القائمة الرئيسية

اختيار النهج الأنسب للتعاون الرقمي

اختيار النهج الأنسب للتعاون الرقمي
ملخص المقال

المقال يناقش كيف يُعقّد التحول الرقمي التعاون داخل المؤسسات رغم حاجتها المتزايدة له، موضحًا ثلاثة أسباب رئيسة: صعوبة معرفة من يمتلك الخبرة المناسبة، تحديات إقناع الزملاء بالمساعدة، وصعوبة إيجاد أرضية مشتركة بين فرق متباعدة أو متخصصة. ويبرز الكاتب دور أدوات التعاون الرقمي في حل هذه المشكلات، مقسمًا إياها إلى نوعين: منصات العمل الجماعي للمتعاونين الدائمين، التي تتيح متابعة مجريات العمل والمشاريع وتبادل الخبرات، ومنصات “البث” للمتعاونين العارضين، التي تجعل خبرات الموظفين ومواردهم ظاهرة للعيان وتوفر مادة اجتماعية لتسهيل التواصل. ويشير ليوناردي إلى أن هذه الأدوات تساعد في تحسين المعرفة الفوقية، وتسريع التعلم، وتعزيز الابتكار والكفاءة، لكنها تتطلب التزام الموظفين واستخدامًا مستمرًا، بالإضافة إلى إشراف القيادة لضمان استغلال البيانات بطريقة فعّالة وآمنة، مع الأخذ بالاعتبار حقوق الوصول للبيانات والتحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

بول ليوناردي

تأمل هذا التناقض في شأن التحول الرقمي، فعلى الرغم من أنّه يزيد الحاجة إلى التعاون في المؤسسات، فإنه كذلك يجعل التعاون أشد عسرًا، وقد لاحظتُ في بحوثي وأعمالي الاستشارية أنّ لذلك ثلاثة أسباب رئيسة:

أولًا: أنّه يصير أشد صعوبة تحديد الشركاء الداخليين المناسبين؛ ففي كثير من المؤسسات المنخرطة في غمار التحول، لا سيما البيئات العملية المرنة، يُمنح الموظفون مساحة أوسع لاتخاذ قرارات مهمة بأنفسهم. لكن حين يحتاجون إلى العون في إنجاز المهمات أو حل المشكلات لتنفيذ تلك القرارات، كثيرًا ما يجهلون إلى من يلجؤون طلبًا للدعم، إذ يفتقرون إلى الفهم الواسع لمن يمتلك الخبرة في أي مجال داخل المؤسسة. وبفضل التقنية، أضحى بمقدور الناس التواصل مع زملاء في التخصصات شتى، غير أنّ الدراسات تُظهر أنّهم يميلون إلى التركيز على المعلومات والأفكار والمهارات التي يمتلكها من حولهم من الزملاء، كأفراد مجموعاتهم العملية أو من يجلسون بقربهم. ولعل ذلك دليلٌ على محاولة حصر دائرة المتعاونين المحتملين، إذ ليس لدى الموظفين إدراك واضح بمن يعلم ماذا. فإذا ضيّق الناس دائرة انتباههم على هذا النحو، أضعفوا بذلك منافع الاتصال الرقمي، غير أنّ ذلك أمر مفهوم؛ إذ بالنظر إلى كثرة انتقال الأفراد بين فرق العمل وتبدلهم المستمر (ربما من أسبوع لآخر)، فإنهم لا يبنون غالبًا العلاقات التي تُمكنهم من رسم خارطة الخبرات في شركاتهم. وإن الإخفاق في العثور على الخبراء المناسبين قد يؤدي بسهولة إلى تكرار العمل وضياع فرص الكفاءة والابتكار.

ثانيًا: يصعب إقناع الزملاء بالموافقة على طلبات التعاون، حتى أولئك الخبراء الذين قد يكونون شركاء مثاليين لو توافر لديهم الوقت والطاقة والموارد للانضمام إلى فريق جديد؛ ففي بيئة العمل الموزعة والمرنة، تصبح الحجة والتأثير ضروريين للحصول على الموارد المطلوبة، لكن يصعب إقناع الناس بالانضمام إلى مشروعك إذا لم يسبق لك العمل معهم عن قرب ولم تبنِ الثقة بينكم.

ثالثًا، وبالنظر إلى غياب الصلة الوثيقة والثقة الراسخة، يصعب كذلك إيجاد الأرضية المشتركة التي تيسر التفاعل المثمر؛ فالمسائل التي تهم الناس، واللغات التقنية التي يتحدثون بها، وطرائقهم في حل المشكلات وأهدافهم، تتباين كثيرًا حين يعملون في أماكن متفرقة، أو يختصون في مجالات شتى، أو يتحملون مسؤوليات متباينة النتائج. ويصير من العسير سد الفجوات في الفهم إذا لم يكن بينهم كثير من المعارف المشتركة. وكلما قلّ علم الموظفين بدوافع بعضهم بعضًا وقواعد معرفتهم، أظهرت الدراسات أنهم أقل ميلًا لتبادل المعرفة فيما بينهم، وهذا قد يؤدي إلى كثرة الأخطاء، وبطء إنجاز المشروعات، وفي كثير من الأحيان إلى نتائج أقل ابتكارًا.

