ترجمة: سمية القحطاني
إلى أي مدًى ينزعج الموظفون عندما يتجاوز القادة حدود العمل والحياة؟
أظهرت أبحاثنا أن 76٪ من الموظفين يرون أن التواصل معهم خارج ساعات العمل يعد تدخلًا غير مرغوب فيه في حياتهم الشخصية، كما أفاد 83٪ من الموظفين بأنهم يتعرضون لمقاطعة أوقاتهم الخاصة على الأقل مرتين أسبوعيًّا، بينما أكد 41٪ أن هذه المقاطعات زادت مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة كوفيد-19. أصبحت حدود العمل والحياة أكثر تداخلًا من أي وقت مضى، مما يشكل تحديًا كبيرًا لكل من الموظفين والقادة؛ لذلك، يحتاج المديرون اليوم إلى إدارة هذه الحدود بفاعلية لأنفسهم ولفرق عملهم.
يواجه القادة تحدي تحقيق التوازن بين المرونة وحدود العمل، حيث يحتاج الموظفون إلى مرونة في أوقات ومواقع عملهم، لكنهم في الوقت نفسه يحتاجون إلى حدود تحمي وقتهم الشخصي. أظهرت الأبحاث أن 96٪ من المهنيين في الولايات المتحدة يرغبون في الحصول على درجة من المرونة في أداء عملهم، لكنهم أيضًا يؤكدون أن الانقطاعات غير المبررة خارج ساعات العمل تؤثر في قدرتهم على الاسترخاء واستعادة نشاطهم. وهذا بدوره يقلل من رضاهم الوظيفي، مما يشكل تحديًا للقادة الذين يسعون للحفاظ على موظفيهم.
في هذا السياق، اقترحت ولاية كاليفورنيا قانونًا يمنح الموظفين “الحق في قطع الاتصال” بعد ساعات العمل، لكنه لم يُعتمد في النهاية، حيث رأى المعارضون أن فرض سياسة موحدة للجميع قد لا يكون الحل الأمثل، ورغم ذلك، فقد أثار هذا النقاش أهمية وضع حدود واضحة في بيئة العمل المرنة.
قد يكون هناك بعض الفوائد للمقاطعات خارج ساعات العمل؛ فمثلًا قد تحتاج الشركة أحيانًا إلى الاستجابة الفورية للعملاء، ومع ذلك، أظهرت الأبحاث أن عدم إدراك القادة لتأثير هذه المقاطعات على الموظفين، يؤدي إلى انخفاض رضاهم الوظيفي وضعف مشاركتهم في العمل، مما قد يزيد من احتمال استقالتهم.
إضافة إلى ذلك، لكل موظف ظروفه الخاصة، ومع انتشار نظام العمل المدمج، تختلف آراء الأفراد حول ما يُعدّ “وقتًا خارج العمل” وما يُعدّ “انقطاعًا مبررًا”؛ لذلك، من الضروري أن يكون المديرون قادرين على إدارة هذه الحدود بوعي لتنظيم أوقات العمل لهم ولأعضاء الفريق.
ثلاث استراتيجيات لإدارة حدود العمل
ما المقصود بالمقاطعات خارج ساعات العمل؟ إن تحديد ذلك ليس بالأمر السهل كما قد يبدو؛ فقد أظهرت الأبحاث أن 44٪ من الموظفين يختلفون فيما بينهم حول ما إذا كان هذا النوع من الانقطاعات يعدّ انتهاكًا لحدودهم الشخصية أم لا. تختلف هذه التجربة من شخص لآخر، بل وحتى لدى الموظف نفسه، فقد يختلف رد فعله تجاه كل انقطاع، حيث يوجد احتمال 1 من 3 بأن يتعامل معه بطريقة مختلفة في كل مرة. من الصعب على القادة وضع قرارات موحدة قائمة على القواعد فيما يتعلق بالمقاطعات؛ نظرًا لأن التنبؤ بما إذا كان الموظف سيعدّ أي تواصل خارج ساعات العمل مقبولًا أم لا، يُعدّ تحديًا كبيرًا.
وفقًا لأبحاثنا، يتعرض القادة أيضًا للمقاطعات خارج ساعات العمل، مما يضعهم تحت ضغط كبير للرد عليها، كما أنهم يجدون صعوبة في الفصل عن أجواء العمل والاسترخاء بعد هذه الانقطاعات؛ لذلك، نقدم استراتيجيات عملية مستندة إلى الأدلة، لمساعدة المديرين في إدارة تداخل العمل والحياة بفاعلية في بيئة العمل الحديثة.
