القائمة الرئيسية

كيف تجد الإجابات داخل شركتك 

كيف تجد الإجابات داخل شركتك 
ملخص المقال

يستعرض المقال  دور أسواق المعرفة الداخلية في المؤسسات الكبيرة، حيث تربط الموظفين الباحثين عن المعرفة بخبراء أو مصادر متخصصة، مع استخدام حوافز مادية واجتماعية وعملات افتراضية لتعزيز المشاركة وجودة المعلومات. هذه الأسواق تتجاوز إدارة المعرفة التقليدية البطيئة والمركزية، فتتيح استجابة أسرع للاحتياجات غير المتوقعة، وإعادة استخدام المعرفة، وتحفيز التعاون والتنافس بشكل متوازن. ويشرح المقال تصميم الأسواق الداخلية عمليًا، بما يشمل محتوى أساسي لجذب المستخدمين، دعم المعرفة المتخصصة، مساحات آمنة للمشاركة، إدارة تدفقات النقاط، وحماية المعلومات الاستراتيجية، مع دور الإدارة كرئيس احتياطي يضمن الانفتاح والتعاون الأفقي، مما يزيد من الابتكار والإنتاجية داخل المؤسسة.

هند بن بيا ومارشال فان ألستاين

واجهت شركة AECOM Technology، ومقرُّها لوس أنجلوس، مشكلةً. فقد نجح مصنع تابع لـ AECOM في الأرجنتين في التحول إلى معالجة الوقود الحيوي، وكان يُنتج غبار السكر كناتج ثانوي من إنتاج الوقود الحيوي. المشكلة: غبار السكر المتطاير في الهواء يمكن أن يكون قابلًا للانفجار؛ وكانت الشركة قلقةً من احتمال حدوث كرات نارية بالقرب من منشآت معالجة الوقود. كان لدى فريق من موظفي AECOM في لندن أفكار عدَّة، ولكن بعد أسابيع من النقاش، ظهرت الحلول أخيرًا —عبر لوحة إعلانات داخلية للشركة— من مهندس تابع لـ AECOM في أستراليا.

هذا النوع من التحديات الذي واجهته AECOM —وهو تحديد المعرفة الداخلية بشأن موضوع متخصص— موجود في أيِّ مؤسسة كبيرة. كلما كبرت الشركة وتجزَّأت، أصبحت مطابقة الأشخاص مع المشكلات أكثر صعوبةً. كما أشار لويس بلات، الرئيس التنفيذي السابق لشركة هيوليت-باكارد: “لو أن HP كانت تعرف ما تعرفه HP، لكنا أكثر إنتاجيةً بثلاث مرات”. كيف يمكن لمؤسسة كبيرة مواجهة تحديات إدارة تدفق المعلومات داخليًّا؟

إحدى الإجابات هي سوق المعرفة الداخلية. وعلى نحوٍ عام، فإن أسواق المعرفة الداخلية هي بيئات محمية يبادل فيها المستخدمون معارفهم عبر آليات التسعير. رغم أن مثل هذه الأسواق موجودة بأشكال مختلفة منذ سنوات،[1] فإن استخدامها لتسهيل نقل المعرفة داخل المؤسسات يُعدُّ أمرًا حديثًا نسبيًّا. وقد أظهرت شركات رائدة؛ مثل: Infosys، وSiemens، و.McKinsey & Co، وEli Lilly قيمتها في إدارة تدفق المعلومات مقارنةً بحلول إدارة المعرفة التقليدية. فعلى سبيل المثال، استخدمت شركة البرمجيات SAP سوق معرفة لتسهيل الردود بين المطورين على أسئلة بعضهم بعضًا سواء داخل الشركة أو خارجها. وقد حسَّن هذا النوع من الأسئلة والأجوبة أوقات الاستجابة على نحوٍ كبير، ووفّر على SAP أكثر من 6 ملايين دولار في تكاليف الدعم الفني.

على نحوٍ عام، تدفع الأسواق الموارد للتعبير عن نفسها وتحديد هويتها. فهي تسهِّل إعادة استخدام المعلومات الموجودة، وتؤدي إلى إنشاء معلومات جديدة عند الحاجة، وتنظِّم استخدام الموارد بكفاءة، بما في ذلك وقت الأشخاص. توفِّر الأسواق إطارًا لسدِّ الفجوات بين المشكلة والفرصة. وللحصول على هذه الفوائد، يمكن للمديرين التنفيذيين إدخال قوى السوق إلى شركاتهم. ومع ذلك، فإن القواعد والمكافآت وإدارة الأسواق الداخلية تختلف عن تلك المستخدمة في الهياكل التنظيمية التقليدية. وبالاستناد إلى تحليل لأكثر من 50 تطبيقًا لأنواع مختلفة من الأسواق الداخلية، إضافة إلى النظرية الاقتصادية الأساسية، تقدم هذه المقالة إرشادات عن كيفية تصميم أسواق المعرفة الداخلية وإطلاقها واستدامتها.

إدخال الأسواق إلى داخل الشركة

يرى مفهوم شائع، “حكمة الجماهير”، أن على الشركات ألا تخطِّط لكلِّ شيء من الأعلى.2 لكن التخطيط من الأسفل يتطلب معرفة متى تكون الجماهير بالفعل حكيمة. ثمة أربعة استخدامات قيّمة لأسواق المعلومات من قِبَل الشركات؛ تشمل التنبؤ عبر “أسواق التوقع”، وتوليد الأفكار عبر “أسواق الأفكار” وتقييمها، وحلّ المشكلات عبر “أسواق الابتكار” التي تربط مشكلات البحث والتطوير بالباحثين، والمساعدة بين الأقران عبر “أسواق المعرفة”. جميع هذه الأنواع الأربعة من أسواق المعلومات مستخدَمة في الشركات اليوم. تركِّز هذه المقالة على أسواق المعرفة الداخلية، مع الاستفادة عند الحاجة من دروس تجارب الشركات مع الأنواع الثلاثة الأخرى من أسواق المعلومات.

سوق المعرفة الداخلية هي منتدى داخل المنظمة يربط بين الباحثين عن المعرفة ومصادر المعرفة —على سبيل المثال، الفروع والمقر الرئيس، أو المبتدئون والخبراء— ويشمل حوافز مادية أو اجتماعية لتشجيع تبادل المعلومات. وغالبًا ما تتخذ سوق المعرفة الداخلية شكل منصة مدعومة بتقنية المعلومات تزداد قيمتها كلما انضم إليها مزيد من المستخدمين. وعلى عكس الشبكة الاجتماعية —التي تربط المستخدمين بأشخاص يعرفونهم على نحوٍ استباقي— فإن سوق المعرفة هي أداة تساعد المستخدمين على التواصل مع خبراء وخبرات قد لا يعرفونها. يمكن للشركات استخدام أسواق المعرفة الداخلية لتسهيل تبادل المعلومات عبر المؤسسة الموزعة، ولحصر أفضل الممارسات داخل الشركة، ولتوليد ردود أسرع على أسئلة الموظفين. من بين الشركات التي أطلقت أسواق معرفة داخلية: Eli Lilly، وMcKinsey، وInfosys، وSiemens، وBank of America، وIBM، والبنك الدولي، وSamsung Life Insurance، وFujitsu، وNTT Software.

