جيرون بي. جيه. دي يونغ، وماكس مولهايزن، وك. فينكاتيش براساد
إن من العسير صدَّ المبتكرين عن الابتكار، كما يظهر في التاريخ الطويل لمشاريع “سكَنكووركس” والمبادرات الجانبية غير الرسمية بين أفراد فرق البحث والتطوير. فاعتبر، مثلًا، تيتسويا ميزوغوتشي؛ أحد التنفيذيين في قسم الحواسيب الرئيسة لدى “توشيبا”، إذ كان يرى أن ثمة طلبًا ناشئًا على الحواسيب المحمولة الخفيفة في وقت كانت جميع هذه الأجهزة آنذاك حواسيب مكتبية ضخمة. فلما رفضت الإدارة فكرته؛ عمد إلى العمل في الخفاء على تطوير أول حاسوب محمول؛ مما مكّن “توشيبا” من تصدر هذا المجال الجديد عند ظهوره عام ١٩٨٥م. واليوم، تجاوزت مبيعات الحواسيب المحمولة نظيراتها المكتبية بأكثر من أربعة أضعاف.
وفي أبحاثنا لدى شركة “فورد للسيارات”، استقصينا آراء موظفي البحث والتطوير، فوجدنا أن ٤٥٪ منهم، في المدة ما بين ٢٠١٨م و٢٠٢١م، قد أنجزوا مشاريع دون موافقة المدير. وللعاملين أسباب شتى تدفعهم إلى العمل بعيدًا عن الأنظار؛ فمن بحوث سابقة، علمنا أن المبتكرين الخفيين قد يرغبون في تأجيل النقاش حتى يعرضوا أفضل ما لديهم، أو ليتجنّبوا ضغط المديرين المطالبين بالنتائج، كما أدركنا أن بعض الموظفين يفضلون اختصار الطريق لحل المشكلات التي تعترضهم، أو لا يرغبون في إضاعة الوقت في طلب الإذن، أو يدفعهم محض الفضول والعزيمة على تجاوز القيود، حتى وإن لم يتقاضوا أجرًا على ذلك العمل. وكثير من مديري البحث والتطوير يرون في هذه المشاريع الخفية أمرًا لا ضرر فيه، بل ذا فائدة محتملة، فلا يعارضونها ما دام الموظفون يؤدون واجباتهم الرسمية؛ إذ غالبًا ما تتوافق هذه الابتكارات مع مصالح المؤسسة، ولا تتطلب كلفة كبيرة لتطويرها.
غير أن انتفاع المؤسسة بهذه الأنشطة مرهون بظهور ثمارها، كما حدث مع ميزوغوتشي، لكن، وللأسف، أظهرت أبحاثنا أن ذلك لا يحدث دائمًا؛ فعلى المديرين أن يحسنوا فهم أنواع الابتكارات التي ينبغي التنبه إليها، وأن يضعوا آليات تزيد من وضوحها وظهورها.
دوافع الابتكار الخفي
تنقسم مشاريع الابتكار غير المصرح بها إلى ثلاثة أنواع إجمالًا: مشاريع رسالية، أو مشاريع المستخدم، أو مشاريع الاستكشاف. (انظر: “أنواع المبتكرين الخفيين الثلاثة”). وما يميزها في الغالب هو دوافع المبتكرين أنفسهم، وإن كانوا قد يستخدمون موارد وشركاء مختلفين، وتستلزم جهودًا متفاوتة لنشر الابتكار. وبعض هذه الأنواع يبقى خفيًّا في العادة، كما سنبين.
المشاريع الرسالية تنشأ لتغيير منتج أو ممارسة مؤسسية: والمبتكرون المنخرطون في مثل هذه المشاريع يضعون مصلحة الشركة نصب أعينهم، فيميلون إلى عرض عملهم حينما يرون الوقت مناسبًا، وقد يتيقنون أن ابتكارهم هو ما تحتاجه الشركة حقًّا. وموظفو المشاريع الرسالية واثقون جدًّا من حكمهم، وقد يستمرون في العمل على المشروع حتى لو طُلب منهم التوقف، وهو ما يُعرف بالانحراف الإبداعي. وربما يكتمون فكرتهم حتى يخرجوا بنموذج مقنع ويجدوا دعمًا غير رسمي من الزملاء، بدلًا من طرح فكرة أولية فتُقابل بالرفض. وغيرهم قد يفضل العمل في سرية حتى يكتمل الدليل على صلاحية الفكرة؛ لضمان حصولهم على كامل الفضل.
