هل يمكن للشركات أن تحقِّق النجاح من خلال تقديم الخير؟ يُطرَح هذا السؤال كثيرًا – لكن احذر من الخيارات الزائفة عند التفكير فيه. في عالم الأعمال، لا يوجد انقسام صارم بين النجاح وتقديم الخير؛ فالأمر ليس خيارًا بين أحدهما أو الآخر. بل إن الفائدة المجتمعية والربحية هما من بين المعايير التي تعتمدها الشركات لاتخاذ قراراتها. في الواقع، أي شركة ستكون في وضع أفضل إذا حققت الفوائد المالية والاجتماعية معًا؛ وخلقت تآزرًا بينهما.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن على التنفيذيين أن يغفلوا عن أهداف ومهمة الشركة. فلا يوجد سبب يجعل بعض أنواع الأعمال الخيرية –مثل التبرع بالأموال لمجالات لا ترتبط بنشاط الشركة– تمنح ميزة استراتيجية خاصة للشركة. ولكن إذا تمكنت الشركة من دمج الفوائد التي تقدِّمها للمجتمع على نحوٍ وثيق مع أعمالها القائمة، فإن هذا الدمج يمكن أن يكون منطقيًّا ومفيدًا جدًّا للشركة. على سبيل المثال، قد يتعرف العاملون داخل المؤسسة إلى قدرات داخلية يمكنهم تطويرها لمعالجة مشكلة مجتمعية، وفي الوقت ذاته توسيع سوق الشركة.
كما أصف في كتابي “سوبركورب”، فإن بعض الشركات الذكية تكتشف أن تضمين التركيز على إفادة المجتمع في مهمتها يمكن أن يساعدها على تحقيق ميزة تنافسية. هذه الشركات، التي تتصدر طليعة إنشاء نموذج أعمال جديد، اكتشفت أن الالتزام بمعالجة المشكلات المجتمعية يمكن أن يكون أحد جوانب خلق ثقافة مؤسسية تؤدي إلى أداء عالٍ وأرباح مرتفعة. (ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أنه لا توجد شركة تجسِّد هذا النهج الطموح في الإدارة على نحوٍ كامل؛ فجميع الشركات لديها عيوب، ولا تحقق أيٌّ منها مثالياتها طوال الوقت).
ثمة أسباب عدَّة تجعل دمج الخير المجتمعي في الاستراتيجية يساعد على تحسين أداء الشركة على المدى الطويل. فمن جهة، يمكن أن يساعد ذلك على تعزيز مكانة الشركة في أعين كثيرٍ من الأطراف المهمة: قاعدة عملائها، وموظفيها، والجمهور العام. وعلى نحوٍ خاص، فإن المهمة التي تتضمن خدمة المجتمع يمكن أن تحفِّز الموظفين – وخاصة الجيل الأصغر الذي يبحث عن معنى في العمل. كما أن وجود قيم قوية ومهمة تدمج الخير المجتمعي يمكن أن يساعد الشركات متعددة الجنسيات على الحفاظ على ثقافة متماسكة رغم تنوع القوى العاملة عالميًّا، وعمليات الاندماج والاستحواذ، والأسواق سريعة التغير لمنتجات أو خدمات الشركة. (بمعنى آخر، إذا كانت لدى الشركة قيم قوية، فقد يتغير ما تبيعه، لكن ما تمثله لن يتغير). وأخيرًا، فإن التفكير في المشكلات المجتمعية يمكن أن يحفِّز التفكير الابتكاري من خلال تعريض الموظفين لأفكار ووجهات نظر جديدة.
تقدِّم شركة بروكتر آند جامبل (P&G) مثالًا جيدًا على كيف يمكن للتفكير في المشكلات المجتمعية أن يساعد الشركة على الابتكار ضمن خطوط أعمالها التقليدية. فقد أعادت P&G بناء أعمالها ونموها في البرازيل من خلال جعل موظفيها يعيشون في منازل منخفضة الدخل (وهي سوق غير مستغلَّة لـ P&G في البرازيل آنذاك)، وابتكار منتجات وتعديلات جديدة كثيرة، مثل مسحوق غسيل ميسور التكلفة وصديق للبيئة ولليدين لأولئك الذين لا يملكون غسالات ويغسلون الملابس يدويًّا. وانتشرت هذه الأفكار إلى دول أخرى وأثَّرت في إطلاق منتج “تايد بيسك” في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد نسب موظفو P&G هذا النجاح إلى ضرورة الالتزام بهدف الشركة المتمثل في خلق منتجات “تحسِّن حياة المستهلكين حول العالم”؛ ما حفَّزهم على البحث عن طرائق يمكنهم من خلالها الإسهام في تحسين حياة المستهلكين ذوي الدخل المنخفض في بلادهم.