لكن كانت ثمة تحدِّيات وتعقيدات في تنفيذ أسواق المعرفة الداخلية. لفهم كيفية إدارة الأسواق داخل الشركات، درسنا أولًا التكاليف والفوائد للمقاربات التقليدية مقابل المقاربات القائمة على السوق لإدارة المعرفة. وقد أظهر بحثنا أن الفروق يمكن أن تكون صارخة. فقد اعتمدت المحاولات التقليدية الأولى لإدارة المعرفة، على نحوٍ رئيس، على أنظمة إدارة المعرفة المركزية. وفي هذا النهج من الأعلى إلى الأسفل، تعطي سلطة مركزية الأولويةَ للتطوير لمعالجة المشكلات الرئيسة بناءً على افتراضين: (1) احتياجات المعرفة متوقعة، و(2) الخبراء وليس الأقران هم من يستخرجون المعرفة ويصادقون عليها. وكلا الافتراضين له حدود. في الأنظمة التقليدية، يعتمد الحصول على الإجابات على خبراء الشركة عندما تكون لديهم القدرة على تلبية جميع الطلبات، إضافة إلى قيامهم بأعمالهم الخاصة. ولكن عندما يتجاوز حجم الأسئلة القدرة الاستيعابية، يصبح الخبراء عنق زجاجة. فالمشكلات التي كان من الممكن أن يتلقّى الموظف حلًّا مناسبًا لها من زميل قد تبقى بلا إجابة في أثناء انتظار الحل المثالي من الخبير. علاوة على ذلك، وبسبب ارتفاع تكلفة جمع المعرفة، توثِّق المؤسسات جزءًا فقط من أفضل ممارساتها على نحوٍ انتقائي. وهذا يترك الكثير من الموظفين بحاجة إلى معلومات لم يُعترَف بها. وأخيرًا، على الرغم من أن المشكلات غير المتوقعة تؤثر، على نحوٍ روتيني، في الأعمال، فإن أنظمة إدارة المعرفة التقليدية في الشركات غالبًا لا تحتوي على حلول لها.

ليس من المستغرب أن أنظمة إدارة المعرفة المركزية تُنتج نتائج متباينة. فقد أمضت إحدى شركات التدقيق والاستشارات التي درسناها أكثر من عامَين في تدوين أفضل الممارسات لإدراجها في أنظمة إدارة المعرفة الخاصة بها. ومع ذلك، وبعد أن وُفِّر النظام لأكثر من 1500 مستشار، أبلغ 130 فقط منهم أنهم تمكنوا من العثور على محتوى مفيد عليه. وعلى النقيض من ذلك، فإن السوق الداخلية للمعلومات تعادل الإنتاج في الوقت المناسب. وتساعد المنصة الأشخاصَ على الحصول على المعلومات والاتصالات عند الحاجة. تعني تلبية الاحتياجات غير المتوقعة توفيرَ الوصول إلى المعرفة غير المستغلة، كما تعني توفيرَ الوصول إلى مصادر معرفة متنوعة وليس فقط إلى المستودع المركزي. (انظر “إدارة المعرفة التقليدية مقابل الأسواق الداخلية للمعرفة”).

وقد عبّر أحد التنفيذيين في شركة NTT Software، ومقرُّها طوكيو، عن المشكلة التي تواجه إدارة المعرفة التقليدية، بعبارة بليغة؛ إذ قال: “محاولات تعزيز إدارة المعرفة من خلال إلزام الموظفين بالإسهام بالمعرفة قد فشلت”. وبعد ثمانية عشر شهرًا من إدخال سوق المعرفة في NTT Software، تلقَّت الأسئلة المنشورة في منتدى الأسئلة والأجوبة إجابات في غضون خمس دقائق فقط. قدَّم الموظفون خدمة عملاء أسرع، وانتشرت أفضل الممارسات بين مهندسي البرمجيات ومندوبي المبيعات؛ وانخفض العمل المكرر بمقدار 9000 ساعة.

ليست الأسواق الداخلية للمعرفة مناسبةً للجميع، خاصة المؤسسات التي تفتقر إلى الحجم الكافي. ففي إحدى الشركات التي درسناها، وهي Diamond Lease (التي اندمجت لاحقًا مع شركة Mitsubishi UFJ Lease & Finance ومقرُّها طوكيو)، لاحظ التنفيذيون أن الموظفين الذين يعملون جنبًا إلى جنب في بيئة حميمة يتبادلون المعلومات على نحوٍ طبيعي. في مثل هذه البيئات، ومع تفاعل الموظفين، يبقون على اطلاع بتقدم العمل في جميع أنحاء المؤسسة دون الحاجة إلى تعزيز خارجي. ومع نمو الأعمال، تتوزع المعرفة العملية عبر الفروع والأقسام، ويبدأ تدفق المعلومات بالتباطؤ.

حول البحث

استُمدَّت الرؤى الواردة في هذه المقالة من أبحاث أجراها المؤلفان على نحوٍ فردي وجماعي على مدى أكثر من عقد من الزمن في أثناء دراسة مشكلات المعرفة وتصميم الأسواق.

في المرحلة الأولى، استكشفنا أسواق المعرفة كوسيلة لمعالجة القضايا في إدارة المعرفة التقليدية. اعتمدنا على عدة مصادر أولية وثانوية، بما في ذلك المقابلات والتحليلات التجريبية لتحديات تنفيذ أنظمة إدارة المعرفة في عدد من شركات وادي السيليكون؛ حيث زرنا أكثر من 30 شركة وأجرينا مقابلات معها، واستفدنا من دروس أحد موردي أسواق المعرفة (Realcom) ودرسنا خمس مؤسسات بعمق (IBM، وCisco Systems، وHP، وProtiviti، وSiemens).

في المرحلة الثانية، راجعنا مصادر فشل الأسواق الداخلية للمعرفة بهدف اقتراح استراتيجيات تصميم لمعالجتها. وبالاستناد إلى ثلاث نظريات اقتصادية —نظرية الشبكات ذات الطرفين، ونظرية السعر، ونظرية كمية النقود— اقترحنا خطوات تصميم لإدخال أسواق المعرفة داخل المؤسسات.

في المرحلة الثالثة، وضعنا معايير مرجعية. على وجه التحديد، وحلَّلنا ميزات التصميم وخصائص أكثر من 50 سوقًا مختلفة للمعلومات والأفكار والتوقعات تعمل حاليًّا، بما في ذلك 20 سوق معرفة. وأجرينا مقابلات مع ثلاث شركات طبَّقت أسواق المعرفة الداخلية.

في المرحلة الرابعة، أنشأنا نموذجًا أوليًّا لسوق المعرفة الداخلية واختبرناه في ثلاث شركات شريكة. ومن خلال تعليقات الزملاء والمقابلات مع التنفيذيين، صمَّمنا إطار عمل مفيدًا للمديرين، وبعد تقييم طرائق التصميم المتنافسة، توصلنا إلى المخطط الموضح في هذه المقالة.