وغالبًا ما يعمد العاملون في البحث والتطوير، أثناء سير المشاريع ذات الطابع الرسالي، إلى إشراك آخرين فيها، مستندين إلى أشكال غير رسمية من الدعم تسهم في بلورة الابتكار وتعزيز فرص قبوله في نهاية المطاف، على نحوٍ يشبه ما يقوم به رواد الأعمال الداخليون وأنصار الابتكار الذين يعملون في فضاءٍ مفتوح. وهم على دراية واسعة بسياسات المؤسسة الداخلية، وماهرون في تجنب العقبات؛ فيلجأ بعضهم إلى تجاوز قادة فرقهم ورفع الأفكار مباشرة إلى الإدارة العليا. والمبتكر الرسالي دائمًا حريص على حشد الحلفاء لتهيئة مناخ اتخاذ القرار؛ فعلى سبيل المثال، حصل بعض المشاركين في دراستنا لدى “فورد” على دعم من رئيس مكتب الملكية الفكرية في مؤسستهم لتطوير نماذج سريعة لمنصة مفتوحة المصدر؛ تجاوزًا للعقبات التي واجهوها في المهام والعمليات، وقد تم تبني هذا الابتكار (OpenXC) في نهاية المطاف عبر المؤسسة.
والموظفون في المشاريع الرسالية بارعون في تدبير الموارد، فهم كسائر المبتكرين الخفيين، يعملون في أوقات الفراغ، لكنهم يجلبون موارد إضافية من المؤسسة أيضًا. فقد عمد أحد المشاركين في دراستنا إلى تكييف مشروعه ليتقدم به إلى مسابقة داخلية للحشد الجماعي، ليحصل على وقت وميزانية إضافيين لمواصلة ابتكاره، رغم أن المسابقة كانت مخصصة للأفكار لا للمشاريع قيد التطوير. وأقنع آخرون زملاءهم باستغلال أوقات فراغهم في المشروع، أو خططوا لاختبار النماذج خلال العطل حين تتوفر مرافق الاختبار. وكثيرًا ما صادفنا مشاريع أبقيت في طي الكتمان حتى تتهيأ فرصة تمويل مواتية.
وبما أن دافع المبتكر هو إحداث أثر في المؤسسة، فإن المشاريع الرسالية ستُعلن في نهاية المطاف، ولهذا فإن معدلات تبنيها أعلى من غيرها من أنواع الابتكار الخفي.
إن مشاريع المستخدمين تُنشأ لحل مشكلة فردية أو مشكلة لفريق عمل؛ فكثير من العاملين في البحث والتطوير يرون المشكلات ويقررون أن يجدوا سبيلًا لتيسير مهمةٍ أو عمليةٍ ما، أو لجعلها أكثر كفاءةً أو فعالية. ويكون تركيزهم أكثر خصوصيةً، كأن يُعنى أحدهم بأتمتة إنتاج تقرير أسبوعي مطلوب، أو روتين اختبارٍ معين. وأولوية هؤلاء المبتكرين ليست تبني الآخرين لما يصنعون، بل تخفيف مشكلاتهم الخاصة أو اكتساب وظائف جديدة لأنفسهم.
وكثيرًا ما تُطوَّر مشاريع المستخدمين الخفية بمعونة آخرين، لكن ذلك يكون بقصد اختبار الحلول فقط؛ إذ يكون مطورو هذه المشاريع أكثر كتمانًا، ويشركون عددًا أقل من الناس مقارنةً بمشاريع الرسالة. ويعتمد المبتكرون من المستخدمين في الغالب على موارد فائضة قائمة، بعضها يقتطعونه من مشاريعهم الرسمية بإحسان العمل فيها.
