روب كروس، إيمي إدموندسون، ووندي ميرفي
تأمل هاتين الشركتين: الأولى سلسلة متاجر تجزئة لديها مئات الفروع حول العالم؛ مبتكرة، لكنها في الأساس منصة مبيعات. الثانية مستشفى يعالج أكثر أنواع السرطان فتكًا في العالم. أيهما تظن أن لديها قوة عاملة أكثر تفاعلًا؟
إذا اخترت الثانية، نظرًا لسعيها لإنقاذ الأرواح، فلست وحدك. ومع ذلك، عندما قضينا وقتًا مع كلتا المؤسستين، اكتشفنا أن بيئة العمل في المستشفى كانت ممتلئة بالخوف، ومعنويات الموظفين منخفضة، ومعدل دوران الموظفين مرتفع. أما في سلسلة المتاجر، فكانت هناك روح واضحة من الألفة، وكان الموظفون نشيطين ومتحمسين، وكان العملاء راضين جدًّا عن الخدمة. كان لدى المتجر قوة عاملة أكثر تفاعلًا بفارق كبير.
هناك اعتقاد شائع، سواء في الأعمال التجارية أو في مقالات وكتب الإدارة، بأن الإحساس بالغاية هو الأهم عندما يتعلق الأمر بتحفيز الموظفين. يعتقد عديد من القادة الذين يهتمون بجذب والاحتفاظ بأفضل المواهب أنه لا يوجد ما يحفز الناس بقدر الخير الأكبر الذي قد يحققونه أو فرصة تغيير العالم. وبناءً عليه، يثنون على الفضائل العليا لمهام شركاتهم ومعنى العمل الذي يقدمونه.
لكن عملنا مع أكثر من 300 شركة خلال العشرين عامًا الماضية، ولا سيما أبحاثنا باستخدام تحليل الشبكات المؤسسي organizational network analysis (ONA) ومقابلاتنا مع التنفيذيين، يكشف أن الغاية ليست سوى عامل مساهم واحد؛ فمستوى وجودة التعاون بين الأفراد هو في الواقع ما له التأثير الأكبر في تفاعل الموظفين. في هذا المقال، سنستكشف لماذا للتعاون هذا التأثير، وما السلوكات التي يمكنك تبنيها وممارستها لتعزيزه.
قوة التعاون بين الأفراد
على الرغم من نجاحها الكبير، من المشكوك فيه أن شركة “ووركداي” ومقرها وادي السيليكون ستفوز بمسابقة “أكثر مهمة ملهمة”. فالشركة، في النهاية، مطورة لحلول البرمجيات كخدمة (SaaS) لإدارة الشؤون المالية والموارد البشرية والتخطيط. لكنك لن تحصل على هذا الانطباع داخل هذه الشركة التي تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار وتوظف 11,000 موظف: من بين الشركات التي درسناها، كان لديها أكثر قوة عاملة تفاعلًا. عندما أجرينا مقابلات مع أشخاص من أعلى الهرم إلى الخطوط الأمامية في “ووركداي”، وجدنا إحساسًا ثابتًا وواضحًا بالالتزام بإعادة ابتكار برمجيات المؤسسات، ومستوى من الطاقة والحماس كان مفقودًا في عديد من الشركات الأخرى ذات المهام النبيلة جدًّا.
يولي قادة “ووركداي” أهمية كبيرة للتعاون بين الأفراد. يقول نائب الرئيس الأول غريغ برايور، مبشر الشركة للموارد البشرية والأداء: “إنه جزء من نسيج كيفية توظيفنا للناس، نحن نبحث عن أشخاص يميلون بالفعل إلى التعاطف ويبدون وكأنهم قادرون على خدمة الزملاء والعملاء”.
يبدأ الجهد لبناء التعاون بين موظفي “ووركداي” من أول يوم لهم في العمل، من خلال اتصالات منسقة مدعومة بالتكنولوجيا تربط كل موظف جديد بموظف مخضرم يُسمى “زميل العمل”. ومن بين المهام الموكلة لزملاء العمل مساعدة الموظفين الجدد على “إيجاد قبيلتهم”؛ أي تحديد والتواصل مع موظفين آخرين لديهم قيم واهتمامات مشابهة. تظهر أبحاثنا أن هذا الربط بين الشبكات (مساعدة الأشخاص على بناء علاقات عبر المنظمة) هو عامل تنبؤي قوي في الاحتفاظ بالموظفين.
