القائمة الرئيسية

بناء الثقافة من الوسط إلى الخارج

بناء الثقافة من الوسط إلى الخارج
ملخص المقال

يشير المقال إلى أن الثقافة المؤسسية ليست مجرد مسؤولية القادة الكبار، بل مسؤولية الجميع، وبالأخص القادة في المستوى المتوسط الذين يمكنهم ترجمة القيم الرسمية للشركة (الثقافة الكبرى) إلى التجربة اليومية الواقعية للموظفين (الثقافة الصغرى). وأظهرت الدراسة أن القادة الأكثر فاعلية لا يكتفون بتأييد القيم المعلنة، بل يخلقون فرصًا لإثراء الثقافة الصغيرة من خلال التجارب اليومية والابتكارات، مثل تعديل الاجتماعات، وتمكين الموظفين، ومشاركة الممارسات الناجحة بين الفرق. وبهذا الشكل، تتحول الثقافة إلى تجربة حية ومرنة يشعر بها الموظفون، ما يزيد ارتباطهم بالشركة، ويجعل القيم تنبض بالحياة عبر مستويات المؤسسة كلها، ويعد القادة المتوسطون شركاء فعالين في بناء ثقافة قوية قابلة للتكيف والنمو.

سبنسر هاريسون وكريستي روجرز

لقد طرحنا على آلاف التنفيذيين من جميع أنحاء العالم السؤال البسيط نفسه: “مَن المسؤول عن الثقافة في مؤسستك؟”، تُرفع الأيدي، ويكاد يكون الجواب بالإجماع: “الجميع”.

ثم نطرح سؤالًا متابعًا: “إذا كان الجميع مسؤولين عن الثقافة في مؤسستك، فماذا تفعلون لإدارتها؟”.

تنزل الأيدي، وتتحول الأنظار بعيدًا. أكثر الإجابات شيوعًا غير ملهمة: “الحفاظ على سياسة الباب المفتوح”، و”تقديم تقييمات أداء جيدة”، و”التواصل مع الموظفين”. وبينما قد يكون كل واحد من هذه الإجراءات مفيدًا، فإن أيًّا منها ليس خاصًّا بالثقافة. إنها ببساطة عادات إدارية عامة؛ أي إنه لا توجد منها ممارسات محددة لترجمة مجموعة القيم الفريدة للشركة إلى تجربة معيشة للموظفين العاملين فيها.

الثقافة المؤسسية هي مجموعة القيم المشتركة التي توجه كيفية إنجاز العمل. كان هناك في السابق جدل حول أكانت الثقافة تتنبأ بالأداء العالي، أم إن الأداء العالي يمنح القادة ثقافة قوية ومتجانسة. تدعم الأدلة الآن دعمًا ساحقًا الرأي الأول، ولكن لكي تستفيد الشركة من قوة الثقافة، فهي بحاجة إلى قادة في المستوى المتوسط عبر المؤسسة —المديرين وقادة الفرق— ليتجاوزوا مجرد الإيمان بأنهم مسؤولون عن الثقافة إلى العمل الفعلي على بنائها.

كشفت أبحاثنا أن القادة في المستوى المتوسط غالبًا ما يشعرون بأن عليهم تأييد المعايير الثقافية بدلًا من إثرائها، ونقصد بذلك دعم التعبيرات عن المعايير والقيم الثقافية كما تظهر في الفرق الصغيرة. كما حددنا سلوكات رئيسة يمكن للمديرين على أي مستوى من مستويات المؤسسة تبنيها ليصبحوا بناة للثقافة. وبشكل خاص، وجدنا أن أنجح القادة في المستوى المتوسط يجدون طرقًا لربط الثقافة “الكبرى” في مؤسستهم —وهي مجموعة القيم الرسمية— بالثقافة “الصغرى” التي تتجلى في الأنماط اليومية الضيقة والحيوية للتفاعل.