وفي نهاية المطاف، فإن مشاريع الرسالة سيُعلن عنها؛ ولذلك يكون معدل تبنيها أفضل من سائر أنواع الابتكار الخفي.
وقد تكون مشاريع المستخدمين ذات قيمة لزملاء يواجهون مشكلات مماثلة، غير أن مطوريها غالبًا ما يفتقرون إلى الحوافز لكشف أعمالهم ومشاركتها؛ فبعضهم يخشى أن يؤدي قبول المؤسسة الواسع لحلهم إلى أن يُجري الآخرون “تحسينات” عليه ليتوافق مع معايير الشركة، فيغدو غير صالح لحل المشكلة الأصلية، وآخرون يرغبون في اجتناب عناء دعم زملائهم في استخدام الأداة أو إلحاحهم في طلب التحسينات. وفي حالات نادرة، يخشى المرء من رد فعل سلبي من مديريه لقضائه وقتًا في عمل غير مصرح به.
وقد لاحظ باحثون آخرون مشاريع المستخدمين الخفية أيضًا؛ ففي شركة اتصالات، وُجد أن واحدًا وثلاثين من أصل واحد وسبعين عاملًا في البحث والتطوير لديهم مشاريع شخصية خاصة، وكان أكثرهم يعالج تحديات عمله الخاصة، وقليل منهم فقط قدم مشاريعه لنظام اقتراحات الشركة. وفي دراسة لعمال الشرطة والجيش في الدنمارك، أدى غياب الدعم للابتكار عمومًا إلى أن يُخفي المبتكرون الخفيون حلولهم التي حسنت من سلامتهم في العمل.
وقد وجدنا أن انتشار مشاريع المستخدمين، إن حدث، كان غالبًا بين الزملاء المحليين. وكان التبني حاصلًا بعد لقاءات عارضة، كأن يشاهد زميلٌ الابتكار قيد التطبيق، أو أن يصادف المبتكر زملاء يواجهون مشكلات مماثلة. وقد حدث هذا حرفيًّا أثناء استراحات القهوة أو الغداء؛ إذ كان المبتكرون من المستخدمين أكثر ميلًا لمشاركة ابتكاراتهم حين يسمعون زملاءهم يشكون من مشكلات تعالجها حلولهم.
أما مشاريع المستكشفين، فتنشأ من شغف بالسعي إلى آفاق جديدة؛ فكثير من العاملين في البحث والتطوير لديهم ألفة عظيمة واهتمام بمجال خبرتهم، وما يزالون يجربون ويبتكرون لتجاوز القيود التقنية الراهنة أو لتطبيق عملهم على مشكلات اجتماعية أوسع. ويستمتع العاملون من طراز المستكشفين بالابتكار كهواية، ويجدون فيه تحقيقًا للذات بتعلم مهارات جديدة، أو إظهار خبرتهم، أو التفاعل مع أقرانهم من ذوي الاهتمام المشترك. وقد صادفنا كثيرين يعدون الابتكار جزءًا من هويتهم الاجتماعية، ويرغبون في أن يُعرفوا بكفاءاتهم في دفع التقنية قدمًا وتطوير تطبيقات جديدة، ويسعون إلى سمعة المهندس أو المخترع البارع. وبحكم شغفهم العميق؛ ادعى كثير منهم أنهم سيواصلون العمل على مشاريعهم ولو لم يُدفع لهم أجر. وليس عجيبًا أن يمتد عملهم إلى أوقات الفراغ؛ فبعضهم أنشأ ورشًا في منزله أو أنفق من ماله الخاص لصنع النماذج الأولية.
وكان المبتكرون من المستخدمين أكثر ميلًا لمشاركة ابتكاراتهم حين يسمعون زملاءهم يشكون من مشكلات تعالجها حلولهم.