جهود “ووركداي” لاستخلاص القيمة من التعاون بين الأفراد ليست مجرد آلية لتأقلم الموظفين الجدد، بل تستمر طوال مدة عمل كل موظف، بما في ذلك القادة. صُمِّمت برامج تطوير القيادة في “ووركداي” للمساعدة على بناء الروابط وتعزيز شبكات العلاقات في جميع أنحاء الشركة. فعلى سبيل المثال، في قمة القيادة السنوية للموارد البشرية، يجلس التنفيذيون والمديرون عمدًا بجوار أشخاص من وظائف ومستويات أقدمية مختلفة، ممن لا يلتقونهم عادة.
لقد أثمر تركيز “ووركداي” على التعاون. معدل دوران الموظفين في الشركة منخفض بشكل لافت، و95% من الموظفين يقولون إنها “مكان رائع للعمل”. في الواقع، احتلت “ووركداي” المرتبة الرابعة في أحدث قائمة لمجلة “فورتشن” لأفضل 100 شركة للعمل بها. تُعد “ووركداي” مثالًا يُحتذى به في التعاون بين الأفراد، لكنها ليست الوحيدة. من خلال استخدام تحليل الشبكات المؤسسي لرسم العلاقات في المجموعات (لمزيد من التفاصيل، انظر “جعل التعاون بين الأفراد مرئيًّا”)، وفحص تلك النتائج مقابل بيانات الدوران، وكذلك الاستطلاعات والمقابلات حول التفاعل والرضا، وجدنا أنه في “ووركداي” وعبر الشركات والصناعات، يُحَدَّد تفاعل الموظفين بقدرة القادة على تعزيز الشبكات الشخصية وثقافة التعاون.
جعل التعاون بين الأفراد مرئيًّا يمكن أن يسلط تحليل الشبكات المؤسسي (ONA) الضوء على جودة التعاون بين الأفراد من خلال تقديم رؤى للقادة بشأن كيفية توزيع النفوذ بين أعضاء المجموعة داخل حدود المنظمة وخارجها، وعبر المستويات الهرمية والوظائف المختلفة. إنه أشبه بجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الذي يكشف أين يكون التعاون بين الأفراد صحيًّا أو مريضًا، ومن المسؤول عن حالته.
يمكن لتحليل الشبكات المؤسسي تحديد مجموعة متنوعة من بناة التعاون، بما في ذلك الموصِلون الذين يربطون الناس بعضهم ببعض؛ والخبراء الذين تدعم معارفهم ومهاراتهم الآخرين؛ والوسطاء الذين يجتازون الحدود ويدمجون الثقافات الفرعية؛ والمحفزون الذين يغرسون الشغف والحماس في الآخرين. كما يمكنه أيضًا تحديد مدمري التعاون: المثبطين، ومروجي الخوف، وغيرهم من مثيري الفوضى الذين ينشرون السخرية ويبطئون الزخم، وغالبًا بطرائق خفية.
كيف يمكنك تأسيس وتعزيز مستويات عالية من التعاون والمشاركة في شركتك؟ إنها عملية متدرجة: أولًا، تضع أساسًا قويًّا من خلال تحديد، واعتماد، ومكافأة السلوكات القيادية التي تعزز الأمان النفسي والثقة. هذا شرط ضروري، لكنه غير كافٍ. بعد ترسيخ الثقة، يجب عليك غرس الشعور بالهدف؛ الاقتناع بأن العمل المنجز له معنى وتأثير. وعندما يُرَسَّخ الهدف، يجب عليك توليد الطاقة؛ الحماس اليومي داخل القوى العاملة. (انظر: “ثلاث خطوات نحو التعاون المثمر”). عندما نقارن استجابات المشاركة مع تحليلات الشبكات، نجد أن القادة الذين اتبعوا هذه الخطوات شهدوا مشاركة أكبر من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك.
ثلاث خطوات نحو التعاون المثمر
عندما تولد الثقة هدفًا، ويولد الهدف طاقة، يصبح الناس أكثر ميلًا لأن يكونوا متعاونين ومنتجين ومشاركين.

بناء الأمان والثقة
تشجع الثقة وتمكن الناس من تحمل المخاطر والتعاون سعيًا لتحقيق الأهداف الطموحة؛ فمن دون الثقة، يتردد الناس، ومعها، تتلاشى تحفظاتهم وتتدفق المعلومات بحرية. يناقش الناس الاحتمالات بصراحة، ويقدمون أفكارهم طواعية، ويساعدون الآخرين.