المرحلة الأولى: تصميم وإطلاق سوق المعرفة الداخلية

لتنفيذ الأسواق الداخلية، يجب على التنفيذيين مراعاة منطق تصميم مختلف جذريًّا عن ذلك الخاص بالتسلسلات الهرمية التقليدية. في هذه المقالة، نقدِّم للإداريين إطار عمل لتصميم أسواق المعرفة الداخلية الفعالة وصيانتها. ونظرًا لأن تنفيذ أسواق المعرفة الداخلية لا يزال في طور التطور، فقد جمعنا أفضل الممارسات من تجارب مجموعة متنوعة من الشركات لتطوير إطار العمل الخاص بنا، مستندين إلى النظرية الاقتصادية الأساسية. ثم بنينا واختبرنا نماذج أولية لأسواق المعرفة الداخلية.
1. استخدام الحوافز المادية والاجتماعية، مع ترك الأسعار تتغير بحرِّيَّة. يقدِّم ديفيد ريتر، المدير التقني لشركة InnoCentive، وهي مورد لأسواق المعرفة، ومقرُّها والثام، ماساتشوستس، بعضَ النصائح عن إنشاء أسواق داخلية فعالة: حوافز التعاون ضرورية، ولكن يجب أن تتخذ ثلاثة أشكال — عملة قابلة للإنفاق، وتقدير للخبرة، وفرصة لتحقيق تأثير إيجابي. ويلاحظ قائلًا: “لقد وجدنا أن المشاركة في أسواق المعرفة الداخلية تزداد على نحوٍ كبير عندما يمكنك الجمع بين العوامل الثلاثة معًا”. تشمل المكافآتُ الاجتماعيةُ التقديرَ، وتصنيفات الأقران، والهوية المهنية. وتشمل المكافآت الفكريةُ التعلمَ، وتحدِّي المشكلات، والاستقلالية. أما المكافآت المادية فقد تشمل نقاط الطيران المتكرر أو المال أو نوعًا من العملات الافتراضية.

حتى الشركات التي تدرك الحاجة إلى الجمع بين الحوافز في الأسواق يمكن أن تخطئ في ذلك. انظر إلى الأمثلة التالية من HP وسيمنز. لتحفيز العرض والطلب على المعرفة، أنشأت HP برنامج حوافز يعتمد على أميال الطيران المتكرر. كان نشر مورد مفيد على المنصة الداخلية يكسب 2000 ميل، ونشر سؤال يكسب 1000 ميل، ونشر إجابة يكسب 500 ميل. لكن بعد 90 يومًا من الإطلاق، لم يقم سوى 20% من الجمهور المستهدف بأحد هذه الأنشطة. وبالمثل، اعتمدت سيمنز على “أسهم” يمكن للمشاركين أن يستبدلوا بها جوائز. فكان الموظفون المشاركون يحصلون على 20 سهمًا مقابل تقديم حلول وقصص نجاح، في حين يحصلون على 10 أسهم مقابل تطوير عروض العملاء أو التكنولوجيا أو السوق. وقد أدَّى هذا البرنامج إلى زيادة كبيرة في المساهمات؛ ومع ذلك، ظلت جودة المعلومات ضعيفة.

توضح كلتا الحالتين مشكلة كلاسيكية في إدارة المعرفة: فقد استخدمت كلٌّ من HP وسيمنز مكافآت ثابتة عند إنشاء أسواق المعرفة الداخلية الخاصة بهما. عندما تكون الأسعار ثابتة، لا تُنشَأ المعلومات التي تزيد قيمتها على السعر —فلن يضيِّع الخبراء وقتهم— في حين تُنشَأ المعلومات التي تقل قيمتها عن السعر؛ أي أن العمال الأقل خبرة يتطوعون فقط للحصول على المكافأة. (انظر “مشكلة الأسعار الثابتة في سوق المعرفة”). ونتيجة لذلك، يمكن أن تصبح هذه الأنظمة مثقلة بالمحتوى غير ذي الصلة أو تشتّت الموظفين عن الأنشطة الأكثر قيمة بسبب المكافآت المفرطة. ولمعالجة هذه المشكلات، يجب على المديرين أن يدركوا أن الأسعار الثابتة في أسواق المعرفة الداخلية هي شكل من أشكال التخطيط المركزي؛ إذ تؤدِّي مجموعة ما داخل الشركة دون قصد دورَ المكتب السياسي في اقتصاد مخطط، وتوجِّه الأنشطة عبر المنظمة. وتخبرنا نظرية الأسعار أن الكفاءة تتطلب أن تكون الأسعار متغيرة.

بدلًا من الاعتماد فقط على نظام مكافآت أو تقييمات ثابت، يمكن للشركات بدلًا من ذلك إدخال عملات افتراضية لتحفيز المحتوى عالي الجودة. نفَّذت Infosys، وهي شركة استشارات وتكنولوجيا معلومات تضم 17,000 موظف، ومقرُّها بنغالور، الهند، سوقَ معرفةٍ داخليّة تُسمَّى K-Shop تستخدم مثل هذه العملة الافتراضية. يمكن للموظفين تقديم أوراق بحثية وتجارب مشاريع وسلع معرفية أخرى إلى K-Shop. ويُعوَّض كلٌّ من المؤلفين والمراجعين عبر عملة افتراضية تُصدرها الشركة تُعرف بوحدات العملة المعرفية (KCU)، التي يمكن أن تُستبدَل بها النقود والجوائز. وخلال عام واحد، قدَّم الأشخاص أكثر من 2,400 اقتراح وحالة وموضوع برمجي ومراجعة.

بالنسبة إلى الأسواق الداخلية، فإن العملات الافتراضية مثل أنظمة النقاط تكلِّف أقل من المال الحقيقي، وتشير الأدلة إلى أنها فعَّالة جدًّا أيضًا في تعزيز المشاركة ودقة المعلومات. كما تعزِّز العملات الافتراضية أفضل استخدام لوقت الجميع؛ لأن الشخص يجب أن يعمل ضمن ميزانية نقاط محدودة، فعليه أن يحدد أولوياته. ومع ميزانية عملة افتراضية محدودة، سيفحص الموظف قاعدة بيانات الأسئلة المتكررة قبل نشر مشكلات تم تناولها بالفعل. وفي الوقت نفسه، تُميَّز القضايا المهمة أو الحرجة على الفور كقضايا مهمة أو حرجة من خلال آلية التسعير.

