القائمة الرئيسية

تجنب الوقوع في فخ رضا العملاء

تجنب الوقوع في فخ رضا العملاء
ملخص المقال

يجادل المقال بأن التركيز المؤسسي التقليدي على رضا العملاء—بوصفه غياب الأخطاء ونتيجة لاستطلاعات كمية—قد يتحول إلى فخ يبعد الشركات عن العملاء بدل أن يقربها منهم، كما يبيّن عبر دراسة معمقة لشركة فولفو للسيارات؛ إذ أظهرت التجربة أن الخلط بين رضا العملاء وجودة المنتج، والاعتماد المفرط على القياس التفاعلي قصير الأمد، يقود إلى تحسينات تشغيلية دون زيادة حقيقية في الولاء أو المبيعات. ويؤكد المقال أن رضا العملاء عملية ديناميكية تتشكل عبر التجربة والتوقعات، لا مجرد رقم يُقاس، وأن الخروج من هذا المأزق يتطلب تحولًا من تركيز داخلي “جوهري” يهدف إلى منع عدم الرضا، إلى تركيز “خارجي” يركز على فهم تجربة العميل العاطفية والضمنية، وتوليد رؤى نوعية قابلة للتعلم التنظيمي طويل الأمد. ويخلص داهلستن إلى أن التوجه الحقيقي نحو العميل لا يتحقق بكثرة البيانات، بل بإعادة تصميم ممارسات المعرفة والتفاعل مع العملاء بحيث يصبحون شركاء في التعلم والابتكار، لا مجرد مصادر لتغذية راجعة رقمية.

فريدريك داهلستن

لقد حظي رضا العملاء باهتمام كبير على مدى عقود حتى الآن، وهو في الواقع يُعد واحدًا من أكثر المفاهيم التي لا يمكن الطعن فيها ضمن خطاب الإدارة الحديثة، ففكرة إرضاء العملاء لا تملك جاذبية واضحة ومنطقية فقط، بل يُعتقد عمومًا أن رضا العملاء يؤدي إلى الولاء ويترجم إلى أرباح مستقبلية أعلى؛ لهذه الأسباب وغيرها، أصبحت ممارسات رضا العملاء واحدة من الوصفات الأساسية للمديرين والمؤسسات. في الواقع، بالنسبة إلى العديد من الشركات، أصبح رضا العملاء هو المبدأ التوجيهي الأساسي، إذ باتوا يطلقون جميع أنواع الاستراتيجيات والعمليات تحت رايته بشكل متزايد.

الفكرة الأساسية هنا سليمة: التوجه الحقيقي نحو العميل، القائم على فهم حقيقي له، سيحقق قيمة فائقة للعميل، وبالتالي قيمة فائقة للشركة. ومع ذلك، فإن ممارسات رضا العملاء المؤسسية -التي تشمل كيفية تعريف رضا العملاء وقياسه، وكيفية استخدام المعرفة الناتجة داخل المنظمة- تبدو كأنها تفقد فعاليتها بشكل متزايد بالنسبة إلى الشركات والعملاء على حد سواء، وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تقع الشركات في فخ رضا العملاء.

على الرغم من أن العديد من المؤسسات تعتمد قياسات دقيقة وواسعة النطاق لرضا العملاء، فإنها قد تقيس المتغيرات الخاطئة وتستخدم المعلومات بطرق تفاعلية في الغالب، فعلى سبيل المثال، جرى الخلط بشكل خاطئ بين مفهوم رضا العملاء ومفهوم الجودة؛ فقد أصبح منع عدم الرضا -وهو تركيز داخلي على إصلاح ما “حدث خطأ”- أكثر أهمية من زيادة الرضا، التي تتطلب تركيزًا خارجيًّا على تطوير ما “سيكون صحيحًا”. لقد وقعت عديد من الشركات في نمط ذاتي الاستدامة تُعزَّز فيه الممارسات التي لا تركز حقًّا على العميل، في حين تظل تلك التي تتمحور حول العميل غير مكتشفة وغير مستكشفة، في الوقت الذي تزداد فيه المسافة بين الشركة والعميل تدريجيًّا ولكن بشكل لا مفر منه. يجب على المديرين الذين يرغبون في الخروج من هذا الفخ أن يتجاوزوا مجرد قياس الجودة والرضا، وأن يعيدوا تركيز ممارسات رضا العملاء على التجربة الفعلية للعميل، بعد ذلك، يجب عليهم وضع استراتيجية شاملة لاستخدام تلك المعرفة في جميع أنحاء المنظمة.

