ماركوس بيركمان، وأمون سالتر
حول البحث
تستند هذه المقالة إلى سلسلة من المشاريع البحثية التي أجراها المؤلفان في السنوات الأخيرة؛ إذ أُجريت موجتان من الاستطلاعات المتطابقة في عامَي 2004م و2009م، وجُمعت ردود من مئات الشركات المتعاونة مع الجامعات وآلاف العلماء الأكاديميين. كما أجرى المؤلفان مئات المقابلات الرسمية التي استغرق كلٌّ منها ساعة في الأقلِّ مع مديري الشركات ورواد الأعمال والعلماء الأكاديميين في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد حُلِّلت هذه المواد باستخدام تقنيات البحث الاستقرائي، بما في ذلك دراسة عن كيفية توليد العلماء الأكاديميين لرأس المال الأكاديمي من العمل مع الصناعة، ودراسة معمَّقة عن اتحاد الجينوميات الهيكلية، ودراسة مقارنة لمراكز التعاون بين الجامعات والصناعة. وأخيرًا، يستند المؤلفان إلى مواد ثانوية واسعة النطاق، ناتجة عن مراجعة منهجية للأدبيات العلمية لجميع المقالات المحكَّمة المنشورة بين عامَي 1990م و2011م تتعلق بمشاركة العلماء الأكاديميين مع الصناعة.
***
تدرك الشركات على نحوٍ متزايد أنه لكي تبتكر بنجاح لا يمكنها الاعتماد فقط على البحث والتطوير الداخلي لديها. إن العمل مع شركاء خارجيين يتيح لها الوصول إلى مصادر مختلفة من المعرفة وتوفير تكاليف البحث والتطوير. وتُعدُّ الجامعات من بين الشركاء الخارجيين الذين يقدمون وعودًا كبيرة؛ إذ تتيح الوصول إلى مجموعة هائلة من المواهب والمهارات على مستوى العالم.
أحيانًا يظن المديرون أن التعامل مع الجامعات يقتصر فقط على “نقل التكنولوجيا”. وبينما أدَّى استخدام الملكية الفكرية المملوكة للجامعات إلى الكثير من الابتكارات في الأعمال، فإنه مجرد جزء بسيط من الصورة. وبدلًا من الاكتفاء بترخيص الاختراعات، ثمة فرصة أخرى غالبًا ما لا تُقدَّر حقَّ قدرها؛ وهي أن تحصل الشركات على مساعدة من الجامعات طوال دورة حياة مشاريعها الابتكارية. فعلى سبيل المثال، في المملكة المتحدة، تنفق الشركات بالفعل أكثر من عشرين ضعفًا على التعاون مع الجامعات مقارنةً بترخيص التكنولوجيا منها.
ومع ذلك، فإن العمل مع الجامعات يفرض تحديات كبيرة على المديرين. وثمة مشكلتان أساسيتان تؤثران في التعاون. أولًا، الطبيعة المفتوحة للعلوم الأكاديمية تتعارض أحيانًا مع حاجة الشركات إلى حماية التقنيات التي تستخدمها. ثانيًا، بينما يركز البحث الأكاديمي على التحديات طويلة الأجل وقد يتحرك بوتيرة أبطأ، فإن البحث والتطوير الصناعي مدفوع بمشروعات تطوير المنتجات الحساسة للوقت وحلِّ المشكلات اليومية. ونتيجة لذلك، قد تجد الشركات أحيانًا أن الجامعات بطيئة جدًّا وبيروقراطية جدًّا لتكون شريكًا جيدًا. ونظرًا لأن نفقات البحث والتطوير في التعليم العالي في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمثل قرابة 160 مليار دولار سنويًّا، فإن الشركات التي لا تعمل مع الجامعات قد تفوِّت فرصًا ذات أهمية كبيرة.
وتتفاقم هذه التوترات بسبب حقيقة أن التعاون بين الشركات والجامعات غالبًا ما يتم بطريقة عشوائية ومجزَّأة، ويقوده أفراد بمبادرات شخصية بدلًا من أيِّ استراتيجية مؤسسية. فالمديرون الذين لا يمكن أن يتخيلوا ترك علاقاتهم مع العملاء أو الموردين للصدفة ودون تخطيط قد يتبعون نهجًا عشوائيًّا في علاقاتهم مع الجامعات؛ ما قد يؤدي إلى تكرار الجهود، وفقدان الفرص أو النزاعات حول الملكية الفكرية.
يشير بحثنا إلى أن الشركات يمكنها هيكلة علاقاتها مع الجامعات بطرائق تجعلها أكثر قيمة بكثير. (انظر “حول البحث”). ولتحقيق ذلك، يجب على الشركات أن تتبنى الجامعات بنشاط، وتستفيد من الاختلافات بين الصناعة والأوساط الأكاديمية لصالحها. كما يقول كلاوس أوتو، مدير البرنامج في شركة رويال داتش شل: “من المهم أن تسأل نفسك: ما الذي يمكن لمراكز الجامعات هذه أن تفعله على نحوٍ أفضل أو مختلف عما نستطيع نحن القيام به؟” فعلى سبيل المثال، تستثمر شركة شل في شراكات جامعية في المجالات التي لا يكون من المنطقي بعدُ بالنسبة إلى الشركة بناءُ قدراتٍ تكنولوجية واسعة فيها.
للاستفادة من القيمة التي تقدمها الجامعات، نرى أن على المديرين التنفيذيين في الشركات أن يأخذوا بعين الاعتبار بُعدَين أساسيين؛ الأول هو الأفق الزمني للتعاون. فالتعاون قصير الأجل مفيد، وشائع، وسهل التنفيذ نسبيًّا إذا كان مستهدفًا ومتوافقًا مع طرائق عمل الجامعات والأكاديميين. ومع ذلك، فهو يتطلب هيكلة إبداعية؛ إذ إن سرعة عمل البحث الأكاديمي والممارسة التجارية قد تختلفان على نحوٍ كبير. وعلى النقيض، يفكر كثيرٌ من الأكاديميين على المدى الطويل، ويمكن أن يكون ذلك ميزة للشركات لأنه قد يساعد على التغلب على ميل المديرين إلى التركيز على الربع المالي القادم. إن “الرهان على المدى الطويل” مع الأكاديميين في البحث عن أفكار جديدة يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة من الإمكانيات، بل ويساعد على خلق نظام ابتكار جديد يدعم الشركة مدة خمس أو عشر سنوات في المستقبل. ومع ذلك، فإن مثل هذه الشراكات طويلة الأجل تتطلب استثمارًا أكثر صبرًا واهتمامًا إداريًّا بتصميم وإدارة التعاون، وإلا فقد تنحرف بسهولة عن مسارها.
