قسطنطينوس د. شارِيتو، وقسطنطينوس ك. ماركِيدِس
في منتصف تسعينيات القرن الماضي، تعرضت كبريات شركات الطيران الأوروبية، مثل: الخطوط الجوية البريطانية، وخطوط كي إل إم الملكية الهولندية، لهجوم من وافدين جدد نسبيًّا مثل: “إيزي جِت”، و”رايان إير”؛ فقد اختار هؤلاء المبتدئون استراتيجية منخفضة التكلفة، تعتمد على الرحلات المباشرة دون خدمات زائدة، خلافًا لاستراتيجية المحاور والخدمات الكاملة التي انتهجتها الشركات الكبرى، فحظيت استراتيجيتهم بإقبال واسع من المستهلكين الأوروبيين. ولم يمض وقت طويل حتى استحوذوا على حصة كبيرة من السوق، وأخذت شركات الطيران الراسخة في أوروبا تبحث عن سبل لمواجهة هذا التهديد. وفي الوقت ذاته، كانت شركة ميريل لينش تبحث عن حلول لمواجهة منافسة الوسطاء الإلكترونيين مثل: “تشارلز شواب”، و”إي تريد”، و”أمريترِيد”. وكانت شركة يونيليفر تخشى على أعمالها من تهديد تمثل في نمو العلامات التجارية منخفضة السعر، المملوكة للموزعين (العلامات الخاصة)، وكانت “بارنز آند نوبل” تدرس كيفية الرد على توزيع الكتب عبر الإنترنت، وموقع أمازون. ففي صناعة تلو أخرى، تعرض منافسون كانوا يومًا أصحاب مراكز منيعة، بنوا نجاحهم على مواقع استراتيجية راسخة، لهجمات من وافدين مغمورين اعتمدوا استراتيجيات جديدة جذرية. ومن ثم، بات القادة الراسخون في صناعات شتى يطرحون السؤال ذاته: “هل ينبغي لنا أن نستجيب لهذه الابتكارات المزعزعة؟ وإن كان الجواب نعم، فكيف؟” . لقد واجهت الشركات الرائدة معضلة؛ إذ إن مهاجميهم استخدموا استراتيجيات تختلف عن استراتيجياتهم وتتناقض معها، فإن هم استجابوا بتبني استراتيجيات خصومهم عرّضوا أعمالهم القائمة للخطر، وقوضوا استراتيجياتهم الراهنة. ومع ذلك، لا يمكنهم تجاهل هذه الاضطرابات ببساطة، فما هو الرد المناسب إذن؟
فهم الظاهرة
الابتكار الاستراتيجي هو أسلوب مغاير جذريًّا في المنافسة ضمن عمل قائم. فطريقة “أمازون” في بيع الكتب تختلف عن طريقة “بارنز آند نوبل”، وكذلك تختلف أساليب: “تشارلز شواب”، و”إيزي جِت”، و”دِل كومبيوتر” في صناعاتهم عن أساليب منافسيهم مثل: “ميريل لينش”، والخطوط البريطانية، و”آي بي إم”.
والابتكار الاستراتيجي يعني ابتكارًا في نموذج العمل يؤدي إلى أسلوب جديد في المنافسة. أما الابتكار الاستراتيجي المزعزع، فهو نوع مخصوص من الابتكار الاستراتيجي؛ إذ هو أسلوب في المنافسة يختلف عن الأسلوب التقليدي، ويتعارض معه. ومن أمثلته: المصارف الإلكترونية، وشركات الطيران منخفضة التكلفة، والتأمين المباشر، والتداول عبر وسطاء الإنترنت، وتوزيع الأخبار إلكترونيًّا، وتوصيل السلع التموينية إلى المنازل. وقد أظهرت الدراسات السابقة أن الابتكارات الاستراتيجية المزعزعة تشترك في خصائص معينة؛ أولًا: إنها تركز على سمات مختلفة للمنتج أو الخدمة مقارنة بالأساليب التقليدية. فمثلًا، يبيع الوسطاء التقليديون خدماتهم بناءً على الدراسات والنصائح التي يقدمونها للعملاء، في حين يركز الوسطاء الإلكترونيون على السعر وسرعة التنفيذ. ونتيجة لذلك؛ تجتذب الابتكارات المزعزعة شريحة جديدة من الزبائن.
وثانيًا: تبدأ الابتكارات الاستراتيجية المزعزعة عادة صغيرة وقليلة الهامش الربحي؛ ولهذا نادرًا ما تحظى بدعم أو التزام طويل الأمد من المنافسين الراسخين؛ إذ تبدو غير جاذبة حتى يبدأ نموها.
وثالثًا: تنمو الابتكارات الاستراتيجية المزعزعة حتى تستحوذ على حصة كبيرة من السوق الراسخة، ومع مرور الوقت تتحسن حتى تبلغ من الأداء ما يكفي للسمات التقليدية التي يركز عليها المنافسون الراسخون، وتتفوق في السمات الجديدة، ولا مفر من أن يجذب نموها انتباه اللاعبين الراسخين. ومع إقبال مزيد من العملاء، القدامى والجدد، على الابتكار الاستراتيجي، يزداد اهتمام الإعلام والشركات الراسخة بهذا النشاط الجديد، وسرعان ما لا تعود الشركات القائمة قادرة على تجاهل الأسلوب الجديد في العمل، فتبدأ بالتفكير بكيفية الاستجابة.