المشكلة: فجوة التأييد والإثراء في الثقافة

يفترض المديرون المتوسطون غالبًا أن أفضل نهج لضمان ثقافة عمل قوية، هو الرسائل المتكررة من القادة الكبار للترويج لمهمة المؤسسة وهدفها ورؤيتها وسمتها وقيمها. يسمح هذا الافتراض للمديرين برؤية المديرين التنفيذيين أو المتخصصين في الموارد البشرية، بوصفهم المسؤولين الأساسيين عن تعزيز الثقافة. وقد يكون هذا التفويض منطقيًّا، لأن الموظفين عادةً ما يرغبون ويتوقعون من القادة الكبار تحديد وصياغة الرؤى والقيم الشاملة. لكن ذلك يترك القادة في المستويات الدنيا من الهيكل التنظيمي، يظنون أن دورهم هو الحفاظ على الثقافة وتأييدها كما هي.

ويزيد من تعقيد هذا الحدس أن الثقافة ليست دائمًا واضحة في المؤسسات، وأحيانًا لا تظهر إلا عندما تسوء الأمور، سواء كان ذلك إعادة هيكلة لم تحقق أهدافها، أو استحواذًا لم يحقق العائد المتوقع على الاستثمار، أو مغادرة غير متوقعة للموظفين. هذه هي اللحظات التي يمكن فيها رؤية قوة الثقافة والشعور بها.

وهذه أيضًا هي اللحظات التي يشعر فيها القادة الذين يسعون لحل مشكلة، بأن أيديهم خالية. قد يشعرون بأن دورهم هو أن يكونوا متلقين سلبيين لتأثيرات الثقافة. لكن هذا الشعور يمكن التخلص منه.

منظور “الثقافة الكبرى” و”الثقافة الصغرى”

يمكن تمكين المديرين المتوسطين لإثراء ثقافة الشركة بشكل فعال عندما يتبنون الاعتقاد بأن الشركات لديها ثقافة كبرى وثقافة صغرى. تشير الثقافة الكبرى إلى مجموعة القيم الرسمية المعلنة للشركة، في حين تصف الثقافة الصغرى التجربة النوعية للأنماط اليومية للتفاعل؛ حيث يمكن أن يجد المرء الثقافة داعمة، أو صارمة، أو تصادمية، أو تنافسية، وما إلى ذلك. الثقافة الكبرى هي ما يفكر فيه معظم القادة على جميع المستويات عند الحديث عن الثقافة: البيان المكتوب، وغالبًا ما يكون علنيًّا، لما تمثله الشركة، ويُقدَّم كمجموعة من الوثائق الرسمية. (وبالمناسبة، تشير الاستطلاعات إلى أن عددًا قليلًا من الموظفين يعرفون فعليًّا قيم شركتهم).

وعادةً ما تتضمن هذه الثقافة الشاملة كيفية تنفيذ المؤسسة للتدريب الرسمي وإدارة الفعاليات؛ مثل التوظيف، والندوات القيادية، واجتماعات القادة التنفيذيين خارج المقر. وتُقاس أحيانًا من خلال استبانات دورية تقيم الفجوة بين الثقافة الفعلية والمثالية.

وعلى الرغم من أن القادة والموظفين قد يشيرون كثيرًا إلى الثقافة الكبرى، فإن معظم تفاعلهم مع الثقافة يحدث على مستوى الثقافة الصغيرة؛ فالثقافة الصغرى لا تُختبر كشعارات على الجدران أو استطلاعات سنوية؛ بل في التفاعلات التي تعزز كيفية إنجاز المهام ضمن الفرق بشكل فعّال. وتُكشف القيم التي تُمارَس فعليًّا في المؤسسة من خلال السلوكات اليومية. وبالمثل، على الرغم من أن الموظفين قد يعلقون على تفاعلهم مع الثقافة خلال استبانة سنوية كبيرة، فإنهم يشاركون ذلك بانتظام في القصص التي يروونها بعضهم لبعض عن المؤسسة. لأن القيم تُجسَّد من خلال الأفعال، ولأن الأفعال ستختلف حسب كيفية أداء مديري العمل وفرقهم، فإن أشكالًا متنوعة من الاختلافات الصغيرة في القيم ستنشأ حتمًا، وعندما تنجح الفرق، ستنتشر هذه الاختلافات في القيم.

قد يبدو ذلك كأنه وصفة للفوضى، لكن أبحاثنا تظهر أن دور القادة في المستوى المتوسط هو الربط بين الثقافة الكبرى (Big-C) والثقافة الصغرى (small-c)، بهدف إيجاد بذور الثقافة الكبرى التي ستزدهر في تربة الثقافة الصغرى التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتهم. وبدلًا من خلق ثقافات فرعية قد تختلف عن مجموعة القيم الواسعة على مستوى الشركة، يعمل هؤلاء القادة على إيجاد طرائق لخلق ثقافات صغرى تُحيي الثقافة الكبرى بطرائق نابضة وفريدة.