بالتأكيد، تختلف الدوافع من شخص إلى آخر، ويجب أن تكون الحوافز مناسبة ثقافيًّا. في الحياة، عندما يقدم شخص ما خدمة، ثمة سؤال قديم عما إذا كان يجب الردّ برسوم أو تقديم معروف، أو بإكرامية أو بـ”شكرًا”. كلما كانت العلاقة أقرب، كان تقديم المساعدة المتبادلة أو الشكر أكثر ملاءمة. وكلما كانت العلاقة أكثر مهنية أو بعدًا، كان من الأنسب تقديم إكرامية أو رسم. يمكن للمؤسسات الصغيرة أن تحصل على معظم تبادل المعلومات الذي تحتاج إليه من خلال الأعراف الثقافية والمعاملة بالمثل العامة، لكن المؤسسات الكبيرة يمكن أن تستفيد أكثر من العملات الافتراضية. حتى في المؤسسات الكبيرة، يمكن أن تكون “العملة” أيّ منفعة اجتماعية يقدِّرها الناس. على سبيل المثال، طوّرت شركة SAP نظام نقاط مبتكرًا لمكافأة مجتمع المطورين لديها على حلِّ المشكلات، والتدوين، والإجابة عن أسئلة بعضهم بعضًا. في البداية، كان المطورون يكسبون نقاطًا تؤهلهم للحصول على قمصان تذكارية وهدايا. في عام 2008م، أعرب المجتمع عن رغبته في شيء أكثر مسؤولية اجتماعية. وبناءً على ذلك، عرضت SAP التبرع بمبلغ 100,000 يورو للأعمال الخيرية إذا تمكَّن المجتمع من جمع 2.5 مليون نقطة على نحوٍ جماعي. تحمَّس المجتمع لهدف أعلى وهو 3.5 ملايين نقطة، فضاعفت SAP عرضها، ورعت تبرعات بقيمة 200,000 يورو لدعم تعليم الأطفال ورعايتهم الصحية من خلال الأمم المتحدة. إضافة إلى هذه الحوافز الجماعية، واصلت SAP تقديم تقدير خاص لأكثر المطورين وخبراء العمليات التجارية تحقيقًا للنقاط. كما تستشير SAP هؤلاء الأفراد في السياسات وتصميم المنتجات؛ وهو مكسب واضح لجميع الأطراف المعنية.

2. جمع المعرفة على طرفي “الذيل الطويل”. تتطلب الأسواق الكتلة الحرجة. كما تتطلب أسواق المعرفة الداخلية محتوى متخصصًا، يُنتجه مساهمون مستقلون موزعون، ويستهلكه مستخدمون مستقلون موزعون. لكن جذب ومطابقة هاتين المجموعتين المختلفتين يظل أمرًا صعبًا. في الأسواق الخارجية، أُطِّرت هذه المشكلة في الآونة الأخيرة كنظرية الشبكات ذات الطرفين. الشبكات ذات الطرفين هي أسواق مطابقة؛ إذ توفر شبكات المستخدمين المختلفة منافع متبادلة بعضها لبعض. ومن الأمثلة على ذلك المشترون والبائعون في eBay، والباحثون عن عمل وأصحاب العمل في Monster.com، والمستمعون والموسيقيون في iTunes.

يعتمد الإطلاق الناجح لأسواق الشبكات ذات الطرفين على استراتيجيتين مهمتين: “البذرة” و”الدعم”. يمكن فهم هاتين الاستراتيجيتين بسهولة من خلال مفهوم الذيل الطويل. في أيِّ منصة، إذا فرزتَ المحتوى المتاح حسب الشعبية، فستجد أن رأس هذا التوزيع يحتوي على عدد قليل من العناصر الأكثر شعبية على اليسار، في حين يحتوي الذيل الطويل على العدد الكبير من العناصر الأقل شعبية. (“انظر: الذيل الطويل وأسواق المعرفة الداخلية”). “البذرة” هي المحتوى الأكثر أهمية الذي يقدِّمه راعي المنصة. على سبيل المثال، تزوّد Apple جهاز iPhone بتطبيقات أساسية للبريد الإلكتروني والتقويمات والموسيقا وتصفُّح الإنترنت. لكنها تعتمد على مجتمعها في توفير ميزات لم تتوقعها. لا يمكن لـ Apple أن تتحمل أن تكون المزوِّد الوحيد لجميع التطبيقات التي يرغب فيها المستخدمون. وبدلًا من ذلك، تدعم المطورين بأدوات وخدمات دعم لمساعدة المجتمع على الاستجابة بسرعة. في المقابل، قدَّمت Google دعمًا للذيل الطويل لنظام التشغيل Android من خلال أكثر من مليون دولار كجوائز نقدية لأفضل التطبيقات. أما بالنسبة إلى سوق المعرفة، فالتشبيه هو زرع حلول حاسمة لمشكلات الأعمال الرئيسة، وأيضًا دعم وتسهيل تطوير المجتمع لحلول للمشكلات غير المتوقعة. البذرة تمثل القيمة الأساسية التي تحفّز اعتماد المستخدمين. أما الدعم فيكون على شكل مكافآت اجتماعية أو مادية لمن يقدِّم محتوى جديدًا أو مساعدة من نظير إلى نظير.

وهكذا يمكن أن يعمل هذا النهج عمليًّا. لزرع سوق المعرفة لديها، لخَّص موظفو بنك طوكيو 90,000 مستند من Lotus Notes إلى 6,000 مستند ووضعوها في النظام لجذب اهتمام الموظفين. وارتفعت نسبة التبنِّي بعد إدخال سوق المعرفة، وانخفضت القروض المتعثرة، وازدادت استجابة العملاء. حتى حجم البريد الإلكتروني انخفض مع تزايد اعتماد الموظفين على سوق المعرفة. وكانت الخطوة التالية تتطلب الحصول على محتوى للذيل الطويل لسوق المعرفة الداخلية للبنك. عادةً ما يفتقر راعو المنصات إلى الموارد أو حتى المعرفة اللازمة لإنتاج كل المحتوى المتخصص الذي يحتاج إليه المستهلكون. ويُحقَّق الدعم من خلال منح النقاط للموظفين الذين ينشئون محتوى قيّمًا لسوق المعرفة الداخلية.

3. النظر في تقديم نقاط لتحسين جودة المعلومات. ماذا لو نشر الموظفون إجابات خاطئة أو ذات فائدة محدودة؟ يمكن لسوق المعرفة المصممة على نحوٍ صحيح معالجة هذه المشكلة. يتضمن موقع Naver، وهو بوابة مجتمعية كورية جنوبية شهيرة، سوق أسئلة وأجوبة يكسب فيها الأشخاص نقاطًا مقابل التعليق على فائدة الإجابات، والإبلاغ عن المحتوى القديم، وتنظيم المحتوى المبعثر. كما يمكن أيضًا التقاط الإجابات المتناقضة، ونقدها، ودمجها، وفهمها من خلال معالجة المجتمع لها. وهكذا يمكن أن توفِّر الاستجابة الجماعية أكثر مما يحصل عليه السائل من مصدر واحد.