البُعد الثاني هو درجة الإفصاح عن نتائج الشراكة. فالانفتاح يسهِّل النشر السريع، وهو شريان الحياة للعلوم العامة، وله ميزة تقليل تكاليف المعاملات المتعلقة بالملكية الفكرية. أما بالنسبة إلى الشركات، فإن الحماية تسهِّل عملية تسويق الاكتشافات.
إذا جمعنا هذين البعدين، يمكننا أن نرى أربعة أنماط مختلفة من التعاون:
- مختبر الأفكار؛ إذ يضع المديرون جانبًا رغبتهم في السرية، ويعملون مع الأكاديميين لابتكار خيارات واتصالات جديدة.
- التحدي الكبير؛ إذ يعمل المديرون والأكاديميون معًا لإنشاء قاعدة معرفية جديدة ستتم مشاركتها في المجال العام.
- منصة العمل الموسعة؛ إذ يعمل المديرون بسرعة مع شركاء جامعيين على مشكلات وحلول خاصة.
- الاستكشاف العميق؛ إذ تُنشئ الشركة علاقات قوية وطويلة الأمد مع شركاء جامعيين؛ ما يمنحها حقوق الأولوية في ترخيص نتائج التعاون. (انظر “أربعة نماذج للتعاون بين الجامعات والصناعة”).
أربعة نماذج للتعاون بين الجامعات والصناعة
لكلٍّ من النماذج الأربعة للتعاون بين الصناعة والجامعات التي نوقشت في هذه المقالة فوائد وعيوب. وسيعتمد أفضل نموذج لشركتك على كلٍّ من أهدافك وقدراتك – وأهداف وقدرات شركائك الأكاديميين.
| مختبر الأفكار | التحدي الكبير | منصة العمل الموسعة | الاستكشاف العميق |
| ما الذي تريد تحقيقه؟ | • جذب شركاء جدد • بناء علاقات • توليد خيارات | • تشكيل منظومة الابتكار • تطوير أجندة البحث • مواجهة التحديات المجتمعية • توظيف خريجين موهوبين | • حل المشكلات القريبة الأجل • الحصول على المشورة والدعم |
| كيف يمكنك هيكلة التعاون؟ | • عقود بسيطة وموحَّدة • دعوات مفتوحة • تحديد أولويات البحث • اختيار داخلي | • مركبات ذات غرض خاص • اتحادات صناعية عالية التأثير • أوقاف أو مراكز جامعية | • اتفاقيات استشارية مع أكاديميين أفراد • اتفاقيات بحثية تعاقدية مع الجامعة • مشاريع طلابية |
| أمثلة | • برنامج أبحاث الابتكار في HP Labs • جوائز هيئة التدريس في IBM | • اتحاد الجينوميات الهيكلية • تحدِّي Shell الكبير | • عقود البحث التطبيقي مع Nokia • غالبًا ما تُمارس ضمن شراكات أكبر |
- مفتوحة، قصيرة الأجل: مختبر الأفكار
في هذا النوع من التعاون، تُشرِك الشركات شركاء جامعيين للعمل على مشكلات قصيرة الأمد نسبيًّا، مع توفير خيار للأكاديميين لنشر النتائج علنيًّا. للوهلة الأولى، يبدو أن هذا النوع من التعاون يحقق فائدة قليلة للشركات، نظرًا لعدم قدرتها على احتكار نتائج البحث حصريًّا. ومع ذلك، فإن الاستكشاف المفتوح له سلسلة من المزايا. أولًا، يمكن أن يعمل كـ “وعاء عسل”؛ إذ يساعد على جذب الأكاديميين إلى مشكلات وتحديات الأعمال التجارية. ولمَّا كانت هذه المشاريع متوافقة جيدًا مع المعايير الأكاديمية، يجد كثيرٌ من العلماء طرائق لاكتساب رأس مال أكاديمي حتى من الأبحاث التطبيقية التدريجية. ثانيًا، وكما هي الحال في المواعدة السريعة، يسمح الاستكشاف المفتوح للشركات ببناء العلاقات واختبارها. عادةً ما تكون هذه المشاريع صغيرة النطاق، ونظرًا لغياب قضايا الملكية الفكرية الحساسة، يسهل تأسيسها وإدارتها. أحد الأمثلة الناجحة على هذا النهج هو برنامج الأبحاث الابتكارية في مختبرات HP. كل عام، تطلب مختبرات HP أفكارًا من الأكاديميين عن مواضيع بحثية مختارة بهدف بناء تعاونات بحثية جديدة. تُراجَع المقترحات بوساطة HP وتُختار بناءً على توافقها مع اهتمامات HP واحتياجاتها. وعلى الرغم من أن حجم المنح متواضع (50,000–75,000 دولار)، تتلقى HP نحو 500 مقترح سنويًّا، وتختار ما يقارب 50 منها. لإدارة الملكية الفكرية لهذه المشاريع، تستخدم مختبرات HP اتفاقية بحث تعاوني موحَّدة تتيح للأكاديميين نشر نتائجهم، لكنها تمنح HP أيضًا الحقَّ غير الحصري في استخدام النتائج. مثال آخر هو برنامج “Grants4Targets” لشركة Bayer AG، الذي يقدم منحًا تتراوح بين 5,000 و125,000 دولار للباحثين الراغبين في استكشاف أهداف الأدوية والتحقق منها. تُقلَّل البيروقراطية عمدًا إلى الحدِّ الأدنى، ويُخصَّص عالم من Bayer بصفته شريكًا في المشروع للمتقدمين الناجحين.
تسمح هذه الأنواع من البرامج للشركات باختبار قدرة الأستاذ الجامعي على العمل في مشاريع ذات صلة بالصناعة وقيادته للمشاريع في الوقت المناسب. ولهذا الغرض، ينبغي للشركات اختيار مشاريع منخفضة المخاطر نسبيًّا ولا تؤدي إلى تكاليف فرصة كبيرة أو أضرار أخرى إذا فشلت. غالبًا ما يكون هذا النوع من المشاريع متعلقًا باختبار أفكار قد تكون لدى موظفي البحث والتطوير في الشركة ولكنها لا تستحق حتى الآن استثمارًا كبيرًا داخل الشركة. كما يمكن أن يوفِّر التعاون المفتوح وسيلة لاستكشاف خيارات لمستقبلات مختلفة. يقترح كلاوديو مارينيلي، مدير الابتكار المفتوح والبحث الأكاديمي في مركز أبحاث نوكيا التابع لشركة .Nokia Corp، أن قيمة معظم هذه التعاونات تكمن في المفاهيم أكثر من الحلول الجاهزة. إن إقامة تعاونات صغيرة النطاق مع عدد من الأطراف، وربما دوليًّا، يشكل وسيلة فعالة من حيث التكلفة لاختبار المياه في مجموعة متنوعة من مجالات البحث الناشئة. على سبيل المثال، جوائز هيئة التدريس في IBM هي برنامج يتيح لشركة IBM اكتساب رؤًى عن أحدث الأبحاث من جميع أنحاء العالم بتكلفة متواضعة. يرشح موظفو IBM أفرادًا لتعزيز التعاون وتعزيز التنمية التعليمية. الجوائز صغيرة (40,000 دولار) وليست تعاقدية. ولا يُنَصُّ على أيِّ ملكية فكرية كجزء من الجائزة، وتشجع IBM بقوة نشر نتائج البحث. وفي عام 2010م، كان ثمة 105 جوائز في أكثر من 70 مؤسسة مختلفة في 20 دولة.