الفرق بين “الثقافة الفرعية” و”الثقافة الصغرى” مهم. غالبًا ما تُعرَّف الثقافات الفرعية بأنشطة القسم الرئيسة (“نحن مجموعة مبيعات”)، أو هيكل الشركة (“فريقنا جزء من شركة ناشئة استُحوِذ عليها”). أما الثقافات الصغرى، فهي أقل ارتباطًا بالحدود التنظيمية، وأكثر ارتباطًا بالسلوكات العلائقية التي يبنيها الأفراد ويستمرون فيها. وفي هذه العلاقات القريبة، يربط المديرون بين الثقافة الكبرى والثقافة الصغرى، ويجعلون الثقافة تنبض بالحياة. ففي ثقافة شركة تركز على الابتكار (الثقافة الكبرى)، قد يشجع المدير على مشاركة ما تعلمه الفريق من التجارب الفاشلة، ليصبح الجميع أكثر حكمة (الثقافة الصغرى). وفي ثقافة تقدّر التميز (الثقافة الكبرى)، يمكن للقائد أن يعتاد الاحتفال بالإنجازات الصغيرة لإعطاء الزخم لتحقيق نجاحات أكبر (الثقافة الصغرى). التفكير من منظور الثقافات الصغرى يضع القادة في أدوار نشطة، ويسألهم: “كيف يمكنني أن أجعل المبادئ الثقافية الواسعة تنبض بالحياة في ممارسات المجموعة التي أبنيها؟”.

في دراستنا لشركة كبيرة من شركات فورتشن 100 التي كثيرًا ما اعتُرِف بها كمكان جيد للعمل، نظرنا من كثب في بناء الثقافة بين قادتها المتوسطين الأعلى تقييمًا. صممنا هذا البحث بهدف فهم القواسم المشتركة بين أولئك الذين كانوا معروفين على نطاق واسع بفاعليتهم وانخراطهم في ثقافة الشركة. أدركنا أن أفضل القادة في المستوى المتوسط —الذين كانوا من بين أعلى 10% من حيث الاحتفاظ بالأفراد وأداء الفريق— كانوا يهتمون بكل من ثقافة المؤسسة بأكملها، والثقافة الضيقة ضمن نطاق تأثيرهم. وكشفت أبحاثنا وتحليل البيانات أن بناء الثقافة الأكثر فاعلية يشمل كلًّا من دعم العناصر القائمة في الثقافة الكبرى و-إثراء- العناصر الجديدة في الثقافات الصغرى.

أدوار الدعم والإثراء

كان المديرون في دراستنا الأكثر فاعلية في بناء الثقافة، يركزون تركيزًا انتقائيًّا على عناصر معينة من رسالة الشركة، ويعملون على إحياء هذه العناصر داخل فرقهم. كانوا يشاركون أفكارهم مع مديرين آخرين، ويشجعون على الابتكار ضمن الثقافة وتجربة إجراءات جديدة على طول الطريق. (انظر قسم: “ادعم ثقافة الشركة واعمل على ثرائها بطريقتك”).

ادعم ثقافة الشركة واعمل على ثرائها بطريقتك

ينبغي للمديرين على جميع المستويات في المؤسسة، أن يسهموا في بناء ثقافة الشركة. يمكن لقادة المستوى المتوسط دعم القيم الكبرى للشركة (الثقافة الكبرى)، وإثراء التجربة اليومية المعيشة (الثقافة الصغرى) لأعضاء فرقهم.

فيما يلي أربع استراتيجيات كانت الأكثر نجاحًا:

ادعم الثقافة الكبرى من خلال الاحتفاء بميزات مختارة والحفاظ عليها. ركز المديرون الأكثر فاعلية في دراستنا على تلك الجوانب من الثقافة الكبرى التي رأوا أنها الأهم لربط مجموعتهم المحددة بقيم الشركة. كان هذا مهمًّا بشكل خاص لمساعدة الموظفين على رؤية الروابط الواضحة بين ما تعلنه الشركة وأعمالهم اليومية. اختار أحد المديرين إحياء قيمة المساواة التنظيمية من خلال تشجيع فكرة المساواة عبر التسلسل الهرمي. وكان من بين ما فعله هو دعوة المرؤوسين إلى المشاركة في الاجتماعات رفيعة المستوى معه، ليمنحهم فعليًّا مقعدًا على الطاولة.