4. للتغلب على الخجل، وفِّر مساحات محمية. قد يتجنب الأشخاص الذين يحتاجون إلى المعلومات المشاركة في سوق المعرفة الداخلية إذا كانوا خجولين أو يشعرون بالحرج أو مترددين في الاعتراف بما لا يعرفونه. تُظهر الأبحاث أن علم نفس المقارنة بين الأشخاص، وتهديد الأنا، وتأكيد الذات يمكن أن يؤثر في كيفية تقييم العاملين في مجال المعرفة لأفعالهم في أخذ النصائح من الزملاء أو استخدامها، وبالتالي في كيفية تدفق المعلومات داخل المنظمة. واجهت شركة فايزر مشكلة الخجل عند إطلاق سوق المعرفة الداخلية في آسيا. أحد الحلول: يجب أن تتضمن سوق المعرفة الداخلية أسواقًا متخصصة أصغر وأكثر خصوصية؛ إذ يمكن للموظفين طرح الأسئلة والمخاوف مع تقليل الرؤية العامة. تتيح المساحات المحمية العصف الذهني الحرّ حيث يمكن للأفكار أن تتخمَّر. ثانيًا، يجب أن يسمح تصميم السوق بالخصوصية والسرية. ويجب أن يكون بمقدور الباحثين طرح أسئلة مجهولة الهوية، في حين يمكن للمجيبين نشر إجابات مجهولة أو تعيين الإجابات على أنها خاصة، بحيث تكون مرئية فقط لطالب المعرفة. هذا يشجِّع الأشخاص على التطوع بمعلومات مثيرة للجدل لم يكونوا ليشاركوها في الظروف العادية، أو الاعتراف بجهلهم الذي لم يكونوا ليكشفوه.

5. لتقليل الاكتناز، وازِن بين المنافسة والتعاون. عندما يكون الزملاء أيضًا منافسين، قد يحتفظ الأفراد بالمعلومات لتحقيق ميزة شخصية. عند تقديم سوق المعرفة لأول مرة، لم يُفصح موظفو المبيعات في شركة دايموند إلا عن القليل فقط من المعلومات، لأن زملاءهم كانوا أيضًا، بطريقة ما، منافسون. أدَّى تصحيح هذه الديناميكية التنافسية إلى تبادل فريق المبيعات أكثر من 250 اقتراحًا؛ ما عزَّز الإنتاجية على نحوٍ كبير.

على نحوٍ عام، ثمة حلّ لمشكلة احتفاظ الأفراد بالمعلومات: استخدام المكافآت المطلقة بدلًا من النسبية. إذا كانت منافسة المبيعات تكافئ فقط أفضل البائعين، فإن الموقع النسبي فقط هو المهم: فوز شخص يعني خسارة آخر، لذا يحتفظ موظفو المبيعات بأفضل أفكارهم لأنفسهم في سوق المعرفة الخاصة بالشركة. من ناحية أخرى، يمكن للمكافآت المطلقة أن تعزِّز مشاركة المعلومات: أي شخص يتجاوز حدًّا معيَّنًا يحصل على جائزة. يمكن للزملاء مساعدة بعضهم بعضًا على الفوز؛ لذا فإن تبادل المعرفة التعاوني يساعد الفرق على الوصول إلى خط النهاية معًا. لذلك، فإن أفضل الحوافز يوازن بين المنافسة والتعاون. تشجِّع الحوافز المطلقة على المشاركة، لكن الموظفين قد يتّكلون على عمل زملائهم. أما الحوافز النسبية فتثبط المشاركة، لكن الموظفين يعملون بجدٍّ أكبر على نحوٍ فردي.

استخدِم المزيد من المكافآت النسبية عندما تتطلب المشكلات سرعة أكبر وتنوعًا في النهج، وتكون الحلول بدائل بعضها لبعض. على سبيل المثال، تدير شركة InnoCentive سوقًا خارجية تنافسية حيث يتنافس محللون متنوعون من جميع أنحاء العالم لإيجاد أفضل الحلول لتحديات البحث والتطوير. تُصنَّف الإجابات بدقة، والجوائز محدودة بدقة، ولا يمكن للمشاركين رؤية أعمال بعضهم بعضًا. بدلًا من ذلك، استخدِم المزيد من المكافآت المطلقة عندما تتطلب المشكلات تنسيقًا معقدًا وتكون الحلول مكملة بعضها لبعض. تدير InnoCentive أيضًا أسواقًا داخلية تعاونية داخل مواقع العملاء توفر غرف عمل للفرق عبر الإنترنت. تظهر الإجابات الجزئية على لوحات النقاش، وتذهب الجوائز إلى مجموعات كاملة من الخبرات المختلطة مع القليل من الاهتمام بالتصنيف الفردي.

6. حماية المعلومات الاستراتيجية. بسبب قدرة الأسواق على الكشف عن الأفكار على نحوٍ كبير، فإنها تخلق خطر الكشف التنافسي. في بعض الصناعات، قد يكون كافيًا أن يعرف المنافس أن منافسه طرح سؤالًا، حتى لو بقي الجواب خاصًّا. على سبيل المثال، إذا استخدمت شركة سوقًا داخلية لتوضيح مزايا استحواذ استراتيجي وتوقع قيمته، فإن تسرُّب الأخبار خارج الشركة يمكن أن يرفع سعر الهدف.

كما هي الحال مع حلِّ مشكلة خجل الموظفين، يمكن للمديرين التنفيذيين إنشاء أسواق متخصصة أكثر خصوصية بعضوية حصرية. استخدمت الحكومة الأمريكية هذا الحلَّ في سوق “مستقبلات الإرهاب” على سبيل المثال، حيث كان التنبؤ المفتوح بالأهداف الإرهابية المحتملة قد يزيد من احتمال وقوع هجمات فعلية. نُقلت هذه السوق التنبؤية إلى داخل وكالات الاستخبارات المحمية حيث يمكن الوثوق بالمشاركين. والمقايضة هنا أن الانفتاح والمشاركة يستفيدان من مصادر معرفة أكثر تنوعًا، في حين إن الإغلاق والاستبعاد يقللان من خطر نشر المعلومات الاستراتيجية.

المرحلة الثانية: تطوير السوق

  1. إدارة التدفقات الداخلة للنمو.

 في عمله الرائد عام 1945م الذي دافع فيه عن أهمية الاقتصادات السوقية، أكد الاقتصادي فريدريش فون هايك أن المعرفة موزَّعة على نحوٍ غير متساوٍ عبر المجتمع، وأن التخطيط الاقتصادي المركزي معرَّض للفشل بسبب عدم القدرة على تجميع المعرفة الموزعة وتحديد أسعار دقيقة للموارد. نعتقد أن هذا المبدأ ينطبق أيضًا على أسواق المعرفة داخل الشركات. لهذا السبب، عند إنشاء أسواق المعرفة الداخلية، يجب أن يكون دور القيادة التنفيذية أقرب إلى دور الاحتياطي الفيدرالي وأقل شبهًا بالمخطط المركزي. هذا يعني وضع سياسات لمجالات النمو في اقتصاد المعرفة الداخلي للشركة وضمان الاستخدام الأمثل لموارد الشركة، كما يعني تشجيع المبادرة المحلية والاعتماد على نحوٍ أقل على التوجيه من الأعلى إلى الأسفل. استخدِم الخبراء، ولكن دعِ الزملاء أيضًا يساعدون بعضهم بعضًا على تجنُّب الاختناقات. بدلًا من إخبار الناس بما يجب عليهم فعله، تأكَّد من أن الموظفين لديهم ما يحتاجون إليه. باختصار، يضع التنفيذي السياسة، ويعزِّز المرونة، ويضمن السيولة.

