القائمة الرئيسية

عامل عدم اليقين في الابتكار

عامل عدم اليقين في الابتكار
ملخص المقال

يوضح المقال أن فهم الابتكار المُزعزع لا يكتمل بالاعتماد على التصور التقليدي لمنحنى التقدم وحده، لأن هذا التصور يُغفل عنصرًا حاسمًا هو عدم اليقين الذي يحيط بمسار الابتكار وتأثيره الفعلي. ويبيّن المقال أن نجاح أو فشل أي عرض قيمة مزعزع يتحدد بدرجة كبيرة عبر ثلاثة مصادر مترابطة من الضبابية: نضج التقنية وقدرتها على بلوغ الأداء والتكلفة المناسبين، وجاهزية المنظومة المحيطة من شركاء وموردين ومنظمين ومكملات، وجدوى نموذج الأعمال القادر على تحقيق إيرادات مستدامة. ومن خلال أمثلة مفصلة، أبرزها العلاج الجيني والمركبات الذاتية القيادة والطاقة اللامركزية، يبرهن الكاتبان أن تجاهل هذه الضبابيات يؤدي إلى سوء تخصيص الموارد وتوقعات غير واقعية، سواء لدى الشركات الناشئة أو الشركات المكرّسة. ويخلص المقال إلى أن إدارة الابتكار المزعزع تتطلب طرح أسئلة محورية صريحة حول مصادر عدم اليقين، واعتماد التجريب والشراكات الاستراتيجية، ومواءمة التوقيت والاستثمار، بما يمكّن القادة من تعظيم فرص النجاح بدل الانجراف وراء وعود اضطرابية غير ناضجة.

راهول كابور وتوماس كلويتر

عامل عدم اليقين في الابتكارعلى المبتكرين أن يطرحوا خمسة أسئلة محورية لتوقُّع مسار وتأثير أي قيمة جديدة قد تُحدث تحولًا جذريًّا.

لقد افترضت الشركاتُ طوال العقدين الماضيين أنها تُحسن فَهمَ قواعدِ الاضطراب، فصورتها على أنها منحنى S للتقدم: سلسلة من التطورات التراكمية؛ إذ يتقدم عرضُ قيمةٍ جديد ليَتَفَوَّقَ على العروضِ السائدةِ في صناعةٍ ما. تُدخل الشركة تحسيناتٍ تدريجيةً في عرضِ قيمةٍ جديدٍ مبتكر، فلا يكون هذا العرضُ في بدايته جذابًا للمستخدمين الرئيسيين ولا للمنافسين المكرَّسين، ثم لا يلبث أن يُصبحَ كافيًا، فيحقق الهيمنةَ على السوق، ويكتمل بذلك اضطرابُ المنافسِ القديم.

هذه النظرةُ للاضطراب تُعدُّ دليلًا نافعًا فيما يخصُّ كيفيةَ تَشَكُّلِ عوائدِ الاستثمارِ في الجهودِ الابتكاريةِ عبر الزمن؛ إذ يكون التقدمُ في البداياتِ بطيئًا، ثم يعقبه انطلاقٌ وفترةُ نموٍّ مستدام.

ويُمثل إطلاقُ خدمةِ “نتفليكس” لإرسالِ أقراصِ DVD بالبريدِ عند مطلعِ القرن مثالًا كلاسيكيًّا؛ فقد استهدفت الخدمةُ في بدايتها عشاقَ الأفلام من أوائلِ متبني أقراصِ DVD، وهم أولئك المستهلكون الذين قبلوا المقايضةَ بين اختيارِ الأفلام عبر البحثِ الإلكتروني وانتظارِ وصولها في أظرفٍ حمراءَ عبر البريدِ عدةَ أيام، حينئذٍ لم يكن هذا العرضُ جذابًا مقارنةً بسوقِ تأجيرِ الفيديو السائد، لكن مع تطوير “نتفليكس” عرضها -من خلال اشتراكٍ غير محدود، ومحركِ توصياتٍ إلكتروني، وشبكةِ توزيعٍ أكثرَ كفاءة، ومحتوًى جديدٍ وأصلي- استطاعت الشركةُ أن تُزعزعَ عرشَ شركاتِ تأجيرِ الفيديو التقليدية مثل “بلوكبستر”.