وحين يجعل التحول الرقمي التعاون أشد صعوبة، تصبح الشركات أكثر انقسامًا إلى وحدات منعزلة. لكننا لا نتحدث هنا عن “الصوامع” التقليدية التي كانت تقسم الموظفين إلى وظائف أو وحدات عمل منفصلة وفق الهياكل الرسمية، بل إن الصوامع في الشركات المتحولة تنشأ غالبًا في أثناء سير العمل، وتقوم على اختلافات في المعرفة والموقع الجغرافي والأهداف. ويمكن كسر الصوامع التقليدية عبر فرق العمل متعددة الوظائف أو هياكل التقارير المصفوفية، غير أنّ تلك الحلول التنظيمية لا تصلح للصوامع التي تنشأ من واقع العمل اليومي.

ولكسر تلك الصوامع، فإن الأدوات الرقمية للتعاون أجدى نفعًا. فخلافًا للبريد الإلكتروني أو الدردشة أو المؤتمرات المرئية أو مستودعات البيانات؛ وهي قنوات يتواصل الناس عبرها، فإن أدوات التعاون الرقمي منصات يستخدم الموظفون من خلالها قنوات متنوعة للتفاعل، ومراقبة تفاعل الآخرين، واكتساب فهم أعمق لمواضع الخبرة داخل المؤسسة (ومن أمثلة هذه المنصات: بيسكامب، ومايكروسوفت تيمز، وسلاك، وجايف، وتشاتر، وورك بليس). وقد صُممت هذه الأدوات لمساعدة الناس على العمل معًا والتعلم من بعضهم بعضًا بإنشاء سلاسل من المحادثات وأماكن لتبادل المعلومات. وتُظهر أبحاثي أن الفائدة الرئيسة لهذه المنصات في التعاون تتجاوز مجرد تبادل المعرفة؛ إذ تتيح نافذة يطل منها المرء على من يعلم وماذا يفعل في المؤسسة، وعلى كيفية اتخاذ القرارات وإنجاز الأعمال.

وعلى مدى العقد المنصرم، درستُ وقدمتُ الاستشارات لأكثر من عشرين شركة، جنى هذه الفائدة كثير منها على غير توقع؛ إذ لجأت إلى أدوات التعاون الرقمي لتبسيط العمليات، ودمج المعارف، وتمكين العمل عن بعد. وقد لاحظتُ نوعين أساسيين من حاجات التعاون داخل هذه المؤسسات: التعاون بين الزملاء الذين يتفاعلون كثيرًا ضمن فرق أو بطرائق أخرى (وهم المتعاونون الدائمون في الدائرة القريبة)، والتعاون بين الزملاء الموزعين عبر الشركة (وهم المتعاونون المتفرقون في الدائرة البعيدة). وتستلزم كل من هاتين الحاجتين أدوات مختلفة. وسنبحث سبب ذلك، لكن فلنرجع خطوة إلى الوراء ونتأمل كيف يمكن للتعاون الرقمي أن يجعل الخبرة أكثر وضوحًا في المؤسسة، إذ إن تلك هي بحق “الميزة القاتلة” التي تقدمها هذه الأدوات.

إظهار الخبرة للعيان

إنّ من العقبات الشائعة التي تعترض التعاون بين المتخصصين أو الزملاء المتفرقين في الأمكنة أنّ أعمالهم غالبًا ما تكون خفية بعضهم عن بعض، فنحن في الغالب لا نرى إلا نتائج أعمال الآخرين، من نماذج أولية وتقارير، دون أن نطّلع على جلّ ما بذلوا من فكر واتخاذ قرار في سبيل إنتاج تلك النتائج. وفي أحسن الأحوال، لا يتعدّى الأمر أن نخمن ما جرى (إن فكرنا فيه أصلًا)، وفي أسوئها يغيب عنّا ما لدى زملائنا من عمق الفهم وغزارة الخبرة، تلك التي لو علمنا بها لكان لنا أن نستفيد منها لو بادرنا إلى التواصل.

إنّ أدوات التعاون الرقمي لا تتيح للموظفين فضاءً للعمل المشترك فحسب، بل تجعل ذلك العمل وتاريخه باديًا للعيان بين أهل الشركة. فيستطيع الناظر من خارج الدائرة أن يلتقط أطراف الحديث ليعيد بناء السياق الذي جرت فيه التفاعلات الأولى، ويرى أيّ الزملاء قدّم خبرته لحلّ المشكلات، ويتتبع منطق اتخاذ القرار، ويفهم على وجه أتمّ كيف ولماذا جرت الأمور على ما جرت عليه.