شجع مدير آخر فريقًا موزعًا جغرافيًّا على تطبيق قيمة العطاء للشركة من خلال التطوع. غالبًا ما كان الموظفون يشعرون بأنهم مشغولون جدًّا بالعمل للعثور على وقت للتطوع بمفردهم. وللحفاظ على هذا الجانب المهم من الثقافة الكبرى، قرر القائد إدخال العمل التطوعي بانتظام ضمن جدول اجتماعاتهم الحضورية؛ مثل تقديم الخدمة في مدرسة محلية، أو تقديم الخبرة والإرشاد للمؤسسات غير الربحية المحلية. كما أتاح إضافة هذا النشاط إلى بعض أيام اجتماعاتهم المباشرة للفريق، فرصة للتفاعل خارج الاجتماعات الرسمية، ما عزز علاقاتهم.

يعد اختيار الجوانب من الثقافة الكبرى التي يتجاوب معها الموظفون، أمرًا بالغ الأهمية في فترات التغيير. أحد المديرين الذين قابلناهم انضم إلى الشركة من خلال عملية استحواذ، ولاحظ أن معظم الموظفين القادمين معه أرادوا الحفاظ على ثقافة شركتهم السابقة. سألهم عما أحبوه في الثقافة القديمة، بهدف تحديد الجوانب ذات الصلة من ثقافة الشركة الحالية التي قد تلقى صدى لديهم. فعلى سبيل المثال، بما أن الثقافة القديمة كانت تقدر الاستعداد لخوض المحادثات الصعبة، فقد ربط ذلك بقيمة الثقة في الثقافة الحالية واختار التركيز عليها في المستقبل.

ادعم الثقافة الكبرى (Big-C) من خلال التعلم من مديرين آخرين. وجدنا أن بُناة الثقافة يولون اهتمامًا كبيرًا لتطويرهم الذاتي؛ فهم يوسعون شبكة معلميهم، ويشاركون في محادثات حول القيادة لتوسيع أفكارهم والبقاء على اطلاع دائم بالثقافة الكبرى. يطرحون أسئلة مثل: “ماذا تفعل لتكون قائدًا أفضل في مؤسستنا؟”، و”ما الممارسات الجديدة التي جربتها وحققت نجاحًا؟”. ونتيجة لهذا الفضول، أصبح لديهم فهم للروابط التي ينشئها المديرون الآخرون مع الثقافة الكبرى. كما يدركون الابتكارات التي تسمح بها الثقافة، وأين تكمن الحدود.

ومن خلال تفاعلهم المتكرر مع الزملاء، يجد بُناة الثقافة أفكارًا جديدة يمكنهم استيرادها إلى مجالاتهم الخاصة. هذا التبادل المتقاطع يسهل بعض الاتساق في التجارب الثقافية للموظفين عبر المؤسسة. في الشركة التي شملتها دراستنا، نُظِّمت حلقات نقاشية في بعض الفعاليات الكبيرة، حيث وصف القادة “الأشياء الغبية التي جربتها”. وقد أتاح ذلك لهم التعلم بعضهم من بعض من خلال مشاركة الأخطاء، وليس فقط التباهي بما يفعلونه بشكل جيد. إن مشاركة الزلات من خلال ممارسات مؤسسية كهذه، تمنح المديرين فرصة لرؤية بعضهم بعضًا كأشخاص معرضين للخطأ، ما يعزز على الأرجح العلاقات وتبادل المعرفة.

وجدنا أن المديرين الذين شاركوا في تبادل ممارساتهم وتجاربهم يقدرون العلاقات مع القادة الآخرين؛ بل ويشكلون مجموعات مع قادة نظراء من خلال المحادثات حول الثقافة. كانوا يقومون بـ”رحلات ميدانية ثقافية” لزيارة أجزاء أخرى من الشركة كأنثروبولوجيين مزيفين، يلاحظون أي جوانب من الثقافة الكبرى يستمد منها المديرون الآخرون. كما نسخ بعضهم أساليب تواصل الموظفين الجدد إلى أقسامهم الخاصة، حيث دفعوا أنفسهم للتعرف إلى 20 شخصًا جديدًا في الشركة كما يُطلب من الموظف الجديد. هذه الممارسات زادت من تعرضهم للاستراتيجيات التي يستخدمها القادة الآخرون بفاعلية.