غير أن هذا التصورَ للاضطراب مبسَّطٌ أو في أدنى الأحوالِ غيرُ مكتمل؛ إذ إن التصويرَ السائد لمنحنى التقدم يغفل حقيقةَ وجودِ قدرٍ كبيرٍ من عدمِ اليقينِ بشأنِ وتيرةِ التقدمِ داخلَ عرضِ القيمةِ المزعزعِ الجديد؛ فبعضُ الابتكاراتِ تبلغُ مكانتَها السائدةَ بين الناس في غضونِ سنوات، وأخرى قد تستغرقُ عقودًا، وأخريات -رغم إمكاناتِها الاضطرابية- قد لا تكتمل أبدًا، فقد انطلقت خدماتُ بثِّ الفيديو بسرعةٍ حول العالم في غضونِ سنوات، بينما استغرقت برامجُ الشهاداتِ عبر الإنترنت أكثرَ من عقدٍ لتثبتَ أقدامها في قطاعِ التعليم، أما العلاجُ الجيني، الذي عُدَّ لسنواتٍ طويلة تقدمًا عظيمًا في الطبِّ الشخصي، فما زال لم ينطلق بعد.

ولا يُمكن المبالغةُ في أهميةِ إدخالِ عاملِ عدمِ اليقينِ لفهمِ مسارِ وتأثيرِ عرضِ القيمةِ المزعزعِ، سواءٌ على الشركاتِ الناشئة أو المكرَّسة ؛ فإن لم يُتوقع، فقد يندفعُ مبتدئٌ واعدٌ بمنتجٍ أو خدمةٍ بِناءً على افتراضِ ملاءمةٍ قويةٍ بين المنتج والسوق من دون أن يجدَ جمهورَه أبدًا، أو قد يجد منافسٌ راسخٌ نفسَه غافلًا عن منتجاتِه وخدماتِه الأساسيةِ اعتمادًا على افتراضِ أن ابتكارًا جديدًا سيحقق نجاحًا باهرًا ويُصبحُ محركَ نموٍّ للمستقبل، وكلا المسلكين غير محمودٍ.

إن عدمَ اليقينِ والاضطراب وجهانِ لعملةٍ واحدةٍ لا ينفصلان، ومع ذلك فإن كثيرًا من الفكرِ السائدِ حول إدارةِ الاضطراب يتركزُ على كيفيةِ تصدي الشركاتِ المكرَّسة  لتهديداتِ السوقِ الجديدة، وسعيها لتطويرِ ابتكاراتِها، وعلى إدارةِ الداخلين الجددِ لفرصِ الاضطراب.

ورغم أن مسارَ كلِّ ابتكارٍ مزعزعٍ قد يتشكلُ باستراتيجياتِ المنافسين المكرَّسين والجدد، فعلى صانعي القرارِ أن يدركوا أن ثمةَ قدرًا عظيمًا من عدمِ اليقينِ حول تحققِ عرضِ القيمةِ المزعزعِ من الأصل. ولماذا هذا مهم؟ لأن النظرَ الصريحَ في عدمِ اليقينِ يُعين صانعي القرارِ على إدراكِ الأخطارِ المحيطةِ بتنفيذِ الاستراتيجيةِ الاضطرابية، ويساعدهم على وضعِ توقعاتٍ أكثرَ واقعيةً لنموِّ السوق، وتقييمِ البدائلِ الاستراتيجيةِ التي يمكن اختبارُها والتحققُ منها.

وقد وجدنا في بحوثِنا المستمرةِ ثلاثةَ مصادرَ رئيسةٍ لعدمِ اليقين تتعلقُ بالتقنية، والمنظومات، ونماذج الأعمال، وهي محوريةٌ لفهمِ عمليةِ الاضطراب. فإذا ما اعتبرت الشركاتُ هذه المصادرَ بعنايةٍ، وأحسنت التعاملَ معها، استطاعت أن تضعَ نفسَها في موقعٍ أفضلَ لإدارةِ الاضطرابِ وتحقيقِ أداءٍ متفوق، أما إذا أغفلها روادُ الأعمالِ والقياداتُ التنفيذية، فإن شركاتِهم ستتعرضُ لتحدياتٍ متوقعة، منها ما يلي:

عدم إدراك الوقت ومدى الموارد التي قد تُستلزم لترسيخ عرض القيمةالمبتكر المزعزع للنظام، فإن ذلك قد يؤدي إلى سوء تقدير في الاستثمارات المتعلقة بمبادرات الابتكار المزعزع، كأن يتخلى المرء عنها قبل أوانها أو يستمر في الإنفاق الباهظ عليها مدة طويلة، أو أن يُحرم غيرها من المبادرات الأجدر بالموارد والانتباه.