وإنّ بلوغ هذا العمق من الفهم ليصعب جدًّا إذا اقتصر النظر على حصيلة أعمال الناس، وحاول المرء أن يستنبط ما وراءها من أسباب على سبيل الظن والتخمين. وقد وجدتُ أنّ تمكين الموظفين من المشاركة، ولو على سبيل الحضور غير المباشر من خلال الأدوات الاجتماعية بعد وقوع الفعل، في بناء النماذج أو التقارير، يزيد كثيرًا من قدرتهم على التعلم من زملائهم وتحويل ذلك العلم إلى عمل.

وصل نوعين من المتعاونين

إنّ أدوات التعاون الرقمي تخدم جمهورين رئيسين في الشركة: المتعاونين الدائمين الذين يكثر بينهم التفاعل، غالبًا في مشاريع مشتركة، ويعتمد بعضهم على بعض في إنجاز الأعمال اليومية، وهم في العادة يعرف بعضهم بعضًا معرفة لا بأس بها، وقد يكونون من أعضاء الفريق أو رعاة المشروع أو المديرين أو المرشدين؛ وأما المتعاونون العارضون فلا يكثر بينهم التلاقي، ولا يعرف بعضهم بعضًا معرفة وثيقة، وليسوا من فريق واحد، غير أنّ أحدهم قد يملك علمًا أو معلومة يحتاج إليها الآخر في مشروعه. وقد يكون من هؤلاء العارضين زملاء في مناصب متشابهة في وحدات أعمال مختلفة، أو ممن يعملون على مشكلات متقاربة في مناطق أو وظائف متباينة.

وأفضل الأدوات لمعالجة مشكلات التعاون التي أفرزها التحول الرقمي تعتمد على نوعية المتعاونين.

منصات العمل الجماعي للمتعاونين الدائمين

ولما كان الناس يشاركون في فرق مشاريع عديدة في وقت واحد، فهم في تعاون مستمر مع زملاء شتى في مهمات لا تُحصى، وقد يصعب عليهم الإلمام بكل شيء؛ فالتعاون الفعّال مع المتعاونين الدائمين يقتضي منصة عمل جماعي تمكّن الموظفين من الحوار المستمر في المهمات والأهداف، والعمل معًا على الوثائق في الوقت ذاته، والرجوع إلى خبرات الزملاء ومواردهم عند وقوع المشكلات. ومن هذه المنصات ما يجمع بين أدوات إدارة المهمات والأدوات الاجتماعية المؤسسية، فتتيح للناس متابعة مجريات العمل في فرقهم والاستفادة من الشبكات عبر المشاريع.

متابعة مجريات العمل

ولكي يتعاون الموظف مع من هم في دائرته الداخلية تعاوُنًا مثمرًا، عليه أن يبقى على اطلاع بما يفعله زملاؤه يوميًّا، ولماذا اتخذوا قراراتهم. وإلا صعب عليه أن يدرك على وجه الدقة ما يضيفه كل منهم للفريق، أو أن يقنعهم بالاستجابة لطلباته، أو أن يؤسس معهم أرضية مشتركة.

وإليك هذا المثال: في مختبر بحثي كبير في وسط الولايات المتحدة، كانت مهندسة الشبكات التي سنسميها “سيندي” تعمل في آن واحد مع ثلاثة فرق مشاريع، كل منها يضم زملاء من أنحاء المختبر، وغالب زملائها كانوا في وظائف مغايرة، ولم يكن لأي منهم مكتب في مبناها. وكانت مشكلتها أنها تفقد تركيزها على المشروع “أ” إذا استدعى أمر طارئ في المشروع “ب” أو “ج” انتباهها. قالت لي: “لم أكن أستطيع اللحاق بما يجري في الفرق، فإذا عدت من طارئ في مشروع آخر، احتجت إلى يومين لأعود إلى وتيرة العمل، وكان فريقي يغضب مني. كنت أبطّئهم، ولم أكن أؤدي دوري كما ينبغي”.

فلما شرعت تستخدم منصة العمل الجماعي الجديدة في مؤسستها، وجدت أنها أيسر عليها في متابعة التفاعلات والمحادثات التي جرت في غيابها. قالت: “أستطيع أن أعيد بناء السياق لما جرى. أرى لماذا اختاروا هذا الطريق دون ذاك، وأرى ما كانت الحجج والاعتراضات التي أفضت إلى القرار. هذا يمكّنني من طرح الأسئلة الصائبة… وأستطيع أن أعود فورًا إلى دائرة العمل وأكون عنصرًا فاعلًا”.

