أورلي ليفي، سولي تايلور وناكيه أ. بوياسيغيلر
لقد حُثّت الشركات متعدّدة الجنسيات، منذ أكثر من عقد من الزمان، على إنشاء ثقافة مؤسسية عالمية قوية من خلال قِيَم وممارسات جوهرية مشتركة. وقد أُشيد ببناء ثقافة عالمية بوصفها منهجًا متينًا ومرنًا لمواجهة التعقيد وسرعة التغيرات التي تواجهها هذه الشركات. وحقًّا، فقد أجمعت عدة استقصاءات حديثة لمديري الشركات حول العالم على أن المحافظة على ثقافة مؤسسية مشتركة تُعد من أعظم التحديات التي تواجههم وأشد ما يشغلهم. غير أن بحثنا يُشير إلى أن وجود ثقافة عالمية قوية هو الاستثناء لا القاعدة؛ فكلما توسعت الشركات عالميًّا، تأخرت الثقافة المؤسسية عن اللحاق بها؛ إذ كثيرًا ما تبقى متمركزة حول مقرّ الإدارة، فلا تقوى على جمع العمليات مترامية الأطراف، أو تتفكك تحت وطأة عواصف العولمة.
لقد درسنا الثقافة التنظيمية في الشركات العالمية اثنتي عشرة سنة، وقابلنا مئتين وخمسين مديرًا في عشر شركات متعددة الجنسيات، فوجدنا أن قلة من الشركات تنجح في بناء ثقافة تنظيمية متكاملة عالميًّا، لكنها مرنة بما يكفي لاستيعاب الاختلافات المحلية. (انظر: “حول البحث”). وبالاستناد إلى بحثنا وأبحاث غيرنا، حددنا على الأقل حاجزين رئيسيين؛ أولهما النزعة المتمركزة حول المقر: إذ كثيرًا ما تتعامل الشركات مع عملية بناء الثقافة العالمية بوصفها عملية أحادية الاتجاه يهيمن عليها مقر الإدارة، كما يظهر في مصطلحات شائعة مثل “نقل الثقافة” و”نشر الثقافة”. وغالبًا ما تنبع القيم الجوهرية من مقر الإدارة فلا تعكس ولا تدمج المؤثرات الثقافية المتنوعة، وينشأ عن هذا النهج شكّ بين الموظفين في الخارج؛ إذ يرون في قيم المقر نزعة عرقية ضيقة الأفق. وأما الحاجز الثاني، الذي يُغفل كثيرًا، فهو أن التفكير في الثقافة العالمية ظلّ متأثرًا بنموذج يتصور الثقافة على متصل خطي بين “ضعيفة” و”قوية”. وهذا التصور أبسط من أن يعبّر عن الواقع الثقافي المعقّد في الشركات متعدّدة الجنسيات، التي قد توجَد فيها “جزر” من الثقافة القوية متفرقة في عملياتها المترامية. وفي بحثنا، لم نجد الشركات ذات ثقافة “ضعيفة” أو “قوية” فحسب، بل أظهرت أنماطًا ثقافية أكثر تعقيدًا. وانطلاقًا من هذه الأنماط، نقترح أن الثقافة التنظيمية العالمية يمكن تصنيفها حسب ثلاثة أبعاد رئيسية: مدى شيوع القيم والممارسات الجوهرية في أنحاء الشركة، ومدى محلية هذه القيم الجوهرية، ووجود عملية مستمرّة متعددة الاتجاهات توفّق بين القيم الجوهرية والواقع المحلي. ولا توجد أنماط صافية، لكن إطارنا يحدد أربعة أنماط رئيسية للثقافة العالمية تميز كثيرًا من الشركات متعددة الجنسيات: الحربة، والموضع الأمامي، والضياع، والعالمية.
ثقافة الحربة: بعض الشركات تملك مجموعة من القيم والممارسات الجوهرية المعلنة والواضحة في مقر الإدارة، في حين لا يشترك موظفو الفروع الخارجية في هذه القيم إلا قليلًا، وربما يجهلونها بالكلية. ويكون مقر الإدارة هو القوة الثقافية الغالبة، فلا تُتاح للقيم الجوهرية أن تتكيّف مع المحليات، وإن حدث تكيّف فهو بمبادرة من المقر ودافع من ضيق الصدر لا من احترام حقيقي للطرق المحلية.
