قيمة الهجرة الريادية للشركات الناشئة ومؤسسيها”، (MIT & NBER، سبتمبر 2017م)، =
http://mitsloan.mit.edu/uploadedFilesV9/Global/Events/TIES/GO%20WEST%20YOUNG%20FIRM.pdf.
4. H. Hvide وP. Oyer، “رأس المال البشري على مائدة العشاء وريادة الأعمال”، ورقة عمل معهد ستانفورد للسياسات الاقتصادية رقم 17-046 (14 ديسمبر 2017م)، =
5. A. Agrawal وI. Cockburn، “فرضية المستأجر الرئيسي: استكشاف دور الشركات الكبيرة والمحلية والمكثفة في البحث والتطوير في أنظمة الابتكار الإقليمية”، المجلة الدولية لتنظيم الصناعة 21، رقم 9 (نوفمبر 2003م)، 1227-1253.
6. تدعم أبحاث CDL هذه النتيجة؛ انظر K. Bryan، A. Tilcsik، وB. Zhu، “أي رواد الأعمال يمكن تدريبهم، ولماذا؟” أوراق ومداولات المراجعة الاقتصادية الأمريكية 107، رقم 5 (مايو 2017م)، 312-316.
7. K. Rivette وD. Kline، “لوحات رامبرانت في العلية: فتح القيمة الخفية لبراءات الاختراع” (بوسطن: مطبعة هارفارد بيزنس ريفيو، 1999م).
