القائمة الرئيسية

إعادة التفكير في دور المدير

إعادة التفكير في دور المدير
ملخص المقال

تتناول في المقال تأثير التقنية على مستقبل الإدارة، موضحة أن الأتمتة وتعلم الآلة ستغيّر دور المديرين من منسقين للمهمات الروتينية إلى قادة يركزون على العلاقات الناضجة بين أفراد الفرق، مع تمكين الأفراد من تقييم أدائهم الذاتي، ونقل السلطة من النمط الرأسي إلى أفقي عبر التعلم المشترك والشبكات الاجتماعية، واستثمار أساليب العمل المرنة القائمة على المنصات. ومع ذلك، تبين من متابعة خبراء ومديرين تنفيذيين عبر سنوات أن تأثير التقنية على طريقة عملهم الفعلية كان محدودًا حتى الآن، وأن التحديات المستقبلية تكمن في إدارة الفرق الافتراضية، والمجموعات متعددة الأجيال، وتدفق المعرفة بين الوحدات، ما يتطلب مهارات إدارية متقدمة، مثل بناء الثقة، وحل النزاعات، وتوجيه الفرق، والتي ستصبح أكثر أهمية وقدرة على التطور بدعم التقنية خلال السنوات القادمة.

ليندا غراتون

تنبيه المحرر: هذه المقالة واحدة من سلسلة خاصة تتألف من أربع عشرة مقالة كُلِّفت بها سلون مانجمنت ريفيو احتفاءً بإطلاق مبادرة “الآفاق الجديدة”. يجيب كل كاتب في مقالته عن السؤال الآتي:

«خلال السنوات الخمس القادمة، كيف ستغيّر التقنية ممارسة الإدارة على نحو لم نشهده بعد؟».

لقد شغلتني مسألة التقنية والإدارة أكثر من عقد من الزمان. وخلال ذلك، ألّفت كتابين أصف فيهما بعض أوجه استجابة الإدارة للابتكارات التقنية المتسارعة. وعند التأمل، تنبأت بأربعة أمور تتعلق بالإدارة والتقنية.

أولًا: كان واضحًا لديّ أنّ دور المدير بوصفه منسقًا للعمل سيتعرض لضغوط متزايدة. فمع التحسينات المستمرة في مجال الروبوتات وتعلم الآلة، واقتران ذلك بأتمتة المهمات الروتينية، أضحت ممارسة الإدارة أكثر غموضًا. فمن هو المدير؟ وما الذي يفعله المديرون؟ هل نشهد نهاية الإدارة؟

ثانيًا: لاح لي تحوّل لا مفر منه، إذ سيُساءل النمط الأبوي في العلاقة بين المدير وفريقه ليُستبدل في نهاية المطاف بنمطٍ يقوم على علاقة ناضجة بين أطراف متكافئة. ويتمحور جوهر هذه العلاقة الجديدة حول أساليب الوفاء بالالتزامات وتداول المعلومات. فحين تُمكّن التقنية عددًا كبيرًا من الناس من اكتساب وعيٍ أوسع بذواتهم وبالآخرين، يصبح من الأيسر تبنّي رؤية أكثر وضوحًا ونضجًا تجاه بيئة العمل. وأدوات التقييم الذاتي، ولا سيما التي تمكّن الأفراد من تشخيص ما يفعلونه وكيف يفعلونه، تعين الموظفين على تحديد مواضع قصور إنتاجيتهم بأنفسهم. فلا يعودون بحاجة إلى أعين المدير الرقيبة.

ثالثًا: بدا لي جليًّا أنّ التقنية ستميل محور السلطة من الرأسي إلى الأفقي. فلماذا يتعلم المرء من مديره في حين أنه يمكن للتغذية الراجعة بين الأقران والتعلم المشترك أن تخلق أشكالًا أمتن من الإرشاد الجانبي؟ فضلًا على ذلك، فإن الشبكات الاجتماعية المدعومة بالتقنية قادرة على رسم خرائط واقعية وفاعلة للنفوذ والسلطة فلا مزيد من الاحتماء بالألقاب البراقة.

أخيرًا: إن صعود الأعمال القائمة على المنصات، مثل شركة “أوبر”، أثار حماس الجميع حول المنصات وكيف يمكنها أن تهيئ بيئة خصبة لنشوء أعمال جديدة، وأن تكون في الوقت نفسه قناة لأساليب عمل مرنة.

فما دور الإدارة في كل ذلك؟

من هذه التنبؤات الأربعة قد يتخيل المرء بسهولة أنّ «نهاية الإدارة» وشيكة؛ إذ تسحقها آراء الأقران، وتزيحها التخصصات، وتستبعدها المنصات القوية، وتفضحها تحليلات الشبكات الاجتماعية.

غير أن الواقع الراهن يبدو أكثر تعقيدًا بكثير. فبدلًا من أفول الإدارة، يبدو أننا نشهد صعود شكل أكثر مهارة منها. فعلى مدى السنوات السبع الماضية، توليت قيادة “اتحاد مستقبل العمل”، وهو مجموعة ضمّت مديرين تنفيذيين من ستين شركة عالمية من مختلف القطاعات والدول. ومن خلال ورش العمل ومجموعات التركيز واستبانة سنوية، تتبعنا أثر التقنية في العمل والإدارة.

وكانت المفاجأة لدى معظم المشاركين تغيُّر قليل منهم في طريقة عملهم خلال السنوات الخمس الأخيرة. بل ذكروا أن استخدامهم للتقنية في حياتهم الشخصية والمنزلية يفوق بكثير تجربتهم التقنية في أماكن عملهم. وأشار كثير منهم إلى أن الأثر الإيجابي الحقيقي للتقنية كان في تدبير شؤون حياتهم اليومية لا في إنتاجيتهم في العمل. ولا ريب أن هذا سيتغير في السنوات الخمس المقبلة، ولكن كيف ستوظف الإدارة أدوات التقنية الجديدة؟

طلبنا من هؤلاء التنفيذيين أن يتأملوا المستقبل ويقيّموا قدرات شركاتهم الحالية. ومن ذلك استطعنا تحديد “عوامل المخاطرة المستقبلية”، أي الجوانب التي ستغدو مهمة في المستقبل لكنها الآن ضعيفة الأداء. وكانت المخاطر الثلاثة الأولى تتكرر كل عام: كيف تُدار الفرق الافتراضية؛ وكيف تُدار المجموعات متعددة الأجيال (لا سيما فيما يتعلق باختلاف استخدام التقنية)؛ وكيف يُدعم التدفق السريع للمعرفة بين وحدات الأعمال.

لاحظ ما تشترك فيه هذه المخاطر الثلاثة: كلها في جوهرها مسائل إدارية. لكنها إدارة معقدة: إدارة عن بُعد لا وجهًا لوجه، وإدارة لمجموعات متنوعة لا متجانسة، وإدارة لتدفق المعرفة الحاسم بين المجموعات لا داخل المجموعة الواحدة. وهذه أدوار تتطلب مهارات إدارية عالية، سواء من حيث القدرات (ككيفية بناء الثقة السريعة، والتوجيه، والتعاطف، والإلهام)، أو من حيث الممارسات (كتشكيل الفرق، وتحديد الأهداف، وحل النزاعات). وهذه المهارات والممارسات الإدارية هي ما ستعززه التقنية في السنوات القادمة بطرائق لم ندركها بعد لكنها ستتجلى مع الزمن.

مقالات ذات صلة