سيليا مور، وكيت كومبس
إذا نظرت بتمعن إلى أي فضيحة أو فشل مؤسسي في الشركات، ستجد بالتأكيد شخصًا واحدًا على الأقل، إن لم يكن أكثر، كان يعلم أن هناك خطبًا ما، لكنه لم يرفع مخاوفه إلى القادة الذين كان بإمكانهم فعل شيء حيال ذلك. خذ على سبيل المثال تقريرًا مستقلًّا كلف به مجلس إدارة بنك كريدي سويس لتحديد أسباب الخسارة الهائلة، التي بلغت 5.5 مليار دولار بعد انهيار شركة Archegos Capital Management. وجد المحققون أن الفشل كان نابعًا جزئيًّا من “عدم الرغبة الثقافية” في تحدي قادة البنك، حتى مع تصاعد المخاطر ووضوحها بشكل متزايد1. هذه القصة عن الفشل ليست فريدة من نوعها؛ ففي جميع الصناعات -بما في ذلك الرعاية الصحية وصناعة السيارات والطيران- يمكن تتبع السبب الجذري للعديد من الأزمات إلى بيئات شعر فيها الموظفون بالعجز، أو عدم الرغبة في التعبير عن مخاوفهم2.
على الرغم من العواقب المعروفة، وغالبًا الكارثية للصمت، لا يزال العديد من القادة في حيرة بشأن كيفية استثارة التحديات بفعالية من فرقهم[1]. غالبًا ما يتلقى القادة نصائح غامضة لمساعدة الموظفين على “الشعور بالأمان” للتعبير عن آرائهم. وعلى الرغم من أن هذه النصيحة حسنة النية، إلا أنها لا تساعد القادة كثيرًا في فهم الإجراءات المحددة والملموسة، التي يمكنهم اتخاذها لخلق مثل هذه المشاعر. العبارات المجردة عن الأمان النفسي، لا تزود القادة بالأدوات العملية اللازمة والمثبتة لاستثارة التحديات القيّمة من الفرق.
لسد هذه الفجوة المهمة في الفهم، أجرينا نحن وزملاؤنا من مركز القيادة المسؤولة في كلية إدارة الأعمال في جامعة إمبريال، وبالتعاون مع مجلس ثقافة الخدمات المالية، دراسة ميدانية[2] مبتكرة لملاحظة تفاعلات القادة مع فرقهم في بيئة واقعية. في تجربة مصممة بعناية داخل مؤسسة مالية، شارك قادة الفرق في 43 اجتماعًا حيًّا، وقاموا (دون علم فرقهم الحاضرة) بالدفاع عمدًا عن فكرة معيبة أو ضعيفة بشكل موضوعي. كان الهدف هو مراقبة كيفية تفاعل أعضاء الفريق مع هذه “القنبلة” -سواء كيف سيقومون بتحديها، أو سيظلون صامتين، أو يدعمونها- والأهم من ذلك، أي سلوكيات القادة كانت فعالة في تشجيع أو قمع ذلك التحدي.
من خلال تحليل أكثر من 1500 “دورة حوار” عبر هذه الاجتماعات، اكتشفنا عدة سلوكيات ملموسة فعالة بوضوح في استثارة التحديات من الفرق، التي ناقشناها في ورقة بحثية حديثة3. هنا، نعرض خمسًا من أكثر الإجراءات فعالية، التي يمكن للقادة اتخاذها لجعل التحديات البنّاءة ليست ممكنة فقط، بل جزءًا أساسيًّا من ثقافة المؤسسة.
1. اطرح أسئلة أفضل.
أحد أكثر الأخطاء شيوعًا التي يرتكبها القادة، هو طرح أسئلة عامة وغير محددة مثل: “ما رأيكم؟”، أو “هل لدى أحد أي ملاحظات؟”. وعلى الرغم من أن هذه الأسئلة قد تبدو مفتوحة ومرحبًا بها، إلا أن أبحاثنا وجدت أنها لم تتلقَّ سوى احتمال 51% فقط للحصول على أي معارضة. هذه الأسئلة من السهل تجاهلها أو الإجابة عنها بشكل سلبي، لا سيما في البيئات الهرمية، حيث قد يشعر المرؤوسون بالضعف.