يمكن للقادة تسهيل بناء الثقة بين الموظفين وبين بعضهم بعضًا من خلال إرساء الأمان النفسي؛ وهو الشعور بأن بإمكان الناس تقديم نقد بناء أو فكرة جديدة في بيئة جماعية دون الخوف من الرفض أو الاستهجان. هذا الأمان هو ما وصفه عالم النفس فريدريك هيرزبرغ بعامل “النظافة”: لا يمكنه بمفرده خلق مستويات عالية من التعاون بين الأفراد، حتى وإن كان غالبًا ما يُعرض بهذه الطريقة. ولكن إذا غاب، يصبح من المستحيل اتخاذ الخطوة الأولى نحو تسهيل التعاون.
بعبارة أخرى، عندما تخلق الأمان النفسي، فإنك ترفع قدمك عن المكابح وتمكن الثقة، لكنك لم تضغط بعد على دواسة الوقود ولم تحفز الناس على التعاون. للقيام بذلك، تحتاج إلى توليد الهدف والطاقة في المنظمة (المستويين الثاني والثالث من العملية، اللذين سنناقشهما أدناه).
ثلاثة أنواع من الثقة ضرورية للتعاون الفعّال بين الأفراد:
- الثقة القائمة على النية الحسنة تنبع من الأمان النفسي والاعتقاد الأساسي بأن القادة والزملاء سيتصرفون مع مراعاة مصالحك، وليس فقط مصالحهم الخاصة.
- الثقة القائمة على النزاهة تنبع من الاعتقاد بأن الآخرين سيكونون متسقين في القول والفعل.
- الثقة القائمة على الكفاءة تنبع من الاعتقاد بأن الآخرين يمتلكون الخبرة التي يدّعونها.
الحاجة إلى تعزيز الثقة هي نقطة عمياء شبه شاملة بين القادة. خلال السنوات الـ22 الماضية، عندما طلبنا من مجموعات تتراوح بين 30 و450 مديرًا تنفيذيًّا التصويت على السلوك الفردي الذي يحتاجون إلى تبنيه أكثر —سلوك يبني الثقة، أو يغرس الهدف، أو يولد الطاقة— صوت قرابة 2% فقط لصالح الثقة. ولكن عندما نجري ما يعادل استطلاعات 360 درجة للقادة، نجد كثيرًا من انعدام الثقة في منظماتهم، بما في ذلك شكاوى بشأن عدم وفاء القادة بالوعود، وحجب المعلومات، والتصرف بطرائق تخدم مصالحهم الشخصية.
هذه الشكاوى ليست دائمًا مبنية على الواقع، لكن معظم الموظفين لن يواجهوا القادة مباشرة أو يطلبوا توضيحًا بشأن نياتهم. وهكذا، تتآكل الثقة أكثر.
قالت لنا كبيرة مصرفيين استثماريين: “عندما أنظر إلى السلوكات التي تساعد في بناء الثقة بسرعة، أنا متأكدة أنني لا أفكر فيها أو أفعلها بما فيه الكفاية”. من المرجح أنها على حق، وهي ليست وحدها في ذلك؛ فعدد من سلوكات القيادة تؤسس وتدعم الثقة. (انظر “سلوكات القيادة التي تعزز التعاون” للاطلاع على السلوكات السبعة والعشرين التي تعزز الثقة والهدف والطاقة في المؤسسات). فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن القادة يُنصحون عادة بـ”تطبيق ما يقولونه”، فإنه عندما يتعلق الأمر بالثقة، يجب عليهم أيضًا “التحدث عما يفعلونه”. وذلك لأن تعزيز الثقة القائمة على حسن النية والنزاهة يتطلب التواصل مع الآخرين حول من هم القادة وما نياتهم بشكل واضح وغير ملتبس. فعندما يطبق القادة أفعالهم من دون التوضيح بالكلام، يتركون الموظفين في حالة تخمين، وغالبًا ما تكون هذه التخمينات سلبية في بيئة العمل. قال أحد المديرين في شركة أدوية: “هناك عديد من الطرائق التي يمكن للناس من خلالها إساءة تفسير ما أفعله أو استنتاج نواياي. إذا كان لديهم فقط فكرة أفضل قليلًا عمّن أنا ومن أين أتيت، فإن مثل هذا الارتباك يصبح أقل شيوعًا”.