كيف ينبغي للشركات القيام بمثل هذه الاستكشافات المفتوحة قصيرة الأمد؟ أولًا، من المهم أن تشرح الشركات المشكلات بطريقة تساعد الأكاديميين على العمل نحو حلول مفيدة. ثانيًا، يجب أن تظل العقود مع الجامعة بسيطة قدر الإمكان. ثالثًا، يجب ألا يكون التركيز في إدارة المشروع على التسليم في الوقت المناسب، بل يكون على النتائج. كما يقدّر الأكاديميون أيضًا عندما لا يكون المشروع محددًا على نحوٍ مفرط؛ ما يترك لهم حرية اختيار الأساليب والأهداف.
من الواضح أن ثمة مخاطر مرتبطة بهذا النوع من التعاون. من منظور الشركة، من المرجح أن تكون النتائج منحازة بشدة، مع عدد من المشاريع التي ستُسفر عن بعض النتائج ولكنها لن تؤدي بالضرورة إلى لحظات اكتشاف بارزة، وعدد من الإخفاقات. ومع ذلك، إذا نُفِّذت سلسلة من المشاريع ضمن محفظة، يمكن التخفيف من هذا الخطر، جزئيًّا؛ لأن تكلفة كل مشروع منخفضة نسبيًّا. أخبرنا أحد التنفيذيين في شركة نفط كبرى أنه سيكون سعيدًا إذا أسفر 20% من مثل هذه المشاريع الاستكشافية عن بعض النتائج الإيجابية بعد عامين. أما النسبة غير الناجحة البالغة 80% فيتم إنهاؤها.
ثمة خطر آخر يتمثل في أن الشركة قد تفشل في استيعاب الدروس المستفادة من هذا النوع من المشاريع؛ إذ تتطلب كثيرٌ من الحالات مشاريع متابعة لتحقيق الفائدة الكاملة من البحث. ولضمان التغلب على هذه المخاطر، ينبغي للمديرين السعي لتعميق وتوسيع العلاقات الواعدة من خلال تعيين مسؤول داخلي للعمل جنبًا إلى جنب مع الشريك الأكاديمي الخارجي وإنشاء ترتيب طويل الأمد أكثر.
- مفتوحة وطويلة الأمد: التحديات الكبرى
العمل على “التحديات الكبرى” المفتوحة وطويلة الأمد هو المجال المثالي لمعظم الأكاديميين، الذين غالبًا ما يزدهرون عند مواجهة المشكلات الكبيرة. ويمكن للشركات أيضًا الاستفادة من هذا النوع من التعاون، بشرط أن تكون الأهداف محددة جيدًا وأن يُنظَّم التفاعل بعناية. فعلى سبيل المثال، يُعدُّ اتحاد الجينوميات الهيكلية مبادرة من شركات الأدوية مثل غلاكسو سميث كلاين وميرك ونوفارتس لإجراء أبحاث أساسية على البروتينات ذات الصلة باكتشاف الأدوية. ومع ذلك، توضَع جميع نتائج هذا البحث في المجال العام دون أيِّ قيود.
ما الذي تكسبه الشركات من رعاية مثل هذه المشاريع المفتوحة للابتكار؟ بالنسبة إلى الشركات، قد يكون من المنطقي تمويل أبحاث مفتوحة وطويلة الأمد حتى وإن فقدت القدرة على الاستفادة من النتائج من الناحية القانونية. وأحد المواقف التي يكون فيها ذلك منطقيًّا هو عندما يدرك كبار اللاعبين في الصناعة أن ثمة حاجة إلى عمل جماعي لمواجهة التحديات الأساسية التي تواجه الصناعة بأكملها. فعلى سبيل المثال، في قطاع الأدوية، يدرك التنفيذيون جيدًا أن تكلفة تطوير الأدوية في ارتفاع مستمر، في حين إن إنتاجية البحث في تراجع. وفي هذا السياق، يعتقد مالكولم سكينغل، مدير الاتصال الأكاديمي في شركة غلاكسو سميث كلاين، أنه قد يكون من المنطقي الاستثمار الجماعي في بناء موارد مشتركة للصناعة لإحداث تغيير جذري في سرعة إنتاج المعرفة الجديدة. ويوافقه الرأي نظراؤه في ميرك ونوفارتس وفايزر، وقد استثمروا معًا في مبادرات العلم المفتوح رغم أنهم في الأصل منافسون شرسون.
ثانيًا، قد تسعى الشركات إلى خلق مجالات وأسواق جديدة من خلال تمويل برامج بحثية جديدة. فمثل هذا البحث من المؤكد أن ينتشر بسرعة وعلى نطاق أوسع مقارنةً بنتائج المبادرات الأكثر حماية؛ ما يتيح للشركات تشكيل المجالات الناشئة. فعلى سبيل المثال، موَّلت شركة IBM مبادرات بحثية كبرى في علم الخدمات؛ ما مكَّنها من تشكيل المشكلات والأجندات لهذا التخصص الناشئ. ويمكن للبرامج البحثية المفتوحة أن تجذب أبحاثًا لاحقة من الأكاديميين الذين ربما لم يكونوا جزءًا من المبادرة الأصلية. وقد يكون هذا الإنتاج اللاحق للمعرفة آلية قوية لتشكيل منصات المصادر المفتوحة، وجذب الآخرين إلى معايير وقواعد معيَّنة، وبالتالي زرع نظام بيئي جديد للابتكار. فعلى سبيل المثال، بعد أن قررت مجموعة أروب، وهي شركة هندسية رائدة، إطلاقَ مجموعة خدمات هندسة الحرائق في أواخر التسعينيات، استثمرت في برنامج طويل الأمد مع الجامعات لإنشاء نظام بيئي جديد للابتكار عن سلامة الحرائق في المباني. (انظر “كيف استثمرت أروب فاير في نظام بيئي جديد للابتكار.”)