ولا يستطيع أحد أن يكون حاضرًا حيث دعت الحاجة في كل حين، ولكن بمتابعة مجريات العمل في المشاريع، من مهمات ومحادثات وقرارات متسلسلة، يستطيع الموظف الذي غاب عن حدث مهم أن يعود لاحقًا إلى مجرى العمل ويشارك مشاركة مثمرة. وأرشيف مجريات العمل الحيّ هو بمنزلة نص مكتوب، يعين الناس على معرفة متى وكيف يشاركون في التعاون الجاري بأفضل وجه؛ فيرون ما نجح وما لم ينجح، ويضبطون أفعالهم في ضوء ذلك.

باتباعها مجاري التفاعل التي كان زملاؤها منخرطين فيها، أدركت سيندي على نحوٍ أفضل من يمتلك الخبرة في أي مجال، ومكّنها هذا العلم من أن تطلب الأفكار والمشورة من ذوي الاختصاص حين الحاجة، إذ كانت تلتمس العون من زملاء في مسائل شعروا بقدرتهم على حلها بسهولة، فكانوا أكثر ميلًا إلى إجابة طلبها (وكذلك طلبات غيرها ممن يتتبعون من كثب مجاري الأفعال على منصة العمل الجماعي في الشركة).

وقد أفادني المدراء التنفيذيون في مؤسسة سيندي بأن استخدام منصة العمل الجماعي أدى إلى زيادة في إنجاز المشاريع في الوقت المحدد تجاوزت العشرين في المئة، وهو ما ترجم إلى أكثر من خمسين مليون دولار من الإيرادات الإضافية.

الانتفاع بالشبكات عبر المشاريع: ومن مزايا منصات العمل الجماعي الكبرى الأخرى أن الموظفين يستطيعون بناء شبكات من المتعاونين الدائمين عبر فرق المشاريع، واستثمارها. وقد أظهرت دراسات حديثة عدة أن إقامة مثل هذه الروابط أمر حاسم للابتكار والكفاءة، إذ إن أداء الفريق لا يعتمد على مدى إنتاجية أعضائه في العمل معًا فحسب، بل أيضًا على مقدار ما يستطيعون إدخاله من علمٍ ومعرفة من خارج الفريق وتطبيقه على المشروع الجاري. وقد أدرك سورش (وهو مهندس في شركة سيارات عالمية)، ذلك حين استعان بشبكته العابرة للفرق لمعالجة بعض المشكلات في المحاكاة والاختبار؛ فقد عمل سورش مع أربعة فرق إنتاجية لتعزيز مقاومة الصدمات في السيارة الرياضية متعددة الأغراض الأكثر مبيعًا في الشركة، وكان كل فريق يركّز على طراز مختلف. فلما شرعت الشركة في استخدام منصة العمل الجماعي لتيسير التعاون بين الموظفين في المشاريع، أصبح بمقدوره متابعة تفاعلات زملائه في الفرق المختلفة في الزمن الحقيقي.

وفي تلك الأثناء لاحظ أن زملاء في فريقين كانوا يواجهون الصعوبات ذاتها في جعل نموذج المحاكاة الذي صممه يتوافق مع نتائج الاختبارات الفيزيائية. فبادر سورش إلى وصل أولئك الزملاء بمهندس يُدعى تيم كان يعمل في فريق لم يكن يعاني تلك المشكلات. وكان تيم مستعدًّا للحوار مع المهندسين الآخرين لأن سورش استطاع أن يشرح له المشكلة تفصيلًا، إذ كان يتابع من كثب مجاري أفعال أولئك المهندسين على منصة التعاون. وبناءً على شرح سورش، وبعد أن استعرض المنصة بنفسه، أدرك تيم أن عمله يشترك في أوجه كثيرة مع عمل المهندسين الآخرين، وأن خبرته ستعود عليهم بالنفع، فوجد بينهم أرضية مشتركة. وباستخدام منصة التعاون، اجتمع أعضاء الفرق الثلاثة وتباحثوا في المشكلات، وطوروا معًا حلًّا لمعالجتها. ولدهشة سورش، دخل زميل من الفريق الرابع إلى النقاش قائلًا إنه كان يواجه الصعوبات ذاتها، وأبدى سروره لرؤية الفرق الأخرى وقد توصلت إلى حل. وبإصلاح المشكلة في الفرق الثلاثة التي كانت تعانيها، قدّرت الشركة أنها وفرت أكثر من عشرة ملايين دولار في تكاليف التصميم والاختبار.

فإن كانت الشبكات ضرورية لانتقال المعرفة والمعلومات في العصر الرقمي، فإن منصات العمل الجماعي لعلها خير معين للمتعاونين الدائمين؛ إذ تتيح للأفراد وصل من في دائرتهم الداخلية ممن لم يكن ليجتمع بهم لولاها، فيصبح تنسيق المعرفة والعمل أيسر، ويقترب منال فوائد التعاون المتعددة.