١- ضع حدودًا واضحة من خلال حوار مفتوح
يعتقد الكثير أن بإمكانهم معرفة الوقت المناسب لمقاطعة الآخرين، بناءً على معاييرهم الشخصية. لكن على المديرين توضيح هذه الحدود بشكل صريح لضمان تفاهم مشترك داخل الفريق.
لتحقيق ذلك، يجب إجراء حوار مفتوح حول الحدود مع أعضاء الفريق، بحيث يكون نقاشًا متبادلًا يساعد في فهم رغبة كل موظف بشكل أفضل. من خلال هذه المحادثات، يمكن إدارة التوقعات بدقة أكثر، وتلبية احتياجات الأفراد عندما يكون ذلك ممكنًا، وتقليل تأثير المقاطعات خارج ساعات العمل. وبالمثل، يجب على المديرين التواصل مع القيادة العليا بشأن حدود العمل لضمان حماية أوقاتهم الشخصية وأوقات عمل موظفيهم.
عند مناقشة حدود العمل مع الموظفين، تذكر أنك قد تكون في موقفين: الشخص الذي تتم مقاطعته، وأيضًا الشخص الذي يقاطع الآخرين. اسأل أعضاء فريقك عن ساعات عملهم، ومتى يرون أنه مناسب أو ضروري أو معقول أن تتواصل معهم خارج هذه الساعات، إن وجد. وبالمثل، حدد بوضوح متى وكيف يمكن للآخرين التواصل معك خلال وقتك الشخصي.
يكون النقاش حول الحدود أكثر فاعلية عند إجرائه في بداية العلاقة المهنية؛ مثل عند انضمام موظف جديد إلى الفريق أو تولي مدير جديد منصبه. ومع ذلك، يمكن إجراء هذا النقاش في أي وقت لاحق، حيث يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز ثقافة العمل، أو توضيح قواعد التواصل داخل الفريق. بغض النظر عن مرحلة العلاقة المهنية، يُنصح بأن يضع جميع أعضاء الفريق، بمن فيهم المدير، “دليل اتصال” يحدد ساعات العمل، وطرق التواصل المفضلة، ومتى وأي نوع من التواصل خارج ساعات العمل يكون مقبولًا.
يجب عليك إيصال الرسائل بشكل واضح، مع إدراك أن أسلوبك في العمل وأوقاتك قد لا يتناسبان مع الآخرين. على سبيل المثال، إذا أرسلت بريدًا إلكترونيًّا لأحد الموظفين في الساعة 2 صباحًا لأنك كنت مستيقظًا، فقد يعتقد دون قصد أنه مطالب بأن يكون متاحًا في جميع الأوقات. لمنع ذلك، يمكنك الاستفادة من ميزات البريد الإلكتروني؛ مثل التوضيح في سطر الموضوع أن المهمة ليست عاجلة ولا تحتاج إلى رد فوري. كما يمكنك إضافة ملاحظة في توقيع بريدك الإلكتروني، مثل: “ملاحظة: قد أرسل رسائل بريد إلكتروني خارج أوقات العمل لتنظيم وقتي، لكن لا يُتوقع منك الرد خارج ساعات عملك الرسمية”. وأيضًا، من الأفضل جدولة إرسال الرسائل غير العاجلة إلى يوم العمل التالي.
٢- التزم بحدود العمل لحماية وقتك وتركيزك
بعد إجراء حوار حول الحدود، تمسك بحدودك بصرامة لمنع المقاطعات قبل حدوثها. قد يكون ذلك تحديًا صعبًا، لكن يمكنك اختيار وتطبيق بعض الأساليب التالية وفقًا لدورك وثقافة عملك.
اجعل لنهاية يوم العمل روتينًا ثابتًا: خصص من 15 إلى 20 دقيقة قبل انتهاء عملك، للتواصل مع الزملاء الذين قد يحتاجون إليك خارج ساعات العمل. إذا كانت لديهم استفسارات سريعة، فحاول الإجابة عنها خلال هذا الوقت. كما يمكنك وضع خطة لنهاية اليوم لتحديد كيفية إنجاز المهام غير المكتملة في اليوم التالي، مما يساعدك في إنهاء يوم العمل دون أن تبقى مشغول الذهن بالمهام المتبقية.
استخدم التقويم لتنظيم وقتك: حدد في تقويمك أوقات العمل وأوقاتك الشخصية، حتى لا يقوم الآخرون بجدولة الاجتماعات في أوقات غير مناسبة. كما تُفضّل متابعة التقويمات المشتركة لفريقك؛ حيث تُظهر مواعيد الإجازات أو المناسبات الشخصية المهمة للزملاء، مما يساعدك في تخطيط جدول أعمالك بما يتناسب مع الجميع.