وقد تُنجز مشاريع المستكشفين الخفية فرديًّا أو مع متحمسين في المجال نفسه، ويكون المتعاونون رفاقًا، وقد يكون بعضهم بعيدًا جغرافيًّا؛ فعلى سبيل المثال، لاحظنا فريقًا يركز على تطبيقات الواقع الافتراضي، وكانوا متفرقين عبر العالم، كما صادفنا جماعة من المتحمسين يعملون محليًّا على تطوير حافلة صغيرة فاخرة. ويشبه مبتكرو المستكشفين الخفيين موظفي الشركات الذين يسهمون إسهامًا رئيسًا في مشاريع البرمجيات مفتوحة المصدر، وغالبًا دون إذن من مديريهم، ويُعرف عن هذه الفئة من المساهمين أن الدافع لهم هو السمعة، ولقاء ذوي الاهتمام المشترك، والاستمتاع بعملية الابتكار.
وقد تكون مشاريع المستكشفين ذات صلة كبيرة بشركة المبتكر؛ إذ قد تثمر عن براءات اختراع جديدة، أو عمليات، أو مكونات للمنتجات. وهناك أيضًا منافع غير مباشرة، إذ إن الموظفين الذين لديهم مشاريع استكشافية قد يطورون قدرات جديدة توسع حدود التقنية الراهنة. وقد لاحظنا أن هؤلاء العاملين في البحث والتطوير هم الأعرف بآخر التطورات في مجال اهتمامهم، وغالبًا ما يُعترف بهم خبراء داخل الشركة، والمعرفة التي يكتسبونها من الابتكار الخفي تزيد من قدرة الشركة على الاستيعاب، أي قدرتها على تحديد المعرفة الجديدة وامتصاصها وتوظيفها. وللعاملين في البحث والتطوير من أصحاب المشاريع الاستكشافية، يعد الابتكار الخفي عاملًا مهمًّا في بقائهم في الشركة.
أما فيما يخص نشر المشاريع، فعادةً ما يبذل العاملون في البحث والتطوير من أصحاب المشاريع الاستكشافية جهدًا معتدلًا؛ فهم يعتزون بأن يُنظر إليهم كمهندسين أو مخترعين بارعين، فيعرضون ابتكاراتهم على الآخرين داخل الشركة، وأحيانًا خارجها، لا لدفع التنفيذ كما في مشاريع الرسالة، بل ليشيروا إلى أنهم خبراء أكفاء، وهم لا يلحون في السعي لقبول ابتكاراتهم، بل يأملون أن يتولى الآخرون الأمر.
لأنهم غالبًا ما يعرضون أعمالهم على من يوافقهم في الفكر دون مديريهم الذين قد يرون فيها إمكانات ويذودون عنها، فإن حلولهم تُعتمد أقل مما يُعتمد لمشاريع المبادرين والمستخدمين معًا. وسبب ذلك أن مشاريع المستخدمين تعالج حاجات عاجلة ومحددة، بينما مشاريع المستكشفين تكون في الغالب أوسع تطبيقًا وتنشأ من نظرة بعيدة المدى.
إظهار الابتكارات الكامنة
لا بد أن تظهر المشاريع الكامنة إلى العلن في وقت ما إن أرادت المؤسسات أن تنتفع بها انتفاعًا كاملًا. ولدى كثير من الشركات نظام لإدارة الأفكار يمكّن الموظفين من اقتراح ما ينشأ لديهم من أفكار خارج نطاق البحث والتطوير والابتكار المعتاد، إلا أن هذه الأنظمة تكشف في العادة عن مفاهيم أولية غير مكتملة لا عن ابتكارات تامة، كما تفترض أن الموظفين سيبادرون من تلقاء أنفسهم إلى تقديم الأفكار، ونوصي بوضع آليات جديدة أنسب لتظهر النماذج الأولية والحلول التي طُوِّرت بعيدًا عن الأنظار.
إن مشاريع المستخدمين تعالج حاجات عاجلة ومحددة، بينما مشاريع المستكشفين تكون في الغالب أوسع تطبيقًا وتنشأ من نظرة بعيدة المدى.