كيف استثمرت أروب فاير في نظام بيئي جديد للابتكار
عندما قرَّرت مجموعة أروب، وهي شركة هندسية رائدة عالميًّا، إطلاق مجموعة خدمات هندسة الحرائق الجديدة في أواخر التسعينيات، أدركت الشركة أنها تواجه مشكلة. فهندسة الحرائق —تصميم المباني لجعلها آمنة في ظل الأحداث القصوى— كانت مجالًا جديدًا يفتقر إلى المصداقية العامة أو المهنية. تقليديًّا، كانت استراتيجيات مكافحة الحرائق في المباني تخضع للوائح ثابتة. ومع ذلك، أظهرت هندسة الحرائق أن استراتيجيات التحكم في الحرائق القائمة على الأداء غالبًا ما تكون أكثر كفاءة من التنظيم القائم على القوانين، خاصة في المباني المعقدة. ولإقناع المنظمين ورجال الإطفاء والمطورين بأن المباني غير المطابقة للقانون آمنة، استثمرت أروب في برنامج طويل الأمد مع الجامعات لإنشاء نظام بيئي جديد للابتكار يتعلق بسلامة الحرائق في المباني. ودعمت الشركة المؤتمرات، وطلاب الدكتوراه، والأساتذة الأفراد، ومشاريع البحث التعاونية، والمعايير الصناعية، ومنصات البرمجيات المشتركة. وقد أدَّى هذا البرنامج الاستثماري إلى خلق مخزون معرفي عن هندسة الحرائق، وقوانين البناء والمعايير المتعلقة بحلول السلامة البديلة. كما أنتج تدفقًا من المهندسين الموهوبين المدربين على أحدث أدوات هندسة الحرائق. كما استفادت الشركة أيضًا: فقد نمت أروب فاير من فريق مكون من أربعة أشخاص في عام 1998م إلى أكثر من 200 شخص في عام 2011م.
ثمة مسوِّغ إضافي لتمويل المبادرات الجامعية المفتوحة وطويلة الأمد؛ وهو معالجة التحديات الأساسية ذات الأهمية الاجتماعية الكبيرة، مثل البيئة أو الطاقة. فعلى سبيل المثال، موَّلت شركات النفط برامج كبيرة تتعلق بأشكال مختلفة من الطاقة البديلة أو الحدّ من الكربون. ومن الأمثلة على ذلك تحدِّي السنوات الخمس عن الوقود الأحفوري الأنظف بين شركة رويال داتش شل وكلية إمبريال في لندن. وقد أُطلق المشروع في عام 2007م، ويركز على تطوير تقنيات تقلل من الأثر الكربوني لاستخراج الهيدروكربونات.
بالنسبة إلى الشركات، فإن الميزة الحاسمة للمشاريع البحثية المفتوحة وطويلة الأمد هي أنها تتيح لها الاستفادة من تمويل إضافي من مصادر عامة أو من القطاع الثالث. وقد يعوض هذا التمويل الإضافي عن عدم القدرة على الاستفادة من عوائد الاستثمار الأوليِّ. ويمكن تحقيق نسب تمويل إضافية عالية على نحوٍ خاص إذا نُفِّذت المشاريع ضمن اتحادات مع شركات أخرى من القطاع نفسه. ميزة محتملة إضافية للبرامج المفتوحة هي التخفيض الحاد في تكاليف المعاملات الناجمة عن المفاوضات الطويلة مع الجامعات. كما قال ستيوارت فيلدمان عندما كان نائب رئيس قسم علوم الحاسوب في مختبرات أبحاث شركة IBM: “لقد جعلت الجامعات من الصعب، على نحوٍ متزايد، إجراء الأبحاث معها بسبب جميع القضايا التعاقدية المتعلقة بالملكية الفكرية… نودّ أن تعود الجامعات إلى الانفتاح من جديد”. وبينما قد يبدو هذا في مصلحة الشركات، فإنه من الصحيح أن المبادرات المفتوحة تُجبر الشركات والجامعات على التخلي عن حقوقها في التحكم في حقوق الملكية الفكرية. أحيانًا تضع البرامج المفتوحة العلماء الأكاديميين في مواجهة جامعاتهم إذا ركزت الأخيرة على تحقيق عوائد من الملكية الفكرية في حين يفضل العلماء مواصلة أبحاثهم.
تحتاج التحديات الكبرى المفتوحة وطويلة الأمد إلى حوكمة دقيقة. فقد بُنِيت بعض المبادرات الناجحة من خلال آليات خاصة تتولَّى كلًّا من الاستراتيجية والإدارة اليومية. عندما ساعدت شركة GlaxoSmithKline على تأسيس اتحاد الجينوميات الهيكلية، أنشأ الشركاء الاتحاد ككيان مستقل – شركة غير ربحية مقرها في تورونتو، يديرها مجلس إدارة مكوَّن من أعضاء من شركات الأدوية المشاركة وممولين آخرين، بما في ذلك مؤسسة ويلكوم. وقد عُيِّن أليد إدواردز، أستاذ علوم الحياة ومؤسس شركة تقنية حيوية، بصفته رئيسًا تنفيذيًّا للاتحاد، لما يتمتع به من احترام في الأوساط الأكاديمية والتجارية على حدٍّ سواء. وبقيادة رئيس تنفيذي يتمتع بولاية واسعة، يمكن أن تكون هذه الآليات الخاصة وسيلة فعَّالة لتجاوز الشلل الذي غالبًا ما يصيب اللجان الثنائية أو المتعددة الأطراف.
يتطلب تحديد أهداف البحث للمشاريع المفتوحة وطويلة الأمد موازنة دقيقة بين حاجة الرعاة للملاءمة العملية وميول الأكاديميين نحو الصالح العلمي العام. أحيانًا ينظر الأكاديميون إلى البرامج الكبيرة الممولة على أنها مجرد مصدر إضافي لمتابعة مشاريعهم الخاصة المحددة بدقة. لذلك، يجب على رعاة الشركات ألا يقتصر حضورهم على المستوى الاستراتيجي فحسب، بل يجب أن يكونوا منخرطين أيضًا على المستوى الفني. غالبًا ما تتسم البرامج الناجحة بهيكل حوكمة من مستويين؛ إذ يحدد مجلس إدارة رفيع المستوى الاتجاه العام، وتُحدِّد لجنة فنية أو علمية أهداف المشاريع الفردية وتُتابعها على نحوٍ مستمر. يجب أن يشارك رعاة الشركات في كلتا الهيئتين. ومن الفوائد الإضافية للمشاركة الوثيقة على المستوى الفني القدرة الأفضل على استيعاب نتائج البحث.