وفي هذه المرحلة، تواجه الشركات الراسخة حقيقة لا مناص منها أن الأساليب الجديدة في المنافسة تتعارض مع الأساليب الراسخة؛ وذلك لأن الابتكارات الاستراتيجية تتطلب عوامل نجاح رئيسة مختلفة، وتستلزم من الشركة تطوير مجموعة جديدة من الأنشطة المصممة خصيصًا، وثقافات وعمليات مساندة جديدة. فمثلًا، إذا أرادت الخطوط البريطانية أن تنافس “إيزي جِت” بفعالية، وجب عليها تقييم شريحة السوق المخفضة، وتطوير الأنشطة والعمليات اللازمة للنجاح فيها. غير أن هذه الأنشطة الجديدة لا تتوافق مع الأنشطة القائمة في الشركة؛ بسبب اختلاف المفاضلات بين الأسلوبين في العمل، فلا يسع الخطوط البريطانية، مثلًا، أن تبدأ ببيع التذاكر عبر الإنترنت مثل “إيزي جِت”؛ لأن موزعيها الحاليين، وهم وكلاء السفر، سيعترضون على ذلك.
إن وجودَ التنازلاتِ والصراعاتِ يجعل من العسير على الشركةِ الراسخةِ أن تستجيبَ للابتكارِ المخرِّبِ استجابةً فعّالةً؛ فالشركةُ التي تسعى إلى المنافسةِ في الموضعين معًا تُخاطر بإضعاف قيمة أنشطتها القائمة، وستقع في أتونِ اختلالاتٍ جسيمةٍ. وأيُّ محاولةٍ لإدارةِ الابتكارِ باستعمالِ النظمِ القديمةِ، والإجراءاتِ، والحوافزِ، والعقلياتِ، لن تؤدي إلا إلى خنقِ المشروعِ الجديدِ وقتلهِ.
إنَّ النزاعَ بين الطريقةِ التقليديةِ والطريقةِ الجديدةِ في خوضِ غمارِ المنافسةِ دفع كثيرًا من العلماء إلى القولِ: إنه ينبغي للمؤسسةِ عند مواجهةِ الابتكارِ المخرِّبِ، إما أن تتجاهلَ الاضطرابَ وتتمسكَ باستراتيجيتها الأصيلةِ، وإما أن تعتنقَ الاضطرابَ، ولكن في وحدةٍ تنظيميةٍ منفصلةٍ أو شركةٍ مستقلةٍ. ولكن، هل تلك هي الردودُ الوحيدةُ المتاحةُ للشركاتِ الراسخةِ؟ وتحت أيِّ ظروفٍ يكون كلُّ خيارٍ منها أَوْلى وأفضلَ؟ بهذه التساؤلاتِ شرعنا في بحثٍ طويلِ الأمدِ لاستكشافِ الابتكارِ الاستراتيجيِّ المخرِّبِ بمزيدٍ من التفصيلِ.
الاستجابةُ للابتكارِ المخرِّبِ
من بين ثمانٍ وتسعين شركةً راسخةً أكملت استبانتنا، تبنَّت ثلثاها الابتكارَ المخرِّبَ في صناعتها على نحوٍ ما، إما بإنشاءِ وحدةٍ تنظيميةٍ منفصلةٍ، وإما باستعمالِ البنيةِ التحتيةِ التنظيميةِ القائمةِ. بيد أنَّ كيفيةَ تبنّي هؤلاء اللاعبين الراسخين للابتكارِ كانت أكثرَ تعقيدًا من مجردِ اتخاذِ قرارٍ بإنشاءِ وحدةٍ منفصلةٍ. أما الشركاتُ التي لم تتبنَّ الابتكارَ في صناعتها، فقد كان لها ردودٌ استراتيجيةٌ متنوعةٌ، منها تجاهلُ الاضطرابِ، وغير ذلك. وفي الجملةِ، حددنا خمسةَ ردودٍ رئيسةٍ على الابتكارِ الاستراتيجيِّ المخرِّبِ.
الاستجابةُ الأولى: التركيزُ على العملِ التقليديِّ والاستثمارُ فيه
إن أكبرَ وهمٍ يحيط بالابتكارِ الاستراتيجيِّ المخرِّبِ هو أن الطريقةَ الجديدةَ في العملِ ستنمو، وفي نهايةِ المطافِ ستتغلب على الطريقةِ التقليديةِ في المنافسةِ. ويظنُّ بعضُهم أن على المنافسين الراسخين مواجهةَ الابتكارِ باعتناقهِ بأيِّ صورةٍ كانت. وربما نشأ هذا الوهمُ من أبحاثِ الابتكارِ التكنولوجيِّ التي أظهرت أن التقنياتِ الجديدةَ المخرِّبةَ قد أزاحت التقنياتِ القائمةَ تمامًا، وأهلكت المنافسين الذين عجزوا عن الانتقالِ من القديمِ إلى الجديدِ. ولعلَّ ذلك يصحُّ في الابتكاراتِ التكنولوجيةِ المخرِّبةِ، لكنه لا يصحُّ في الابتكاراتِ الاستراتيجيةِ المخرِّبةِ.