وبالمقارنة مع الكم الهائل من الأبحاث التي تناولت الفحوصات المنهجية والمفاهيمية لرضا العملاء، فإن القليل بشكل مفاجئ ركز على كيفية تطبيق مثل هذه الممارسات وافتراضاتها وتحدياتها في المؤسسات الحقيقية. واستنادًا إلى بحث نوعي حديث أُجري في شركة فولفو للسيارات (انظر “حول البحث”)، يسعى هذا المقال إلى تقديم فهم أعمق لممارسات رضا العملاء وانعكاساتها الإدارية من خلال توضيح كيف يمكن تحسين الممارسات وتكملتها في شركة واحدة، رغم كونها مهنية وفعالة. وتوفر صناعة السيارات سياقًا مناسبًا بشكل خاص لمثل هذا النقاش، إذ يُعترف بها عمومًا كواحدة من الصناعات الأكثر اهتمامًا برضا العملاء، فمعظم شركات صناعة السيارات تنفق الكثير على أبحاث سوق رضا العملاء، كما أن تفسيرها وقياسها واستخدامها لتلك المعلومات متطور ويُعترف به كأمر استراتيجي مهم من قبل كبار المديرين. وعلى الرغم من عدّ شركة فولفو للسيارات ناجحة من حيث رضا العملاء، فإن هدفها هو أن تصبح رائدة في هذا المجال. يكشف هذا المقال عن بعض المشكلات في فولفو، وبعض الطرق التي تحاول بها أن تصبح أكثر توجهًا نحو العميل؛ وذلك من خلال مراجعة صادقة وشاملة لممارسات رضا العملاء الحالية، إضافة إلى ريادة طرق جديدة لم يستخدمها المنافسون.

عن البحث

يعتمد النهج البحثي في هذه الدراسة على نموذج البحث العملي، أي البحث الذي يهتم بالمعرفة كما تُطبق في الواقع. الطموح العام هو خلق معرفة صالحة من الناحيتين العلمية والعملية. في هذه الحالة، يحمل الكاتب دورًا داخليًّا في شركة فولفو للسيارات ودورًا خارجيًّا في المجتمع الأكاديمي.

لقد أثر دور الباحث الداخلي-العملي في جمع البيانات لهذه الدراسة؛ لذا تشمل مصادر البيانات عدة سنوات من خبرة الكاتب الشخصية مع أبحاث السوق الجارية في فولفو للسيارات، بما في ذلك إدارة أبحاث رضا العملاء، كما أن المشاركة في مشروع استمر عامًا كاملًا، يهدف إلى زيادة المعرفة عن رضا العملاء على مستوى الشركة، أدت إلى اكتساب رؤًى عن غموض مفهوم رضا العملاء. إضافة إلى ذلك، أُجريت خمس مقابلات مع مديري رضا العملاء الكبار، العديد منهم أعضاء في مجلس رضا العملاء. هدفت هذه المقابلات إلى استكشاف المجالات التي تحتاج فيها الممارسات الحالية إلى تطوير، كما استخدمت هذه الدراسة ثلاثين مقابلة إضافية مع موظفي رضا العملاء على مستويات مختلفة في الشركة، أُجريت من قبل طلاب ماجستير إدارة الأعمال تحت إشراف الكاتب، وذلك بشكل أساسي للحصول على وجهات نظر عن مفهوم رضا العملاء.