على سبيل المثال، نظَّمت شركة إنتل مراكزها للعلوم والتكنولوجيا ومعاهدها الدولية بمشاركة على كلا المستويين. تقع مسؤولية جدول الأعمال البحثي بالتساوي بين الباحث الرئيس في الجامعة، والباحث الرئيس في إنتل، ومدير برنامج إنتل. كما يُعيَّن ما يصل إلى أربعة باحثين مقيمين من إنتل في كل برنامج للتعاون على المستوى الفني. يقول كريستوفر رامنج، مدير مكتب التعاون الجامعي في مختبرات إنتل: “من خلال وجود موظفين نشطين من إنتل، يمكننا تقديم السياق الصناعي، وفهم نقاط القوة والضعف في فكرة جديدة، والمساعدة على تحويل نتائج البحث إلى تأثير مؤسسي”. وعلى الرغم من أن المبادرات المفتوحة لا تتضمن ملكية فكرية، فإن الوجود في مجلس الإدارة والتعاون النشط يوفران نافذة اهتمام قد يغفل عنها المنافسون على المدى القصير. علاوة على ذلك، لا تمنع التعاونات الكبيرة والمفتوحة إطلاق مشاريع محددة أكثر يمكن أن تتبع نماذج أخرى إذا لزم الأمر.
حتى عندما تكون المبادرة مفتوحة، يجب على الشركات أن تكون حذرة حتى لا تُسرَّب معلوماتها الخاصة إلى المجال العام. ولتعظيم تأثير الراعي وتقليل تسرُّب المعرفة، ابتكر اتحاد الجينوميات الهيكلية آلية يُحتفَظ بموجبها بمتطلبات الرعاة بسرية تامة، سواء داخل المؤسسة أو خارجها. وكانت إدارة الاتحاد بمنزلة “وسيط موثوق” يدير تدفق المعلومات بعناية ويمنع التسرُّب.
3. محمية، قصيرة الأمد: منصة العمل الموسعة
يمكن أن يكون الباحثون الجامعيون شركاء أكفاء على نحوٍ خاص في حلِّ المشكلات غير الروتينية؛ لأن لديهم إمكانية الوصول إلى العقول اللامعة ضمن مجموعات بحثية متخصصة جدًّا ويقدمون منظورًا مختلفًا عن ذلك الموجود في البيئات المؤسسية. وغالبًا ما يكونون أقل ارتباطًا بالمصالح التجارية مقارنةً بالموردين والبائعين والاستشاريين، الذين قد تكون لديهم حلولهم المفضلة للمشكلات.
فعلى سبيل المثال، واجه أحد مصنعي المحركات الدوليين الذين درسناهم بعض المشكلات غير المتوقعة مع نموذج أوليّ مبتكر لمحرك جديد. كان أداء المحرك رائعًا في معظم الجوانب، لكنه كان ينفجر أحيانًا. لم يتمكن مهندسو البحث والتطوير في الشركة من تفسير هذه الإخفاقات وقرَّروا الاستعانة بشركائهم في الجامعة للمساعدة. بالنسبة إلى الشركة، كان هذا يمثل مشكلة ملحَّة قصيرة الأجل تتطلب قدرات تحليلية متقدمة جدًّا. وقد قبل الباحثون الجامعيون التحدي وتمكَّنوا من إيجاد السبب الجذري خلال ستة أسابيع. يحتاج المديرون إلى التغلب على مشكلتين لإنشاء تعاونات قصيرة الأجل وذات حماية ناجحة مع الجامعات. وبالنسبة إلى الأكاديميين، غالبًا ما تكون مثل هذه المشاريع غير جذابة نسبيًّا. فهي توفر فرصًا قليلة أو معدومة للنشر وتجبرهم على تحويل عملهم من جهودهم البحثية نحو أهداف قصيرة الأجل. ومن وجهة نظرهم، قد تكون تكلفة الفرصة البديلة مرتفعة. إضافة إلى ذلك، عادةً ما تكون هذه المشاريع شديدة السرية، وتحتاج الشركة إلى حماية المشكلة والحل في آنٍ واحد؛ هذا يحدُّ من قدرة الشريك الأكاديمي على استخراج رأس مال أكاديمي من خلال نشر النتائج.
الحيلة هي جعل هذه المشاريع أكثر جاذبية للأكاديميين من خلال جعلها جزءًا من علاقة طويلة الأجل. غالبًا ما يكون من الأفضل متابعة الترتيبات القصيرة الأجل والسرية عندما تكون ثمة بالفعل شراكة أوسع قائمة. في المثال أعلاه، كان لدى الشركة المصنِّعة للمحركات بالفعل علاقات طويلة الأمد مع مجموعات البحث، ولذلك كان من الأسهل إقناعهم بالمشاركة في “إطفاء الحرائق”. وقد أوضح رئيس سابق للشراكات الجامعية العالمية في شركة دفاعية كبرى أنه تقليديًّا كان من الصعب توظيف الأكاديميين لعقود قصيرة الأجل. وتغيَّر ذلك عندما بدأ برنامج شراكة جامعية على مستوى الشركة استبعاد العلاقات غير المنتجة ووضع الناجحة منها على أساس أقوى. قد تولِّد العلاقات التي تتشكل في ظل مشكلة ملحَّة الثقةَ اللازمة لتمكين تعاونات بحثية مستقبلية أغنى وأعمق. وقد يجد الأكاديميون أيضًا أن مثل هذه المشاريع توفر حافزًا لأسئلتهم البحثية الخاصة؛ إذ تؤطر لهم مشكلة مثيرة للاهتمام يمكنهم لاحقًا دراستها بدقة نظرية وتجريبية أكبر.
تكمن فائدة هذه الأنواع من المشاريع للشركات في أنها تستطيع تحديد أهداف للتعاون وتوقع تحقيق هذه الأهداف كما لو كانت تتعامل مع مؤسسة تجارية. وتسمح مثل هذه المشاريع للشركات بتوسيع مخزونها الحالي من الخبرات والمهارات بسرعة وإنتاج نتائج ملموسة تركز على مشكلة أو قضية حية داخل الشركة. ويساعد ذلك على ضمان وجود فرصة عالية لتطبيق عمل الأكاديمي. كما يسمح للشركة بالحفاظ على سرية طبيعة مشكلتها وحلِّها، واستبعاد الآخرين من الحل المحتمل. عادةً ما تكون اتفاقيات عدم الإفشاء، المدمجة في علاقة ثقة، كافية للحفاظ على السرية.
على الرغم من أن التعاون القصير الأجل والمحمي يمكن أن يكون جذابًا جدًّا ويظل شكلًا شائعًا من أشكال التعاون، فإن مثل هذه المشاريع تعتمد على أن يكون لدى الشركات شبكة غنية من جهات الاتصال الأكاديمية التي تثق بها ويمكنها العمل معها، والتي تتوافق مجالات أبحاثها على نحوٍ وثيق مع مشكلات الشركة. وقد طوَّرت بعض الشركات قاعدة بيانات للتواصل مع الجامعات، مشابهة لقاعدة بيانات إدارة علاقات العملاء، لتتبع جهات الاتصال الجامعية المختلفة وتقييمها وتقديرها. قد ترغب الشركات في وضع أكاديميين مختارين على عقود استشارية حتى يكونوا في وضع جيد للتعامل مع المشكلات عند ظهورها، بدلًا من الوصول بعد أن تكون المشكلة قد تفاقمت بالفعل. وتستخدم بعض الشركات مشاريع “مختبر الأفكار” المفتوحة لتكوين جهات اتصال جديدة.