إثراء الثقافة الصغرى (small-c) من خلال الابتكارات الثقافية. يدرك بُناة الثقافة أن أي تفاعل —الاجتماعات، أو جلسات التغذية الراجعة، أو العروض التقديمية— يمكن أن يكون مكانًا لحدوث الثقافة. لذلك يستغلون هذه التفاعلات كفرص لزراعة الثقافة الصغرى. يجربون سلوكات قيادية جديدة، وممارسات اجتماعات جديدة، وإجراءات توظيف أو تقنيات مقابلات جديدة، وحوافز جديدة، وأنماط تواصل جديدة. هذه ابتكارات في الأنشطة، وليست في السياسات. وكأي مجموعة من الابتكارات، ليس جميعها ينجح، وعندما يحدث ذلك، يجربون شيئًا آخر.

لاحظت مسؤولة مبيعات أن اجتماعات الفريق كانت مرهقة، مع تركيز مفرط على الأرقام، وتساءلت هل كانت هناك طريقة لإدراج نقاط نقاش حول الصحة النفسية —وهي جزء أساسي من الثقافة الكبرى— إلى جانب الأرقام. لذلك جربت تغيير كيفية تقديم تقارير المبيعات الأسبوعية. قالت: “كان على كل موظف مبيعات الآن تقديم جميع التحديات التي واجهها، بالإضافة إلى جميع النجاحات التي حققها. كان نهجًا أكثر تواضعًا: ‘كان هذا الربع رائعًا، وهذا هو السبب، وهذه هي الأشياء التي نجحت، وهذه هي الأشياء التي لم تنجح، وهذا ما أحتاج إليه'”. وأشارت إلى أن هذا النهج سمح للفرق بتقديم تغذية راجعة ثنائية الاتجاه؛ أفكار للتحسين يمكن رفعها إلى القيادة العليا، بالإضافة إلى أفكار يمكنهم تنفيذها فيما بينهم.

بدأ مدير آخر برؤية فعاليات إطلاق المنتجات كفرص لتحقيق قيمة الثقافة الكبرى المتمثلة في إسعاد العملاء، سواء للعملاء المحتملين أو للموظفين. كان يُستَعان بمصادر خارجية لمعظم الفعاليات الموجهة للعملاء إلى شركة تنظيم فعاليات، واعتقدت المديرة أن فريقها سيستمتع بتصميم بعضها داخليًّا. طلبت إذنًا لإدارة بعض الفعاليات بفريق صغير كتجربة، وكانت التجربة ناجحة: فقد وضعت الموظفين في مركز الاهتمام مع العملاء، وجعلتهم أكثر استثمارًا في جعل الفعاليات الخارجية مثيرة. لم تغير هذه التجربة قيمة إسعاد العملاء في الثقافة الكبرى؛ لكنها أغنتها لأن الموظفين عاشوا القيمة بأنفسهم. وانتهى الأمر بقادة آخرين بالإشارة إلى هذه الفعاليات كأمثلة رئيسة على ثقافة المؤسسة.

إثراء الثقافة الصغرى من خلال تمكين الموظفين على الابتكار. وجد المديرون في دراستنا أيضًا، طرائق لتمكين الموظفين من ابتكار ممارسات جديدة تجسد الثقافة الصغرى، ما يجعل الثقافة أكثر حيوية وملاءَمة.

على سبيل المثال، خلال الجائحة، شعرت قائدة فريق بالقلق من أن الروابط بين الأعضاء بدأت تضعف حتى مع الاجتماعات الافتراضية، ما أثر في قيمة الاتصال في الثقافة الكبرى. دعت أعضاء فريقها إلى تجربة بعض الأفكار الجديدة، وقرروا استخدام أول خمس دقائق من كل اجتماع للانقسام إلى أزواج، وطرح مجموعة متناوبة من أسئلة “تعرف بعضكم إلى بعض”، وحتى بعد انتهاء الجائحة، استمروا في هذه الممارسة.