ممارسات رضا العملاء في شركة فولفو للسيارات

خلال منتصف التسعينيات، شرعت شركة فولفو للسيارات في مبادرة كبيرة لتحسين رضا العملاء، وعلى الرغم من أن الشركة استخدمت منهجية شاملة لإدارة الجودة الشاملة، فإن التركيز كان في المقام الأول على تحسين جودة المنتج. ونتيجة لذلك، تحسنت مرتبة فولفو من المركز السادس والعشرين إلى المركز الثالث بين شركات صناعة السيارات في دراسة الجودة الأولية التي أجرتها شركة J.D. Power and Associates بين عامي 1991م و1996م. وبحلول نهاية العقد، تراجع تركيز فولفو على رضا العملاء إلى حد ما، لكنه أُعيد تأكيده في عام 2000م بعد استحواذ شركة فورد موتور على الشركة، وأُطلِقَت أجندة استراتيجية جديدة بهدف أن تصبح الشركة رقم واحد في الصناعة من حيث رضا العملاء بحلول عام 2004م. وأُنشِئ مجلس بارز وعابر للوظائف لرضا العملاء، مُكلَّف “بدراسة وتحدي وتغيير و/ أو توجيه أي جانب من أنشطة الشركة يضر بتحقيق هدف رضا العملاء”، كما أُنشِئت منتديات تشغيلية للجودة لتطوير قضايا رضا العملاء والجودة ومتابعتها في مجالات المنتج والتسليم والمبيعات والملكية. وكُرّرت أهمية رضا العملاء باستمرار من خلال سلسلة من الاتصالات الداخلية، وطُلب من الموظفين جميعهم تضمين أهداف رضا العملاء ضمن أهدافهم الشخصية. وقد أدت الجهود المتواصلة والانتباه الواسع مرة أخرى إلى تحسين تصنيف رضا العملاء في صناعة السيارات، وحصلت الشركة على المركز الخامس في استطلاع الجودة الأولية في مايو 2002م، بعد أن كانت في المركز الثاني والعشرين في العام السابق.

ومع ذلك، فإن استراتيجية رضا العملاء الشاملة لشركة فولفو للسيارات أثارت مناقشات داخلية وبعض الشكوك؛ فعلى الرغم من أن الشركة لديها تاريخ من التركيز على رضا العملاء، فإنّ الحفاظ على هذا التركيز والفوائد المصاحبة له كان يمثل مشكلة، وقد أصبح واضحًا أن برامج رضا العملاء المتقطعة ليست كافية. وأشارت أبحاث السوق إلى أنه في حين أن رضا العملاء في ازدياد، فإن ولاء العلامة التجارية في انخفاض. وكان تطور المبيعات أبطأ من المتوقع، رغم ارتفاع تصنيفات رضا العملاء، ونتيجة لذلك، هناك اعتقاد واسع النطاق في الشركة أن جودة المنتج أصبحت مجرد شرط أساسي وليست عامل تمييز في سوق السيارات اليوم؛ لذلك، ومن أجل تحقيق ولاء أكبر، وحجم مبيعات أعلى، وتصنيفات أفضل لرضا العملاء، تستكشف شركة فولفو للسيارات بدائل لأساليب رضا العملاء السائدة في صناعتها.

إن تحديد أهداف رضا العملاء والتواصل بشأنها دون تقديم مبرر واضح لها يمكن أن يؤدي إلى تفسيرات مختلفة داخل المنظمة، وقد يكون أول مؤشر على أن الشركة عالقة في مأزق رضا العملاء؛ فإعلان أهداف رضا العملاء لا يعني بالضرورة تحويل التركيز التنظيمي نحو العميل، فالمنطق الذي لا يُدحض للتركيز على رضا العملاء يميل تلقائيًّا إلى إضفاء الشرعية على أنواع الإجراءات جميعها داخل المنظمة، ولكن إذا لم تنبع المبادرات الناتجة بوضوح من فهم عميق للعملاء، فقد لا تتحقق التغييرات المرجوة في سلوك العملاء.