الانشغال بالتقنية الجديدة أو النموذج التجاري المستحدث مع إغفال التحديات الكامنة في منظومة الشركة من المورِّدين والشركاء التجاريين والعملاء، والتي قد تكون حاسمة في تحقيق عرض القيمة الجديد، وقد يؤدي ذلك إلى توقعات متفائلة قبل أوانها بشأن إمكانيات الابتكار المزعزع، ويعرِّض الموارد للهدر.

إغفال الفرص التي كان بالإمكان تمييزها واقتناصها في مجال ابتكار النماذج التجارية عبر أسواق شتى. والخطر هنا أن الشركة قد تحصر جاذبية الابتكار المزعزع أو تضيق مسالكه إلى السوق من غير تمحيص لجميع الاحتمالات الممكنة حول النموذج التجاري.

ولا تؤثر هذه الضبابيات في جميع الشركات بالقدر نفسه؛ فالشركات الناشئة غالبًا ما تحسن التجريب في التقنيات والنماذج التجارية الجديدة، وإن كانت تعاني من شح الموارد. أما الشركات المكرَّسة ، فمع وفرة مواردها، تواجه تكاليف جسيمة في التكيف إذا هي سعت إلى مقترحات قيمية مزعزعة وهي تدير أعمالها الجوهرية. (ومع أن الشركات الناشئة و المكرَّسة  في الغالب تتنافس، فإن التعاون بينهما قد يعينهما على إدارة ضبابيات الاضطراب. انظر: “إمكانات التعاون في ظل الضبابية”). ولكن من غير فهم عميق لكيفية تأثير الضبابية في سرعة ومسار تطور الابتكار المزعزع وكثافة موارده، قد تجد الشركات الناشئة و المكرَّسة  نفسها وقد أخفقت فيما كان يمكن أن يكون ابتكارًا مزعزعًا ناجحًا.

مصادر الضبابية الثلاثة

كيف يمكن لشركات ذات بصيرة أن تغفل أو تتجاهل مصادر الضبابية المحتملة؟ قد تكون لا تبحث في المواضع الصحيحة، أو قد تكون قد انحبست في منظور استراتيجي معين قبل الأوان. وقد كشفت أبحاثنا عن ثلاثة مصادر رئيسة للضبابية تحيط بمسألة ما إذا كان عرض القيمة المزعزع سيبلغ التحقق في سوق بعينه.

١. التقنية الممكنة: إذ قد تبقى الأسئلة قائمة حول ما إذا كانت التقنية التي تمكِّن عرض القيمة المزعزع قادرة على بلوغ عتبة الأداء والتكلفة اللازمة لاعتمادها من جمهور المستخدمين (أي لتحقيق ملاءمة المنتج للسوق). فعلى سبيل المثال، في مجال السفر الفضائي التجاري، ثمة مسائل تقنية متعلقة بالأداء والتكلفة، ومع أن شركات كثيرة تسعى لتحقيق عرض القيمة الجديد، لا يزال من غير الواضح أي التصاميم التقنية هو الأجدر بالتطبيق.

٢. المنظومة المحيطة: وقد تنبع الضبابية أيضًا من الجهل بما إذا كان الفاعلون في المنظومة سيُسهمون في عرض القيمة المزعزع عبر استثمارات داعمة، أو ابتكارات متممة، أو معايير وتنظيمات. فعلى سبيل المثال، لا تزال هناك فجوات مهمة في الفهم بشأن استخدام الواقع المعزز في التعليم والتدريب؛ إذ ليس من الواضح ما إذا كان ثمة محتوًى متممٌ كافٍ وأجهزة مناسبة ليجني المستخدمون منافع عرض القيمة الجديد، أو كيف ستُنظم هذه الخدمات الافتراضية.