ففي الابتكارِ الاستراتيجيِّ، تنمو الطريقةُ الجديدةُ في المنافسةِ غالبًا بسرعةٍ حتى تسيطرَ على نسبةٍ معينةٍ من السوقِ، لكنها تعجز عن إزاحةِ الطريقةِ التقليديةِ بالكليةِ. فعلى سبيلِ المثالِ، نمت الخدماتُ المصرفيةُ عبر الإنترنتِ، ووساطةُ الإنترنتِ نموًّا سريعًا في السنواتِ الخمسِ الأخيرةِ، لكنها لم تستحوذ إلا على عشرةٍ إلى عشرين بالمئة من السوقِ في أحسنِ الأحوالِ. وكذلك نمت شركاتُ الطيرانِ منخفضةُ التكلفةِ نموًّا هائلًا منذ عامِ 1995م، لكنها لم تستحوذ على أكثر من عشرين بالمئة من السوقِ الكليةِ. وفي سوقٍ تلو سوقٍ، تنمو الطرقُ الجديدةُ للمنافسةِ حتى تبلغ حجمًا معتبرًا، لكنها لا تزيح الطرقَ القديمةَ حقًّا. ولا يُتوقع للابتكاراتِ أن تبلغَ يومًا ما مئة بالمئة من أسواقها.
إن إدراكَ أن الطريقةَ الجديدةَ ليست بأفضلَ من الطريقةِ القائمةِ، ولا هي مرشحةٌ لاكتساحِ السوقِ بأسرهِ، يفتح بدائلَ أمام اللاعبين الراسخين؛ فلا يلزمُ للمنافسِ الراسخِ أن يعتنقَ الابتكارَ بالضرورةِ، بل يمكنه أن يستجيبَ بجعلِ طريقتهِ التقليديةِ في المنافسةِ أكثرَ جاذبيةً وقوةً. وربما بدا هذا بديهيًّا، لكن غالبَ الشركاتِ الراسخةِ تصوغُ قرارها عادةً على هيئةِ: “أنُقدِم عليه أم لا؟ وإن أقدمنا، فكيف نلعب لعبتين في آنٍ واحدٍ؟”، ونادرًا ما تنظر الشركاتُ في أن الاستجابةَ للابتكارِ المخرِّبِ قد تعني رفضَ تبنّيهِ، والاستثمارَ في عملها الخاصِّ. وهذا بالضبطِ ما فعلته شركةُ جيليت في مواجهةِ تهديدِ شفراتِ الحلاقةِ ذاتِ الاستعمالِ الواحدِ؛ إذ دخلت تلك الشفراتُ السوقَ مؤكدِةً بُعدًا مختلفًا للمنتجِ (السعرِ وسهولةِ الاستعمالِ مقابل دقةِ الحلاقةِ عند “جيليت”)، ونمت بسرعةٍ حتى استحوذت على شريحةٍ كبيرةٍ من السوقِ. فكيف استجابت “جيليت”؟ لم تتجاهل الاضطرابَ كليًّا، بل اختارت أن تركز مواردها على عملها التقليديِّ؛ لتعزيزِ مكانتها التنافسيةِ إزاء الطريقةِ الجديدةِ في العملِ. وقد أنتجت شفراتٍ للاستخدامِ الواحدِ على سبيل الدفاعِ، لكنها ركزت طاقتها ومواردها على عملها الرئيسِ وابتكرت منتجين جديدين: “السينسور” و”الماك 3″. وأدى الابتكارُ في العملِ التقليديِّ في نهايةِ المطافِ إلى انحسارِ سوقِ الشفراتِ ذاتِ الاستعمالِ الواحدِ منذ ذروتها في سبعينياتِ القرنِ الماضي. حتى قرارُ “جيليت” في نوفمبر 2002م بإنشاءِ خطٍّ جديدٍ من الشفراتِ ذاتِ الاستعمالِ الواحدِ لم يكن على حسابِ عملها الرئيسِ.
وبحسبِ بحثِنا، فإن الشركاتِ التي اختارت عدمَ اعتناقِ الابتكارِ الاستراتيجيِّ المخرِّبِ فعلت ذلك لأنها أرادت أن تظلَّ مركزةً على أعمالها القائمةِ؛ غالبًا لاستثمارِ رؤوسِ أموالٍ ضخمةٍ قد أُنفقت سلفًا. كما أن الإدارةَ العليا كانت تعارض تبنّيهِ بسببِ قضايا وتحدياتٍ مهمةٍ في العملِ القائمِ.
وشركةُ إدوارد جونز، إحدى الشركاتِ الرائدةِ في صناعةِ الوساطةِ الماليةِ للأفرادِ في الولاياتِ المتحدةِ، هي مثالٌ آخرُ لشركةٍ لم تعتنق الابتكارَ المخرِّبَ، أي وساطةَ الإنترنتِ التي اقتحمت سوقها في منتصفِ تسعينياتِ القرنِ الماضي. وصرح المديرُ التنفيذيُّ للعملياتِ دوغ هيل قائلًا: “نحن نرى أن التداولَ عبر الإنترنتِ للمضاربين والتسليةِ، ولسنا في صناعةِ التسليةِ، بل نحن في صناعةِ الطمأنينةِ”.