إدارة السوق تفتح مجالًا جديدًا من أدوات التحكم المستوردة من الاقتصاد الكلي. على سبيل المثال، يمكن للمديرين التنفيذيين الاستفادة من نصف قرن من تطبيق نظرية كمية النقود، وهي نظرية اقتصادية تصف كيفية إدارة عرض القيمة —سواء كانت نقودًا أو ائتمانًا أو نقاطًا— لتحقيق قيمة اقتصادية ونمو من خلال اختيار سياسات توسعية أو انكماشية. في سوق المعرفة الداخلية، تتحقق السياسة النقدية التوسعية من خلال منح المزيد من النقاط للمشاركين في السوق؛ ما يزيد من قاعدة المعرفة. القاعدة الإرشادية هي منح الأشخاص نقاطًا بما يتناسب مع مصادر القيمة التي يضيفونها إلى الشركة، على سبيل المثال، حسب فئة الوظيفة أو الراتب أو عبء العمل في المشروع. يجب أن يكون حجم التدفق الداخل بمعدل يتناسب مع الفوائد التي تجنيها الشركة من إنشاء معلومات جديدة. الهدف هو الحفاظ على “الأسعار” مستقرة مع التوسع التدريجي في عرض النقاط لتحفيز حجم المعاملات. في اقتصاد المعرفة الداخلي المصمم على نحوٍ جيد، يجب أن يؤدي ذلك إلى زيادة عدد الأسئلة المجاب عنها، وعدد الموارد المعلوماتية المتداولة، وعدد الخدمات المقدمة عبر المنصة.

يمكن أيضًا استخدام السياسة المالية داخل سوق المعرفة للإنفاق التحفيزي المستهدف. فعلى سبيل المثال، طبَّقت شركة SAP فعليًّا سياسة مالية افتراضية عندما عرضت مؤقتًا على المطورين نقاطًا مضاعفة —وهي إعانة مدرجة في الميزانية— مقابل النشاط في سوق المعرفة المتعلقة بمنتجات إدارة علاقات العملاء (CRM) الجديدة لديها. وقد أدت هذه الإعانات إلى تعزيز تطوير محتوى CRM الذي لم تكن SAP نفسها بحاجة إلى توفيره.

  • إدارة التدفقات الخارجة لتحقيق الاستقرار.

مع ذلك، تُمكِن إساءة استخدام أدوات النمو والسياسة القوية هذه بسهولة. قد يميل المديرون التنفيذيون إلى إغراق سوق المعرفة الداخلية بالنقاط في سعيهم المتزايد إلى الإنتاجية. سيكون ذلك غير حكيم؛ إذ سيؤدي إلى تضخم السوق الداخلية وعدم الاستقرار. تفقد النقاط قيمتها عندما ترتفع أسعار الأسئلة. والحلُّ بسيط: تمامًا كما يطبق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سياسة انكماشية لكبح التضخم، يمكن لصانع سوق المعرفة أن يقدِّم خدمات أو يشتري نقاطًا لتقليص عرض النقاط إذا تجاوز التوسع الحدَّ المطلوب. تقوم شركة Linden Research، ومقرُّها سان فرانسيسكو، مبتكرة العالم الافتراضي Second Life، بتمرير النقاط من اقتصاد Second Life الافتراضي وإليه؛ من خلال نظام مصادر ومصارف، بل وتشتري وتبيع عملتها الافتراضية الخاصة، دولارات ليندن. تزيد المصادر من عرض النقاط وتكافئ المشاركين في Second Life على الأنشطة المرغوبة مثل الانضمام أو تقديم محتوى قيّم أو الترقية إلى الخدمات المميزة. وتقلِّل المصارف من عرض النقاط من خلال الرسوم على أنشطة مثل استئجار الأراضي أو سوء السلوك أو تحويل الأموال الافتراضية إلى دولارات حقيقية.

ولإكمال السوق، يجب أن تُتاح للنقاط إمكانيات تدفق خارجة تكون مفيدة فعلًا. عبر سوق المعرفة الداخلية، يكون التوازن المفضل هو أن تتجاوز التدفقات الداخلة قليلًا التدفقاتِ الخارجةَ، بحيث يتوسع الاقتصاد الداخلي تدريجيًّا وتبقى قيمة النقاط ثابتة تقريبًا. تحدث التدفقات الخارجة عندما يستبدل المشاركون النقاط التي حصلوا عليها. وتصبح نقاطهم المكتسبة قابلة للتحويل إلى خدمات، أو قسائم هدايا، أو إجابات جديدة، أو مطالبات أخرى على موارد الشركة. يمكن للمشاركين أن يقرروا إنفاق النقاط فورًا أو تجميعها للإنفاق لاحقًا أو لتغيير وضعهم.

  • تشجيع التعاون.

من المخاوف الاجتماعية أن الحوافز المادية قد تغيِّر على نحوٍ سلبي مشاركة المعلومات من خلال تحويل المتطوعين داخل الشركة إلى بائعين. ويمكن أن تتطور التفاعلات الاجتماعية العفوية إلى تبادل محسوب. فعلى سبيل المثال، في شركة Infosys، كان المديرون التنفيذيون قلقين من أن وحدات عملة المعرفة (KCU) قد شجَّعت الموظفين على بيع المعرفة التي كانوا سيقدمونها مجانًا في الظروف العادية. وللتعويض عن هذا التأثير، يمكن للمنظمات تصميم سوق المعرفة الداخلية لتعزيز السلوك الاجتماعي الإيجابي. ويمكن لميزات التصميم أن تشجِّع على نحوٍ صريح الأعراف مثل المساعدة، والمشاركة، والتعاون. فعلى سبيل المثال، أعادت شركة إنفوسيس صياغة درجة KCU الخاصة بها لزيادة التقدير الاجتماعي والتأكيد على القيمة التي تُنشَأ لصالح الآخرين. كما يمكن لأسواق المعرفة أن تقدِّم تقديرًا خاصًّا للمانحين السخيّين للمعلومات. إذا كان شخص ما مفيدًا على نحوٍ استثنائي، يمكن للنظام أن يسمح للذين يطرحون الأسئلة بمنح نقاط “شكرًا” إما مباشرة للمجيبين أو للجمعيات الخيرية المفضَّلة لديهم.

ومن ميزات التصميم الاجتماعي الإيجابي الأخرى دعمُ تشكيل مجتمعات الممارسة أو مجموعات “تعتمد على الهوية”؛ أي الفرق التي تنظِّم نفسها حول مهارة أو رغبة أو هدف مشترك. عندما تتجمع مثل هذه المجموعات الطوعية، فإنها تكون جيدة على نحوٍ خاص في مشاركة المعلومات، وإدارة معدل الدوران، وتحقيق الأهداف القائمة على الهوية. لقد ثبت أن تطبيق علم النفس الاجتماعي على تكوين المجموعات يزيد من إسهامات المعرفة في المجتمعات عبر الإنترنت.

  • الحذر من التلاعب.