٣. تصميم النموذج التجاري: وأخيرًا، قد تبقى مسائل عالقة حول جدوى النموذج التجاري. هل ستبلغ تدفقات الإيرادات والأرباح مستويات مستدامة للشركات التي تسعى إلى عرض القيمة المزعزع؟ فعلى سبيل المثال، ثمة ضبابية كبيرة حول ما إذا كان نموذج الأعمال للمركبات الذاتية القيادة سيكون أقرب إلى ملكية المركبات التقليدية الخاصة أو الأسطول، أم إلى خدمة تنقل قائمة على الرسوم.

وليست هذه الضبابيات بمعزل عن بعضها،؛ فقد كشفت أبحاثنا في العلاج الجيني أنها قد تتضافر أحيانًا لتزيد من صعوبة تسويق الابتكارات ذات المقترحات القيمية المزعزعة.

قصة العلاج الجيني المفعمة بالتشويق

لقد واجه العلاج الجيني تحديات منذ ظهوره في ثمانينيات القرن الماضي؛ فهو ينطوي على إمكانية أن يكون نقطة تحوُّل للمرضى المصابين بأمراض وراثية لا علاج معروف لها؛ إذ يعد بالشفاء التام عبر إصلاح الجينات المعيبة بدلًا من معالجة الأعراض، لكن عند النظر إليه من خلال عدسة الضبابيات الثلاث، يتبين أن درب الاضطراب وعر شديد الانحدار؛ فقد أثبتت المحاولات المبكرة في تطوير العلاج الجيني عدم فعاليتها، وأفضت بعض التجارب السريرية إلى آثار جانبية خطيرة ووفيات بين المرضى؛ مما أثار تساؤلات حول الوقت والموارد اللازمة لإيصال هذا الابتكار إلى السوق. كما أن نموذج الأعمال للعلاج الجيني لا يزال غير مستقر؛ إذ إن العلاجات قد تعني شفاءً دائمًا أو فترات علاج أقل من الأساليب السائدة؛ مما جعل احتساب الأسعار وتعويضات التأمين أمرًا عسيرًا. وقد ناقشت الشركات عدة نماذج أعمال، منها: الدفع مقابل كل علاج، أو دفعات موزعة على فترة زمنية محددة، أو نموذج الدفع مقابل الأداء، حيث تتوقف الدفعات إذا توقفت العلاجات عن الفعالية. ويواجه العلاج الجيني أيضًا ضبابية كبيرة في المنظومة؛ إذ يجب أن تُجرى العلاجات بأيدي أطباء مدربين في مرافق متخصصة، ويجب أن تغطيها خطط التأمين، غير أن توافر الأطباء المدربين، ومرافق العلاج الجيني، وخطط التأمين التي تشمل التغطية، كلها أمور يصعب التأكد منها.

حتى إذا نالت معالجةٌ بالجينات إجازة السلطات، فقد يكتنفها مستقبلٌ غامض. ومما يوضح هذا التحدي ما وقع حديثًا: إذ سعت شركة “يونيكيور” للعلاج الجيني إلى تطوير معالجة لنقص إنزيم ليبوبروتين ليباز، وهو داء نادر يمنع من يفتقد بعض البروتينات من تفكيك جزيئات الدهن. وقد وجدت الشركة وشركات التأمين الصحي صعوبةً في تسعير هذه المعالجة لقلة عدد المرضى. ومع أن “يونيكيور” قد نالت الإجازة الأوروبية لهذا العلاج، فإنها تراجعت عنه لاحقًا بسبب تحديات التسعير وندرة المرض. فمصير هذا العلاج مثالٌ على العقبات التي تعترض سائر شركات العلاج الجيني. فإمكانات هذه الابتكارات في إحداث القطيعة عظيمة، غير أن الشركة، وإن اجتازت العقبات التقنية والبحثية وابتكرت عرضًا جديدًا، فإنها لا بد أن تواجه غموض نموذج العمل.