سلوكات القيادة التي تعزز التعاون
من خلال استخدام تحليل الشبكات المؤسسي (ONA) لتحديد القادة الذين يجيدون تعزيز التعاون، وإجراء مقابلات معهم ومع الأشخاص الذين يعملون معهم، وجدنا 27 سلوكًا تبني الثقة وتغرس الهدف وتولد الطاقة.
| ١٠ سلوكيات لبناء الثقة | ١١ سلوكًا لغرس الهدف | 6 سلوكيات توليد الطاقة |
| • أجعل الآخرين يرغبون في اللجوء إليّ من أجل خبرة شفافة وموثوقة. • أقر بالمجالات التي لست خبيرًا فيها. • أخلق تفاعلات غنية في النقاط الرئيسية في المشاريع. • أشجع الآخرين بنشاط على نقد أفكاري وتحسينها. • أقدم الوقت والموارد والمعلومات والإحالات والرؤى وغيرها من المساعدات قبل أن أطلب المساعدة ودون توقع فائدة. • أتواصل مع الأشخاص خارج نطاق العمل، ساعيًا لفهم خلفياتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم. • أواصل باستمرار التعبير عن قيمي وأولوياتي. • أفعل ما أقول أنني سأفعله وألتزم بالوعود التي أقطعها للناس. • ألتزم بالمبادئ والأهداف التي تتجاوز مصالح الشخصية. • أحتفظ بالمعلومات السرية أو الحساسة لنفسي. | • أساعد الناس على توضيح وتحقيق أهداف مهنية ذات معنى. • أساعد في تنظيم العمل ليتماشى مع تطلعات الآخرين المهنية. • أؤكد على أهمية العمل (“لماذا”) قبل التكتيكات اللازمة لإنجازه (“ماذا” أو “كيف”). • أشارك في ابتكار الحلول وتوزيع المسؤولية في وقت مبكر. • أشجع الناس على الانسجام مع متطلبات زملائهم. • أظهر التقدير لعمل الآخرين. • أشجع على المرح في العمل. • أعيد صياغة التفاعلات السلبية للتركيز على العمل الجدير بالاهتمام. • أشجع الناس على إيجاد الهدف من خلال مساعدة الآخرين. • أوجه الناس للتعاون بوتيرة ودورات تتيح لهم العمل بأفضل ما لديهم. • أشجع الناس على إيجاد هدف في عملهم من خلال الشبكات داخل المنظمة وخارجها. | • في الاجتماعات والمحادثات الفردية، أشارك الآخرين في احتمالات واقعية تثير خيالهم وقلوبهم. • أكون عادةً مندمجًا بالكامل في الاجتماعات والمحادثات الفردية، وأُظهر اهتمامي بالآخرين وبأفكارهم. • أُفسح المجال للآخرين ليكونوا جزءًا فعّالًا من المحادثات وأتأكد من أنهم يرون كيف ستُسهم جهودهم في خطة تتطور باستمرار. • عندما أختلف مع خطة أحدهم أو مسار عمل معين، أفعل ذلك بطريقة تركز الاهتمام على القضية المطروحة وليس على الشخص نفسه. • أستخدم الفكاهة – غالبًا على حساب نفسي – لتخفيف اللحظات المتوترة أو لإزالة المكانة أو السياسة غير الضرورية من التفاعلات. • أحافظ على توازن فعّال بين الدفع نحو تحقيق الهدف والترحيب بالأفكار الجديدة التي يمكن أن تُحسّن المشروع أو عملية الوصول إلى الهدف. |
الثقة القائمة على الكفاءة يمكن أن تكون إشكالية أيضًا إذا كان القادة غير مستعدين للاعتراف بأنهم لا يعرفون كل شيء. عندما عُيِّنت واحدة من المديرين التنفيذيين الذين أجرينا معهم مقابلة لإعادة هيكلة قسم في شركة تكنولوجيا عالية، واجهت في البداية صعوبة في إتقان الجانب التقني من العمل، لكنها أدركت بعد ذلك أن من المنطقي أكثر أن تترك الخبرة التقنية للآخرين في فريقها وتركز على الاستراتيجية وبناء الفريق، وهما مجالان كانت مهاراتها فيهما استثنائية. قالت لنا: “جزئيًّا، جعلني هذا عرضة للانتقاد، وسمح للآخرين بفعل الشيء نفسه، لكن إخباري للفريق بما لست جيدة فيه ضمن أيضًا ثقتهم بي عندما أشير إلى مجال لدي خبرة فيه”.