وليست ثقافة الحربة عديمة الجدوى؛ إذ تتيح للشركات إدارة عملياتها بصرامة ودمج الأعمال المكتسبة حديثًا بسرعة. غير أن الوساطة التي ينبغي أن تحدث بين القيم العالمية والمحلية تكاد تكون معدومة، إذ تُفرض قيم المقر في أنحاء الشركة كلها. وعلى المدى البعيد، تواجه ثقافة الحربة الخطر الأكبر الذي يهدد الشركات المركزية ذات النزعة العرقية: أن تتقدم بلا أتباع من ورائها.
ثقافة الموضع الأمامي: في بعض الشركات العالمية، التي قد تعاني من إرث التعدد المحلي، توجَد جزر من الثقافة القوية في بحر من التفتت الثقافي. وهذه “المواضع الأمامية” هي فروع ناجحة يقودها مديرون محليون أكفاء، يشيّدون ثقافة قوية على مستوى الفرع، مستندين إلى فهمهم لقيم الشركة الجوهرية، لكن بسبب التفتت العام وغياب القيادة المؤسسية، لا توجد آليات لنقل نجاح هذه الفروع في بناء الثقافة القوية إلى وحدات أخرى. وغالبًا ما تضل فروع أخرى طريقها فيما يكابد مقر الإدارة لإعادة القيادة وإصلاح الشركة.
ثقافة الضياع: وأما ثقافة الضياع، وإن لم تكن شائعة، فقد تميز الشركة متعددة الجنسيات التي تعصف بها الاضطرابات والتغيرات الجذرية في بيئة الأعمال، أو شدة التنافس العالمي، أو إعادة هيكلة كبرى، أو اندماجات واستحواذات متعاقبة. هنا، لا مقر الإدارة ولا الفروع تمتلك رؤية أو هدفًا استراتيجيًّا. وتبقى القيم الجوهرية، وإن عرّفتها الإدارة العليا ورفعتها شعارًا، بلا أثر في السلوكيات والعمليات في أي جزء من الشركة. ويشيع بين الموظفين فقدان الثقة بالإدارة، وتستبدّ بهم الحيرة عن وجهة الشركة وكيف ستتأقلم مع متغيرات الصناعة.
الثقافة العالمية
إن الشركة التي تمتلك ثقافة عالمية قوية، تحوز مجموعة من القيم والممارسات الجوهرية المشتركة في جميع أنحاء العالم. وغالبًا ما تعكس هذه القيم مزيجًا متطورًا من القيم والممارسات المستمدة من شبكة عمليات الشركة العالمية، وتُعد هذه القيم حجر الأساس للثقافة العالمية الراسخة، وميزانًا يهدي العمليات والأفعال في كل مكان. غير أن اشتراك الجميع في القيم لا يعني إغفال الفروق المحلية، بل إن عدم تكييف القيم الجوهرية مع الواقع المحلي قد يعوق نجاح الشركة، وغالبًا ما يكون الاحترام والثقة في المعرفة المحلية أمرين أساسيّين؛ إذ يسمح ذلك للشركات بتوطين قيمها الجوهرية على نحو يتطور إلى ممارسات محلية فعالة. ومن هذا الوجه، يمكن عدّ القيم الجوهرية بمنزلة محددات يُتاح ضمنها التفسير المحلي وترجمته.
المراكز الثقافية في الشركات متعددة الجنسيات
تشير أبحاثنا إلى أن النمط العالمي للثقافة يُعد استثناءً؛ فبناء ثقافة مؤسسية عالمية يتطلب التحرر من عقلية مركزية المقر الرئيس، والاعتماد على القدرات الثقافية المنتشرة في عمليات الشركة حول العالم، ودمج القيم والممارسات الثقافية المتنوعة. ولا يمكن أن تصدر الثقافة العالمية من مركز مؤسسي واحد، ولا أن تُنشر بواسطة مجموعة واحدة كإدارة الموارد البشرية؛ لذا، ينبغي للشركات أن تحدد وتؤسس مراكز ثقافية متعددة حول العالم، فتُدرج بذلك كيانات تنظيمية وموظفين متنوعين في عملية بناء وصيانة ثقافة مؤسسية عالمية قوية.