الأسئلة الأكثر فعالية تدعو مباشرة إلى الاختلاف. بدلًا من أن تسأل “هل يوافق أحد على هذه الخطة؟”، جرب أن تسأل “ما الذي قد يسوء في هذا النهج؟”، أو “ما المخاطر المحتملة التي لم نأخذها في الحُسبان؟”. مثل هذه الأسئلة توضح أن القائد يبحث بنشاط عن وجهات نظر بديلة وربما تحدّيه. هذا التحول الطفيف يصور الاختلاف شيئًا يرغب فيه القائد. والناس بطبيعتهم يميلون إلى إعطاء القادة ما يريدون. تصبح التحديات البنّاءة حينها جزءًا مرحبًا به من الحوار، بدلًا من أن تكون عملًا من أعمال التمرد. هذا الطلب المباشر للاختلاف، زاد من احتمال التحدي إلى أكثر من 60%، مما يدل على أن القادة بحاجة إلى أن يكونوا متعمدين وواضحين في طلب وجهات نظر بديلة.
2. الاعتراف بالتحديات بوصفها أمرًا مشروعًا.
مجرد الدعوة لتلقي بعض صور التحديات أمر غير كافٍ؛ إذ يجب على القادة أيضًا الاستجابة بطريقة تشجع على المزيد من المشاركة. وجدت دراستنا أن عبارات الامتنان العامة، مثل “شكرًا على مداخلتك”، لم تكن فعالة في تشجيع المزيد من التحديات. في الواقع، لم تتبع التحديات عبارة الشكر إلا بنسبة 29% فقط من الحالات.
ما أحدث فرقًا إيجابيًّا هو اعتراف القادة، بشكل محدد، بشرعية التحدي نفسه. على سبيل المثال، بدلًا من قول “شكرًا” بشكل عام، عندما كان القادة يردون بعبارات مثل “هذه ملاحظة وجيهة”، أو “لم أكن قد فكرت في هذا الجانب”، كانت التحديات الإضافية تتبع بنسبة 87% من الحالات. الاعتراف بشرعية التحدي الأولي لا يقتصر فقط على تأكيده، بل يُرسل أيضًا إشارة لبقية الفريق، بأن الاختلاف في الرأي يُعدّ جزءًا حيويًّا من عملية اتخاذ القرار. لذا، كما هو الحال مع طرح الأسئلة، فإن الدقة في الاعتراف مهمة: فهي تساعد الموظف على فهم أفضل لأنواع المدخلات التي يرغب القائد في الحصول عليها.
3. اجعل الاجتماعات تفاعلية وودية.
قد يكون تحدي القائد أمرًا مخيفًا، لا سيما أن اختلال توازن القوى غالبًا ما يكون واضحًا. ومع ذلك، وجدنا أن القادة الذين حافظوا على أجواء ودية وتفاعلية في الاجتماعات -باستخدام الفكاهة، أو تقليل عدد مرات تحدثهم وترك مساحة أكبر لأعضاء الفريق للمساهمة- كانوا أكثر نجاحًا في تشجيع الفرق على طرح التحديات.
كلما كانت البيئة أكثر عفوية وتفاعلية، زادت مستويات مشاركة أعضاء الفريق وطرح التحديات؛ ففي الاجتماعات التي شهدت أكبر عدد من التحديات، شارك 77% من أعضاء الفريق، أما في الاجتماعات التي لم يطرح فيها أعضاء الفريق أي تحديات، فقد تحدث القادة مع 60% فقط منهم.
تشير هذه النتيجة إلى أن الصمت له دلالات كبيرة. يجب على القائد الانتباه عندما يلتزم الفريق الصمت: فقد يحدث ذلك لأن الأفراد لديهم آراء لا يشعرون بالقدرة أو الرغبة في مشاركتها. من خلال جعل البيئة أقل رهبة، يمكن للقادة تقليل الحواجز النفسية، التي غالبًا ما تمنع الموظفين من التعبير عن آرائهم المخالفة.
4. امنح القرارات الوقت الكافي.
في خضم العمليات اليومية، قد يكون من السهل على القادة الدفع نحو اتخاذ قرارات سريعة. ومع ذلك، وجدت الدراسة أن ضيق الوقت يقلل بشكل كبير من احتمالية تلقي القائد تحديات من أعضاء الفريق في أثناء الاجتماع. في الواقع، في عدة حالات، كانت الموافقة على أفكار سيئة، لمجرد أن الاجتماع انتهى وقته، ولم يترك مجالًا للنقاش أو الاعتراض.
يجب على القادة التأكد من تخصيص وقت كافٍ للنقاش المفتوح؛ فالقرارات المتسرعة تجعل أعضاء الفريق يشعرون بأنهم يفتقرون إلى المساحة أو الفرصة للتعبير الكامل عن مخاوفهم[3]، مما يخنق النقد البنّاء. أظهر تحليلنا أن الاجتماعات الأطول التي أتيحت فيها الفرصة لأعضاء الفريق لاستيعاب الأفكار ومناقشتها بالتفصيل، أدت إلى مزيد من التحديات لمقترحات القائد المعيبة، وفي النهاية إلى تحسين القرار.