تفسير رضا العملاء

من المُسلَّم به على نطاق واسع أن رضا العملاء هو نتاج العلاقة بين توقعات العميل والتجربة، وأنه يعتمد على القيمة ويتشكل باستمرار. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن الجودة معروفة بأنها عامل سابق لرضا العملاء (وهذا صحيح بالتأكيد في صناعة السيارات)، فإن الأدبيات الإدارية تتفق عمومًا على أن المفهومين ليسا مترادفين، ومع ذلك، في شركة فولفو للسيارات كما في شركات السيارات الأخرى، أصبح هذا التمييز غير واضح. فعندما تبدأ الاعتبارات الداخلية مثل ممارسات الجودة الموجهة نحو التكلفة في التفوق على تحقيق رضا العملاء الحقيقي، فقد يكون ذلك مؤشرًا آخر على أن الشركة عالقة في مأزق رضا العملاء. وتنص سياسة الجودة في شركة فولفو للسيارات على أن “رضا العملاء هو الطريقة التي نقيس بها الجودة”؛ مما يؤكد فكرةَ أن جودة المنتج تعادل رضا العملاء. ومع ذلك، تكشف المقابلات عن وجود آراء متباينة بين كبار المديرين في فولفو للسيارات عمّا يشكل رضا العملاء، وهذه التفسيرات غير المتسقة لا تُسهم في اتخاذ إجراءات منسقة تركز على العميل. كما أشار أحد كبار المديرين: “هناك كثير من الحديث عن أهمية رضا العملاء، ولكنّ هناك فهمًا أقل”، فعلى سبيل المثال، يؤكد أحد المديرين أن “رضا العملاء يعني عدم وجود أخطاء”، وهو ما يشير إلى نهج يركز على المشكلات في رضا العملاء، لكنه يفشل في الاعتراف بأن تجنب الاستياء قد لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الرضا. بينما يقترب تفويض آخر صاغه مدير بقوله “مفاجأة العميل بشكل إيجابي” من المفهوم المعترف به عمومًا وهو إبهار العميل. ويعتقد مدير آخر أن رضا العملاء يعني “وجود النطاق الصحيح من الخصائص في ملف المنتج”، وهو ما يميل إلى إهمال السياق الخدمي لرضا العملاء. حتى أن أحد كبار المديرين عرّف رضا العملاء بشكل دائري إلى حد ما بأنه “ما يتم قياسه”، وهذا بالتأكيد أمر معكوس، إذ يجب أن يكون تصور المنظمة لرضا العملاء، والذي يُعرّف من خلال معرفتها العميقة بالعملاء، هو الذي يحدد ما يجب قياسه. علاوة على ذلك، يشير الاعتماد على نتائج الاستطلاعات في فولفو للسيارات إلى أن قياس رضا العملاء يُنظر إليه أساسًا على أنه تقييم في نقطة زمنية معينة، في حين يبدو أن النظر إلى رضا العملاء كعملية مستمرة، حيث تتشكل التوقعات والتجارب باستمرار، يتم إهماله.

قياس رضا العملاء

قد يكون من التحديات التي تواجه أي شركة ترجمة الفوائد الشخصية والفريدة للعملاء إلى خصائص قابلة للقياس. فهناك عديد من العوامل التي تؤثر في الرضا، ويمكن أن يبدأ أسلوب القياس في أخذ الأهمية على حساب ما يُقاس وما يكشف عنه. يدعي بعض الباحثين أن استطلاعات رضا العملاء قد لا تعكس واقع العميل، وغالبًا ما يتم تجاهل الفروق الحاسمة بين شرائح العملاء، فعلى سبيل المثال، من المرجح أن تضيع السمات الحقيقية للعميل في الاستطلاعات التي تُظهر عادةً مستوًى عاليًا من رضا العملاء ولكن مع قليل من التباين في العينة.

وكما هو الحال في عديد من الشركات في صناعة السيارات، فإن قياسات رضا العملاء في شركة فولفو للسيارات تعتمد أساسًا على الاستطلاعات الكمية (معظم شركات تصنيع السيارات تستخدم أنواعًا مماثلة من الاستطلاعات)، ويُستخدم البحث النوعي فقط في بعض الأحيان عند تصميم دراسات جديدة. لدى شركة فولفو للسيارات نظام واسع ومعقد لقياس رضا العملاء، يشمل نحو 20 استطلاعًا مختلفًا تغطي مواضيع وأسواقًا مختلفة بطرق متنوعة. تشمل المواضيع الرضا عن السيارة (على المدى القصير لخصائص السيارة وعلى المدى الطويل للموثوقية)، وتجربة المبيعات وورش الصيانة، وتُجرى الاستطلاعات من منظور تشغيلي، لتقديم تغذية راجعة سريعة بشكل أساسي من مالكي فولفو، ومن منظور استراتيجي يغطي معظم علامات السيارات التجارية لإظهار موقع فولفو في السوق من حيث رضا العملاء، ويتم تحليل الكمية الكبيرة من البيانات، مع بعض الاستثناءات، بشكل وصفي أكثر من كونه تفسيريًّا.