يقضي القادة الموثوقون وقتًا كبيرًا في اجتماعات فردية مع الموظفين. أخبرنا أحد مديري شركة Workday أنه يخصص نصف وقت هذه الاجتماعات على الأقل لمواضيع “خارج نطاق العمل” لا علاقة لها بالجداول الزمنية أو التسليمات. قال: “عندما أعرف ما يهم الناس وإلى أين يريدون الذهاب، يمكنني تشكيل عملهم ليتماشى مع طموحاتهم. وبالطبع، عندما يرون ذلك، تبدأ تحفظاتهم بشأن من أكون بالتلاشي”.
جميع أشكال الثقة تستفيد من الاتصال الشخصي. تشجع Workday المديرين والموظفين على التواصل من خلال 141 ناديًا ترعاها الشركة وتشمل اهتمامات المديرين والموظفين في هذه الأندية أمورًا مثل الغناء الجماعي، والجبن، والكاريوكي، والكيبوب، والبينتبول، ورفع الأثقال. كما تشجع الشركة الموظفين على التواصل بعضهم مع بعض من خلال الرياضة والمشاركة المجتمعية. هذه الروابط غير المتعلقة بالعمل تبني الثقة وروح الزمالة.
تعزيز الهدف
بمجرد أن يشعر الناس بالثقة، يصبح من الأسهل بكثير للقادة توسيع الأفق وإظهار كيف أن العمل الذي يقوم به الموظفون له أهمية للمنظمة والعالم الخارجي. يحقق القادة ذلك ليس فقط من خلال إعطاء الناس مهام ذات معنى في حد ذاتها (وهو أمر ليس ممكنًا دائمًا)، بل أيضًا من خلال خلق سياق للتعاون الهادف.
هذا ما اكتشفه ديفيد سيلفستر. في مسيرة مهنية شملت أدوار قيادة في سلاح مشاة البحرية وشركات هادفة للربح، أجرى سيلفستر (الذي يشغل حاليًّا منصب مدير نجاح الموظفين الجدد في Amazon Web Services) عددًا من التحليلات الشبكية التنظيمية لتحديد العوامل الاجتماعية التنبئية لأمور مثل توليد الإيرادات، وسرعة الإنتاجية، وتدفق المعلومات واتخاذ القرار، وإرهاق التعاون، والمشاركة، والاحتفاظ بالموظفين. وقد أسفرت هذه الأعمال عن مجموعة واسعة من المبادرات المستهدفة في إدارة المواهب، وتطوير القيادة، وفاعلية المنظمة. في إحدى المنظمات، بدأ تحليله بسؤال بسيط: “عندما تتفاعل مع هذا الشخص، هل تشعر بإحساس أكبر بالهدف حول العمل الذي تقوم به؟” وقد كشفت النتائج، في تأكيد قصصي لمبدأ باريتو، أن 80% من الإحساس بالهدف داخل المنظمة كان يولده فقط 20% من قادتها، وأن هؤلاء القادة كان لديهم، من بين أمور أخرى، سجل أفضل بكثير في الاحتفاظ بالموظفين مقارنة بالباقين. ثم فحص الكيفية التي كان بها هؤلاء القادة المحددون يغرسون إحساسًا متزايدًا بالهدف بين الموظفين. قال سيلفستر متذكرًا: “كان كل ذلك سلوكيًّا، وقابلًا للتعلم للغاية”. أخذت المنظمة نتائج تحليل الشبكات المؤسسي، بما في ذلك قدرة القادة الفعّالين على، كما وصفها سيلفستر، “توفير مزيد من الوضوح وراء المهام”، ودمجتها في برامج تدريب القيادة للمديرين التنفيذيين وأجزاء أخرى من القوى العاملة.
لقد استخدمنا تحليل الشبكات المؤسسي لتحديد من يغرسون الهدف في أحد البنوك الاستثمارية الرائدة من خلال سؤال كبار قادته الـ600: “من بينكم يجعلكم تشعرون بإحساس أكبر بالهدف في عملكم بعد التفاعل معه؟” أظهرت النتائج أن الربع الأعلى من القادة خلقوا إحساسًا بالهدف لما يقرب من 16 شخصًا في المتوسط؛ وهو نطاق تأثير قوي. (أما الربع الأدنى فقد منح إحساسًا بالهدف لأقل من شخص واحد في المتوسط). علاوة على ذلك، كان القادة في الربع الأعلى قادرين على جذب أصحاب الأداء العالي للعمل معهم، وشهدوا معدلات ترك أقل، وكان لديهم فرق ذات درجات مشاركة أعلى.