بينما من المهم البحث عن علاقات مع أكاديميين أفراد والحفاظ عليها، فإنهم مقيَّدون بسياسات الجامعات، ومن الجيد التأكد من أن جميع الأنشطة متوافقة مع الجهة المعنية بالتواصل في الجامعة. على سبيل المثال، لدى كثيرٍ من الجامعات مكاتب خدمات استشارية تمتلك خبرة في إعداد العقود وتقديم تغطية تأمينية ضد المسؤولية المهنية. أما بالنسبة إلى المشاريع الأكبر، فمعظم الجامعات لديها وحدات شراكة أعمال أو برامج تواصل صناعي تتولى الجوانب التعاقدية والإدارية للتعاون، وتساعد على جذب الرعاة والتواصل مع الأكاديميين والأقسام، وتعمل كنقطة اتصال مركزية بين الجامعة وشركائها الصناعيين. وقد ساعدت هذه المكاتب على إضفاء الطابع المهني على طبيعة التواصل الجامعي مع الشركات، وغالبًا ما تسهِّل الروابط وتعزِّزها. في كثير من الحالات، تتم مثل هذه الأنشطة من خلال مكاتب نقل التكنولوجيا التي ستكون مسؤولة أيضًا عن التعامل مع أيِّ ملكية فكرية تنشأ عن مشاريعهم.
على الرغم من ذلك، فقد تكون اتفاقيات البحث التعاقدي مع الجامعات معقدة في الإعداد. أحيانًا يكون التواصل بين الفرق الأكاديمية ومكاتب التواصل أقل من المثالي؛ ما يجعل العملية بيروقراطية وبطيئة. ويمكن أن تكون الجامعات متفائلة على نحوٍ مفرط بشأن قيمة الملكية الفكرية التي قد تنشأ عن التعاون، على الرغم من أن قلة قليلة فقط من مشاريع التعاون بين الجامعات والصناعة تؤدي إلى مخرجات قابلة للحصول على براءات اختراع. ولتجنُّب مثل هذه النزاعات، ينبغي للمديرين السعي، على نحوٍ استباقي، لبناء علاقات مع مكاتب التواصل الجامعي. إحدى الطرائق التي يمكن أن تساعد على تجنُّب المفاوضات المطولة هي الاستثمار في اتفاقيات إطارية مع شركاء جامعيين رئيسين. وتوفر هذه الاتفاقيات مجموعة من العقود النموذجية ونظامًا سريعًا لإطلاق اتفاقيات البحث التعاقدي. وتُمكِن رؤية مثال على هذا النهج في الاتفاقيات التعاونية لشركة بروكتر آند جامبل مع نظام جامعات أوهايو في الولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة دورهام في المملكة المتحدة، والجامعة العبرية في القدس بإسرائيل. ولمعالجة تحدٍّ ذي صلة، عملت شركة إنتل في الآونة الأخيرة مع كيان غير ربحي يُدعَى شركة البحث الجامعي-الصناعي ليكون الوسيط الوحيد في التعاقد والتمويل بين الرعاة الصناعيين والجامعات في مراكزها ومعاهدها الكبرى. يتيح ذلك للشركة توفير نهج أكثر قابلية للتوسع لإضافة رعاة وجامعات جدد إلى معاهدها الكبرى، مع فرض نموذج حوكمة متسق وتجنُّب عبء إداري مفرط على الجامعات الشريكة.
٤. محمية وطويلة الأمد: الاستكشاف العميق
تتيح الشراكات العميقة والمحمية وطويلة الأمد مع الجامعات للشركات خلقَ معرفة جديدة، فضلًا عن اكتساب ميزة تنافسية من مخرجات هذه الجهود البحثية. وغالبًا ما تتطلب هذه الجهود استثمارات كبيرة في المختبرات أو المراكز، حيث يكون للراعي الصناعي حق الرفض الأول في الحصول على ترخيص حصري للأفكار القابلة للحصول على براءة اختراع الناتجة عن المختبر. ويسمح هذا النهج للباحثين بأداء العمل طويل الأمد الذي يتقنونه، وللشركة بمنع منافسيها من الوصول إلى التطبيقات المستقبلية لهذه الأفكار.
شركة رولز-رويس القابضة هي مثال على شركة طبَّقت نهج “الاستكشاف العميق”. قبل عشرين عامًا، أنشأت الشركة أول مراكز تكنولوجيا الجامعات التابعة لرولز-رويس مع جامعات بريطانية. واليوم، تدير رولز-رويس نحو ٣٠ مركزًا من هذا النوع حول العالم، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين. يركز كلُّ مركز من هذه المراكز على مجال متخصص من الخبرة التكنولوجية؛ مثل الاحتراق، والديناميكا الهوائية، والضوضاء والاهتزاز أو تكنولوجيا التصنيع. يتيح ذلك للشركة الحفاظ على مراكز تميُّز أكثر تخصصًا وموارد؛ ما يمكنها تسويغ إنشائه داخليًّا. يُموَّل كل مركز لفترات مدتها خمس سنوات، وغالبًا ما يُجدَّد التمويل إذا حُقِّقت معالم أداء محددة.
بالنسبة إلى الشركات، تكمن جاذبية مثل هذه “الاستكشافات العميقة” في أنها تتيح للأعمال ممارسة بعض السيطرة على اتجاه البرنامج البحثي، وتوجيه الباحثين نحو مجالات أكثر صلة وفائدة للشركة. كما تضمن هذه الاتفاقيات وجود توافق قوي بين استراتيجية البحث والتطوير للشركة والبحث العلمي؛ ما يساعد على التغلب على الميل نحو انحراف الأجندة المرتبط بالتحديات الكبرى الأكثر انفتاحًا. ومن خلال أحكام الملكية الفكرية في مثل هذه العلاقات، يمكن للشركات أيضًا الحدّ من خطر تسرُّب المعرفة من قِبَل شركائها الجامعيين. علاوة على ذلك، يمكنهم الاستثمار على نحوٍ أعمق في التعاون، من خلال الكشف عن أفكار حاسمة لشركائهم الخارجيين للتعلم على نحوٍ أكثر فاعلية معًا.
ومع ذلك، فإن هذا النهج ليس رخيصًا. غالبًا ما يكون ثمن الحصرية مرتفعًا ويتطلب استثمارات موازية من الشركة لضمان نجاحه، كما يتطلب اهتمامًا دقيقًا باتجاه التعاون. الآلية النموذجية للاستكشافات العميقة هي إعداد اتفاقية متوسطة الأجل (غالبًا أكثر من ثلاث سنوات) مع شريك أكاديمي لإنشاء مركز جديد أو الاستثمار في مركز قائم.