يمكن أن تحدث إخفاقات عندما يتلاعب المشاركون بالأسواق لتحقيق أهدافهم الخاصة. فعندما فتح فريق Schaumburg Flyers، وهو فريق بيسبول من دوري الدرجة الثانية، ومقرُّه في شاومبورغ، إلينوي، قراراتِ التدريب للتصويت الشعبي، جاءت النتائج مخيِّبة لآمال المشجعين. إحدى المشكلات: أن مشجعي الفرق المنافسة تمكنوا أيضًا من التصويت. ومع ذلك، تعاني الأسواق الداخلية عمومًا من تلاعب أقل من الأسواق الخارجية لثلاثة أسباب. أولًا، الأسواق داخل الشركات لديها توافق أفضل في الأهداف؛ فعادة ما تفوق العواقب السلبية لتقديم نصيحة سيئة المكاسب الناتجة عن الترويج للأفكار. ثانيًا، يمكن تصعيد النزاعات بسهولة إلى الإدارة العليا بدلًا من الذهاب إلى المحاكم. وأخيرًا، غالبًا ما تكون الهويات قابلة للتمييز إذا لزم الأمر فعلًا؛ ما يجعل السمعة على المدى الطويل أكثر أهمية من المكاسب القصيرة الأجل. وبصرف النظر عن ذلك، فإن الحلَّ هو تحديد التصويت ومنعه، وتقديم النصائح في حالات تضارب المصالح.

المرحلة الثالثة: التطور

  1. التصميم من أجل إعادة التصميم الذاتي.

حتى إذا استجابت سوق المعرفة لاحتياجات المستخدمين الحالية، يمكن أن تتغير تلك الاحتياجات. فعندما يصبح المستخدمون أكثر كفاءة، يرون فرصًا جديدة ويبتكرون طرائق جديدة لاستخدام أنظمتهم. أحد الحلول: السماح للمستخدمين باستخدام نقاطهم لطلب ميزات جديدة. وعندها يمكن للنظام أن يتكيف لتوفير ميزات لم تكن مدعومة في التصميم الأصلي.

ضَع في اعتبارك التوازن المناسب بين المنافسة والتعاون. فقد تضمن السوق الأولية لشركة InnoCentive المنافسة فقط دون دعم التعاون. ومع ذلك، وضمن سوقها الخاصة، أصدرت إدارة InnoCentive تحدِّيًا للمستخدمين لتصميم طرائق لدعم الحلول التكميلية. وكانت النتيجة InnoCentive@Work، الذي يدعم الآن منتديات النقاش، وأدوات تحديد الخبراء، والتعاون الجماعي، وأدوات الشبكات الاجتماعية. لقد اشترت الإدارة فعليًّا ميزات جديدة. ويجعل النظام الجديد الحلول الجزئية مرئية ويزيد من التقدير العام.

كما تحلّ الأسواق مشكلة التصنيفات الجامدة، مثل عدم التطابق بين المعلومات كما تُمثَّل في ذهن الشخص وكما تُمثَّل في قاعدة البيانات. فإذا بحث المبتدئ في قاعدة البيانات باستخدام كلمات خاطئة ولم تظهر أيُّ إجابات، يمكن للسوق إما ربط الباحث بإجابة قديمة أو توفير إجابة جديدة. وفي كلتا الحالتين، ستكون الإجابة جاهزة في المرة التالية التي تظهر فيها المشكلة.

  • استخدام بيانات السوق للمساعدة على قياس قيمة المعرفة.

لدى أسواق المعرفة الداخلية القدرة على تزويد المديرين التنفيذيين والباحثين الأكاديميين بآليتين للمساعدة على حلِّ مشكلة قياس قيمة المعرفة. أولًا، تعطي الأسعار في سوق المعرفة للمديرين فكرة عن القيمة النسبية لأنواع معينة من المعلومات للموظفين. ومع ذلك، فإن هذه الأسعار ستقلل بالضرورة من قيمة المعلومات بالنسبة للمنظمة لأن المعلومات في سوق المعرفة تُمكن إعادة استخدامها بوساطة أشخاص آخرين؛ وإعادة استخدام المعلومات القيِّمة يمكن أن تكون لها فوائد إنتاجية كبيرة. وتُظهر تقديرات من مركز أبحاث نظم المعلومات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الشركات التي لديها معدل إعادة استخدام معلومات أعلى من المتوسط حققت هوامش ربح أعلى بنسبة 4% ونموًّا في الإيرادات أعلى بنسبة 12% في عام 2009م مقارنةً بالشركات ذات معدل إعادة استخدام أقل من المتوسط.

ثانيًا، توفر سوق المعرفة الداخلية أدوات لمراقبة تأثيرات الحصول على معلومات جديدة. الفرضية التشغيلية لمعظم أنظمة تكنولوجيا المعلومات هي أن الحصول على معلومات أحدث وأكثر دقة يعزز الإنتاجية. وبالنسبة إلى العاملين في مجال المعرفة الذين يمكن قياس إنتاجهم كميًّا، كما هي الحال في المبيعات، والبرمجة، والقانون، والاستشارات، وغيرها من الأعمال القابلة للفوترة والمشاريع، يمكن للباحثين قياس التأثيرات غير المباشرة للوصول إلى المعلومات في الإنتاجية. فعلى سبيل المثال، بين مسؤولي التوظيف التنفيذيين، قاست إحدى الدراسات إنتاجية الموظف ذي الياقات البيضاء بمبلغ 2150 دولارًا في اليوم. والأهمّ من ذلك، أن إنتاجية هؤلاء الموظفين تأثرت، على نحوٍ كبير، باستخدام أنظمة المعلومات. بالنسبة إلى الباحثين، فإن مراقبة إنتاجية العاملين في مجال المعرفة بناءً على الوصول إلى معلومات جديدة لديها القدرة على تقديم رؤًى جديدة. إلى أيِّ مدى يعزِّز الوصول إلى الأخبار والدروس المستفادة وقوالب العقود ومجموعة أكثر تنوعًا من عناصر المعرفة من الإنتاجية؟ يجب أن توفر البيانات المستخلصة من معاملات سوق المعرفة طرائق جديدة لتسعير المعرفة.

تداعيات الحوكمة لأسواق المعرفة الداخلية

يمكن لأسواق المعرفة الداخلية المصممة جيدًا أن توفر مجموعة قوية من الأدوات لمساعدة الشركات الكبرى على معالجة المشكلات التي تواجهها في الوصول إلى ثروة المعلومات والمهارات الموزعة. (انظر “كيفية تصميم سوق معرفة داخلية فعّالة”). ومع ذلك، فإن إدخال سوق داخلية يفتح الشركة أمام أشكال جديدة من الحوكمة، ويخلق أدوارًا جديدة تمامًا لأولئك الذين سيديرون الخبرات. لم يعُد بإمكان قسم تكنولوجيا المعلومات التصرف كمخطط مركزي، بل يجب عليه بدلًا من ذلك أن يتصرف كصانع سوق أو كبنك الاحتياطي الفيدرالي. كصانع سوق، يتدخل قسم تكنولوجيا المعلومات لتوفير السيولة عندما يفشل المشاركون في السوق في التوافق، أو عندما يفتقرون إلى المعلومات أو عندما يكونون مشغولين جدًّا لتقديم المساعدة. وكبنك الاحتياطي الفيدرالي، يدير قسم تكنولوجيا المعلومات الاقتصاد الداخلي لتحقيق النمو الأمثل. وعلى الرغم من أن معظم التنفيذيين لم يتلقوا تدريبًا لأداء هذه الأدوار، فإنها ضرورية لجلب الأسواق إلى داخل الشركة.