أما الموظفون أصحاب المشاريع الرسالية فيستجيبون أفضل ما يكون لنظام يركّز على خلق القيمة للمؤسسة جمعاء ويدعو لمساهمة المبادرين الأبطال أو الداعمين، وهم أصحاب الهويات التي تجذب هذا الصنف من المبتكرين. ويحفزهم الظهور إلى العلن وعدٌ بالموارد لمواصلة التطوير، ودعم من صانعي القرار، وفرص للنمو المهني. (ومثال ذلك: ميتسوغوتشي الذي أصبح لاحقًا نائب رئيس أول ومديرًا عامًّا لأعمال الحواسيب في شركة توشيبا)؛ لذا ينبغي أن يوفر نظام الاقتراحات طريقًا إلى الموارد (كالوقت والمال والنفوذ)، وصانعي القرار الرئيسيين، والمرافق اللازمة للاستمرار كمشروع بحث وتطوير رسمي. وغالبًا ما يرغب العاملون في البحث والتطوير بعد تقديم مشاريعهم أن يظلوا مشاركين نشطين بصفة بطل أو مدير مشروع، وأن ينالوا كامل التقدير والاعتراف على هيئة ترقٍّ مهني.
أما الأنظمة المصممة خصيصًا للمشاريع الرسالية فستشبه أكثر ما يكون بنية الابتكار التي أعدتها كثير من الشركات العالمية الكبرى. فالحاضنات الداخلية وتحديات الابتكار تفترض وجود عاملين مبادرين مستعدين لتولي التنفيذ متى أُقرّت أفكارهم. والفارق البارز أن المشاريع الرسالية غالبًا ما تكون قد قطعت شوطًا أبعد في تطويرها. فإذا ظهرت مثل هذه المشاريع، وجب على صانعي القرار أن يكونوا متقبلين غير معاقِبين، حتى لو كان المبتكرون قد تجاوزوا الحد الذي كانوا يفضلونه. ومثال ذلك: تحدٍّ داخلي يطلب أفكارًا لحلول لوجستية للمرحلة الأخيرة من التوصيل، قبِلَ مشروعًا رساليًّا كان قد تجاوز طور التصور بكثير؛ إذ طور العاملون دراجة كهربائية يمكن طيها وتخزينها في شاحنة، ليستفيد منها من يوصل البضائع في الأماكن المزدحمة.
ولأن مشاريع المستخدمين يُبلغ عنها للإدارة غالبًا حين يظن مطوروها أن فيها فائدة للآخرين، فينبغي لنظام الاقتراحات أن يخاطب في رسائله من يعالجون المشكلات بواقعية، وينبغي أن تدعو دعوات كشف الابتكارات إلى مشاركة الحلول الشخصية الجديرة بالنشر مما يعين المبتكرين المستخدمين على التأمل في اتساع نفع حلولهم. وقد يستجيب هؤلاء لدعوات المساعدة بدافعٍ إيثاري، انطلاقًا من رغبة في دعم زملائهم، أو لإنقاذ غيرهم من إضاعة الوقت في حل المشكلة نفسها. ويمكن للحوافز المالية أن تشجع جميع أنواع المبتكرين الكامنين على إظهار أعمالهم حين لا تتوفر حوافز أفضل.
ويجب أن يكون تقديم مشاريع المستخدمين يسيرًا للغاية، إذ إن الإجراءات البيروقراطية تُثبط همم المبتكرين المستخدمين. وبما أن المشاريع الكامنة غالبًا ما تُطوَّر بالتعاون مع آخرين، فينبغي إتاحة ترشيح حلول يملكها زملاء قد لا يدركون إمكانات ابتكاراتهم الواسعة. ولا يرغب مبتكرو المستخدمين عمومًا في البقاء مشاركين نشطين في نشر أفكارهم؛ لذا يجب أن يسهل النظام التوفيق بينهم وبين من يتبنى الابتكار للاستعمال الشخصي أو يتولى تطوير تصميمه حتى يصير طريقة أو أداة أو عملية رسمية.
أما العاملون في البحث والتطوير أصحاب المشاريع الاستكشافية، فيستجيبون أكثر ما يكون لنظام يُصمم لتشجيع استكشاف آفاق التقنية الجديدة وتبادل المعرفة للنفع البعيد. وبما أن هؤلاء يرغبون في أن يُنظر إليهم كمهندسين أو مخترعين بارعين؛ فمن المهم أن تخاطبهم رسائل النظام بما يوافق هذه الشخصية.