هناك عدد من السلوكات القيادية تعزز الهدف في الفريق أو المنظمة. على سبيل المثال، يمكن للقادة تسليط الضوء على “سبب” مهمة أو مشروع ما. عندما أصدر الجنرال دوايت أيزنهاور بيانه للقوات في يوم الإنزال في يونيو 1944م، ركز على السياق، قائلًا للمقاتلين إن مهمتهم هي “الحملة الكبرى”، وإن “أنظار العالم كلها تراقبكم”، وإن “آمال ودعوات محبي الحرية في كل مكان تسير معكم”. لقد أرادهم أن يعرفوا لماذا كانت أفعالهم مهمة. هذا النوع من تحديد السياق هو أمر معتاد في الجيش، خاصة عندما يُطلب من الناس المخاطرة بحياتهم، لكنه ليس شائعًا في عالم الأعمال، حيث تكون المخاطر عادة أقل بكثير. لكن يمكن للمديرين استخدام هذا النهج لخلق سياق يرى فيه الناس قيمة ما يفعلونه ويشعرون بأنهم جزء من شيء أكثر أهمية من مجرد الالتزام بموعد نهائي أو البقاء ضمن الميزانية.
ما هو أقل فهمًا هو أن هناك جانبًا واحدًا على الأقل من “كيفية إنجاز العمل” يؤدي دورًا أساسيًّا في غرس الهدف. تشير أبحاثنا إلى أن ما يصل إلى نصف إحساس الموظفين بالهدف والتأثير يأتي من جودة تعاونهم بين بعضهم بعضًا. ولذلك، ينبغي للقادة مساعدة الموظفين على رؤية الهدف كجزء متأصل في كيفية عملهم معًا، وليس فقط في تنفيذ العمل نفسه. على سبيل المثال، توضح إحدى القيادات التنفيذية في شركة من شركات فورتشين 500، بين الفرق الجديدة، سبب دعوتها لكل عضو للانضمام إلى مشروع أو مبادرة: “يساعدهم ذلك على تقدير بعضهم بعضًا ورؤية سبب كونهم جميعًا معًا سيكونون أكثر نجاحًا مما يمكن لأي منهم بمفرده”.
هناك أيضًا سلوكات أخرى مشتركة بين القادة الذين ينجحون في غرس إحساس بالهدف؛ فهم يميلون إلى توزيع الملكية مبكرًا، ما يجعل السعي لتحقيق الأهداف المشتركة وإنجازها عملًا تعاونيًّا منذ البداية. كما أنهم يظهرون التقدير لعمل الآخرين؛ فقد خصص أحد المديرين التنفيذيين في شركة أدوية ساعة في نهاية كل أسبوع لإرسال رسائل شكر إلى الموظفين الذين قدموا إسهامًا مهمًّا بشكل خاص بطريقة تعاونية.
تحفيز الأشخاص
بمجرد أن تكون مستويات الثقة والهدف موجودة، يمكن للقادة تحويل انتباههم إلى تحفيز الموظفين. هذه هي عملية تحفيز الآخرين ليقدموا أفضل ما لديهم في العمل وينخرطوا بالكامل مع زملائهم. تظهر الأبحاث أن الطاقة هي محفز رئيس لعلاقات العمل عالية الجودة والتعاون.
القادة الذين يمكنهم توليد الطاقة والحماس -وهي موهبة نادرة نسبيًّا في بيئات العمل- هم ذوو قيمة هائلة لمؤسساتهم. في الواقع، تظهر أبحاثنا أن المحفزين للطاقة هم أكثر عرضة بأربعة أضعاف للحصول على أعلى تقييمات الأداء في المنظمة والترقية مقارنة بغير المحفزين، وهم أكثر عرضة بمرتين إلى ثلاث مرات لإدارة الانتقالات المهنية بنجاح. وفي المتوسط، فإن تعويضهم، بما في ذلك المكافآت، أعلى بنسبة 20% إلى 30%.
يقدم المحفزون للطاقة الدفعة اللازمة لإنتاج نتائج جديدة بسرعة، وتسريع نقل المعرفة؛ وهذا يجعلهم عوامل تغيير فعالة للغاية. لكن يمكن تقديم هذه الدفعة بطريقة استراتيجية فقط إذا تعرفت المؤسسات إلى محفزي الطاقة واستفادت من مهاراتهم الخاصة.