تعيين بديل احتياطي: يجب على كل موظف، بمن فيهم أنت، تعيين شخص بديل للمشاريع المهمة؛ أي شخص ليس المسؤول الرئيس عن المشروع، لكنه يمتلك معرفة كافية تمكنه من الإجابة عن الاستفسارات، أو إنجاز المهام الأساسية عند غياب المسؤول الأساسي. يسهم هذا الإجراء في تقليل الحاجة إلى التواصل خارج أوقات العمل، كما يساعد في ضمان استمرارية العمل بسلاسة في حال حدوث تغييرات مفاجئة؛ مثل استقالة أحد الموظفين، أو تعرضه لوعكة صحية، أو خروجه في إجازة.
إعداد رد تلقائي للبريد الإلكتروني خارج ساعات العمل: بالنسبة للشركات التي تعمل على مدار الساعة، أو التي لديها فرق تعمل في مناطق زمنية مختلفة؛ قد يكون من الضروري إتاحة المعلومات باستمرار. يمكن استخدام الرد التلقائي للبريد الإلكتروني خارج أوقات العمل لتوجيه الاستفسارات الشائعة إلى المصادر المناسبة؛ مثل المساعد الإداري، أو قسم معين، أو مستند مهم، أو أي مصدر معلومات متاح لكن قد يصعب الوصول إليه.
التخلص من الفوضى ومصادر الإلهاء: حاول تقليل مصادر الإلهاء قدر الإمكان، سواء من المؤثرات الخارجية؛ مثل إيقاف الإشعارات أو تفعيل وضع “التركيز” على أجهزتك، أو من المشتتات الشخصية؛ مثل إبعاد هاتف العمل عن متناولك بوضعه في غرفة أخرى.
توزيع فترات التوفر خارج ساعات العمل بالتناوب: في الوظائف التي تتطلب الاستجابة خارج ساعات العمل بشكل متكرر؛ مثل خدمة العملاء أو الشركات التي تعمل على مدار الساعة، يمكن تحديد نظام تناوب بين الموظفين ليكون كل منهم متاحًا خلال أوقات معينة. يساعد هذا النهج في ضمان توفر الدعم للعملاء والموظفين عند الحاجة، مع تنظيم أوقات الانقطاعات وجعلها أكثر توقعًا وسهولة في الإدارة.
الاستفادة من اختلاف التوقيت في المناطق المختلفة: إذا كنت تعمل في شركة لديها مكاتب في مناطق زمنية مختلفة، يمكنك التنسيق مع زميل يعمل في منطقة زمنية أخرى ليكون كل منكما نقطة اتصال للرد على الاستفسارات خارج ساعات العمل للآخر.
ولنجاح هذا الأسلوب، يجب توزيع المهمة بين جميع أعضاء الفريق، بدلًا من الاعتماد على أفراد محددين فقط.
التعامل مع المقاطعات الضرورية لحدود العمل
في بعض الحالات، قد لا تكون الحدود واضحة تمامًا، وقد تحدث انقطاعات خارج ساعات العمل بشكل لا يمكن تجنبه. إذا وجدت نفسك بحاجة إلى التواصل مع أحد الموظفين خارج أوقات عمله:
- استخدم التوضيح والتبرير
إذا اضطررت إلى التواصل مع أحد الموظفين خارج ساعات العمل، فمن المهم توضيح سبب المقاطعة لوقته الخاص.
اعترف بأنك تتجاوز الحدود المحددة، وقدم تفسيرًا واضحًا لسبب ضرورة هذا الاستثناء، قد يشعر الموظف بأن انتهاك حدوده نوع من عدم الاحترام؛ لذا من الضروري إبداء التقدير وتوضيح أهمية الأمر لإصلاح أي تأثير سلبي، يساعد شرح سبب المقاطعة، وتوضيح السياق وأهميتها والفوائد المتوقعة، في تقليل الانزعاج وتحسين تقبل الموظف لهذا الانقطاع. يقلل تبرير سبب المقاطعة من التأثير السلبي لها، قد يبدو تقديم تبرير للانقطاع أمرًا بسيطًا، لكنه يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا؛ فقد أظهرت الدراسات أن شرح سبب المقاطعة يمكن أن يقلل المشاعر السلبية المرتبطة بها بنسبة تصل إلى 35٪. المثير للاهتمام أن المديرين غالبًا ما يتلقون تفسيرات عند مقاطعتهم، لكنهم لا يقدمون التوضيحات نفسها عند مقاطعة الآخرين. وهذا يشير إلى نقطة غائبة عن إدراكهم، لكنها فرصة لتعزيز هذا النهج على جميع المستويات داخل المؤسسة. مراجعة أسباب المقاطعة والعمل على تفاديها بعد أي مقاطعة خارج ساعات العمل؛ فكر في كيفية تجنب حدوث ذلك مستقبلًا. هل هناك خلل معين، أو نقطة ضعف في النظام أدت إلى هذا؟ يمكن أن يساعدك التواصل مع مديرك المباشر في إيجاد حلول تقلل من تكرار هذه المواقف.