تُعدُّ الحوكمة أيضًا أمرًا بالغ الأهمية لنجاح هذا النموذج. ومن المهم في الاتفاقية تحديد العلاقة بين الشركة ومؤسسات البحث وكيفية ربط المدفوعات بمعالم أو إنجازات محددة. إضافة إلى ذلك، يجب تحديد شروط الملكية الفكرية في الاستكشافات العميقة على نحوٍ جيد في مرحلة ما قبل العقد. على سبيل المثال، قدَّمت اتفاقية شركة فايزر لعام ٢٠٠٦م مع معهد سكريبس للأبحاث تمويلًا بحثيًّا بقيمة ١٠٠ مليون دولار مدة خمس سنوات. مقابل هذا الدعم، طالبت فايزر بحق الرفض الأول لترخيص ما يقرب من نصف الاكتشافات التي يحققها سكريبس. وكجزء من الاتفاقية، يجب على فايزر أن تقرر في غضون شهر أو شهرين ما إذا كانت ستمارس خيار الترخيص على الاكتشاف. وافقت فايزر على ضمان حصول سكريبس على حصة من العائدات المستقبلية الناتجة عن الاكتشافات المرخصة. وإذا لم تمارس فايزر خيارها، يمكن لسكريبس البحث عن شركاء صناعيين آخرين لاستغلال الفكرة.
وعلى الرغم من أن الاستكشاف العميق له الكثير من المزايا للشركات، فإن المخاطر لا تزال قائمة. فقد تجد الشركات أن الأكاديميين يَعِدون بشيء ويقدمون شيئًا آخر. في أحد مراكز البحث الجامعي-الصناعي التي درسناها، وجدنا أن المشروع نفسه قد تم “بيعه” لشريك صناعي مرتين. في جوهرها، تخلق اتفاقيات مثل الاستكشافات العميقة مشكلات حوافز للأكاديميين؛ إذ يسعى الكثير منهم للنشر، ونشر أعمالهم بدلًا من إنتاج ابتكارات ستُرخَّص حصريًّا بوساطة راعٍ تجاري. يمكن أن تظهر هذه الاختلافات في شكل توترات بين الباحثين المبتدئين وكبار الباحثين؛ إذ يسعى الباحثون الصغار لإثبات وجودهم في مجتمع البحث، في حين قد يرغب الباحثون الكبار في الحفاظ على مختبرهم. عامل خطر إضافي تواجهه الشركات هو احتمال حدوث ردّ فعل سلبي في العلاقات العامة نتيجة مزاعم بأن تمويل الصناعة قد يؤثر في حيادية الأبحاث الجامعية المستقلة ويستحوذ على أجندات العلم المفتوح.23 يجب على المديرين في بعض الصناعات، مثل الصناعات الدوائية والنفطية، أن يكونوا حذرين على نحوٍ خاص في هذا الصدد. فعندما دخلت الذراع الزراعية لشركة نوفارتيس في عقد بارز بقيمة 25 مليون دولار مع قسم علم النبات والأحياء الدقيقة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، عام 1998م، أثار ذلك جدلًا بشأن استحواذ المصالح الخاصة على الأبحاث المفتوحة وأدَّى إلى مراجعة خارجية.24 كما أُثيرت مخاوف عندما وقّعت شركة إكسون موبيل وشركات أخرى عقدًا مدته عشر سنوات بقيمة 225 مليون دولار مع جامعة ستانفورد لتمويل مشروع المناخ والطاقة العالمي.
ثمة طرائق لتجاوز كثيرٍ من هذه المشكلات. أولًا، لأن الكثير من الأكاديميين يعملون مع الصناعة على نحوٍ أساسي لتعزيز برامجهم البحثية الأكاديمية، من المهم أن توفر الشركات للأكاديميين إمكانية الوصول إلى مشكلات أو بيانات أو معدات مثيرة للاهتمام. غالبًا ما يؤدي تزويدهم بأدلة أو مشكلات مثيرة للاهتمام إلى حلول تهمّ كلًّا من قطاع الأعمال والمجتمع الأكاديمي.25 ثانيًا، أيّ قرار بشأن تسجيل براءة اختراع لاكتشاف أو تقييد النشر بسبب معلومات سرية في شراكة بحثية معمّقة يتطلب عمليات موافقة سريعة حتى لا يُترك الأكاديميون في انتظار معرفة ما إذا كان بإمكانهم النشر أم لا. يجب على الشركات الاتفاق مع شركائها الأكاديميين على نظام مبسط لإدارة الإفصاحات، بحيث يُسمح للأكاديميين بنشر النتائج المهمة غير الحرجة المتعلقة بالاختراع. كما يحتاج العلماء الأكاديميون إلى الوصول إلى الاختراعات المحمية لتطوير تطبيقات واكتشافات تكميلية. من الممكن أيضًا خلق حوافز ضمن التعاون تتوافق على نحوٍ مباشر أكثر مع دوافع الأكاديميين. فعلى سبيل المثال، مكافأة المخترعين بجوائز أكاديمية على اكتشافات كبيرة، مثل الكراسي الممولة أو الزمالات متعددة السنوات، قد تساعد على تحفيز أعضاء هيئة التدريس الشباب وتوظيفهم والاحتفاظ بهم.
وفي الوقت نفسه، يجب التأكيد على أن بعض الأكاديميين لديهم سجلات حافلة في مجال التسويق التجاري.26 وبينما لا يحتاج هؤلاء الباحثون إلى حوافز للعمل على مشاريع ذات توجه تجاري، يجب على الشركات التأكد من وضوح العقود فيما يتعلق بمن سيحصل على أيِّ حقوق في أيّ ملكية فكرية ناشئة، وكيفية توزيع العوائد من التراخيص، وكيف يرتبط المشروع بأنشطة الباحث التجارية الأخرى.
صياغة الشراكة المناسبة
يُعدُّ قطاع الجامعات كبيرًا ومعقدًا، ويضم مجموعة واسعة من المؤسسات. بعض الجامعات ماهرة جدًّا في العمل مع الشركاء الصناعيين وتتعاون على نحوٍ متكرر مع الصناعة، في حين إنه ثمة جامعات أخرى ذات خبرة محدودة في هذا المجال. يجب على المديرين تقييم مستوى القدرة التعاونية لشركائهم الجامعيين المحتملين بعناية، لتجنُّب التكاليف الباهظة والإعداد الذي يستغرق وقتًا طويلًا وإمكانية حدوث نزاعات لاحقة حول ملكية الأفكار. وهناك عامل آخر تجب مراعاته: قد تكون الفروقات في القوانين الجامعية بين البلدان كبيرة أحيانًا. فعلى سبيل المثال، في معظم البلدان، تعود ملكية اختراعات الأكاديميين إلى جامعاتهم. لكن في السويد وإيطاليا، لا يزال “امتياز الأستاذ” ساريًا؛ ما يعني أن الأكاديميين يمتلكون اختراعاتهم.