وإن ما ينطوي عليه العلاج الجيني من قضايا حياةٍ وموتٍ يجعله مثالًا صارخًا على الاضطراب المحتمل، غير أن تحليل مواطن الغموض هذا ينطبق كلما برزت منتجات وخدمات تحمل وعدًا قاطعًا بالتغيير. والنظر بهذه العين إلى أحوال دخول الشركة سوقًا بعينها يمكِّن القادة من اتخاذ قرارات دقيقة في تخصيص الموارد وتوقيت المبادرات، ويوجه توقعاتهم بشأن العوائد.

اعتبارات للشركات المكرَّسة  والشركات الناشئة

كيف يمكن أن تتأثر الشركات المكرَّسة  والناشئة بهذه المواطن من الغموض؟ إن دوافع كل منهما في السعي نحو الابتكار القاطع تختلف، كما أن استراتيجياتهما تتشكل وفق ما لديهما من موارد وكيفية قياس الأداء؛ لذا وجب على كل نوع من الشركات أن يزن الاعتبارات المختلفة.

فمع أن معظم الشركات الناشئة الساعية للاضطراب تحفزها إمكانية إحلال الوضع القائم في الصناعة، فإن كثيرًا منها يواجه قيود الموارد في سعيه لتطوير عرض ذي قيمة قاطعة. وفي حالة العلاج الجيني، اجتذبت الشركات الناشئة كثيرًا من الاهتمام، لكن كثيرًا منها لم يستطِع الاستمرار عند مواجهة الانتكاسات التقنية؛ إذ نضبت مواردها ومصادر تمويلها الجديدة. وقد تقدمت شركات ناشئة واعدة كـ”إنتروجين ثيرابيوتكس” و”نيورولوجيكس” حتى أعلن إفلاسهما في الولايات المتحدة.

أما الشركات القيادية المكرَّسة  فتواجه تحديات أخرى؛ فعلى الرغم من توافر موارد كبيرة لديها لاستكشاف الابتكارات القاطعة، فإنه لا يسعها أن تكرس جهدها لهذا المسعى وحده؛ إذ يتوجب عليها إدارة أعمالها الأساسية وقياس التقدم وفق مؤشرات الأداء الرئيسة السائدة وتوقعات المستثمرين على المدى القصير. وقد تكون الشركات المكرَّسة  أيضًا من الجهات القائمة في الصناعة، تواجه تهديدًا مباشرًا من ابتكار قاطع أو من لاعبين نشطين في صناعات مجاورة يرون في الصناعة المتصلة فرصة للنمو على حساب الجهة القائمة.وقد رصدنا في بحثنا شواهد على استثمار شركات أدوية راسخة مثل “غلاكسو سميث كلاين” و”ميرك” في أبحاث العلاج الجيني، لكنها أحجمت عن تسويقه بسبب غموض نموذج العمل والنظام البيئي.

إن تحليل مدى توافر الموارد لدى الشركة وضرورة إدارة الأداء يمتد إلى مواطن الغموض الثلاثة الرئيسة للاضطراب.

فحل الغموض التقني يتطلب موارد كبيرة على مدى الزمن لبلوغ عتبة الأداء والتكلفة اللازمة لملاءمة المنتج للسوق. وبما أن الشركات الناشئة غالبًا ما تعاني من شح الموارد، فإنها قد تتأثر سلبًا بهذا النوع من الغموض أكثر من غيرها. فعلى سبيل المثال، في حالة الشركات التي تطور تقنيات الطاقة الشمسية الجديدة، اضطرت عدة شركات ناشئة واعدة إلى الخروج من الصناعة حين خسرت سباق التقنية لصالح حلول بديلة، بينما تمكنت شركات راسخة عديدة من مواصلة توجيه موارد كبيرة نحو الفرص السوقية الناشئة. ومثال ذلك شركة “سوليندرا” التي دخلت سوق الطاقة المتجددة بتقنية واعدة للطاقة الشمسية تدعى “سيلينيد النحاس والإنديوم والغاليوم”، لكنها خسرت معركة الهيمنة السوقية لصالح السيليكون البلوري؛ ما أدى إلى إفلاسها المفاجئ.