هذا أسهل قولًا من فعله. قد تتوقع أن يكون محفزو الطاقة هم دائمًا الأشخاص الأكثر كاريزمية في الغرفة أو الأكثر فكاهة أو أفضل رواة القصص، لكن قد يصعب اكتشافهم. فالأشخاص الأكثر انفتاحًا هم بالاحتمال نفسه لأن يكونوا مستنزفين للطاقة أو محفزين للطاقة، كما أن محفزي الطاقة قد يكونون انطوائيين أو منفتحين بالقدر نفسه. تكشف مقابلاتنا مع محفزي الطاقة أنهم لا يميزون أنفسهم بأنهم أكبر من الحياة، بل بجعل الآخرين يشعرون بأنهم مهمون وخلق تدفق في الشبكات بحيث تنتقل المعلومات والفرص والمواهب الفُضلى والإبداع بشكل أكثر سلاسة عبر المنظمة. العقبات التي تعترض تحديد المحفزين من خلال سمات الشخصية تعني أن الشركات بحاجة إلى طرق أخرى لتحديدهم. مرة أخرى، يمكن لتحليل الشبكات المؤسسي (ONA) أن يساعد. في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد، وهو مؤسسة بحثية في مجال الطب الحيوي، استخدمت كيت أوبراين، مديرة تحليلات الأفراد، تحليل الشبكات المؤسسي لتحديد المحفزين بين مجموعتين من الموظفين (قرابة 400 من أصل 1500 في المجمل)، كان عديد منهم علماء، في برنامج السرطان ومجموعات منصة علوم البيانات. قالت أوبراين: “هناك أشخاص يعملون كموصلين؛ محاور للعلماء الآخرين. إنهم أشخاص أساسيون للغاية، وإذا قرروا الذهاب إلى مكان آخر، فسنبدأ نشعر بانخفاض الحماس والتعاون الموجه نحو المهمة في ثقافتنا”.
كانت نتائج التحليل مفاجئة لقادة المعهد الكبار، بحسب أوبراين. فقد شملت قائمة المحفزين عددًا لا بأس به من العلماء الذين لم يكونوا يفوزون بمنح بحثية ولم يُنظر إليهم بالضرورة كنجوم تقنيين. لكن كانت لديهم صفات أخرى ذات قيمة: كان المحفزون يرون الناس كأفراد، ودائمًا يخصصون وقتًا للحديث مع الزملاء ومساعدتهم على حل المشكلات، ويدركون بالفطرة أن العلماء الآخرين يقدرون الاهتمام بهم، ويتولون تلك المهمة. هذه السلوكات من بين عدة سلوكات قيادية رئيسة وجدنا أنها تحفز الموظفين.
كما أن الفكاهة جزء من توليد الطاقة. يستخدم عديد من المحفزين أسلوب التقليل من الذات لتخفيف اللحظات أو لتقليل الحواجز الطبيعية التي تظهر في التفاعلات مع أصحاب السلطة؛ إنهم يبحثون عن فرص لإضفاء بعض المرح على العمل ويشجعون الآخرين على فعل ذلك أيضًا. قال لنا أحد مديري شركات الأدوية إنه يطلب من عضو فريق مختلف أن يبدأ كل اجتماع بإعلان فكاهي أو مقطع فيديو لشركة في صناعة غير ذات صلة. الفكرة هي جعل الناس يضحكون ويسترخون قليلًا، وألا يأخذوا أنفسهم على محمل الجد.
غالبًا ما يستخف القادة بقوة السلوكات المحفزة. ولكن من خلال دراستنا للمحفزين، وجدنا أن نجاحهم لا يعتمد على قدرتهم على إنجاز الأمور فحسب، بل على قدرتهم على جذب الأفكار والفرص والأشخاص الموهوبين. قد يبدو أن هذه الأمور تأتي إليهم من خلال لقاءات عفوية، لكن المحفزين يفتحون القنوات التي يتدفق من خلالها النجاح.
كيف يمكن للقادة المضي قدمًا؟
لا محالة، عندما نعرض نتائجنا على مجموعات من القادة، يسأل أحدهم السؤال الذي يدور في أذهان الجميع: “ما السلوك الواحد الذي يمكنني اعتماده اليوم لرفع مستوى التعاون في مؤسستي؟” للأسف، ولسببين، لا توجد إجابة بسيطة لهذا السؤال.
أولًا، تختلف فاعلية السلوكات الـ27 التي حددناها في تحليلنا بناءً على ديناميكيات كل منظمة. ومع ذلك، فإنها جميعًا تسهم إسهامًا إيجابيًّا، وغالبًا ما تعمل معًا. كلما أظهر القادة مزيدًا من هذه السلوكات واحتفلوا بها في الآخرين، زادت احتمالية أن يكون لدى مؤسستهم مستويات عالية من التعاون. وعلى العكس، إذا كانت هناك سلوكات مفقودة، يمكن أن تصبح الفجوات عقبات أمام بناء الثقة والهدف والطاقة في القوى العاملة، مهما كان عدد السلوكات الأخرى حاضرًا.
