القائمة الرئيسية

إعادة النظر في الإدارة

إعادة النظر في الإدارة
ملخص المقال

يتناول المقال حوارًا مع جوليان بيركنشو حول ضرورة إعادة التفكير في نموذج إدارة الشركات، مشيرًا إلى أن الإدارة التقليدية الصناعية المرتبطة بالتحكم والبيروقراطية فقدت حيويتها ولم تعد تناسب عصر المعرفة الحالي، وأن كثيرًا من التنفيذيين يقضون وقتًا طويلًا في تطوير نموذج العمل لكن قليلاً في التفكير في كيفية الإدارة نفسها. ويؤكد بيركنشو أن لا يوجد نهج إداري واحد يصلح للجميع، بل يجب على الشركات تقييم الخيارات المختلفة مثل اتخاذ القرارات من الأعلى إلى الأسفل مقابل من الأسفل إلى الأعلى، وموازنة أساليب الإدارة وفقًا للظروف والأهداف الخاصة بها. ويرى أن الابتكار في الإدارة لا يقل أهمية عن الابتكار في المنتجات، إذ يمكن أن يولّد ميزة تنافسية مستدامة وطويلة الأمد، ويحفّز الابتكار في مجالات أخرى، مشددًا على أن التفكير الواعي في ممارسات الإدارة وتحسينها يجب أن يحظى بالاهتمام نفسه الذي يُعطى لتطوير المنتجات والخدمات.

جوليان بيركنشو، أجرى معه الحوار: مارثا إي. مانغلسدورف

إن أكثر التنفيذيين يقضون وقتًا معقولًا في التفكير في نموذج العمل لمؤسستهم، ولكن كم من الوقت يقضونه في التأمل في نموذج إدارة الشركة؟

يقول جوليان بيركنشو أستاذ الإدارة الاستراتيجية والدولية في كلية لندن للأعمال، إن ذلك الوقت على الأرجح غير كافٍ. ففي كتابه الأخير “إعادة ابتكار الإدارة: اتخاذ الخيارات الذكية لاستثمار إمكانات شركتك” (سان فرانسيسكو: جوسي-باس، ٢٠١٠م)، يجادل بأن على رجال الأعمال أن يفكروا بصورة أوضح في الخيارات الإدارية التي يتخذونها عند إدارة الشركة. وهذا موضوع تناوله بيركنشو أيضًا في مقال شتاء ٢٠٠٩م في “سلون مانجمنت ريفيو”، شاركه في تأليفه جولز جودارد زميل مركز تطوير الإدارة في كلية لندن للأعمال.

وقد حاورت مارثا إي. مانغلسدورف كبيرة محرري “سلون مانجمنت ريفيو”، بيركنشو حول كتابه الجديد. وفيما يأتي مقتطفات من ذلك الحوار، بعد تحريرها الإيضاح.

– في كتابك “إعادة ابتكار الإدارة”، تطرح فكرة أن الإدارة قد فسدت خلال المئة عام الأخيرة. هل يمكنك أن تبسط لنا ذلك قليلًا؟

“الفساد” كلمة قوية، وقد تعمدت أن أكون بها استفزازيًّا بعض الشيء. لا أعني بذلك أن المديرين قد أصبحوا فاسدين، وأُرسلوا إلى السجن مع أن بعضهم، كما نعلم، قد حدث له ذلك! وإنما أعني بـ”الفساد” أن الكلمة نفسها قد شابها الخلل في الاستعمال.

فعندما تذكر كلمة “إدارة”، تتبادر إلى أذهان كثير من الناس فورًا مصطلحات مثل: ضيق الأفق، والتحكم، والميزانية، والتخطيط. لقد تمكّنا بطريقة ما من الحط من قدر الإدارة حتى لم تعد تُعد موضوعًا ينبغي التفكير فيه، أو الطموح إليه. فلا أحد من الأطفال اليوم ينشأ وهو يقول: “أريد أن أكون مديرًا”، لذا لدينا مشكلة أن الكلمة فقدت حيويتها.

وأرى أن فساد مصطلح الإدارة جزئيًّا هو نتيجة قرن من الزمان، حاولنا فيه فهم الشركة الصناعية الكبيرة الهرمية البيروقراطية. فجميع الكلمات التي نستخدمها اليوم حول الإدارة هي في جوهرها كلمات عن كيفية إدارة آلات مجردة من الإنسانية، وموحدة، وتنتج ملايين المنتجات المتطابقة. ومقصدي أن ذلك نموذج من نماذج الإدارة، وليس هو النموذج الوحيد، فهناك أنماط كثيرة في الإدارة، وأنواع مختلفة من المنظمات بعضها قد يكون أنجح اليوم من النمط الصناعي القديم.

بعبارة أخرى، أنت تقول إننا اليوم نربط كلمة “الإدارة” بالشركة الصناعية؛ لأن ذلك النموذج من الإدارة أصبح سائدًا لفترة من الزمن.