غالبًا ما يُولي كبار المديرين اهتمامًا كبيرًا لموثوقية منهجية هذا البحث التسويقي وكفاءته، إلى درجة أن مدى صلاحيته، أو قدرته على التقاط ما هو مهم للعميل، غالبًا ما لا يُفحَص. فعلى سبيل المثال، صُمِّمَت استطلاعات رضا العملاء في شركة فولفو للسيارات لتتوافق مع أنظمتها الداخلية وهياكل إدارة المنتجات، وهناك أيضًا خطر أن تُنظر إلى هذا النوع من القياسات بمعزل عن غيرها، دون أخذ مُسببات رضا العملاء ونتائجه في الحُسبان. كما أن التوقعات -وهي أحد أهم المسببات- نادرًا ما يتم قياسها، أما الولاء للعلامة التجارية -وهو النتيجة الرئيسة لرضا العملاء- فمن الصعب قياسه باستخدام الاستطلاعات، ومع ذلك، يجب تقييم سلوك العملاء الفعلي بشكل مستمر. وعندما تُستخدم أنظمة قياس رضا العملاء بشكل ضيق ومحافظ، غالبًا ما يُهمَل النقاش الصحي عن فائدة المعلومات؛ مما قد يدفع الشركة إلى مزيد من الجمود في رضا العملاء.

وللتقدم إلى ما هو أبعد من الأرقام الإجمالية لرضا العملاء التي يجمعها الجميع تقريبًا، من الضروري تنمية علاقة تعليمية بين العميل والمنتج، وعلى الرغم من أن المقولة القديمة “ما يتم قياسه يتم إنجازه” ليست صحيحة تمامًا، فإنّ قياسات رضا العملاء تؤثر بوضوح في كيفية استخدام معرفة رضا العملاء في المنظمة. وبينما يُعد الحصول على تغذية راجعة سريعة من العملاء عن المنتجات والخدمات المحددة أمرًا مهمًّا، فإن التركيز عليه فقط لا يلبي احتياجات العملاء على المدى الطويل.

توظيف معرفة رضا العملاء

تعتمد قيمة المعرفة المكتسبة عن رضا العملاء على كيفية استخدامها في المؤسسة، ويمكن لشركتين تعملان في المجال نفسه الوصول إلى المعلومات نفسها تقريبًا واستخدامها بطرق مختلفة جدًّا؛ إذ تحقق إحداهما ميزة تنافسية بينما لا تحقق الأخرى ذلك.

في شركة فولفو للسيارات -كما هو الحال في عديد من الشركات الأخرى- تتوقع الإدارة نتائج ملموسة من أبحاث رضا العملاء المكلفة، ويميل ذلك إلى تعزيز الاستخدام العملي للمعلومات بدلًا من تعزيز المعرفة. تؤخذ نتائج الاستطلاعات التشغيلية الواسعة عن جودة المنتج وأداء الوكلاء بالحُسبان بشكل صارم، وتُنفَّذ التغييرات التصحيحية استجابةً لها. كما أن إدارة المنتجات الجارية وتطويرها يتم إبلاغها إلى حد كبير من خلال مقاييس قابلة للتنفيذ مثل “الأشياء التي حدثت بشكل خاطئ” لكل مئة سيارة. تُراقَب نتائج رضا العملاء لكل وكيل في الوقت الفعلي عبر الإنترنت وتساعد في تسهيل إدارة الوكلاء. وتُجرى التغييرات التصحيحية بشكل مستمر ومنهجي، سواء من خلال إصلاح مشكلات الجودة في السيارات الحالية أو من خلال تطوير معايير الوكلاء وعملياتهم.

ومع ذلك، لا تستفيد شركة فولفو للسيارات من جميع معلومات رضا العملاء التي تجمعها، بل تركز أكثر على السمات التي تولد الشكاوى بدلًا من تلك التي تدفع رضا العملاء. علاوة على ذلك، فإن أفق التخطيط للإجراءات المستندة إلى رضا العملاء يكون قصير الأمد، وغالبًا ما يستمر فقط حتى وصول نتائج الاستطلاع التالية. إضافة إلى ذلك، فإن الأبحاث التي تؤكد المعتقدات السابقة تميل إلى الحصول على مزيد من الاهتمام وتُستخدم بشكل أكثر شمولًا. هذا كلّه يؤدي إلى استخدام تفاعلي وتصحيحي للمعلومات عن رضا العملاء لا يتضمن بالضرورة اعتبارات حقيقية للعملاء. وبدلًا من ذلك، ينشغل المديرون بالأرقام والترتيبات وإصلاحات الجودة. قد تحصل الترتيبات العامة لرضا العملاء، رغم كونها أداة اتصال مهمة، على اهتمام أكبر أحيانًا من الأسباب الكامنة وراءها. قد يكون هناك تركيز أكبر على التحقق من العناصر في قائمة داخلية لمشكلات الجودة بدلًا من التأكد من تصورات العملاء للمشكلة.

