القائمة الرئيسية

آن الأوان لمواجهة التحديات الثلاثة للتعلُّم

آن الأوان لمواجهة التحديات الثلاثة للتعلُّم
ملخص المقال

توضح المقال أن نماذج التعلّم المؤسسي التقليدية باتت عاجزة عن مواكبة تحولات العمل المعاصر، في ظل ثلاثة ضغوط رئيسية هي تضخم أعباء العمل، وتعقيد التعلّم في بيئات العمل الهجينة، وتفاقم نقص المهارات بسبب تشدد سوق العمل. ويبيّن المقال أن التعلّم لم يعد ترفًا تنظيميًا بل عاملًا حاسمًا في الاحتفاظ بالموظفين، والتحفيز، وتقليص الفجوات، خاصة للفئات الأقل حظًا. وفي مواجهة هذا الواقع، تستعرض غراتون تجارب شركات أعادت «تعلّم كيفية التعلّم» عبر ثلاث مقاربات مترابطة: تخصيص التعلّم لتعظيم قيمة الوقت وربطه مباشرة بالاحتياجات الفردية، اعتماد نماذج تعلّم هجينة مرنة تدمج الرسمي بغير الرسمي وتبني الروابط الاجتماعية، والتركيز على تنمية المهارات القابلة للنقل لإعادة تأهيل الموظفين من الداخل بدل الاعتماد على التوظيف الخارجي. ويخلص المقال إلى أن مستقبل التعلّم المؤسسي يتجه نحو كونه جزءًا مدمجًا في سير العمل اليومي، تقوده التجربة والممارسة أكثر من القاعات الدراسية التقليدية.

ليندا غراتون

يعترف أكثر المديرين التنفيذيين بأن التعلُّم أمرٌ جوهري لأداء أعمالهم، غير أنّه في ورشة بحثية حديثة أجريناها مع مديرين تنفيذيين من أكثر من أربعين شركة، تَبيَّن لنا بوضوح أنّ نماذج التعلُّم التقليدية في المؤسسات باتت تتعرّض لضغوط جرّاء ظهور أنماط جديدة للعمل، وقد حدّد المشاركون هذه التحديات الثلاثة بوصفها الأشد وطأة:

١. زيادة أعباء العمل أدّت إلى تقليص وقت التعلُّم: فقد اختار ثمانية وثمانون بالمئة من المديرين التنفيذيين في ورشتنا ضغوطَ أعباء العمل كواحدة من أكبر التحديات التي يواجهونها، وذكروا أنّ كثيرًا من الموظفين، لا سيّما من يتولّون إدارة الآخرين، يشعرون بأن أعباءهم قد ازدادت كثيرًا في الأعوام الأخيرة، وقد أفصح بعضهم عن بيانات داخلية حساسة تشير إلى ارتفاع معدلات الإرهاق خلال تلك الفترة. ونتيجة ذلك، فإن الموظفين لا يفتقرون فقط إلى الحيز الذهني اللازم للتعلُّم، بل يشعرون أيضًا بأنهم مضطرون لتقديم مهام العمل على أنشطة التعلُّم، ومواجهة هذا التحدي تستلزم من القادة تعظيم قيمة كل وقت متاح للتعلُّم.

٢. العمل الهجين زاد من تعقيد التعلُّم: فقد أفاد ثلثا المديرين التنفيذيين (٦٦٪) بأن المرونة في مكان وزمان العمل تمثِّل تحديًا مهمًّا، وأبدى المديرون خشيتهم من أن الموظفين قد لا يكونون متصلين في اللحظات الفارقة للتعلُّم الرسمي وغير الرسمي، كما أبلغ المديرون عن صعوبةٍ أكبر في تحديد فرص التطوير للموظفين عن بُعد، وأعربوا عن قلقهم من أن العمل عن بُعد يؤثر سلبًا على تبادل المعرفة الضمنية. وتشير الأبحاث إلى أن ٤٧٪ من الموظفين يشعرون بالقلق من تفويت فرص التعلُّم غير الرسمي أثناء العمل من المنزل، ومعالجة هذا التحدي تقتضي من القادة بناء استراتيجية تعلُّم متينة في بيئة أعمال هجينة.