أما حل غموض النظام البيئي، فهو معضلة تنسيقية؛ إذ يتعين على قادة الأعمال إدارة استثمارات ضخمة عبر عدة أطراف، من شركاء الأعمال والموردين والعملاء والمنظمين. وإن الإخفاق في مراعاة الأطراف الحاسمة كالمشرعين ومطوري الابتكارات المكملة قد يسبب اختناقات في التقدم ويقيد عرض القيمة للابتكار القاطع. وفي مثل هذه الأحوال، قد تكون التحديات أشد على الشركات الناشئة: فهي فضلًا عن شح الموارد، قد تفتقر إلى الحجم والمصداقية بين أعضاء النظام البيئي لتؤثر في أفعالهم الداعمة.

وتأمل في حال “بيتر بليس” وما قدمته من عرض قاطع حول السيارات الكهربائية؛ فقد ساعد نموذجها في تقديم خدمات شحن وتبديل البطاريات، إضافة إلى بيع المركبات، على حل الغموض التقني للسائقين الذين لم تكن البطاريات محدودة الأداء ومرتفعة الثمن توفر لهم قيمة قوية. غير أنه، ومع سعيها للنمو في جغرافيات شتى، لم تستطِع “بيتر بليس” تنسيق النظام البيئي ومواءمة الأطراف المختلفة، من عملاء وحكومات في أسواقها المستهدفة كالدنمارك ، ولم تبِع سوى نحو 1300 سيارة قبل أن تعلن إفلاسها سنة 2013م.

المركبات الذاتية القيادة تعد مثالًا آخر على ما قد يعصف بصناعة السيارات؛ إذ أطلقت عدة شركات عريقة جهودًا متعمدة وتعاونية لتطوير منظومة متكاملة. فشركة بي إم دبليو، على سبيل المثال، تتعاون مع “موبايل آي” (مشروع السلامة البصرية التابع لإنتل) وشركة فيات كرايسلر، فضلًا عن موردي القطع مثل “أبتيف” و”كونتيننتال إيه جي” و”ماغنا إنترناشيونال”، بغية الوصول إلى التسويق التجاري بحلول عام 2021م.

إن معالجة عدم اليقين في نماذج الأعمال يتطلب تجريبًا مستمرًّا، والقدرة على إعادة تشكيل المنهج بغية إطلاق إمكانات الابتكار المزعزع لفائدة المستخدمين والشركات المبتكرة على حد سواء، وغالبًا ما تعاني الشركات المكرَّسة  أمام مثل هذا الغموض؛ إذ إن تجريب صيغ جديدة للربح يناقض المعايير المعتمدة لديهم، في حين يرزح التنفيذيون تحت وطأة تحقيق مؤشرات الأداء الرئيسية، ويُكافأ في الغالب من قبل المستثمرين والمحللين من يحافظ على نماذج الربح القائمة لا من يزعزعها. أما الشركات الناشئة، فليست متجذرة في النماذج السائدة، وقد تكون أقدر على مواجهة عدم اليقين في نماذج الأعمال.

وما كابدته شركات الكهرباء مؤخرًا في سبيل التكيف مع نماذج الأعمال اللامركزية، يبرز التحديات التي تعترض الشركات المكرَّسة ؛ ففي النموذج اللامركزي، يستهلك المستخدمون، كأصحاب المنازل مثلًا، الكهرباء المولدة في موضع الاستخدام أو قريبًا منه، غالبًا عبر منظومات الطاقة الشمسية فوق الأسطح، والبطاريات، والإدارة الرقمية لشبكة الكهرباء. أما الشركات المكرَّسة التي كانت متشبثة بالنموذج المركزي القديم، فقد حققت نتائج أدنى حين سعت إلى تبني القيم المبتكرة المزعزعة.

فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة “إن آر جي”، وهي من كبريات شركات الطاقة الأمريكية، عن خسائر جسيمة جراء سعيها نحو النموذج اللامركزي؛ مما أدى إلى إقالة المدير التنفيذي. وقد أعقب رحيله مقالات عدة في الصحافة المتخصصة تصف الصراعات الداخلية بين الأعمال المركزية واللامركزية، والتأخيرات غير المتوقعة، وتجاوز التكاليف أثناء تنفيذ النموذج الجديد، والمنافسة الشرسة التي واجهتها الشركة من الوافدين الجدد. كما واجهت شركات طاقة راسخة في أماكن أخرى، مثل “إيه جي إل” في أستراليا و”آر دبليو إي” في ألمانيا، تحديات مماثلة.