5. أنشئ المساءلة.
إحدى أكثر الطرق فعالية لتشجيع التحديات، هي خلق شعور بالمساءلة بين أعضاء الفريق. وجدنا أنه عندما يجعل القادة الأفراد مسؤولين عن نجاح أو فشل فكرة ما، يكون الناس أكثر ميلًا إلى الطعن في القرارات التي لا يتفقون معها. ويكون هذا فعالًا بشكل خاص عندما يستخدم القادة عبارات مثل: “أي خيار تعتقد أنه الأفضل، أ أم ب؟”، أو “ما الخطوة التالية التي ترغبون في اتخاذها؟”.
تضييق نطاق القرار والطلب من أعضاء الفريق التعبير الصريح عن آرائهم، يساعد القادة على تجنب اتخاذ قرارات مبهمة ومترددة: فالجميع يعرف موقف الجميع.
إضافة إلى ذلك، وجدنا أن دمج آلية مثل التصويت، أو مطالبة أعضاء الفريق بالالتزام بمسار عمل محدد، يزيد من احتمالية رفض الأفكار السيئة. عندما يعزز القادة مساءلة أعضاء الفريق عن نتائج القرار، يتغير ميزان التكلفة والفائدة للصمت، ويحفز الناس على اتخاذ موقف أقوى إذا كانوا يختلفون حقًّا مع مسار العمل.
بالنسبة للقادة، فإن بناء ثقافة التحدي البنّاء ليس جهدًا لمرة واحدة، بل يتطلب انتباهًا وثيقًا والتزامًا مستمرًّا. والاستراتيجيات الموضحة هنا -من طرح الأسئلة الصحيحة إلى خلق مزيد من المساءلة- توفر طرقًا محددة وعملية ومستندة إلى الأدلة، يمكن للقادة تطبيقها يوميًّا للإشارة إلى أنهم لا يرحبون بالتحديات فحسب، بل يتوقعونها أيضًا.
تدريجيًّا، سيغير القادة الذين يطبقون هذه التقنيات باستمرار ديناميكيات اجتماعات فرقهم، ليصبح طرح التحديات البنّاءة عادة. ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات أفضل، وتعزيز تماسك الفريق، وفي نهاية المطاف، قيادة أكثر فعالية.
في عالم يمكن أن تكون فيه مخاطر الصمت كارثية، تعد القدرة على تعزيز الحوار المفتوح والصادق، من أهم المهارات التي يمكن أن يطورها القائد. من خلال تشجيع الاختلاف واحتضان وجهات النظر المختلفة، يمكن للقادة التنقل في ظل التعقيد، وتقليل المخاطر، ودفع مؤسساتهم نحو النجاح على المدى الطويل.
عن المؤلفين
سيليا مور: أستاذة في سلوكيات المؤسسات بقسم الإدارة وريادة الأعمال والمديرة الأكاديمية لـمركز القيادة المسؤولة في كلية إمبريال للأعمال. كيت كومبس: عالمة سلوك تطبيقي ومديرة تنفيذية لمركز القيادة المسؤولة.
المراجع
1. “Credit Suisse Group Special Committee of the Board of Directors Report on Archegos Capital Management,” PDF file (Zurich: Credit Suisse, July 21, 2021), www.credit-suisse.com.
2. “Sharp Decline in Freedom to Speak Up Guardians’ Perception of the Improvements in the Speak Up Culture of the Healthcare Sector,” BDJ In Practice 36, no. 9 (September 2023): 6; J. Ewing, “Faster, Higher, Farther: The Volkswagen Scandal” (New York: W.W. Norton, 2017); and “The Boeing 737 MAX Aircraft: Costs, Consequences, and Lessons from Its Design, Development, and Certification — Preliminary Investigative Findings,” PDF file (Washington, D.C.: Democratic Staff of the House Committee on Transportation and Infrastructure, March 2020), www.govinfo.gov.
3. C. Moore, K. Coombs, M. Gao, et al., “Facilitating Constructive Challenge: Concrete Ways Leaders Recruit (and Repress) Speaking Up,” PDF file (London: Imperial College Business School, August 2024), https://imperialcollegelondon.app.box.com.
[1] https://sloanreview.mit.edu/article/what-you-still-cant-say-at-work/
[2] https://imperialcollegelondon.app.box.com/s/7ykk79b6sz4satzd8v4w3nncokj5c4b4
[3] https://sloanreview.mit.edu/article/boost-employee-confidence-and-inclusion-by-creating-voice-space/