عوضًا عن ذلك، ركّزت شركة إدوارد جونز على تحسين قيمة عروضها لعملائها المستهدفين، واستثمرت في خدمتها الشخصية المميزة التي تقوم على اللقاء المباشر وجهًا لوجه في مكاتبها المنتشرة في أنحاء البلاد. ولا تزال الشركة متمسكة باستراتيجية المكتب الواحد لكل وسيط، وهي استراتيجية تخالف ما عليه سائر المؤسسات الكبرى للأوراق المالية في الولايات المتحدة. وكما قال الشريك المدير جون باخمان: “لن تشتري الأوراق المالية عبر الإنترنت في “إدوارد جونز”، وسيظل هذا الأمر ثابتًا ما استطعت أن أبصر المستقبل… فإن لم تكن مهتمًّا بعلاقة، وإنما ترغب فقط في إجراء صفقة، فبإمكانك الذهاب إلى “إي تريد” إن أردت سعرًا جيدًا، فنحن لسنا في هذا المجال”.
وقد أسهم أسلوب “جونز” المحافظ في إدارة الأصول الذي لم يتغير رغم التوسع السريع في التداول عبر الإنترنت، في تحقيق نمو ملحوظ؛ إذ توسع عدد المكاتب من ثلاثمئة وأربعة في عام ١٩٨٠م إلى أكثر من أربعة آلاف اليوم (وهو أكثر من أي شركة وساطة أمريكية أخرى). ويبرز رد “إدوارد جونز” نتيجة أساسية من نتائج بحثنا: إن الأساليب الجديدة في المنافسة ليست دائمًا مقدّرة لها أن تنتصر في المعركة، بل إن المنافسين الراسخين، بحسب كيفية استجابتهم، قد يستطيعون إبطاء أو حتى القضاء على تلك الأساليب الجديدة.
الاستجابة الثانية: تجاهل الابتكار فليس من شأنك
لقد كشف بحثنا عن جانب ثانٍ في الابتكار الاستراتيجي المزعزع للنظام يمكن أن يضلل الشركات الراسخة، وهو أن الطريقة الجديدة بالمقارنة مع الأسلوب التقليدي في الصناعة تستهدف عملاء مختلفين، وتقدم عروض قيمة مغايرة، وتتطلب مهارات وكفاءات مختلفة، بل إن الطريقة الجديدة قد تكون على قدر من الاختلاف يجعلها تبدو وكأنها نشاط تجاري مغاير تمامًا. فهل الوساطة المالية عبر الإنترنت شبيهة بالوساطة التقليدية، أو أنها صناعة أخرى بالكلية؟ إن الشركة الراسخة إذا تبنّت ابتكارًا مزعزعًا لا يظهر إلا وكأنه جزء من أعمالها، فإنها في الحقيقة توسع نشاطها إلى سوق لا صلة لها بأعمالها، وقد يؤدي ذلك إلى الهلاك.
ولهذا السبب اختارت شركة هارتفورد لايف ألا تدخل في بيع التأمين على الحياة والصحة مباشرة عبر الهاتف أو الإنترنت. ووفقًا لما ذكرته الشركة، فإن أساليب البيع المباشر تلائم في المقام الأول المنتجات البسيطة، والفئات الدنيا من السوق. يقول أحد كبار التنفيذيين: “بما أن منتجاتنا وتوزيعنا لا يركزان على هذا السوق، فإننا لا نرى في البيع المباشر تهديدًا حاليًّا، ولا نعدّه فرصة للبيع؛ فنحن نستهدف أعلى ٥٪ من الأمريكيين ثراءً ممن تتجاوز ثروتهم الصافية مليوني دولار. وهؤلاء العملاء لديهم مشكلات مالية معقدة، ويحتاجون إلى مستشارين مهنيين لتحديد المشكلات والحلول. وغالبًا ما يُستعان بوكيل التأمين أو الوسيط، بالتعاون مع محامي العميل أو محاسبه، لتقديم هذه الاستشارة ضمن عملية البيع. أما أصحاب الدخول الأقل، فلا يواجهون مثل هذه التعقيدات المالية، وقد يكون من الأسهل الوصول إليهم عبر أساليب البيع المباشر. ولما لم تكن هذه سوقنا المستهدفة، فقد أنفقنا موارد قليلة على تقييم أو تنفيذ استراتيجيات التسويق المباشر، وسوق الأثرياء كبيرة، وتنمو بسرعة تكفي لدعم نمونا في المستقبل المنظور”.
ويعزز هذا المثال ما أشرنا إليه من أن الابتكار، وإن كان جزءًا من صناعة المنافس الراسخ، فقد لا يكون جزءًا من سوقه. وهذا يعني أن على الشركة الراسخة، قبل أن تقرر تبني الابتكار المزعزع، أن تقيّم بعناية مدى صلة الطريقة الجديدة بأسلوبها القائم.
إن تقييم مدى الصلة أمر معقد لكثير من الشركات الراسخة؛ فالمقاييس التقليدية للصِّلة تقدم صورة ناقصة، وربما مضللة عن إمكانات استغلال العلاقات بين نشاطين. وقد أظهرت البحوث الأكاديمية الحديثة أن على الشركات أن تتجاوز الشبهات الظاهرية، وأن تقيم الصِّلة على مستوى الكفاءة، لا على مستوى الصناعة؛ فعليها أن تحدد المهارات والكفاءات والأصول التي تملكها حاليًّا، وما تحتاج إليه في النشاط الجديد. والمهارات والكفاءات التي ينبغي اعتبارها هي تلك التي يصعب على المنافسين تقليدها أو تعويضها. ولا يُعد النشاطان مرتبطين إلا إذا اشتركا في قدر كافٍ من هذه الأصول، والكفاءات عسيرة التقليد.