إدارة عدم اليقين في وجه الابتكار المزعزع

إن السعي وراء الابتكار المزعزع يعني تحمل أخطار الفشل، غير أن تحليل مواطن الغموض التي تعترض كل ابتكار مزعزع، يعين المرء على التخفيف من تلك الأخطار باتخاذ قرارات مدروسة بشأن التكنولوجيا الداعمة، والمنظومة المحيطة، وأساس نموذج الأعمال اللازم للنجاح.

وفيما يلي خمس مسائل تعين المبتكرين، من الشركات المكرَّسة  والناشئة، على إدارة الغموض:

١. ما هي الفرص الكامنة في تقديم قيمة مبتكرة مزعزعة؟ فقد تتعلق الفرص بابتداع أسواق جديدة، كالسياحة الفضائية، أو اختراق أسواق قائمة، كالسياحة العالمية.

٢. أين تكمن مَصادر الغموض الرئيسة في التكنولوجيا، أو المنظومة، أو نموذج الأعمال في الأسواق المختلفة؟ وليس من الضروري أن يكون الغموض شاملًا جميع الجوانب، بل غالبًا ما يكون في أحد هذه المصادر الثلاثة ما يعيق نمو السوق. ويمكن أن تكون الممارسات الإدارية، كالتخطيط بالسيناريوهات والتخطيط القائم على الاكتشاف، أكثر فعالية إذا ما أدمجت مصادر الغموض المختلفة صراحة.

٣. كيف يمكن معالجة مصادر الغموض المختلفة؟ إن التجريب مع العملاء وغيرهم في المنظومة، ونماذج الأعمال، واختيارات التكنولوجيا، قد يكون ذا فائدة في إزالة الغموض. غير أنه إن كان الغموض شديدًا في جميع المصادر الثلاثة، فقد ينبغي لصانعي القرار رفض الاستثمارات منذ البداية أو إيقاف مبادرات الابتكار المزعزع بعينها.

٤. هل أستطيع المضي في هذا الابتكار منفردًا، أم أحتاج إلى شركاء استراتيجيين في المنظومة لمعاونتي على إزالة الغموض؟ إن تحديد الأنشطة والفاعلين في المنظومة حيث يقيم الغموض، والتنسيق بينهم، قد يكون أمرًا جوهريًّا في إدارة هذا الغموض.

٥. كيف أوائم بين الشركاء لخلق قيمة مشتركة؟ فقد يكون للشركاء نماذج أعمال ودوافع مختلفة تجاه القيمة المبتكرة المزعزعة، ومن المهم تحديد أي الشركاء تتلاقى أهدافهم تحقيقًا للمصلحة المتبادلة، وضمان استدامة هذا التلاقي على المدى البعيد.

يوسِّع هذا التمرين آفاق القادة فيما يتعلق بالفرص التي أمامهم؛ فبمناقشة هذه الأسئلة علانية، يُحسِّن القادة قدرتهم على تمييز الأخطار الكامنة في أي استراتيجية لتطوير ابتكار مُزعزع. وبِناءً على إجابات هذه الأسئلة، يستطيعون اتخاذ قرارات أكثر تأنيًا بشأن خططهم: أي الابتكارات يتبعون، وكم يستثمرون، ومع أي شركاء يتعاونون، وتوقيت كل هذه الخيارات، على نحو أدق مما كانوا عليه من قبل. كما يمكنهم إعادة النظر في تقييماتهم، وتعديل استثماراتهم وتوقيتها. ويستطيعون كذلك معايرة توقعاتهم بشأن التقدم في عرض قيمة معين، وما إذا كان يملك القدرة على زعزعة سوق راسخة، وذلك استنادًا إلى أدلة ورؤًى إضافية. وتُظهر الأمثلة المكرَّسة  ما هو ممكن لكل من الشركات القائمة والشركات الناشئة.