منصات “البث” للمتعاونين العارضين: إن موظفي المؤسسات الكبرى في الغالب لا تربطهم علاقات ذات شأن بزملائهم خارج دائرة المتعاونين الدائمين، إلا بعض الروابط مع أصدقاء أو مرشدين في أقسام أخرى من الشركة. وقد ازدادت العلاقات عزلة بسبب الحواجز التي نشأت كنتيجة جانبية للتحول الرقمي. ويمكن لفئة ثانية من أدوات التعاون الرقمي (وهي المنصات التي “تبث” في جوهرها معلومات عن خبرات الموظفين وموارد الشركة الداخلية) أن تعالج هذه المشكلة؛ إذ تتيح للناس إنشاء قائمة من الروابط البعيدة يمكن تفعيلها عند الحاجة. كما أن الموظفين الذين يستخدمون هذه الأدوات يعرضون خبراتهم، ويبرزون مشاريعهم، وينشرون قواعد الشركة بمجرد قيامهم بعملهم في منتدى متاح للزملاء في أنحاء الشركة كافة. وتعين منصات البث الناس على تجاوز معضلات التعاون بطريقتين: إحداهما تمكينهم من تطوير المعرفة الفوقية (أي العلم بمن يعلم ماذا ومن يعرف من في الشركة)، والأخرى إحداث “مُلين اجتماعي” ييسر عليهم مخاطبة زملاء لا يعرفونهم جيدًا أو لا يعرفونهم إطلاقًا، طلبًا للعون.

تطوير المعرفة الفوقية: لقد جرّبت الشركات عبر نصف القرن المنصرم طرائق شتى لمساعدة الموظفين على تطوير المعرفة الفوقية بشأن زملائهم في الدائرة الخارجية. كان بعضها تقنيًّا، كإعداد أدلة الموظفين أو اعتماد أنظمة إدارة المعرفة، وبعضها تنظيميًّا، كبناء مجتمعات ممارسة أو إنشاء برامج تدوير تنقل الأفراد بين الأقسام لتوسيع معرفتهم بالشركة. لكن المشكلة الجوهرية في كلا النهجين أنهما يضعان عبئًا غير قليل على من يملكون المعرفة التي يحتاج إليها الآخرون، إذ يتعين عليهم أن يقتطعوا من وقت عملهم لتقنين خبراتهم بطريقة قد تنفع غيرهم، ثم نشرها لمن قد يهتم. وبما أن كل ذلك ينطوي على قدر غير يسير من التخمين، فلا عجب أن الأدلة تشير إلى أن هذه الاستراتيجيات لمساعدة الموظفين على معرفة من يعلم ماذا ومن يعرف من، لا تؤتي ثمارها المرجوة.

تغيّر منصّات البثّ قواعد اللعبة بجعل المهمات والمشاريع ظاهرةً لمن هم خارج دائرة المتعاونين المعتادين، فإذا تواصل المتعاونون المعتادون في أثناء قيامهم بعملهم، نشأت عن تواصلهم دلائل على ما يفعلونه وكيف يفعلونه، فيقع عبء تفسير تلك الدلائل على عاتق المتعاونين المتقطّعين ليهتدوا إلى الخبراء الذين يحتاجون إليهم.

تأمّل هذا الاختبار الذي جرى في شركة كبرى للخدمات الماليّة، إذ أُعطي فريقان كبيران من الموظّفين (هما قسما التسويق والعمليّات)، استبانة لقياس معرفتهم الفوقيّة بزملائهم في كلّ قسم، فجاءت نتائج الفريقين سيّئة جدًّا، إذ لم يستطع موظّفو التسويق، في المتوسّط، تحديد سوى ٤٪ ممّا يعرفه زملاؤهم في التسويق، و٢٪ فقط ممّن يعرفونهم، وكانت الأرقام متقاربة في قسم العمليّات. ثمّ أُتيح لقسم التسويق استخدام أداة بثّ مدّة ستّة أشهر، فكان الموظّفون يتواصلون مع متعاونيهم المعتادين على المنصّة، ولم يكونوا يدوّنون معارفهم، بل كانت تواصلاتهم تمثّل النقاشات الاعتياديّة التي تدور في أثناء أعمالهم. ولأنّ تلك التفاعلات جرت على منصّة بثّ لا عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل الفوريّة الخاصّة، فقد أضحت متاحةً لجميع موظّفي القسم ليطّلعوا عليها. وبدأ الزملاء غير المنخرطين مباشرةً في العمل يردّون على تلك المنشورات بأسئلتهم وأفكارهم ورؤاهم وقصصهم. وفي الوقت نفسه، لم يستخدم قسم العمليّات المنصّة.