وأما الحافز الأكبر للمبتكرين المستكشفين فهو الاعتراف، ويتحقق ذلك بمنحهم الجوائز، وضم مساهماتهم إلى أفضل الممارسات، وإشراكهم في الفعاليات والاحتفالات، وإبرازهم في التغطية الإعلامية الداخلية. وقد لاحظنا أن بعض المبتكرين المستكشفين الذين كشفوا عن أعمالهم لمكتب البراءات الداخلي عدّوا التقييم الإيجابي نوعًا من الاعتراف، كما استمتعوا بدور استشاري خبير في تطوير المشروع المستمر. وعلى المدى القصير، توسع ابتكارات المستكشفين قاعدة معرفة المؤسسة وتحفز العاملين، لكن للمضي قدمًا لا بد من إشراك الآخرين.
جني ثمار الابتكار الكامن
أيًّا كانت الطريقة التي تسلكها في استجلاب الابتكارات الكامنة، فمن المهم تخصيص الموارد لتقييم المشاركات وتطوير أفضلها، فاعتبر ما يلي عند وضع عمليتك:
سمِّ مبادرتك سوق الابتكار، وادعُ إلى تقديم النماذج الأولية والحلول المطوَّرة فقط، تمييزًا لها عن نظم الشركات التي تهدف إلى جمع الأفكار. فلا بد أن تكون الابتكارات المقدمة قد تجاوزت مرحلة التصورات الأولية، إذ إن الغاية كشف الابتكارات ونشرها.
واجعل عملية التقديم الأولية يسيرة خفيفة، واسمح للمبتكرين الخفيين أن يبدؤوا بوصفٍ مختصر؛ فإذا بدا المشروع لائقًا، جاز للمراجع أن يتواصل مع المبتكر لاستكمال الوصف أو استلام النموذج الأولي. واسمح للزملاء أن يرشحوا مشاريع غيرهم من المبتكرين الخفيين.
واختر المراجعين من مراتب ووظائف شتى، من أرض المصنع إلى الإدارة العليا، ليُعهد بالمراجعة إلى من هو أقرب إلى المشكلة المراد حلها.
واحرص على أن تحتفظ المبادرة بطابعها الشخصي، ولا تجعل المنصة الإلكترونية تُعرَف بوصفها فضاءً تُهمَل فيه المشاركات. راجع ما يَرِدك من مساهمات سريعًا، وبادر بالتواصل المباشر مع أصحابها في أقرب وقت؛ فذلك عنصر أساسي، ولا سيما في مشاريع المستخدمين والمستكشفين. كما ينبغي الإصغاء بعناية إلى تطلعات المبتكرين وتوقعاتهم.
وأشرك الخبراء، وكذلك من يُرجَّح أن يكونوا من المتبنين أو الداعمين، في جولة مراجعة ثانية؛ وغالبًا ما يكون من بينهم صانعو القرار، وإن لم يقتصر الأمر عليهم. وفي هذه المرحلة يُقيِّم المراجعون القيمة المحتملة للابتكار، سواء على مستوى الشركة، أو محفظتها البحثية والتطويرية، أو بعض وحداتها العاملة. وقد يقدّمون أيضًا مقترحات لتحسين الابتكار، أو يسهمون في تيسير تحريك الموارد وبناء الشراكات الملائمة. ويغدو إشراك أطراف أخرى بوصفهم مطوّرين مشاركين أو متبنّين أمرًا ضروريًا، ولا سيما في مشاريع المستخدمين والمستكشفين.
وحدد الموارد الإضافية اللازمة لتطوير الفكرة؛ ففي كثير من الحالات لا يكون ثمة تبنٍّ مباشر، بل مشاركة للمعرفة عبر الوسائط والمنصات الداخلية، وقد تُحال المشاركة أيضًا إلى مكتب البراءات الداخلي.
