القائمة الرئيسية

كيف تنجح وتنجو في عالم ممتلئ بالاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي

كيف تنجح وتنجو في عالم ممتلئ بالاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

يرى إريك برينجولفسون أن التقدّم المتسارع في الذكاء الاصطناعي والتعلّم العميق أحدث تحوّلًا جذريًا في مختلف الصناعات، إذ باتت الآلات تنافس البشر في مهام معرفية معقّدة، ما أثار مخاوف مشروعة بشأن فقدان الوظائف وتفاقم عدم المساواة الاقتصادية. غير أنّ التحدّي الحقيقي، في نظره، ليس اختفاء العمل بل تغيّره السريع، والحل لا يكمن في مقاومة التقنية أو حماية النماذج القديمة، بل في تبنّي الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تكمل القدرات البشرية وتوسّع فرص العمل وترفع الإنتاجية. ويؤكد أن الابتكار الواعي يمكن أن يخلق وظائف جديدة ويعيد توزيع القوة العاملة نحو مجالات يحتاجها المجتمع، مثل التعليم والرعاية الصحية والابتكار، كما تُظهر أمثلة عملية من الصناعة والتدريب الرقمي. ويخلص إلى أن المستقبل القائم على «الهدم الخلّاق» لا ينبغي أن يكون مصدر ذعر، بل فرصة تاريخية لتحقيق ازدهار أوسع، شرط الاستثمار في المهارات وتقاسم منافع الاقتصاد الرقمي بعدالة.

إريك برينجولفسون

ففي الشهر المنصرم وحده، رأيت من الأخبار ما يلي: لقد طوّرت شركة ديب مايند للتقنيات المحدودة، الكائنة في لندن بالمملكة المتحدة، نظامًا لمسح مليون صورة من صور فحوص العين، وتدرّب نفسها على اكتشاف العلامات المبكّرة لأمراض العين التنكّسية. أما شركة ريثينك روبوتيكس في بوسطن، ماساتشوستس، التي أسّسها مدير مختبر الذكاء الاصطناعي السابق في معهد ماساتشوستس للتقنية، رودني بروكس، فقد أجرت تطويرات ضخمة على روبوتاتها “ساوير” لتعين غير المختصّين على برمجة إجراءات تعلّم الروبوت تنفيذ المهمّات المعقّدة. وقد بدأ معدّو الضرائب في شركة “إتش آند آر بلوك” باستخدام حاسوب “واتسون” من شركة آي بي إم لتعظيم خصومات العملاء؛ إذ إن “واتسون” يحيط علمًا بآلاف الصفحات من قوانين الضرائب الفدرالية، وسيستمر في تحديث التغييرات فور حدوثها. أما شركة “نيوتونومي” في كامبريدج، ماساتشوستس، وهي شركة ناشئة تطوّر سيارات ذاتية القيادة بالاعتماد على تقنيات معهد ماساتشوستس للتقنية، فقد أطلقت أسطولًا صغيرًا من سيارات الأجرة ذاتية القيادة في بوسطن. وشركة “فوروارد” الناشئة في سان فرانسيسكو، والتي أسّسها مدير المشاريع الخاصة السابق في غوغل، تحاول أن تحوّل الرعاية الصحية التقليدية من إجراءات فورية تفاعلية إلى رعاية استباقية عبر الذكاء الاصطناعي والحساسات القابلة للارتداء.

لقد تحسّنت فاعلية التعلّم العميق والشبكات العصبية تحسّنًا عظيمًا، ما أدى إلى أداء بمستوى البشر في كثير من جوانب الرؤية، والكلام التفاعلي، وحل المشكلات. ونتيجة لذلك، فإن الصناعات تمر بتحوّل كبير، وما زال المزيد قادمًا.

غير أن ثمّة ردّة فعل تتكوّن أيضًا؛ فمتوسط الدخل في أمريكا اليوم أقل مما كان عليه قبل خمسة عشر عامًا، والثروة تتركز في أعلى المستويات. وكما ظهر في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، هناك استياء من التوزيع غير المتكافئ لمنافع التقدّم التكنولوجي. وتؤكّد أبحاث معهد IDE الهوّة التي يشعر بها كثيرون.