أما الخطأ الذي يقع فيه المنافسون الراسخون، فهو افتراضهم أن الابتكار المزعزع، لمجرد أنه ينشئ سوقًا جديدة في صناعتهم، لا بد أن يكون سوقًا يسهل دخولها وطريقًا سريعًا للنمو، وقد لا يكون ذلك ما ينتظرهم إن دخلوا السوق الجديدة. والاستجابة الراجحة هي تجاهل الابتكار؛ إذ قد يبدو مغريًا، لكنه ليس من شأنهم.
وهذه الاستجابة الثانية تشبه الأولى، وتختلف عنها في آن واحد؛ ففي الاستجابة الأولى يدرك المنافسون الراسخون أن الابتكار تهديد لأعمالهم، فيستثمرون لجعل أعمالهم أكثر جاذبية للعملاء، مقارنة بالابتكار المزعزع. أما في الاستجابة الثانية فلا يرون في الابتكار تهديدًا، ويواصلون عملهم وكأن الاضطراب لم يحدث أصلًا.
الجواب الثالث: الرد بالهجوم إفساد الإفساد
إن المنافسين الراسخين يلعبون لعبة واحدة، إذ يبرزون سمات معينة في منتجاتهم، ويوجهونها إلى زبائن مخصوصين. أما المبتكرون المفسدون فيهاجمونهم بلعب لعبة ثانية، فيبنون نجاحهم على إبراز سمات جديدة غير تقليدية في المنتج أو الخدمة، فتغدو هذه السمات، بحكم تعريفها، جذابة لزبائن جدد. ومع مرور الزمن، يبرع هؤلاء المبتكرون كذلك في تقديم السمات التي يثمنها الزبائن التقليديون، فيبدؤون بجذب أولئك الذين كانوا أوفياء للشركات الراسخة. فكيف ينبغي للمنافسين الراسخين أن يجيبوا؟ ولم لا يبتكرون لعبة ثالثة، يهاجمون بها المبتكرين عبر إبراز سمات أخرى مختلفة للمنتج؟
ولنأخذ مثالًا من أوائل الستينيات، إذ كان السويسريون يهيمنون على صناعة الساعات العالمية، ويبيعون ساعاتهم استنادًا إلى براعة الصناعة السويسرية، ودقة حركاتها الميكانيكية. غير أن هذه الهيمنة كادت تتلاشى في السبعينيات حين طرحت شركات مثل: “سيكو” و”تايمكس” ساعات رخيصة تعتمد على تكنولوجيا الكوارتز، وتوفر مزيدًا من الوظائف والميزات. وكما هو شأن كل ابتكار مفسد، لم يهاجم المبتكرون بالسعي لأن يكونوا أفضل في تقديم السمات التي كان المنافسون الراسخون (السويسريون) يبرزونها (جودة الحركة والدقة)، بل ركزوا على سمات أخرى: السعر، والميزات، والوظائف. فانخفضت حصة السويسريين من الإنتاج العالمي من ٤٨٪ عام ١٩٦٥م إلى ١٥٪ بحلول عام ١٩٨٠م.
وينبغي أن تكون استجابة صناعة الساعات السويسرية درسًا لكل شركة تواجه اضطرابات استراتيجية مماثلة؛ إذ بدل أن يتبنوا الطريقة الجديدة للعب، رد السويسريون بابتكار ساعة “سواتش”. ولم تدّعِ الساعة الجديدة أنها أفضل من “سيكو” أو “تايمكس” في السعر أو الأداء، بل أبرزت سمة مختلفة تمامًا: الأسلوب. وبدلًا من مجاراة اللعبة المفسدة، اختار السويسريون إفسادها. ومنذ إطلاقها عام ١٩٨٣م، غدت “سواتش” الساعة الأكثر شعبية في العالم؛ إذ بيع منها مئة مليون في أكثر من ثلاثين دولة.
وهناك شركات أخرى تفسد على مفسديها في الوقت الحاضر، مثل: “سوني” (في الهواتف المحمولة)، و”آبل” (في الحواسيب الشخصية)، والخطوط الجوية البريطانية. فعلى سبيل المثال، بعد أن هاجمت شركات مثل: “إيزي جيت” و”رايان إير” سوق الطيران، ردت الخطوط البريطانية بإبراز الراحة والفخامة في خدماتها، كما يظهر في المقاعد التي تتحول إلى أسرّة مسطحة، والصالات التنفيذية الفاخرة في المطارات حول العالم. وبالمثل، ترد كل من “آبل” و”سوني” على اجتياح المنتجات الرخيصة لأسواقهما بتسليط الضوء على التصميم والأناقة كسمات لمنتجاتهما، ويعد جهاز “آي ماك” من آبل مثالًا كلاسيكيًّا على ذلك.
الجواب الرابع: تبني الابتكار بلعب اللعبتين معًا
أما البديل الرابع فهو تبني الابتكار المفسد ببساطة، ويجب أن يستند القرار إلى تحليل مفصل للكلفة والمنفعة. ولكن حتى إذا أذعنت الشركة الراسخة لحقيقة أن الابتكار المفسد باقٍ، وأن عليها أن تجد سبيلًا لتبنيه، فقد يكون ذلك محفوفًا بالمشكلات. ويثور السؤال: “كيف نعتمده؟”، فبخلاف الشركات الناشئة الريادية مثل: “ذا بودي شوب”، أو “ديل” التي لم تحتل موقعًا استراتيجيًا آخر، فإن الشركات الراسخة لديها بالفعل طريقة للعب. فإذا قررت الشركة الراسخة تبني الابتكار الاستراتيجي، وجب عليها أن تجد سبيلًا للعب لعبتين متناقضتين في آن واحد.