هذا الاستخدام لبيانات رضا العملاء لا بد أن يكون تفاعليًّا، وفي أفضل الأحوال استجابيًّا وتكيفيًّا، ولكنه دائمًا مشتق من الوضع الراهن. يصبح أداة تشغيلية تركز على التعلم ذي الحلقة الواحدة -أي التعلم لتحسين ما يتم القيام به بالفعل- بدلًا من التعلم ذي الحلقتين، الذي يحفز إعادة التفكير والإبداع والتطوير. مثل هذه الممارسات في رضا العملاء لا تسهل التعلم التنظيمي التوليدي وتراكم المعنى الجماعي الذي يُعد شرطًا أساسيًّا للفهم الحقيقي للعملاء والتغيير التنظيمي.

نحو تركيز خارجي على رضا العملاء

تركز عديد من الشركات على رضا العملاء بشكل جوهري؛ أي توجه نحو المنتج قائم على جودة السمات ومنظور داخلي قصير الأمد يتم تحفيزه من خلال الاستطلاعات ويهدف إلى التحكم في التكاليف. مع هذا التركيز الجوهري، يُنظر إلى رضا العملاء على أنه غياب عدم الرضا. الممارسات التي تركز جوهريًّا فعالة ولكنها، بمفردها، غير فعالة عندما يتعلق الأمر بإحداث تغيير حقيقي موجه نحو العميل. في المقابل، يركز رضا العملاء الخارجي بشكل أكبر على العميل ويؤكد إيجاد طرق جديدة لزيادة الجوانب الإيجابية والعاطفية لتجربة العميل مع مرور الوقت. تؤكد الأدلة التجريبية أن التركيز الخارجي على رضا العملاء الذي يهدف إلى نمو الإيرادات يؤدي إلى أداء مؤسسي أفضل بشكل عام من التركيز الجوهري على الجودة.

التحدي الذي يواجه المديرين في الشركات العالقة في روتين رضا العملاء يتمثّل في إدخال تركيز خارجي أكثر في ممارساتهم، ومن غير المرجح أن يأخذ تنفيذ التركيز الخارجي شكل إطار تنظيمي ضخم جديد، بل يتطلب تحولًا عضويًّا من التركيز على مشكلات اليوم بطريقة تفاعلية وواعية بالتكاليف إلى التركيز على الفرص طويلة الأمد. لتحقيق ذلك، يجب على المديرين إعادة تقييم ممارسات رضا العملاء بشكل صريح من وجهة نظر العميل أو العميل المحتمل. كما يجب إعادة معايرة طبيعة المعرفة المتعلقة بالعميل واستخداماتها باستمرار مع مراعاة النتائج طويلة الأمد، وليس فقط تحديثها بناءً على نتائج الاستطلاع السابقة.

يعد النهج الخارجي أكثر نوعية من كونه كميًّا، ويجب أن يهدف إلى إنتاج رؤًى وليس مجرد مقاييس، ويُعدّ عدم قدرة صانعي السيارات الأوروبيين على إنتاج حوامل أكواب مناسبة للسوق الأمريكية أحد الأمثلة على ذلك؛ فعلى الرغم من تدني درجات رضا العملاء باستمرار عن هذه الميزة، لم تُنفَّذ التغييرات، وبما أنه لم يكن معروفًا كيف تُستَخدَم حوامل الأكواب فعليًّا في السوق الأمريكية، كان من الصعب إجراء التحسينات.

لعله من الصعب تحقيق فهم أعمق للعملاء دون إنشاء مزيد من الآليات للتفاعل المباشر معهم، وتُسهِم الأساليب التعاونية، التي تشمل موظفين من وظائف متعددة وعملاء، في خلق علاقات تعليمية تجريبية يمكن أن تضيف معنًى جديدًا لمفهوم رضا العملاء. وينبغي على المُديرين أن يجربوا كلا الأمرين في ضوء اكتساب معرفة العملاء، مثل استخدام أساليب البحث الإثنوغرافي، وكذلك في ضوء إطلاق المبادرات أو دعمها لاستخدام تلك المعرفة بطرق جديدة. فعلى سبيل المثال، من المرجح أن تؤدي دراسة العملاء في أثناء تحميل سياراتهم في مركز التسوق المحلي إلى فهم أكبر لاحتياجاتهم من حيث سعة التحميل مقارنة بتحليل نتائج رضا العملاء. ويمكن استخدام مقاييس الرضا الجوهرية كنقطة انطلاق للكشف عما تعرفه الشركة وما لا تعرفه، بعد ذلك، يمكن توجيه الأبحاث الخارجية مثل المقابلات اللاحقة مع العملاء لسد الفجوات المعرفية وتوجيه الإجراءات التصحيحية وتطوير الاستبيانات.