وعند انقضاء الأشهر الستّة، أعاد الموظّفون في كلا القسمين إجراء استبانة المعرفة الفوقيّة، فحسّن موظّفو التسويق قدرتهم على تحديد “من يعلم ماذا” بنسبة ٣٣٪، و”من يعرف مَن” بنسبة مذهلة بلغت ٨٨٪، في حين لم يُسجّل أيّ تحسّن في قسم العمليّات. فما الذي جرى في التسويق؟ كما لاحظ أحد الموظّفين: “بدأت أرى أنواع الأشياء التي يعمل عليها الناس، وتكوّن لديّ تصوّر عن معارفهم استنادًا إلى أعمالهم. كما رأيت من يردّ عليهم، وما نوع ما يقوله هؤلاء، فأصبحت أعلم أكثر عن الأشخاص الذين يتواصل معهم أولئك الناس”.

وقد أدّى هذا الازدياد في المعرفة الفوقيّة في قسم التسويق إلى تقليل تكرار الأعمال (مثلًا، بتمكين الموظّفين من إعادة استخدام الشفرات البرمجيّة والاستفادة من التحليلات الموجودة بدل إعادة إنتاجها)، كما عزّز الابتكار (كأن يسّر تبادل الأفكار الجديدة للمنتجات وتطوير عمليات تنظيميّة أكثر كفاءة). وهذه هي النتائج التي يُرتجى تحقيقها عند الاستفادة من معارف المتعاونين المتقطّعين.

خلق المادّة الميسّرة للعلاقات الاجتماعيّة: إنّ معرفة ما يعرفه الآخرون ومن يعرفه لا تكفي لجعل “الحلقة الخارجيّة” نافعة، بل لا بدّ للموظّفين من أن يتمكّنوا من تحصيل المعارف والموارد من متعاونيهم المتقطّعين بحملهم على تخصيص وقتهم وجهدهم لمساعدتهم، فكيف لهم ذلك إن لم يكونوا يعرفونهم أو لا يتواصلون معهم بانتظام؟ هنا أيضًا، تأتي منصّات البثّ بالمعونة، إذ توفّر مادّة تسهّل نشوء علاقات اجتماعيّة جديدة. وتكون هذه المادة على صورتين: معلومات متعلّقة بالعمل وأخرى غير متعلّقة به.

فعندما يقرأ الموظّفون منشورات على منصّات البثّ، يتعرّفون إلى طبيعة الأعمال التي يضطلع بها غيرهم في الشركة. وقد روى ماريو (أحد أعضاء قسم التخطيط المالي والتحليل في شركة كبرى للبرمجيات كخدمة)، كيف استخدم معلومات عن أعمال متعاون متقطّع للحصول على أرقام ماليّة كان يحتاج إليها. قال ماريو: “طوال أشهر، كنت أرى منشورات لزميل في وحدة أعمال في بلد آخر، وكل منشور كان يشير إلى مشروع استحواذ تعمل عليه الوحدة. ولمّا طُلب منّي تقديم بعض المدخلات في استحواذ محتمل، ظننت أنّه قد يكون عونًا لي، لكنّني لم أكن أعرفه قطّ، فأرسلت إليه رسالة أذكر فيها أنّني أتابع منشوراته عن الاستحواذ في وحدته، وأبديت إعجابي بمعرفته الواسعة فيه، وسألته إن كان بإمكانه مساعدتي. فما كان منه إلّا أن ردّ في ثوانٍ، وتحادثنا هاتفيًّا، فكان ذلك ذا فائدة عظيمة”.

لقد استقى ماريو من تلك المنشورات ما يمكّنه من بدء محادثة مع شخص لا يعرفه البتّة ويعمل في قسم بعيد عن مجاله. وأدّت تلك المحادثة الأولى إلى متابعة ماريو منشورات ذلك الزميل باهتمام أكبر. وهو اليوم يقول: “أشعر حقًّا أنّه يمكنني الرجوع إليها إن احتجت إلى مساعدة، وإن لم نكن نتواصل بانتظام”.

وكذلك، فإنّ استخدام منصّات البثّ لتبادل المعلومات غير المتعلّقة بالعمل والتعرّف إليها قد يحوّل الزملاء البعيدين إلى متعاونين متقطّعين، فبدء علاقات جديدة أمر عسير. تأمّل حضورك حفلة: من العسير أن تشرع في حديث ذي معنى مع شخص تجهل عنه كلّ شيء، ويسهل الأمر إن أخبرك المضيف أنّ كليكما من مشجّعي كرة القدم وتحبّان الفريق ذاته. وهكذا تؤدّي منصّات البثّ وظيفة المضيف اليقظ في بيئة العمل الرقميّة.