ورغم التحدي، فقد قررت ٦٨ من أصل ٩٨ شركة شملها الاستطلاع أن تتبنى الابتكار المفسد في صناعاتها. وأظهر البحث أن تصورات المديرين عن مخاطر لعب لعبتين متباينة إلى حد بعيد؛ فبعض الشركات رأت في التعارضات المحتملة مخاطر جسيمة تهدد أعمالها القائمة، في حين لم يبدُ الأمر مقلقًا لغيرها. وليس من المستغرب أن الشركات التي رأت في التعارضات مخاطر كبرى قررت ألا تتبنى الابتكار، في حين عدَّت الشركات التي تبنته أن حجم وأهمية التعارضات أمران يمكن إدارتهما.
وقد دخلت الغالبية (٦٢٪) من الشركات التي قررت تبني الابتكار المفسد إلى المجال الجديد عبر تأسيس وحدة مستقلة، فَعَلَ معظمها ذلك منذ البداية، وأنشأ الباقون المشروع الجديد لاحقًا تحت مظلة الشركة الأم. أما الشركات المتبقية فاختارت المنافسة في المجال الجديد من خلال بنيتها التنظيمية القائمة وأقسامها. وقد استخدمت ٦٨٪ من الشركات التي أنشأت وحدة مستقلة اسمًا مختلفًا للكيان الجديد، ووُضِع ٨٣٪ منها مديرًا تنفيذيًّا أو رئيس قسم جديدًا على رأس الوحدة، وغالبًا ما كان هذا الشخص ينتقل من منصب قائم في الشركة.
وكانت المنتجات أو الخدمات التي قدمتها الشركات في مجالاتها الجديدة، في المتوسط، تختلف عن تلك الموجودة في الأعمال الراسخة من حيث شريحة الزبائن المستهدفة، ومستوى الخدمة الشخصية المقدمة، والسعر، والسمات العامة. ولتقديم المنتجات والخدمات الجديدة للعملاء، شاركت غالبية الوحدات الجديدة (٧٩٪) الأنشطة الخلفية مع الشركات الأم.
من الواضح أنّ تبنّي الابتكار المُزعزع من خلال وحدة تنظيمية منفصلة كان شائعًا. ويقدّم غراهام بيكن، مُنشئ أنجح مصرف هاتفي في المملكة المتحدة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين (فيرست دايركت التابع لبنك ميدلاند)، رؤية في هذا الشأن إذ يقول: “المسألة ليست في وجود صراعات بين نشاط التجزئة المصرفي التقليدي والمصرفية المباشرة، فهي موجودة ومهمة، إنما السؤال الرئيس يكمن في مدى قدرة الشركة على إدارة هذه الصراعات، وهو ما سيحدد في النهاية نجاحها في التنافس ضمن مجالين مختلفين. لقد أُنشئ “فيرست دايركت” كشركة مستقلة، وكان له حرية وضع عملياته، وهيكله الإداري، وآليات الحوافز والرقابة الخاصة به، وابتكار ثقافته المميزة”. ويبيّن بيكن أنّ المصرف الجديد أُسّس ليكون ما يُعرف بـ”العملية الخضراء” (Greenfield)، ليقدّم عرض قيمة جديدًا لشريحة عملاء جديدة عبر الابتعاد عن بنك ميدلاند. ومما يدل على رغبة ميدلاند في إنشاء كيان منفصل عن المصرفية التقليدية، إبقاؤه كلمة “مصرف” خارج اسم الوحدة الجديدة. وليس الفصل بين الوحدة الجديدة والقديمة كافيًا بذاته، بل لا بدّ أن تتمتع الوحدة المستحدثة بالاستقلالية اللازمة لإدارة شؤونها كما تراه مناسبًا. وقد وجدنا أنّ كلما ارتفعت درجة الاستقلالية في اتخاذ القرار لدى الوحدات الجديدة، ازدادت فعالية الشركة في إدارة مجالين في آن واحد. فعلى سبيل المثال، حين أنشأ بنك اسكتلندا الملكي شركة دايركت لاين إنشورنس لإدخال التأمين الهاتفي المباشر في المملكة المتحدة عام 1985م، منح المؤسس بيتر وودز استقلالية تشغيلية تامة. يقول وودز: “لقد مُنحت الحرية والسلطة لبناء شركة جديدة ومستقلة، وتمكنت من توظيف أشخاص جدد من خارج المصرف، وتأسيس “دايركت لاين إنشورنس” كعمل منفصل”.
وإضافة إلى استقلالية اتخاذ القرار، كانت للوحدات الجديدة في الدراسة سياساتها وإجراءاتها الخاصة في الميزانية والاستثمار، كما طوّرت ثقافتها وقيمها المستقلة، غير أنّ آليات المكافآت بقيت مشابهة تلك المعتمدة في الأعمال الراسخة.