وقد جعل أحد القادة هذا النوع من التمكين ممارسة قياسية. قال:

“أفوض ابتكار الأدوات الثقافية؛ المحادثات الصعبة حول الأداء، ومحادثات المسار المهني، وطرائق فريدة لإدارة الاجتماعات. أريد أن أسمع عن الأمور الإبداعية التي تحدث في الميدان، وإذا كانت ممارسة جيدة، أريد أن نستخدمها”.

وأضاف أنه يهدف حتى إلى خلق بيئة تنافسية خفيفة لتشجيع الناس على ابتكار طرائق جديدة وأفضل لصنع الثقافة الصغرى. وصف أحد التنفيذيين كيف أن أعضاء قسمها (القائدة) ابتكروا خطة تسويق حرب عصابات لمواجهة نمو أحد المنافسين. شملت الخطة تحليق طائرة تحمل لافتة فوق حدث مقبل للمنافس. تقول هذه القائدة: “لقد وضعوا الخطة كاملة. كانت فكرة مبتكرة للغاية، ظننت أنها رائعة، لكن المدير التنفيذي لم يوافق عليها”. ومع ذلك، في الأسابيع التالية، أصبحت الفكرة لها حياة خاصة صغيرة بها. “كنت أتلقى مزاحًا مستمرًّا حول الطائرة، مثل: ‘هل يجب أن نضع طائرة عليها؟’”. وعلى الرغم من أن خطتهم لم تُعتمد، فإن محاولة تجربة شيء جديد ساعدت الفريق في فهم حدود الثقافة المؤسسية الكبرى، وكانت بمنزلة تجربة تعزز الروابط بينهم. إحدى فوائد الابتكار في الثقافة الصغيرة هي إطلاق العنان للإبداع وروح الزمالة، حتى إن لم تنجح الأفكار الجديدة في الاستمرار.

إن رؤية الثقافة كشيء، يمكن للقادة في أي مستوى بناؤه؛ بل ويجب عليهم ذلك، لهي أمر يعود بالنفع على الموظفين والقادة والشركات؛ فالثقافة تهدف إلى أن تكون تجربة مشتركة، وعندما يتم تقاسم مسؤولية بناء الثقافة، يصبح الموظفون ضمن دائرة تأثير القادة شركاء في العملية ومتعاونين. كذلك، يكون الناس أكثر ميلًا لتبنّي الثقافة عندما يشاركون في بنائها، كما أن الموظفين الذين يشعرون بروابط أقوى يكونون أكثر ميلًا للبقاء والاستمرار، ويصبحون أكثر قدرة على فهم كيفية التنقل ضمن الثقافة، بحيث يشعرون بأنها مرئية وواقعية، وليست خفية أو أسطورية.

بالإضافة إلى ذلك، تُعد التجارب الثقافية وسيلة لمساعدة الموظفين الذين يسعون لتولي أدوار قيادية، على التقدم في مسارهم المهني المنشود. عندما تتم ترقية هؤلاء الموظفين ونقلهم إلى أقسام أخرى في المؤسسة، فإنهم يحملون معهم الابتكارات الثقافية والقدرة على إثراء الثقافة الصغيرة في الأقسام والوحدات الأخرى، بفضل تجاربهم السابقة في هذا المجال.

بشكل عام، شعر القادة بأنهم الأكثر فاعلية في بناء الثقافة ومساعدة الموظفين في الشعور بالارتباط بها، عندما تمكنوا من ربط الجهود بين دعم الثقافة الكبرى وإثراء الثقافة الصغيرة. وصف أحد التنفيذيين كيف بدأ يفهم الثقافة الكبرى من خلال التواصل المستمر مع الزملاء، لفهم طرائقهم في تجسيد قيم الشركة، وأنه كان يسعى أيضًا دائمًا لتوسيع ثقافته الصغيرة؛ من خلال خلق عادة التعرف إلى الأشخاص في المصاعد لمعرفة أسمائهم وأقسامهم. وقال: “إعداداتي الافتراضية هي محاولة جمع المؤسسة معًا، حتى يشعر كل شخص أتعامل معه بأنه مرتبط بالمؤسسة، وأن العمل الذي يقوم به مهم وملحوظ”.