أما في مثال iPhone، فقد أدارت شركة Apple حالة عدم اليقين في النظام البيئي (أي الأطراف التي ستتعاون معنا في هذا الابتكار وكيفية ذلك)، من خلال إنشاء متجر التطبيقات وصيانة هذا المتجر، وكذلك من خلال طرحها المنسق لمزودي خدمات الاتصالات المتاحة. كما تعاملت Apple مع حالة عدم اليقين في نموذج الأعمال جزئيًّا عبر استخدام البائعين الحصريين عند إطلاق iPhone. وأما Tesla، فقد أدارت حالة عدم اليقين التكنولوجي بالاستثمار في البطاريات والبرمجيات لتقديم سيارة كهربائية عالية الأداء. وفيما يتعلق بأسئلة نموذج الأعمال، أنشأت Tesla نظام البيع المباشر. كما تسعى الشركة لإدارة حالة عدم اليقين في النظام البيئي (كيفية إبقاء السيارات الكهربائية مشحونة) من خلال تطوير البنية التحتية عبر مبادرات مثل شبكة محطات الشحن السريع Supercharger.

لقد جعلتنا الابتكارات المُزعزعة أكثر إنتاجية، وأفضل اطلاعًا، وأكثر قدرة على التنقل. كما حسَّنت صحتنا، وسلَّت أوقاتنا. ولا تزال هناك ابتكارات مُزعزعة كثيرة قادمة؛ بل قد يكون الابتكار القادم في شركتك. وللاستعداد لأفضل نتيجة ممكنة، من المهم فهم مدى وصول الفكرة المبتكرة، وكذلك الأخطار التي تعترض طريق تحقيقها. فإذا واجهنا حالات عدم اليقين المحيطة بالتقنية، والنظام البيئي، ونموذج الأعمال لكل ابتكار محتمل بعيون مفتوحة، استطعنا أن نفهم ما ينتظرنا في الطريق، وأن نكرس الوقت والموارد على نحو أفضل لتعزيز فرصنا في النجاح.

المراجع

1. C.M. Christensen, M.E. Raynor, and R. McDonald, “What Is Disruptive Innovation?” Harvard Business Review 93, no. 12 (December 2015): 44-53.

2. R. Kapoor and T. Klueter, “Decoding the Adaptability-Rigidity Puzzle: Evidence From Pharmaceutical Incumbents’ Pursuit of Gene Therapy and Monoclonal Antibodies,” Academy of Management Journal 58, no. 4 (August 2015): 1180-1207; R. Kapoor and T. Klueter, “Progress and Setbacks: The Two Faces of Technology Emergence,” Research Policy 49, no. 1 (February 2020): article no. 103874; R. Kapoor, T. Klueter, and J.M. Wilson, “Challenges in the Gene Therapy Commercial Ecosystem,” Nature Biotechnology 35, no. 9 (September 2017): 813-815; and R. Kapoor and T. Klueter, “Organizing for New Technologies,” MIT Sloan Management Review 58, no. 2 (winter 2017): 85-86.

3. T.A. Brennan and J.M. Wilson, “The Special Case of Gene Therapy Pricing,” Nature Biotechnology 32, no. 9 (September 2014): 874-876.

4. E. Warner, “Goodbye Glybera! The World’s First Gene Therapy Will Be Withdrawn,” Labiotech.eu, April 20, 2017, www.labiotech.eu.

5. R. Kapoor and N.R. Furr, “Complementarities and Competition: Unpacking the Drivers of Entrants’ Technology Choices in the Solar Photovoltaic Industry,” Strategic Management Journal 36, no. 3 (February 2014): 416-436.

6. J. Eilperin, “Why the Clean Tech Boom Went Bust,” Wired, Jan. 20, 2018, www.wired.com.

7. L. Noel and B.K. Sovacool, “Why Did Better Place Fail? Range Anxiety, Interpretive Flexibility, and Electric Vehicle Promotion in Denmark and Israel,” Energy Policy 94, no.7 (July 2016): 377-386.

8. J. Eklund and R. Kapoor, “Pursuing the New While Sustaining the Current: Incumbent Strategies and Firm Value During the Nascent Period of Industry Change,” Organization Science 30, no. 2 (March-April 2019): 383-404.

9. D. Ferris, E. Klump, and D. Kahn, “Why NRG’s Green Crusade Faltered,” Energywire, March 7, 2016, www.eenews.net; and S. Lacey, “NRG Fully Exits the Home Solar Installation Business,” Greentech Media, Feb. 15, 2017, www.greentechmedia.com.

مقالات ذات صلة