وعلى الجملة، تشير نتائج البحث إلى أنّه وإن كان من العسير إدارة موقعين استراتيجيين في آن واحد، إلا أنّ الأمر ليس بالمستحيل. وباستخدام بيانات الاستبانة، أجرينا تحليلات انحدار لفحص إذا كان فصل العمل الجديد يعود بالنفع على الشركة، فوجدنا أنّ ذلك مجدٍ في المتوسط. غير أنّه تبيّن أيضًا أنّ كيفية إدارة الوحدة الجديدة (من حيث الاستقلالية والعمليات والحوافز) لها أثر أكبر في نجاحها من مجرد قرار الفصل. وتوحي الدراسة بأنّه كلما زادت درجة استقلالية اتخاذ القرار الممنوحة للوحدة الجديدة، وتعاظمت أوجه التكامل بينها وبين الشركة الأم، ازدادت فعالية الشركة في إدارة مجالين في وقت واحد.
الاستجابة الخامسة: احتضان الابتكار كليًّا وتوسيع نطاقه
أما الخيار الأخير المتاح أمام الشركات الراسخة، فهو أن تهجر أساليبها التقليدية في المنافسة، وتتبنّى الابتكار الاستراتيجي المُزعزع بقلبٍ كامل. ففي هذه الحال، لا يكون الهدف مجرد تقليد الابتكار، بل توسيعه وتنميته ليبلغ الأسواق الجماهيرية.
تأمل -على سبيل المثال- في حالة السمسرة عبر الإنترنت. فقلّة من الناس يعلمون أنّ أول وسيط مالي عبر الإنترنت لم يكن “تشارلز شواب” ولا “إي تريد”، بل شركتان من شيكاغو هما “هاو بارنز إنفستمنتس” و”سيكيوريتي إيه بي إل”، أطلقتا مشروعًا مشتركًا باسم “نت إنفستور” في يناير 1995م لتقديم تداول الأسهم عبر الإنترنت. وبعد ست سنوات، طغى نجاح “تشارلز شواب” على هذا المشروع. وعليه، فمع أنّ “شواب” لم يكتشف السمسرة الإلكترونية، فإنّ له فضل توسيعها لتغدو سوقًا جماهيرية.
والخلاصة التي ينبغي أن يتذكرها المنافسون الراسخون، أنّ الابتكار ينطوي على نشاطين مختلفين في جوهرهما: ابتكار فكرة جديدة تكنولوجيًّا، أو استراتيجيًّا أو منتجيًّا، ثم خلق سوق لها. ولكي يكون الابتكار ناجحًا، لا بدّ من المزج الفعّال بين هذين النشاطين، غير أنّه لا يلزم أن تقوم المنظمة نفسها بكليهما؛ فقد تبتكر شركة طريقة جديدة ومُزعزعة للعب اللعبة، في حين تتولى أخرى تطوير الفكرة وتوسيعها.
والحق أنّ المهارات والقدرات اللازمة لتوسيع نطاق الابتكار تختلف جوهريًّا عن تلك المطلوبة لاكتشاف الفكرة الجديدة. وفي هذا السياق، تحوز الشركات الراسخة ميزة تنافسية على الرواد؛ إذ تملك المهارات والكفاءات اللازمة لاحتضان ابتكار مُزعزع أطلقته شركة أخرى، وتنميته ليغدو سوقًا جماهيرية.
وغالبًا ما تتسم الشركات الراسخة بالبطء في التحرك، وينبغي لها ذلك؛ فجمع المهارات والقدرات اللازمة لتحويل الأفكار إلى أسواق ضخمة مهمة جسيمة. ومعظم الاستثمارات تنطوي على تكاليف غارقة كبيرة لا ينبغي الاستهانة بها. وتتمكن الشركات الراسخة من إجراء الاستثمارات الجادة في الإنتاج لتوفير منتجات عالية الجودة بكفاءة اقتصادية. وفوق ذلك، وحدها الشركات الكبرى ذات الأسماء الراسخة تملك المصداقية الكافية لإرسال إشارة واضحة بأن السوق على وشك التطور في اتجاهات جديدة ومربحة. كما يمكنها الوصول إلى جمهور واسع من المستهلكين المحتملين المستعدين لشراء منتج، أو خدمة جديدة، ولكنهم مترددون في تحمل مخاطر الاختيار بين بدائل عديدة؛ فتعمل على خلق إجماع يدعم تصميمًا مهيمنًا. وأخيرًا، فإن الشركات الراسخة هي الأكثر قدرة على إنشاء المنظمة الملائمة لخدمة سوق بهذا الحجم والنمو السريع.
إن الفكرة القائلة إن المنافسين الراسخين لديهم خيار تبنّي ابتكار مُزعزع قد أوجده غيرهم، وتنميته ليصبح سوقًا جماهيرية، ليست بفكرة جديدة ولا غريبة. وما يثير العجب هو قلة من يفكر من هؤلاء المنافسين الراسخين في ذلك، فكثير من المديرين الذين قابلناهم في الشركات الراسخة تحدثوا عن هذه الاستراتيجية، ثم أحجموا عن تطبيقها. غير أن التاريخ يدل على أن الشركات التي تنتهج هذا الخيار وتنجح فيه، تضع أساسًا لنمو هائل يمتد سنوات قادمة.