على نحوٍ عام، السبب وراء رغبة كثيرٍ من الشركات الآن في دخول الأسواق الناشئة هو أن هذه الأسواق تشهد نموًّا. لكن الشركات تكتشف أن ثمة الكثير من الاحتياجات الاجتماعية والبيئية في الأسواق الناشئة بحيث يمكن أن تكون تلك الاحتياجات مصدرًا جيدًا لأفكار منتجات أو خدمات جديدة يُقبل الناس على دفع المال مقابلها، مثل إمكانية الوصول إلى الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول. وتقديم مثل هذه الخدمات هو عمل جيد، وفي الوقت نفسه يسهم في تطوير المجتمع.
على المدى الطويل، يجب على الشركات أن تقدِّم بعض الخير للمجتمع كي تواصل تحقيق النجاح المالي. فعلى نحوٍ أساسي، الشركات التي لا تقدم الخير بطريقة أو بأخرى ستواجه مشكلات في نهاية المطاف. قد لا تكون هذه المشكلات فورية، لكن من الأمور التي أحدثتها التكنولوجيا أنها جعلت المعلومات المتعلقة بسلوك الشركة في أيِّ مكان في العالم متاحة بسهولة أكبر للناس في جميع أنحاء العالم. لدينا الآن وعي عام أكبر بما يحدث في كل مكان، وفي عصر الإنترنت، يمكن أن تتكرر مناقشة مشكلات سلوك الشركة مرارًا وتكرارًا.
إذا اتبعت الشركات نهجًا استباقيًّا، يمكنها تحويل هذا الوعي الاستهلاكي المتزايد إلى فائدة. خذ مثلًا شركة ستاربكس التي تتخذ من سياتل مقرًّا لها. منذ سنوات عدة، بدأ بعض المستهلكين يطرحون أسئلة عن ظروف زراعة البن وحثّوا الشركة على تقديم قهوة التجارة العادلة. ومنذ ذلك الحين، استفادت ستاربكس كثيرًا من معرفة المستهلكين بأن الشركة تقدِّم قهوة التجارة العادلة، وأن لدى ستاربكس سمعة جيدة في المسؤولية الاجتماعية. إن أهمية إفادة المجتمع ليست ظاهرة جديدة في عالم الأعمال. تاريخيًّا، لطالما حققت الشركات النجاح من خلال العمل الجيد. فإذا باعت شركة ما سيارات معيبة، فلن تستمر في العمل طويلًا، ولذلك تبيع شركات السيارات السلامة كإحدى مزاياها، والسلامة منفعة مجتمعية. اليوم، نَعُدُّ الكثيرَ من المنافع المجتمعية التي توفرها الشركات أمرًا مسلَّمًا به.
بالنسبة إلى قادة الأعمال، ينبغي أن يكون التفكير في خلق منافع مجتمعية من خلال الأعمال جزءًا من وضع الاستراتيجية؛ ففي عالم اليوم المعقد، أصبح ذلك جزءًا من أدوات المديرين لتنمية وتطوير الأعمال على المدى الطويل؛ لم يعُد نشاطًا جانبيًّا أو فكرة لاحقة، بل أصبح ضرورة رئيسة تؤثر في كل جانب من جوانب العمل. فإذا بدأت بصفتك قائد أعمال في التفكير بعمق في كيفية نمو شركتك في المستقبل، وأين ستكون الأسواق الجديدة، فهذا يعني التفكير في المشكلات التي لم تُحلَّ والاحتياجات التي لم تُلبَّ بعد. إن معالجة بعض تلك المشكلات وتلبية بعض تلك الاحتياجات يمكن، إذا تمَّ على نحوٍ جيد، أن يعود بالنفع على شركتك وعلى العالم الأكبر أيضًا.
عن المؤلفة
روزابيث موس كانتر: هي أستاذة إدارة الأعمال في كلية هارفارد للأعمال، وتحمل كرسي إرنست إل. آرباكل. وهي مؤلفة الكثير من الكتب؛ منها Supercorp: How Vanguard Companies Create Innovation, Profits, Growth and Social Good (New York: Crown Business, 2009).