بالنسبة للمديرين، فإن الإدراك بأن الثقافة التنظيمية ليست موحدة؛ بل متنوعة، يصبح ميزة وليس نقطة ضعف. إن العمل بعقلية الابتكار يسمح لهم بتخصيص الثقافة لتكون شاملة لأولئك الذين ضمن دائرة تأثيرهم؛ سواء في علاقاتهم الرسمية، أو في شبكاتهم الاجتماعية غير الرسمية. كما يوفر بناء الثقافة خبرات عملية وقصصًا تجهزهم للترقية إلى مناصب قيادية أعلى.

أما بالنسبة للشركة، فعندما يشارك الأشخاص على جميع المستويات في بناء الثقافة بنشاط، تظهر ممارسات جديدة في جميع أنحاء المؤسسة تجعل القيم تنبض بالحياة. وهذا ليس انعدامًا للتوافق؛ بل يعني أن روح الشركة وعاداتها تنمو مع انحرافات طفيفة. والنتيجة هي ثقافة حية وقابلة للتكيف.

عن المؤلفين

سبنسر هاريسون أستاذ سلوك تنظيمي في معهد إنسياد. كريستي روجرز أستاذة مشاركة في الإدارة في كلية إدارة الأعمال بجامعة ماركيت ومحررة مشاركة في مجلة Academy of Management Review. أسهم المؤلفان بالتساوي في هذا المقال.

المراجع

1. C.A. Hartnell, A.Y. Ou, A.J. Kinicki, et al., “A Meta-Analytic Test of Organizational Culture’s Association With Elements of an Organization’s System and its Relative Predictive Validity on Organizational Outcomes,” Journal of Applied Psychology 104, no. 6 (June 2019): 832-850; C. Gartenberg, A. Prat, and G. Serafeim, “Corporate Purpose and Financial Performance,” Organization Science 30, no. 1 (January-February 2019): 1-18; and J. Pfeffer and J.F. Veiga, “Putting People First for Organizational Success,” Academy of Management Executive 13, no. 2 (May 1999): 37-48.

2. يعتمد هذا التصنيف على التمييز بين “الثقافة الكبرى” و”الثقافة الصغرى” في الثقافة المجتمعية بين القوى والسمات المؤسسية (الثقافة الكبرى) والمظاهر الذاتية التي تأتي من التفاعلات اليومية مع الآخرين (الثقافة الصغرى). كما أن هذا التمييز مستوحى من مقال هيث وسيتكين حول اعتبارات “الكبير-ب” مقابل “الكبير-أو” في أبحاث المؤسسات. انظر:

M.J. Bennett, “Intercultural Communication: A Current Perspective,” in “Basic Concepts of Intercultural Communication: Selected Readings,” ed. M.J. Bennett (Yarmouth, Maine: Intercultural Press, 1998), 1-20; and C. Heath and S.B. Sitkin, “Big-B Versus Big-O: What Is Organizational About Organizational Behavior?” Journal of Organizational Behavior 22, no. 1 (February 2001): 43-58.

3. J. Lina, “Most Employees Don’t Know Their Company’s Corporate Values,” Fond, April 11, 2018, www.fond.co; and “Stress-Testing Corporate Core Values in America,” Eagle Hill Consulting Survey on Core Values, 2016, eaglehillconsulting.com.

4. E.H. Schein, “Organizational Culture and Leadership” (San Francisco: Jossey Bass, 1992).

هناك تمييز كلاسيكي حول الفجوة بين الترويج للثقافة (ما يقوله الناس: “نحن نؤمن بالمساواة”)، وتطبيقها (ما يفعله الناس فعليًّا: “نحن نوظف نوعًا واحدًا فقط من الموظفين”). كل من الثقافة الكبرى (Big-C) والثقافة الصغرى (small-c) يشمل الترويج (على سبيل المثال، بيانات المهمة مقابل القصص)، والتطبيق (على سبيل المثال، برامج التدريب مقابل التجريب). وبالتالي، فإن الرؤية هنا لا تتعلق بالفجوة بين القول والفعل؛ بل تتعلق بكيفية قيام القادة بترجمة العناصر المجردة للثقافة الكبرى، إلى تجارب ملموسة من خلال الثقافة الصغرى.

مقالات ذات صلة