عند تحديد النموذج الأفضل الذي يجب اتباعه مع شريك جامعي، يجب على المديرين تقييم طبيعة الجامعة التي يتعاملون معها بعناية. فعلى سبيل المثال، تشارك كثيرٌ من الجامعات الهندسية الرائدة على نحوٍ روتيني في أبحاث تطبيقية لها تطبيقات تجارية مباشرة، ومن ثم غالبًا ما تكون هذه المؤسسات مستعدة جيدًا لما نسميه “الاستكشاف المعمَّق”. وعلى نحوٍ عام، فإن العلاقات الجامعية مهمة جدًّا بحيث ينبغي عدم تركها للصدفة. ومن خلال تحقيق توازن بين اعتبارات مثل أفق الزمن ودرجة الانفتاح، يمكن للمديرين تحويل الجامعات إلى شركاء ذوي قيمة على المدى القصير والطويل على حدٍّ سواء، شريطة أن تُصمَّم العلاقات مسبقًا لتلبية أهداف المؤسستين.
عن المؤلفين
ماركوس بيركمان: هو زميل أبحاث أول. أمون سالتر: أستاذ إدارة التكنولوجيا والابتكار في كلية إمبريال كوليدج للأعمال، إمبريال كوليدج لندن.
المَراجع
1. H. Chesbrough, “Open Innovation: The New Imperative for Creating and Profiting From Technology” (Boston: Harvard Business School Press, 2003).
2. Patents represent the commercially most important type of intellectual property for universities.
3. W.M. Cohen, R.R. Nelson and J.P. Walsh, “Links and Impacts: The Influence of Public Research on Industrial R&D,” Management Science 48, no. 1 (January 2002): 1-23.
4. See official U.K. figures at www.hefce.ac.uk/econsoc/buscom/hebci.
5. R. Wright, “How to Get the Most From University Relationships,” MIT Sloan Management Review 49, no. 3 (spring 2008): 75-80.
٦. تم الحساب استنادًا إلى أرقام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي تشير إلى أن نفقات التعليم العالي على البحث والتطوير (HERD) في منطقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بلغت ٠٫٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام ٢٠٠٩. انظر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،
OECD, “OECD Science, Technology and Industry Scoreboard 2011” (Paris: OECD Publishing, 2011).
7. D. Partha and P.A. David, “Toward a New Economics of Science,” Research Policy 23, no. 5 (September 1994): 487-521.
8. See www.hpl.hp.com/open_innovation/irp.
9. See www.grants4targets.com.
10. See www.ibm.com/developerworks/university/facultyawards.
11. See www.thesgc.org.
12. C. Sheridan, “Industry Continues Dabbling With Open Innovation Models,” Nature Biotechnology 29, no. 12 (December 2011): 1063-1065.
13. See www.ibm.com/ibm/ideasfromibm/us/compsci/20080728/index.shtml.
14. K.J. Boudreau and K.R. Lakhani, “How to Manage Outside Innovation,” MIT Sloan Management Review 50, no. 4 (summer 2009): 68-76.
15. See www.imperial.ac.uk/energyfutureslab/research/grandchallenges/cleanfossilfuels.
16. S. Lohr, “IBM and U.S. Universities Work to Open Up Software Research,” International Herald Tribune, Dec. 14, 2006.
17. See http://techresearch.intel.com/istc.aspx.
18. Association of University Technology Managers, “The AUTM Transaction Survey: FY2009” (Deerfield, Illinois: 2011).
١٩. حول نقل التكنولوجيا، انظر:
D. Mowery, R. Nelson, B. Sampat and A. Ziedonis “Ivory Tower and Industrial Innovation: University-Industry Technology Transfer Before and After the Bayh-Dole Act” (Palo Alto, California: Stanford University Press, 2004); and M. Wright, B. Clarysse, P. Mustar and A. Lockett, “Academic Entrepreneurship in Europe” (Cheltenham, U.K.: Edward Elgar, 2007).
20. W.C. Johnson “The Collaborative Imperative,” in “Universities and Business: Partnering for the Knowledge Society,” eds. L.E. Weber and J.J. Duderstadt (London: Economica, 2006): 99-111.
21. National Council of University Research Administrators, “Guiding Principles for University-Industry Endeavors” (Washington, D.C.: 2006).
22. See www.scripps.edu.
23. S. Krimsky, “Science in the Private Interest: Has the Lure of Profits Corrupted Biomedical Research?” (Lanham, Maryland: Rowman & Littlefield, 2004).
24. E. Press and J. Washburn, “The Kept University,” Atlantic Monthly 285, no. 3 (March 2000): 39-54.
25. P. D’Este, and M. Perkmann, “Why Do Academics Engage With Industry? The Entrepreneurial University and Individual Motivations,” Journal of Technology Transfer 36, no. 3 (June 2011): 316-339. Our research suggests that it is premature to assume that academic research teams increasingly act as “quasi-firms”: see H. Etzkowitz, “Research Groups as ‘Quasi-firms’: The Invention of the Entrepreneurial University,” Research Policy 32, no. 1(January 2003): 109-121.
26. L.G. Zucker and M.R. Darby, “Star Scientists and Institutional Transformation: Patterns of Invention and Innovation in the Formation of the Biotechnology Industry,” Proceedings of the National Academy of Sciences 93, no. 23 (Nov, 12, 1996): 12709-12716.
i. For results of a survey of U.K. physical and engineering scientists, see D’Este and Perkmann, “Why Do Academics Engage With Industry?”; for results of a survey of companies collaborating with U.K. scientists, see J. Bruneel, P. D’Este, A. Neely and A. Salter, “The Search for Talent and Technology: Examining the Attitudes of EPSRC Industrial Collaborators Towards Universities” AIM Academic Publication. (London: Advanced Institute of Management Research, 2009). See also A. Salter, V. Tartari, P. D’Este and A. Neely “The Republic of Engagement: Exploring UK Academic Attitudes to Collaborating With Industry and Entrepreneurship,” Advanced Institute of Management Research and U.K. Innovation Research Centre, August 2010, downloadable from www.aimresearch.org/publications/academic-publications; and J. Bruneel, P. D’Este and A. Salter, “Investigating the Factors That Diminish the Barriers to University-Industry Collaboration,” Research Policy 39, no. 7 (September 2010): 858-868.
ii. M. Perkmann and K. Walsh, “The Two Faces of Collaboration: Impacts of University-Industry Relations on Public Research,” Industrial and Corporate Change 18, no. 6 (December 2009): 1033-1065.
iii. M. Dodgson, D.M. Gann and A. Salter, “In Case of Fire, Please Use the Elevator: Simulation Technology and Organization in Fire Engineering,” Organization Science 18, no. 5 (September-October 2007): 849-864.