لقد أدرك القادة الكبار في إحدى شركات الاتصالات المتعددة الجنسيات ذلك المبدأ، فشجعوا الموظفين من مختلف الأقسام على أن ينشروا بانتظام حقائق طريفة وتحديثات من حياتهم الشخصية على منصة البث التابعة للشركة، كما يفعلون عادةً على “فيسبوك” أو “إنستغرام”. وكان المقصود من ذلك أنه إذا وجد الموظفون زملاء لهم يشاركونهم الاهتمامات أو الخلفيات خارج نطاق العمل، فقد يشعرون براحة أكبر في التواصل معهم بشأن شؤون العمل. وعلى الرغم من أن الموظفين قد استشعروا في البداية غرابة في نشر ما سموه “محتوًى شبيهًا بفيسبوك” على أداة عمل، فإن الإدارة شجعتهم على ذلك بل وقدمت لهم القدوة. وسرعان ما بدأ خوارزم المنصة في ربط الأشخاص ذوي الاهتمامات غير العملية المشتركة. وقد وجدت الشركة أنه حينما يدور الحديث بين الموظفين حول الطعام أو الفرق الرياضية أو الأفلام أو الرياضة البدنية، يزداد احتمال أن يسأل بعضهم بعضًا عن مسائل العمل أيضًا. وكما قالت إحدى الموظفات ممن ربطتها بزميلة محبة مشتركة للأفلام المستقلة: “إن الحديث عن الأفلام معها جعلني أشعر بالراحة لأسألها النصيحة في بعض المسائل العملية الشائكة”.

وكثيرًا ما يحتاج الموظفون إلى قليل من الدعم الحواري ليقتربوا من زميل بعيد فيجعلوه شريكًا متعاونًا بين حين وآخر، وإن المحتوى المتعلق بالعمل وغير المتعلق بالعمل على أدوات البث يمكن أن يوفر تلك المادة الاجتماعية الميسرة لحدوث مثل هذه الأحاديث. ومن المهم أن الموظفين يستطيعون أن يحافظوا على علاقات خفيفة مع شركائهم المتعاونين من حين لآخر، وذلك بمتابعة منشوراتهم والتعليق عليها في أوقات لا يحتاجون فيها إلى مساعدتهم، فيجعلهم ذلك إذا احتاجوا إليهم لاحقًا أقل شعورًا بأن المسألة تعاملية، وأكثر شعورًا بالعفوية. وفي المؤسسات الكبرى خاصة، يعين هذا الموظفين على الشعور بالارتباط بمؤسستهم ورؤية أنفسهم أعضاء في تلك الجماعة.

ورغم أن نوعي أدوات التعاون الرقمي (منصات العمل الجماعي ومنصات البث) يسهلان تجاوز العقبات أمام التعاون مع الشركاء المباشرين أو المتفرقين، فإن جميع الموظفين لا يدركون تلك الفائدة منذ اليوم الأول، إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتراكم سجلات تفاعلات الناس على كلا النوعين من المنصات، فلا يجني الموظفون في الشركات التي تطلقها ثمارها على الفور. غير أنه لا بد للموظفين من الاستمرار في استخدام تلك المنصات، حتى ينمو المحتوى سريعًا ويصبح ذا فائدة للمؤسسة.

ولا ريب في أن على أصحاب العمل واجبًا في هذا الشأن أيضًا. فمع ضخامة البيانات المتولدة على منصات العمل الجماعي والبث، تستطيع المؤسسات أن تبدأ باستخدام الخوارزميات التي تصنف تواصل الموظفين وأنماط سلوكهم إلى فئات معينة من الأفعال، وترتب تلك الفئات، وتجري حسابات معقدة تربط بينها. ولم يكن إلا في الأعوام الأخيرة أن بلغت القدرة الحاسوبية وتطور الرياضيات الداعمة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي حدًّا يتيح تحليلات ذات مغزى لمثل هذه الكميات الهائلة من بيانات الموظفين. ويمكن للشركات أن تجني مزيدًا من الفائدة من هذه التحليلات باستعمال الذكاء الاصطناعي لدمج تلك الأنماط مع مجموعات بيانات جديدة (كبيانات دوران الموظفين أو الأداء) لاختبار الفرضيات حول علاقات معينة، والتعلم تلقائيًّا من تلك الاختبارات، والتنبؤ بسلوك الموظفين في المستقبل.