متى يُفعل ماذا؟
أيّ من الاستجابات الخمس للابتكار الاستراتيجي المُزعزع هو الأنسب لشركة بعينها؟ إن الجواب يعتمد على موضع الشركة في صناعتها، وكفاءاتها، وسرعة نمو الاضطراب، وطبيعة المبتكر الذي أدخل الاضطراب، وغير ذلك. إلا أن البحوث السابقة قد حدّدت عاملين يؤثران في كيفية استجابة الشركات للاضطرابات الكبرى في أعمالها: الحافز إلى الاستجابة، والقدرة على الاستجابة.
وفي حالة الابتكار الاستراتيجي المُزعزع، فإن قدرة الشركة الراسخة على الاستجابة تتحدد بعوامل، منها محفظة مهارات الشركة، ومواردها، والوقت المتاح لديها. غير أن الأهم من ذلك هو طبيعة وحجم التعارضات بين العمل التقليدي والعمل الجديد؛ فكلما زادت درجة التعارض، قلت القدرة على الاستجابة. وبالمثل، فإن حافز الشركة إلى الاستجابة يتحدد بعوامل مثل: سرعة نمو الابتكار، ومدى تهديده للأعمال الرئيسة. وهنا يكون العامل الأهم هو مدى الصلة الاستراتيجية بين العمل الجديد والقائم؛ فكلما ازدادت الصلة الاستراتيجية، ازداد حافز الشركة إلى الاستجابة. فإذا رسمنا هذين العاملين على مصفوفة، ظهرت دلالات معينة. فعندما يكون حافز الشركة إلى الاستجابة ضعيفًا، إما لأن الابتكار الاستراتيجي المُزعزع لا ينمو بسرعة، وإما لأنه لا يهدد الأعمال التقليدية، فعلى الشركة الراسخة أن تتجاهله، وتركز على أعمالها، مهما كانت قدرتها على الاستجابة. أما إذا كان الحافز إلى الاستجابة قويًّا، لكن القدرة على تبنّي الابتكار ضعيفة بسبب التعارضات الكبرى، فعليها إما أن تسعى إلى القضاء على الابتكار، وإما أن تحتضنه كليًّا، هاجرةً أعمالها التقليدية. وإذا كان الحافز إلى الاستجابة قويًّا، وكذلك القدرة على تبنّي الابتكار قوية لغياب التعارضات الكبرى، فعليها أن تحاكي الابتكار، وتدمجه في أعمالها التقليدية.
ينبغي لكل منظمة أن تحدد استجابتها الخاصة وفقًا للظروف الفريدة التي تواجهها. وما ورد من توصيات هنا إنما ينطبق في المتوسط. غير أن إدراك أن الأساليب الجديدة في المنافسة ليست بالضرورة أفضل من الأساليب القائمة، وأن للشركات الراسخة خيارات متعددة في الاستجابة، هي نصف المعركة.
المراجع
1. C.C. Markides, “Strategic Innovation,” Sloan Management Review 38 (spring 1997): 9–23.
2. M.E. Porter, “What Is Strategy?” Harvard Business Review 74 (November–December 1996): 61–78; and C.M. Christensen, “The Innovator’s Dilemma: When New Technologies Cause Great Firms To Fail” (Boston: Harvard Business School Publishing, 1997).
3. E. Kelly, “Edward Jones and Me,” Fortune, Monday, June 12, 2000, 145.
4. C.C. Markides and P.J. Williamson, “Related Diversification, Core Competences and Corporate Performance,” Strategic Management Journal 15 (summer 1994): 149–165; D.N. Sull: “The Dynamics of Standing Still: Firestone Tire & Rubber and the Radial Revolution,” Business History Review 73 (autumn 1999): 430–464; and J. Robins and M.F. Wiersema, “A Resource-Based Approach to the Multibusiness Firm,” Strategic Management Journal 16 (May 1995): 277–299.
5. C.C. Markides, chap. 9 in “All the Right Moves: A Guide To Crafting Breakthrough Strategy” (Boston: Harvard Business School Publishing, 1999).
6. S.P. Schnaars, “Managing Imitation Strategies: How Late Entrants Seize Markets From Pioneers” (New York: Free Press, 1994); and G.J. Tellis and P.N. Golder, “Will and Vision: How Latecomers Grow To Dominate Markets” (New York: McGraw-Hill, 2001).
7. M-J. Chen and D. Miller, “Competitive Attack, Retaliation and Performance: An Expectancy-Valence Framework,” Strategic Management Journal 15 (January 1994): 85–102; M-J. Chen and I.C. MacMillan, “Nonresponse and Delayed Response to Competitive Moves: The Roles of Competitor Dependence and Action Irreversibility,” Academy of Management Journal 35 (summer 1992): 539–570; and K.G. Smith, C.M. Grimm, M-J. Chen and M.J. Gannon, “Predictors of Competitive Strategic Actions: Theory and Preliminary Evidence,” Journal of Business Research 18 (spring 1989): 245–258.
i. M.-J. Chen, K.G. Smith and C.M. Grimm, “Action Characteristics as Predictors of Competitive Responses,” Management Science 38, no. 3 (1992): 439–455; K.G. Smith, C.M. Gannon, M.-J. Chen, “Organizational Information Processing, Competitive Responses and Performance in U.S. Domestic Airline Industry,” Academy of Management Journal 34 (winter 1991): 60–85; and A.J. Slywotsky, “Value Migration: How To Think Several Moves Ahead of the Competition” (Boston: Harvard Business School Publishing, 1996).