أما إذا كنت الشخص الذي تمت مقاطعته خارج العمل؛ فقم بالتأجيل عند الحاجة، وقبل الرد على الطلب، قيّم مدى الحاجة؛ هل هي حقًّا تستدعي استجابة فورية؟
إذا لم يكن الأمر عاجلًا، فاقترح موعدًا لاحقًا لمناقشته؛ مثل: “يمكننا التحدث عن هذا في الساعة 9 صباحًا يوم الاثنين”. بهذه الطريقة، تخفف الضغط عن نفسك مع الحفاظ على تواصلك بشكل مهني ومسؤول.
أسئلة تساعدك في اتخاذ القرار:
“ما الذي سيحدث إذا لم أردّ على هذا الآن؟”، و”هل يمكنني اقتراح شخص آخر متاح حاليًّا للتعامل مع هذا الأمر؟”.
قم بتحديد وقت معين إذا اضطررت للرد على الطلب؛ مثل: “سأخصص 30 دقيقة لهذا الأمر الآن، ثم يجب أن أتابع مهامي الأخرى”. بحسب الموقف، قد يكون من المفيد ضبط مؤقت لتجنب الانشغال غير المقصود بالعمل لفترة أطول من اللازم. سيساعدك تحديد وقت انتهاء واضح، وإبلاغ الآخرين به، في منع استنزاف وقتك الشخصي والحفاظ على توازنك بين العمل والحياة.
تعزيز القدرة على استعادة التركيز
أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على إعادة تركيز انتباههم بسرعة بعد أي انقطاع، يكونون أكثر قدرة على التعامل مع المقاطعات خارج ساعات العمل، واستعادة تركيزهم بكفاءة. كما أنهم يواجهون إرهاقًا أقل، ويكونون أكثر تفاعلًا وإنتاجية في العمل وفي حياتهم الشخصية. يمكن أن تساعد تقنيات اليقظة الذهنية في تطوير هذه المهارة وتعزيز القدرة على التكيف مع الانقطاعات بشكل أفضل.
كيفية استعادة تركيزك على حياتك الشخصية بعد مقاطعتك خارج أوقات العمل: يمكنك تدريب نفسك على العودة إلى حياتك الشخصية بعد أي انقطاع، من خلال اتباع بعض الممارسات البسيطة -لكنها فعالة- مثل التركيز على إحساسك بجسدك، وملاحظة محيطك، والانتباه لأفكارك ومشاعرك تجاه ما كنت تفعله قبل الانقطاع. يمكنك أيضًا طرح أسئلة تساعدك في إعادة التركيز، أو أخذ نفس عميق، أو التعبير بصوت عالٍ عن نيتك للعودة إلى نشاطك السابق واستكماله بتركيز.
مع انتشار نموذج العمل الهجين بين العمل التقليدي والعمل عن بُعد، تصبح الشركات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تدرك أهمية تحقيق التوازن بين العمل والحياة كجزء من استراتيجيتها. عندما توفر المؤسسات بيئة داعمة وتمكّن الموظفين من تحقيق هذا التوازن، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعزيز التفاعل الوظيفي. إضافةً إلى ذلك، فإن تبنّي سياسات واضحة لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، يساعد الشركات في جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، حيث أصبحت هذه السياسات عاملًا مهمًّا يميز الشركات في سوق العمل التنافسية. بشكل عام، التكامل بين العمل والحياة لا يهدف فقط إلى تلبية احتياجات الموظفين الشخصية؛ بل يعكس أيضًا التغيرات التي طرأت على طبيعة العمل؛ لذلك، فإن النجاح في هذا العصر الجديد يتطلب وضع حدود واضحة وتعزيز بيئة عمل صحية، وهو أمر يملك القادة دورًا أساسيًّا في تحقيقه.