ومع ذلك، ومع ازدياد اعتماد المؤسسات على الخوارزميات لتمشيط فيض البيانات الرقمية حول تفاعلات العاملين، فلا بد من تذكر المخاطر المصاحبة لجمع وتخزين وتحليل كل تلك المعلومات. فمن جهة، قد يُنصف الموظفون أو يُجحف بحقهم تبعًا للطريقة التي يحوّل بها الذكاء الاصطناعي تلك البيانات إلى تنبؤات. ومن جهة أخرى، فإن المؤسسات التي تعتمد منصات التعاون الرقمي ليست وحدها القادرة على الاستفادة من تحليل البيانات المتولدة، إذ إن معظم هذه الأدوات تطبيقات قائمة على السحابة. وتمنح حقوق العقود البائعين حق الوصول إلى بعض أو كل ما ينتج من البيانات الرقمية، ثم يستخدم البائعون نماذجهم الخوارزمية لصنع بصمات رقمية كلية لعملائهم من الشركات وللعاملين لديهم، ويبيعون تلك التنبؤات لشركات أخرى. كما يمكنهم استخدام البيانات لتحسين تقنياتهم بما يمكنهم من جمع مزيد من البيانات الرقمية. وعليه، فإن من اللازم على الشركات أن تحدد مستوى وصول البائعين الذي ستضمنه في عقودها. فقد يرى البعض أن السماح للبائعين بالوصول إلى البيانات يحسن المنتج ويخدم مصلحة جميع المستخدمين، وقد يرى آخرون أن من حق المؤسسات التي تدفع ثمن الأدوات والخدمات أن تملك بياناتها وبياناتها الوصفية، حتى لا ينتفع البائعون بها مرتين. وفي كلتا الحالتين، يجب على الشركات أن تكون شفافة مع موظفيها بشأن من يملك حق الوصول إلى بياناتهم وكيفية استخدامها.

وكما هي الحال في إدخال أي مبادرة جديدة، يجب أن تُطبق أدوات التعاون الرقمي بعناية من قبل القيادة العليا. ولكن الجهد في ذلك جدير بالبذل، إذ تُمكن هذه المنصات الموظفين من العثور على الشركاء المناسبين لأعمالهم، وإقناعهم بالمساعدة، وإرساء أرضية مشتركة تيسر حسن سير التعاون بينهم. وإن حمل الناس على استخدام تلك الأدوات حتى يروا منافعها عمليًّا، ونشر الخوارزميات المتقدمة والذكاء الاصطناعي لاكتشاف أنماط التعاون المثمرة التي تظهر، مهمات إدارية حاسمة في هذا الفجر الجديد لعصر الأعمال الرقمية.

المراجع

1. P.H. Christensen and T. Pedersen, “The Dual Influences of Proximity on Knowledge Sharing,” Journal of Knowledge Management 22, no. 8 (December 2018): 1782-1802; and M.R. Tagliaventi and E. Mattarelli, “The Role of Networks of Practice, Value Sharing, and Operational Proximity in Knowledge Flows Between Professional Groups,” Human Relations 59, no. 3 (March 2006): 291-319.

2. P.M. Leonardi, “Social Media, Knowledge Sharing, and Innovation: Toward a Theory of Communication Visibility,” Information Systems Research 25, no. 4 (December 2014): 796-816.

3. L. Argote and Y. Ren, “Transactive Memory Systems: A Microfoundation of Dynamic Capabilities,” Journal of Management Studies 49, no. 8 (December 2012): 1375-1382.

4. P.M. Leonardi, “Ambient Awareness and Knowledge Acquisition: Using Social Media to Learn ‘Who Knows What’ and ‘Who Knows Whom,’” MIS Quarterly 39, no. 4 (December 2015): 747-762; P.M. Leonardi, “Social Media and the Development of Shared Cognition: The Roles of Network Expansion, Content Integration, and Triggered Recalling,” Organization Science 29, no. 4 (June 2018): 547-568; P.M. Leonardi and S.R. Meyer, “Social Media as Social Lubricant: How Ambient Awareness Eases Knowledge Transfer,” American Behavioral Scientist 59, no. 1 (January 2015): 10-34; and T.B. Neeley and P.M. Leonardi, “Enacting Knowledge Strategy Through Social Media: Passable Trust and the Paradox of Nonwork Interactions,” Strategic Management Journal 39, no. 3 (March 2018): 922-946.

5. Names in this article have been changed to ensure individuals’ and companies’ anonymity.

6. J. Cummings and C. Pletcher, “Why Project Networks Beat Project Teams,” MIT Sloan Management Review 52, no. 3 (spring 2011): 75-80; and N.B. Ellison, J.L. Gibbs, and M.S. Weber, “The Use of Enterprise Social Network Sites for Knowledge Sharing in Distributed Organizations: The Role of Organizational Affordances,” American Behavioral Scientist 59, no. 1 (January 2015): 103-123.

7. P.M. Leonardi, “The Social Media Revolution: Sharing and Learning in the Age of Leaky Knowledge,” Information and Organization 27, no. 1 (March 2017): 47-59.

8. Management professor Shoshana Zuboff has written eloquently about how vendors monetize digital exhaust and use it to construct digital footprints that predict and shape our behavior. See S. Zuboff, “The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power” (New York: PublicAffairs, 2019).

مقالات ذات صلة