على الأقل، ينبغي لنا أن نسأل أنفسنا: “هل ذلك النموذج التقليدي للإدارة ملائم في عصر المعرفة هذا؟”، والجواب إلى حد ما، نعم، لكنه بصراحة لا يصلح إذا بدأنا نمدّه، وندفعه إلى أقصاه. لذا أعتقد أنه يجب علينا حقًّا أن نقول: “انظروا، هناك تغير جذري يجري في أهداف الشركات، فلنعد النظر في مسألة الإدارة”.

والسبب الآخر الذي يدفعني إلى إعادة التفكير، وإعادة ابتكار الإدارة هو أننا نمر بأزمة ثقة في الوقت الراهن. ففي الكتاب بعض الإحصاءات التي تبين أن ثقة الناس في التنفيذيين أقل منها في المحامين، بل في المصرفيين، ولا تزيد إلا قليلًا عن ثقتهم ببائعي السيارات المستعملة.

– من الأمور التي أعجبتني في كتابك -ويذكرني أيضًا بمقالك المشترك في “سلون مانجمنت ريفيو” عام ٢٠٠٩م حول موضوع مشابه- أنك ترى أنه لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع في الإدارة، وأن الأهم هو التأمل في الرافعات المختلفة التي يمكننا تحريكها.

رأيي أننا لا ينبغي أن نلقي بنماذج الإدارة التقليدية جانبًا، ولا أن نفترض أن كل شيء سيبقى على ما كان عليه، بل علينا أن نعيد النظر بجدية في الخيارات التي اتخذناها -غالبًا ما تكون لا شعورية- بشأن كيفية إدارتنا، وعلينا أن نلائم نموذج إدارتنا مع الحاجات والظروف الخاصة التي نواجهها.

ومن أهدافي أن أجعل الناس يأخذون مفهوم نموذج الإدارة على محمل الجد أكثر، فنحن نقضي كثيرًا من الوقت في شرح ما نعنيه بنموذج العمل، وأعتقد أنه يمكننا أن نقضي مثل ذلك الوقت -ونحصل على فائدة مماثلة- في أخذ مفهوم نموذج الإدارة على محمل الجد، وجعل الناس يوضحون الخيارات التي اتخذوها.

فعلى سبيل المثال، أحد أبعاد الإدارة التي أتناولها في كتابي هو مسألة اتخاذ القرارات من الأعلى إلى الأسفل مقابل من الأسفل إلى الأعلى: هل نعتمد على ثراء الخبرة في القمة، أم نستفيد من حكمة الجماهير؟ كما تعلم، هناك كتب كاملة كُتبت حول “حكمة الجماهير”، و”التعهيد الجماعي”.

وليس من المفيد كثيرًا أن نقول إنه ينبغي لنا أن نعتمد على أحد النهجين دون الآخر، بل الأنفع أن نقول: “هلموا نفكر مليًّا في ما يكون عليه منهج «حكمة الجماهير» في اتخاذ القرارات، ولننظر في ما يجعل نهج اتخاذ القرار من الأعلى إلى الأسفل ناجحًا، ثم لننظر في مزايا كل منهما وعيوبه، ولنحث الناس على استنباط المنهج الأمثل في اتخاذ القرار بناءً على تحليلهم الواقع”. فكل شركة، إلى حد ما، تواجه ظروفًا مختلفة، وكل شركة تسعى، في الغالب، إلى التميز في أبعاد مختلفة بعض الشيء.

وقد ذكرتُ في موضع من الكتاب أن على الشركات أن تكرّس من الوقت في التفكير في تحسين ممارسات الإدارة مثل ما تكرّسه في تطوير منتجات وخدمات جديدة. فهل ترى أن ثمّة شركة تفعل ذلك فعلًا في هذا الوقت؟

لا، سأكون صريحًا تمامًا: أرى أن احتمال حدوث ذلك في القريب العاجل بعيد المنال، ونحن نعلم أن كثيرًا من الشركات تنفق مليارات حرفيًّا على تطوير المنتجات، وفي الغالب، لا يضيع ذلك المال هدرًا، لكن كثيرًا منه يُنفَق لمجاراة المنافسين، وغالبًا ما ينتهي الأمر بإنفاقه على ما يمكن أن نسميه منتجات مشتقة.

إن الابتكار في طرائق الإدارة يحمل في طياته إمكان تحقيق ميزة مستدامة طويلة الأمد. نعم، ينبغي لك أن تواصل الابتكار في المنتجات، لكن المزايا التي تجنيها من ذلك غالبًا ما تكون زائلة، أما إن اتخذت الابتكار الإداري على نحو ما فعلته شركة دبليو. إل. غور وشركاه، أو ربما جوجل في وقت ما، فسترى أن الإدارة قد تصبح محركًا لميزة مستدامة طويلة الأمد.

والابتكار في الإدارة، إلى حد ما، يولّد الابتكار في مجالات أخرى؛ فليس الأمر مفاضلة بين هذا وذاك، وإنما هو إعادة توازن في ترتيب أولويات أنواع الابتكار المختلفة.

مقالات ذات صلة