في شركة فولفو للسيارات، أصبح عديد من كبار المديرين أكثر وعيًا بتراجع فعالية ممارسات رضا العملاء الحالية لديهم، وهناك بعض الأمثلة الملموسة على تركيز خارجي متطور. وأُعيد تصميم برنامج تعليمي على مستوى الشركة في عام 2002م بهدف زيادة الوعي العام برضا العملاء بشكل صريح، وذلك لإنشاء معرفة أكثر تخصيصًا عن العملاء لتلك الأجزاء من المؤسسة، مثل قسم قطع الغيار التي تؤثر بشكل مباشر في قيمة العميل، ولأن الشركة أدركت أن استبيانات رضا العملاء لم تميز بين مجموعات العملاء المختلفة، وبالتالي فقدت فرصة للفهم الأعمق، أصبحت الشركة الآن تجمع بين البحث النوعي القائم على دوافع العملاء وبحوث رضا العملاء. كما أن شركة فولفو للسيارات تروّج الآن بشكل علني وتنظم الاتصال المباشر مع العملاء: تلتقي فرق الهندسة مع العملاء، ويزور كبار المديرين الوكلاء والمستخدمين النهائيين بدرجة أكبر من ذي قبل.

كما بدأت شركة فولفو للسيارات باتباع نهج أكثر استباقية في أبحاث العملاء؛ إذ تقوم الشركة الآن بتحليل المبيعات التي ذهبت إلى شركات أخرى لالتقاط تصورات العملاء الذين قرروا عدم شراء سيارة فولفو. وتدمج مشروعات تطوير المنتجات الآن مدخلات مجموعات مرجعية من المستهلكين من أجل إدارة قضايا رضا العملاء في المراحل التصورية بدلًا من الإنتاج؛ فعلى سبيل المثال، طُوِّرت سيارة XC90، وهي سيارة دفع رباعي جديدة، بمشاركة مجموعة من العملاء من النساء في كاليفورنيا، كما يُنظَّم تفاعل مماثل مع العملاء عبر الإنترنت ومن خلال ورش عمل في أسواق مختلفة بمشاركة موظفين محليين. وتُجري فولفو أيضًا أبحاثًا نوعية إضافية مع العملاء في مجالاتها الأساسية المتعلقة بتمايز المنتجات، مثل السلامة؛ لضمان أن تغير تصورات المستهلكين عن السمات الرئيسة للمنتج لن يقوض الميزة التنافسية للشركة.

ومع ذلك، لا يمكن -ولا ينبغي- التخلي عن التركيز الجوهري في شركة فولفو للسيارات أو في أي شركة أخرى؛ فهذا الأمر قد يعرض مراقبة جودة التكلفة للخطر، وهو أمر لا تقبل به عديد من المؤسسات، ولكن التركيز الجوهري وحده لا يكفي لتحقيق توجه حقيقي نحو العملاء، فهو يعمل بشكل أفضل فقط مع مكمل خارجي قوي. ولتسهيل اتخاذ إجراءات مؤسسية لا تلبي احتياجات العملاء المعلنة فقط، بل أيضًا احتياجاتهم ورغباتهم الكامنة، يتطلب الأمر تركيزًا يكون فيه العميل ليس مجرد موضوع تتعلم منه الشركات، بل ذات تتفهمها الشركات.

المراجع

1. للمحة عامة عن العلاقة بين رضا العملاء والمعايير التجارية الأخرى، انظر:

E.W. Anderson and M. Sullivan, “The Antecedents and Consequences of Customer Satisfaction for Firms,” Marketing Science 12, no. 2 (1993): 125–143; and E.W. Anderson, C. Fornell and D.R. Lehmann, “Customer Satisfaction, Market Share and Profitability: Findings From Sweden,” Journal of Marketing 58 (July 1994): 53–66.

2. N.F. Piercy, “The Effects of Customer Satisfaction Measurement: The Internal Market Versus the External Market,” Marketing Intelligence and Planning 14, no. 4 (1996): 9–15.