ثانيًا، كل قائد يظهر هذه السلوكات بمزيج ودرجات مختلفة. وهذا يعني أن الحل لرفع مستوى التعاون بين الأفراد سيختلف لكل قائد.
بدلًا من البحث عن حل سحري، ندعوك إلى تقييم سلوكاتك القيادية من خلال ملاحظة أي من السلوكات الـ27 تجسدها وأيها لا تجسدها.13 ثم، بدءًا من السلوكات التي تخلق بيئة من الثقة، اعتمد تلك التي تفتقر إليها حاليًّا وواصل تطوير البقية. لقد وجدنا أن هذا النهج المنهجي هو أفضل طريقة لتصبح قائدًا أفضل في تعزيز التعاون بين الأفراد ورفع التفاعل الوظيفي.
المراجع (13)
1. C. Rey, M. Bastons, and P. Sotok, eds., “Purpose-Driven Organizations: Management Ideas for a Better World” (Basingstoke, U.K.: Palgrave Macmillan, 2019); and L.E. McLeod, “Leading With Noble Purpose: How to Create a Tribe of True Believers” (Hoboken, New Jersey: John Wiley & Sons, 2016).
2. G.A. Ballinger, R. Cross, and B.C. Holtom, “The Right Friends in the Right Places: Understanding Network Structure as a Predictor of Voluntary Turnover,” Journal of Applied Psychology 101, no. 4 (April 2016): 535-548; and R. Cross, P. Gray, A. Gerbasi, et al., “Building Engagement From the Ground Up: How Top Organizations Leverage Networks to Drive Employee Engagement,” Organizational Dynamics 41, no. 3 (July 2012): 202-211.
3. “100 Best Companies to Work For,” Fortune, 2019, https://fortune.com.
4. A.C. Edmondson, “Managing the Risk of Learning: Psychological Safety in Work Teams,” in “International Handbook of Organizational Teamwork and Cooperative Working,” eds. M.A. West, D. Tjosvold, and K.G. Smith (Hoboken, New Jersey: John Wiley & Sons, 2003): 255-276.
5. F. Herzberg, “One More Time: How Do You Motivate Employees?” Harvard Business Review (Boston: Harvard Business School Publishing, 1968).
6. See, for instance: C. Duhigg, “What Google Learned From Its Quest to Build the Perfect Team,” New York Times Magazine, Feb. 25, 2016, www.nytimes.com.
7. A.C. Edmondson, “The Fearless Organization: Creating Psychological Safety in the Workplace for Learning, Innovation, and Growth” (Hoboken, New Jersey: John Wiley & Sons, 2018).
8. D.Z. Levin and R. Cross, “The Strength of Weak Ties You Can Trust: The Mediating Role of Trust in Effective Knowledge Transfer,” Management Science 50, no. 11 (November 2004): 1477-1490; and D.Z. Levin, E.M. Whitener, and R. Cross, “Perceived Trustworthiness of Knowledge Sources: The Moderating Impact of Relationship Length,” Journal of Applied Psychology 91, no. 5 (2006): 1163-1171.
9. S.E. Cha and A.C. Edmondson, “When Values Backfire: Leadership, Attribution, and Disenchantment in a Values-Driven Organization,” Leadership Quarterly 17, no. 1 (February 2006): 57-78.
10. Any opinions expressed by David Sylvester are his own and not those of his current employer.
11. S. Sinek, “Start With Why: How Great Leaders Inspire Everyone to Take Action” (New York: Penguin Group, 2009).
12. J.E. Dutton and E.D. Heaphy, “The Power of High-Quality Connections,” in “Positive Organizational Scholarship,” eds. K.S. Cameron, J.E. Dutton, and R.E. Quinn (San Francisco: Berrett-Koehler Publishers, 2003): 263-278; and R.W. Quinn, “Energizing Others in Work Connections,” in “Exploring Positive Relationships at Work,” eds. J.E. Dutton and B.R. Ragins (New York: Lawrence Erlbaum Associates, 2007): 73-90.
13. جرب إجراء استطلاعنا على www.networkassessments.org/thriving-through-connections. ولمزيد من الشمولية، يمكنك أيضًا دعوة الأشخاص الذين تعمل معهم إلى المشاركة في الاستطلاع وتقييم سلوكاتك. في المقابل، ستحصل على تقرير يوضح مدى إظهارك لكل من السلوكات الـ27.