٣. تشدُّد سوق العمل أفضى إلى نقص في المهارات: فقد حدّد خمسة وستون بالمئة من المديرين التنفيذيين إيجاد عاملين ذوي مهارات متخصصة كأحد أبرز التحديات، وكثير من المديرين الذين تحدثنا معهم ذكروا أنّ شركاتهم اعتادت أن تلجأ إلى سوق العمل الخارجية لاستقطاب هذه الكفاءات المتخصصة. غير أنّ تشدُّد السوق، ولا سيّما في المهارات الرقمية النادرة، حوّل التركيز إلى تعزيز مهارات الموظفين الداخليين، ولطالما عُدّت إعادة التأهيل المهني أمرًا مهمًّا، أما اليوم فقد غَدَت أمرًا حاسمًا. والتصدي لهذا التحدي يتطلب من القادة مواءمة استراتيجية الأعمال مع مبادرات الارتقاء بالمهارات وإعادة التأهيل المنفذة باحتراف.

ومع أنّ هذه التحديات عسيرة المواجهة، فإن المديرين التنفيذيين يدركون أيضًا أهمية التغلب عليها؛ فنقص المهارات سببٌ من الأسباب، غير أن ثمة أثرًا تحفيزيًّا بالغًا يترتب على نجاح التعلُّم المؤسسي.

وفي سوق العمل المتقلب اليوم، حيث يبادر الموظفون سريعًا إلى الانتقال من وظيفة إلى أخرى أكثر فائدة، فإن فرصة اكتساب معرفة جديدة ذات قيمة مستقبلية تعد سببًا رئيسًا لبقائهم، بل أظهرت الدراسات أن ٧٦٪ من الموظفين يقولون إنهم سيَبقَون في وظائفهم مدة أطول إذا استفادوا من الدعم في التعلُّم والتطوير.

وفوق ذلك، ومع تصاعد المخاوف حيال التفاوتات في بيئة العمل، ثمة اعتقاد بأن التعلُّم القائم على المهارات يمكن أن يسهم في تقليصها تقليصًا كبيرًا، ولا سيّما للموظفين الذين ليسوا من أصحاب الإنجازات البارزة، أو الذين لا يحملون شهادة جامعية أو مؤهلًا تعليميًّا، أو الذين استُبعدوا تاريخيًّا.

كيف تعيد الشركات تعلُّم كيفية التعلُّم؟

وها هنا يكمن التناقض: ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى التعلُّم بوصفه جزءًا محوريًّا من استراتيجية أعمال كثير من الشركات، نجد المكلَّفين بتنفيذ أجندة التعلُّم يَصفُون معارك شاقة.

ومع ذلك، ألاحظ تجارب مِن بعض المديرين الذين نهضوا للموقف وجربوا أساليب جديدة للتعلُّم وطرائق مبتكرة لتقديمه، يمكن أن تكون نماذج يُحتذى بها في أوضاع مماثلة. وإليك كيف يعالجون الهواجس الثلاثة الأساسية:

١. يستخدمون التخصيص لتعظيم قيمة وقت التعلُّم.

ومن وسائل ضمان أن كل ساعة تُخصَّص للتعلُّم ذات أثر، وأن يُربط التعلُّم بحاجات المتعلِّم المحدَّدة ربطًا وثيقًا. وهذا النوع من التخصيص يصعُب غالبًا تطبيقه على نطاق واسع، لكن التجارب في التعليم الافتراضي والإلكتروني فتَحَت مسالك نحو تخصيص التعلُّم.

ومن الأساليب وضعُ خطط أو مسارات تعلُّم؛ ففي شركة “ماثيسون” القانونية بدبلن، تَعرِض إدارة التعلُّم اثني عشر مسارًا للتعلُّم (تتغير سنويًّا) يمكن للموظفين الاختيار منها، مثل تجربة العميل أو قضايا الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. ويجمع كل مسار بين المشاركة في مشروعات جوهرية ودروس يقدمها موظفون خبراء في الموضوع. ومن الابتكارات المهمة أن هذه المسارات متاحة للمحامين وموظفي خدمات الأعمال على السواء. وقد أخبرني أحد أعضاء فريق التعلُّم أن هذا النهج يهدف إلى كسر الحواجز التقليدية بين تلك الفئات، وإدماج التعلُّم في مجرى العمل الطبيعي.

لقد فتَحَت التجاربُ في التعليم الافتراضي والإلكتروني مسالكَ نحو تخصيص التعلُّم.

لقد تناولَت منظماتٌ أخرى مهمةَ التعلّم المخصّص باستخدام التشخيصات المهنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ فقد طوّرت شركة أكسنتشر أداةً ذكية تُدعى “رفيق الوظيفة” لمساعدة الموظفين على بناء خطط تعلُّم فردية بالاعتماد على بيانات تخصّهم، وتخصّ مجموعتهم، وسوق العمل الخارجية، وقد صُمّمت هذه الأداة لتَستخدم خوارزميات التعلّم الآلي في اقتراح مسارات وظيفية وفرص تطوير المهارات، استنادًا إلى وظيفة الفرد الحالية ومهاراته وخبراته. وبعد هذا التشخيص الفردي، توفّر منصةُ التعلّم مواردَ مثل الدورات الإلكترونية وورش العمل وبرامج الإرشاد.