وهذا يعني أن على التنفيذيين ألا يغيِّروا أدواتهم وتفاعل موظفيهم فقط، بل يجب عليهم أيضًا تغيير أنفسهم. الاختبار الحقيقي لتبنِّي السوق الداخلية هو ما إذا كانت الشركات تبدأ في استخدامها للقضايا الحرجة، وليس فقط للمجالات الهامشية. عندما تحتوي سوق المعرفة الداخلية على أسئلة وإجابات من الموظفين تثبت أنها أفضل من الحكمة التقليدية في المقر الرئيس، هل يُسمح لتلك المعرفة التي يمتلكها الموظفون بالتأثير في قرارات الشركة؟

يجب على التنفيذيين دعم التغيير في السلطة الذي ينتج عن تغيير مصادر الخبرة. ففي أحد البنوك في منطقة المحيط الهادئ التي درسناها، كان أكثر من 90% من الأسئلة في نظام إدارة المعرفة التقليدي للشركة ينتقل من المكاتب الميدانية إلى المقر الرئيس، في حين تنتقل الإجابات في الاتجاه المعاكس. يفوِّت الاعتماد على الخبرة رأسيًّا فقط الفوائدَ الكاملة للانفتاح. إن ديمقراطية المعرفة الحقيقية تتطلب منظمة مفتوحة حيث يمكن للموظفين المناقشة والجدال والتنافس والتعاون أفقيًّا عبر مجالات الخبرة.

عن المؤلفين

هند بنبية: أستاذة مشاركة في إدارة تكنولوجيا المعلومات في GSCM (مجموعة سوب دي كو مونبلييه) — كلية إدارة الأعمال في مونبلييه، فرنسا. مارشال فان ألستاين: أستاذ مشارك في اقتصادات المعلومات في كلية إدارة الأعمال بجامعة بوسطن في بوسطن، ماساتشوستس؛ وباحث أيضًا في مركز إم آي تي للأعمال الرقمية.

المَراجع

1. أول استخدام معروف لمصطلح “سوق المعرفة” يوجد في:

F.A. Hayek, “The Use of Knowledge in Society,” American Economic Review 35 (1945): 519-530

2. فكرة أن المجموعات تميل إلى اتخاذ قرارات أفضل من الأفراد عُمِّمت بوساطة ج. سورويكي في

“The Wisdom of Crowds: Why the Many Are Smarter than the Few and How Collective Wisdom Shapes Business, Economies, Societies, and Nations” (New York: Random House, 2004).

3. K. Boudreau and K. Lakhani, “How to Manage Outside Innovation,” MIT Sloan Management Review 50, no. 4 (summer 2009): 69-76.

4. لمزيد من الأمثلة، انظر:

H. Benbya, “Knowledge Management Systems Implementation: Lessons from the Silicon Valley” (Oxford, United Kingdom: Chandos Publishing, 2008).

5. Hayek, “The Use of Knowledge”; and J. Hirshleifer and A. Glazer, “Price Theory and Applications: Decisions, Markets and Information,” 7th ed. (Cambridge, United Kingdom: Cambridge University Press, 2005).

6. R. Garud and A. Kumaraswamy, “Vicious and Virtuous Circles in the Management of Knowledge: The Case of Infosys Technologies,” MIS Quarterly 29, no. 1 (2005): 25-34.

7. E. Servan-Schreiber, J. Wolfers, D.M. Pennock and B. Galebach, “Prediction Markets: Does Money Matter?” Electronic Markets 14, no. 3 (2004): 243–251.

8. Detail is provided in G. Parker and M. Van Alstyne, “Two-Sided Network Effects: A Theory of Information Product Design,” Management Science 51, no. 10 (October 2005):1494-1504; and T. Eisenmann, G. Parker and M. Van Alstyne, “Strategies for Two-Sided Networks,” Harvard Business Review (October 2006): 92-101.

9. C. Anderson, “The Long Tail: How Endless Choice Is Creating Unlimited Demand” (New York: Hyperion Books, 2006); and. E. Brynjolfsson, J. Hu and M. Smith, “Consumer Surplus in the Digital Economy: Estimating the Value of Product Variety at Online Booksellers,” Management Science 49, no. 11 (November 2003): 1580–1596.

10. T. Menon, L. Thompson and H. Choi, “Tainted Knowledge vs. Tempting Knowledge: Why People Avoid Knowledge from Internal Rivals and Seek Knowledge from External Rivals,” Management Science 52, no. 8 (August 2006): 1129-1144.

11. M. Van Alstyne, “Create Colleagues, not Competitors,” Harvard Business Review (September 2005): 24-28.

12. We thank Leslie Fine of Crowdcast for this example.

13. J.S. Brown and J. Hagel III describe this as a “pull” rather than “push” style of management. See J.S. Brown and J. Hagel III, “From Push to Pull: Emerging Models for Mobilizing Resources” Journal of Service Science 1, no. 1 (2008): 93-110.

14. M. Friedman, “The Quantity Theory of Money: A Restatement,” in “Studies in the Quantity Theory of Money,” ed. M. Friedman (Chicago: University of Chicago Press, 1956). Reprinted in M. Friedman, “The Optimum Quantity of Money” (Chicago: Aldine Transaction, 2005): 51-67.

15. P. Ernstberger, “Linden Dollars and Virtual Monetary Policy,” January 23, 2009, http://econpapers.org.

16. R. Bénabou and J. Tirole, “Incentives and Prosocial Behavior,” American Economic Review 96, no. 5 (2006): 1652–1678.

17. K. Ling, G. Beenen, P. Ludford, X. Wang, K. Chang, X. Li, D. Cosley, D. Frankowski, L. Terveen, A.M. Rashid, P. Resnick and R. Kraut, “Using Social Psychology to Motivate Contributions to Online Communities,” Journal of Computer-Mediated Communication 10, no. 4 (2005): article 10.

18. T. Malone, R. Laubacher and C. Dellarocas, “The Collective Intelligence Genome,” MIT Sloan Management Review 51, no. 3 (spring 2010): 21-31.

19. تم وصف تكيّف النظام/المستخدم في:

H. Benbya and B. McKelvey, “Toward a Complexity Theory of Information Systems Development,” Information, Technology and People 19, no.1 (2006):12-34.

20. M. MacDonald, P. Weill and S. Woerner, “Top Performing Firms Are More Effective at Digital Reuse,” research briefing, MIT Center for Information Systems Research, Cambridge, Massachusetts, October 2010.

21. S. Aral, E. Brynjolfsson and M. Van Alstyne, “Information, Technology and Information Worker Productivity: Task Level Evidence,” NBER Working Paper 3. No. 13172, National Bureau of Economic Research, Cambridge, Massachusetts, June 2007, www.nber.org.

مقالات ذات صلة