3. يُستخدم مصطلح “توجه العملاء” بمعنى المصطلح المعترف به على نطاق واسع “توجه السوق”. انظر:

S.F. Slater and J.C. Narver, “Customer-Led and Market-Oriented: Let’s Not Confuse the Two,” Strategic Management Journal 19 (October 1998): 1,001–1,106.

4. B. Lin and C.A. Jones, “Some Issues in Conducting Customer Satisfaction Surveys,” Journal of Marketing Practice: Applied Marketing Science 3, no. 1 (1997): 4–13.

5. قُدِّمَ نموذج التأكيد/ النفي للرضا/ عدم الرضا في:

Y. Yi, “A Critical Review of Customer Satisfaction,” in “Review of Marketing 1990,” ed. V.A. Zeithaml (Chicago: American Marketing Association, 1990).

6. Y-T. Yu and A. Dean, “The Contribution of Emotional Satisfaction to Consumer Loyalty,” International Journal of Service Industry Management 12, no. 3 (2001): 234–250.

7. F. Huber and A. Herrmann, “Achieving Brand and Dealer Loyalty: The Case of the Automotive Industry,” International Review of Retail, Distribution and Consumer Research 11 (April 2001): 97–122.

8. R.T. Rust, C. Moorman and P.R. Dickson, “Getting Return on Quality: Revenue Expansion, Cost Reduction or Both?” Journal of Marketing 66 (October 2002): 7–24.

9. S. Fournier and D.G. Mick, “Rediscovering Satisfaction,” Journal of Marketing 63 (October 1999): 5–23; and R.L. Oliver, R.T. Rust and S. Varki, “Customer Delight: Foundations, Findings and Managerial Insight,” Journal of Retailing 73, no. 3 (1997): 311–336.

10. L. Nilsson, M.D. Johnson and A. Gustafsson, “The Impact of Quality Practices on Customer Satisfaction and Business Results: Product Versus Service Organizations,” Journal of Quality Management 6, no. 1 (2001): 5–27.

11. A. Gustafsson, F. Ekdahl, K. Falk and M. Johnson, “Linking Customer Satisfaction to Product Design: A Key Success for Volvo,” Quality Management Journal 7, no. 1 (2000): 27–38; and A. Herrmann, F. Huber and C. Braunstein, “Market-Driven Product and Service Design: Bridging the Gap Between Customer Needs, Quality Management and Customer Satisfaction,” International Journal of Production Economics 66 (June 2000): 77–96.

12. J. McColl-Kennedy and U. Schneider, “Measuring Customer Satisfaction: Why, What and How,” Total Quality Management 11, no. 7 (2000): 883–896.

13. M. Söderlund, “Customer Satisfaction and Its Consequences on Customer Behavior Revisited — the Impact of Different Levels of Satisfaction on Word-of-Mouth, Feedback to the Supplier and Loyalty,” International Journal of Service Industry Management 9, no. 2 (1998): 169–188.

14. A. Gustafsson and M.D. Johnson, “Measuring and Managing the Satisfaction-Loyalty-Performance Links at Volvo,” Journal of Targeting, Measurement and Analysis for Marketing 10, no. 3 (2002): 249–258.

15. J.B. Pine II, D. Peppers and M. Rogers, “Do You Want To Keep Your Customers Forever?” Harvard Business Review 73 (March-April 1995): 103–114.

16. E. Maltz and A.K. Kohli, “Market Intelligence Dissemination Across Functional Boundaries,” Journal of Marketing Research 33 (February 1996): 47–61.

17. H. Lee, F. Acito and R.L. Day, “Evaluation and Use of Marketing Research by Decision Makers: A Behavioral Simulation,” Journal of Marketing Research 24 (May 1987): 187–196.

18. P.M. Senge, “The Leader’s New Work: Building Learning Organizations,” Sloan Management Review 32 (fall 1990): 7–23.

19. A.M. Pettigrew, “Context and Action in the Transformation of the Firm,” Journal of Management Studies 24 (November 1987): 649–670.

20. D. Leonard and J.F. Rayport, “Spark Innovation Through Empathic Design,” Harvard Business Review 75 (November-December 1997): 102–113.

21. S.F. Slater, “Developing a Customer Value-Based Theory of the Firm,” Journal of the Academy of Marketing Science 25, no. 2 (1997): 162–167.

مقالات ذات صلة