٢. إنهم يميلون إلى التجربة الهجينة.

لقد زادت الجائحة من شيوع العمل الهجين، ومهّدت الطريق لأن يكون التعلّم مرنًا كما هو العمل.

وفي السوق الإلكترونية العالمية “إتسي”، كان التعلّم بين الأقران دومًا أولوية، وقد أخبرتني زوفيا تشيخوفسكا، نائبة رئيس “إتسي” للاستراتيجية والعمليات، أن التعلّم يُنظر إليه كفرصة للموظفين والبائعين لمشاركة معارفهم ومهاراتهم أو حِرَفهم مع المجتمع. وقد أدار الموظفون دوراتٍ في مواضيع شتى، تتنوع من كيفية التنقل في مترو طوكيو إلى كيفية صناعة الشموع. وإن هذا التنوّع الكبير في الدورات إنما يعكس ثقافة “إتسي” ورسالتها في إبقاء التجارة “إنسانيةً” عبر تمكين الناس مِن عرض مواهبهم وتثقيف بعضهم بعضًا.

وأهم من ذلك، وفي روح العمل الهجين، تُقدّم ورش العمل في “إتسي” وجهًا لوجه وعبر الإنترنت، وبغض النظر عن جداول أعمالهم، يستطيع الموظفون المشاركة الكاملة، وقد نجح هذا البرنامج التعليمي المجتمعي الثري في بناء روابط غير رسمية، وإثارة الفضول، وتحقيق معدلات عالية في تفاعل الموظفين.

وقد ذكر فَريق التعلّم أنه كان من اللافت رؤية فوائد التعلّم تتدفق في الاتجاهين للمتعلّم ولمن يُقدِّم الدورة؛ إذ ينال الموظفون فرصة لإبراز شغفهم والتواصل مع أقرانهم عبر مشاركة معارف يعتزّون بها.

٣. إنهم يقلّصون نقص المهارات بالتركيز على المهارات القابلة للنقل.

في ظل تشدّد أسواق العمل ونقص المهارات، فإن الاستراتيجية التعليمية الأكثر وضوحًا هي التركيز على إعادة تأهيل الموظفين الحاليين بدلًا من توظيف الجدد، والتحدّي، كما شارك به العديد من التنفيذيين، أن ذلك بالغ الصعوبة، لا سيما على نطاق واسع.

وبوصفه بنكًا دوليًّا، فإن “إتش إس بي سي” في تغيّر دائم، وإعادة تأهيل المهارات أمرٌ ضروري لتحقيق خطته الاستراتيجية. ويعمل البنك على ضمان تزويد جميع الموظفين بالمهارات والمعارف التي يحتاجونها للنمو في مساراتهم المهنية، ليكونوا ناجحين في الحاضر والمستقبل.

وقد أطلق البنك مؤخرًا برنامج تطوير قائمًا على المهارات للمرشحين الداخليين الراغبين في متابعة مسار مهني في خدمات الثروة. ومن خلال تخصيص عشرين بالمئة من وقت عملهم على مدى ثلاثة إلى تسعة أشهر، استطاع المشاركون تحديد المهارات القابلة للنقل التي يحتاجونها، وتقييمها وتطويرها للانتقال إلى أدوار مديري العلاقات في أعمال البنك في خدمات الثروة والخدمات المصرفية الخاصة. وقالت لورا باول، رئيسة الموارد البشرية العالمية لقطاع الثروة والخدمات المصرفية الشخصية والوظائف العالمية في البنك: “يساعدنا هذا البرنامج الريادي على تطوير مسار استراتيجي لإعداد الكفاءات في أحد أكثر قطاعات أعمالنا أهمية”. ويعتزم البنك توسيع البرنامج ليشمل المرشحين الخارجيين في وقت لاحق من هذا العام.

ولم يذكر سوى اثنين في المئة من التنفيذيين المشاركين في ورشة البحث حول التعلّم أنهم يعتقدون أن التعلّم بقيادة المدرّس سيكون أولوية لمؤسستهم مستقبلًا. بينما قال تسعة وثلاثون بالمئة إن التعلّم “ضمن سير العمل” سيكون أكثر أهمية.

وقد اتضح جليًّا أن بعض أشكال التعلّم التقليدية في انحسار، في حين أن التجارب والمشروعات الجديدة تبرهن كيف يمكن تجاوز تحديات جسيمة.

مقالات ذات صلة