والمركز الثقافي هو وحدة أو جماعة أو شبكة أو وظيفة أو فرع تابع ضمن الشركة متعددة الجنسيات، يملك القدرة على تشكيل وصوغ القيم الثقافية الجوهرية للشركة، ويساعد في عملية توطينها. ومن خلال إنشاء مراكز ثقافية، تستطيع الشركات استثمار القدرات الثقافية الكامنة في مواقع جغرافية ووظائف ومجموعات مختلفة. وفي الواقع، فإن معظم الشركات لديها بالفعل مراكز ثقافية، لكنها غير معترف بها أو غير مستثمرة على الوجه الأكمل. ولمعرفة المراكز الثقافية في الشركة؛ فعلى القادة البحث عن أماكن داخل الشركة تُشَارَك فيها قيمة ثقافية جوهرية واحدة على الأقل وتُمارس وتُوطّن على نحو ملائم، وتتوفر فيها الرغبة والإمكان لإشاعة هذه القيمة أو القيم عبر الحدود التنظيمية وإعادة صياغتها في العملية.
ويجدر التنبيه إلى أن المراكز الثقافية كيانات ديناميكية؛ فقد تفقد صفتها كمركز ثقافي بسبب تغير الأفراد أو تبدل الاستراتيجيات. وقد يجمع المركز الثقافي بين العديد من القيم الجوهرية للشركة متعددة الجنسيات -كالإبداع، وتحمل المخاطر، والعمل الجماعي- أو يختص بواحدة منها فقط كالإبداع. وتشترك المراكز الثقافية في أمرين رئيسين: تجسيدها للقيم والممارسات التي تصبو إليها الثقافة المؤسسية العالمية، وامتلاكها الشغف للانخراط في “عمل الثقافة” الذي يعين على توطين تلك القيم ومشاركتها مع سائر أقسام الشركة، وهي رصيد يمكن للشركة استثماره في بناء ثقافة عالمية قوية تتيح أيضًا التفسيرات المحلية.
وقد صاغت كثير من الشركات بالفعل مجموعة من القيم الجوهرية القابلة للمشاركة عبر العمليات العالمية. والتحدي يكمن في ضمان أن تعكس هذه القيم إسهامات وتفسيرات كل من المقر الرئيس والفروع الخارجية. فكثيرًا ما تعكس القيم الجوهرية توجهًا إثنومركزيًّا في الثقافة المؤسسية العالمية، أو تبقى مجرّد تجريدات صيغت في المقر الرئيس. وأحيانًا يضيع معنى بعض القيم في الترجمة ضمن سياقات ثقافية وتجارية متباينة؛ لذا، ينبغي للشركة مراجعة قيمها الجوهرية وإعادة صياغتها عبر عملية تفاعلية متعددة الاتجاهات تقودها المراكز الثقافية بدعم من المقر الرئيس، وتشارك فيها كيانات تنظيمية وموظفون متنوعون.
ومن خلال هذه العمليات، تستطيع الشركة متعددة الجنسيات أن تحدد القيم الجوهرية التي يجب أن يشترك فيها الجميع في العمليات العالمية، وفي الوقت نفسه تبين كيفية تفصيل معانيها في سياقات ثقافية مختلفة، كما يمكنها تحديد القيم أو الأعراف التي يمكن أن تظل مفتوحة إلى حد بعيد أمام التفسيرات المحلية. أما الشركات التي تنجح في بناء ثقافة عالمية قوية، فلا تتردد في مراجعة وإعادة صياغة قيمها الجوهرية، ولا ترى في ذلك علامة ضعف ثقافي. والمفارقة الظاهرة أن الثقافة العالمية القوية تشبه تلك الهياكل المعمارية التي تستمد ثباتها من نظام أساسات مرنة.