وحرك مزيجًا من الحوافز؛ فإلى جانب الموارد اللازمة لمواصلة التطوير والتقدير المذكور آنفًا، قد تشمل هذه الفرص لعرض الابتكارات على الإدارة العليا، أو مكافآت مالية، أو إجازات لحضور المؤتمرات. والاستماع النشط أثناء عملية التقديم يكشف عن أنسب الحوافز للمبتكرين الخفيين بعينهم.
إن مشاريع البحث والتطوير الخفية التي يقوم بها الموظفون مصدر ثمين للابتكار إذا أُتيح لها الظهور، لكنها فرص ضائعة للمنظمة إن لم تُكشف. ومما يُؤكَّد أننا لم نجد دليلًا على أن الموظفين المنخرطين في هذه المشاريع الخفية أهملوا واجباتهم الأصلية أو أن نشاطهم هذا كان مخالفًا لأولويات منظماتهم الاستراتيجية.
وإن المشاريع الرسالية التي يبتدرها رواد الداخل الأبطال ممن عملوا في الخفاء كثيرًا ما تظهر للعلن، غير أن القيمة التي تخلقها مشاريع المستخدمين أو المستكشفين يسهل إغفالها، وقد يتطلب استثمارها عمليات وموارد جديدة كما فصلنا هنا؛ وهي استثمارات تثمر منافع ملموسة مرتبطة بحلول معينة، كما تعزز قدرة المنظمة على استيعاب المعارف الخارجية الجديدة، وتزيد من احتفاظها بالموظفين، وتقوي ثقافة التجريب والمبادرة الشخصية.
المراجع
1. P. Augsdörfer, “Bootlegging and Path Dependency,” Research Policy 34, no. 1 (February 2005): 1-11.
2. P.A. Abetti, “Underground Innovation in Japan: The Development of Toshiba’s Word Processor and Laptop Computer,” Creativity and Innovation Management 6, no. 3 (September 1997): 127-139.
3. J.P.J. de Jong, M. Mulhuijzen, and B. Schemmann, “Underground Innovation: Missionary, User, and Lifestyle Projects,” SSRN, July 9, 2022, https://ssrn.com.
4. P. Augsdörfer, “Managing the Unmanageable,” Research-Technology Management 51, no. 4 (July 2008): 41-47.
5. Augsdörfer, “Managing the Unmanageable,” 42, 45.
6. P. Criscuolo, A. Salter, and A.L.J. Ter Wal, “Going Underground: Bootlegging and Individual Innovative Performance,” Organization Science 25, no. 5 (September-October 2014): 1287-1305.
7. C. Mainemelis, “Stealing Fire: Creative Deviance in the Evolution of New Ideas,” Academy of Management Review 35, no. 4 (October 2010): 558-578.
8. E. von Hippel, “Democratizing Innovation” (Cambridge, Massachusetts: MIT Press, 2005).
9. L. Zejnilovic, P. Oliveira, and S. Desic, “Online Idea Management System in the Presence of Non-Programmed Innovations, an Affordances Perspective” (paper presented at the 14th International Open and User Innovation Conference, Boston, Aug. 1-3, 2016).
10. M.R.K. Hartmann and R.K. Hartmann, “Hiding Practices in Employee-User Innovation,” SSRN, Dec. 30, 2015, https://papers.ssrn.com.
11. J. Coelho, M.T. Valente, L.L. Silva, et al., “Why We Engage in FLOSS: Answers From Core Developers,” in “CHASE ’18: Proceedings of the 11th International Workshop on Cooperative and Human Aspects of Software Engineering” (New York: Association for Computing Machinery, 2018).
12. Y. Song, D.R. Gnyawali, M.K. Srivastava, et al., “In Search of Precision in Absorptive Capacity Research: A Synthesis of the Literature and Consolidation of Findings,” Journal of Management 44, no. 6 (July 2018): 2343-2374.
13. M.A. Schilling, “Strategic Management of Technological Innovation,” 4th ed. (New York: McGraw-Hill, 2012).
14. “The Minds Behind the Ford Multimodal Journey,” Ford Motor Co., Nov. 19, 2015, https://media.ford.com.