وقد تصاعدت الأصوات القلقة من حلول الروبوتات محلّ مزيد من الأعمال البشرية، وذلك بمخاوف مشروعة؛ فعام 2014م، حين نشرتُ مع أندرو مكافي كتاب “عصر الآلة الثاني”، تنبّأنا بكثير من هذا التقدّم، لكن الوتيرة تسارعت فوق التوقّعات. وليست هذه المرة الأولى التي تغيّر فيها الأتمتة المصانع، لكن مع تقنيات الذكاء الاصطناعي القوية اليوم، بدأت الأتمتة تتسلل إلى مجالات كانت تتطلّب عملًا ذهنيًّا لا يدوية متكررة، وكانت تبدو عصيّة على هذا التحوّل، كالقانون والتعليم والصحافة. وإن إنجازات اليوم تعزّز العقول البشرية، لا الأجساد وحدها.

وفي خضم هذه العجائب، من المهم أن نتذكّر أنه لا يزال هناك الكثير من الأعمال المهمة التي لا يمكن أن يقوم بها إلا الإنسان، وسيبقى ذلك صحيحًا لسنوات طويلة. فالتحدّي الذي نواجهه اليوم ليس “عالمًا بلا عمل”، بل عالمًا يتبدّل فيه العمل بسرعة. والاستجابة لا تكون بمجرد تعويض الدخل للعاملين الذين أزاحتهم التقنية، بل بإعدادهم لأداء وظائف جديدة يحتاجها المجتمع بشدّة في التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، وتنظيف البيئة، وريادة الأعمال، والابتكار، والاكتشاف العلمي، وسواها من المجالات.

فكيف السبيل؟ لقد ركن كثير من قادة الأعمال والعمل والسياسة إلى الدعة، إذ يخشون مستقبلًا يهدد النماذج والاقتصادات القائمة. لكن الحل للاضطراب ليس بحماية الماضي من المستقبل ولا بتجميد أساليب العمل القديمة، فذلك مصيره الفشل المحتم. وأفضل سبيل هو تبني الأدوات والنماذج الناشئة التي لا تخلق السلع والخدمات فحسب، بل تعمّق الازدهار العام.

إن تطوير منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي في الوقت المناسب وبطريقة تنافسية لا يتعارض مع توظيف القوة العاملة وإعادة توزيعها. وبدلًا من اعتبار الذكاء الاصطناعي لعبة محصلتها صفر، أو وسيلة لأتمتة الأعمال والخدمات القائمة، يدرك القادة المستنيرون أن التقنية تضيف قيمة بتوسيع فرص العمل وزيادة الإنتاجية. فعندما تكمل التقنية العامل البشري وتزيد إنتاجيته وتخفض التكاليف أيضًا، يكون النفع للأعمال والموظفين معًا.

تذكّر أن التقنية عبر التاريخ قد ألغت وظائف وخلقت أخرى. وعلينا اليوم أن نوجّه الحوار نحو حلول تخلق الوظائف، حيث تكون الأتمتة أكثر من مجرد استبدال العمل البشري باستثمار رأسمالي.

وإليكم مثالان من تحدي الابتكار الشامل لمعهد IDE لعام 2016م يوضحان كيف يمكن تحقيق ذلك: ففي شركة “99 ديغريز كستم” بمدينة لورنس، ماساتشوستس، تستعين مصانع إقليمية سريعة بالروبوتات وأساليب تطوير رشيقة ومرنة لمساعدة شركة الملابس الناشئة على تلبية الطلب، وتقليل المخزون، والابتكار قبل المنافسين. وفي الوقت نفسه، تدرب قوة عاملة ماهرة محلية، وتدفع أجورًا أفضل، وتستثمر في تطوير مساراتهم المهنية.

وفي مثال آخر مختلف، أطلقت شركة البرمجيات الألمانية العملاقة SAP “أسبوع البرمجة الإفريقي” قبل عامين لتمكين الشباب الأفارقة بمهارات البرمجة. وفي العام الماضي، شارك أكثر من 430 ألف شاب في ثلاثين دولة إفريقية وأربع دول من الشرق الأوسط في أسبوع البرمجة الإفريقي وأسبوع برمجة اللاجئين. وتقول SAP إن هذا الجهد، على المدى البعيد، سيساعد في “سد فجوة المهارات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تلك المناطق”، ما يدفع عجلة النمو الاقتصادي والاستقرار. وهو أيضًا جزء لا يتجزأ من رؤية SAP لتحسين حياة الناس.

ثمّة مناهج كثيرة للرقيّ في عالم الذكاء الاصطناعي المتغيّر، غير أنّ جميعها يتطلّب العزم والبراعة؛ فبعض الجهود قد تتركّز في ميادين لا يزال الإنسان يسبق الآلة فيها، من خصال لا تُدرك بالحسّ، ومهارات التعامل بين الناس، كالإبداع، والتعاطف، والعمل الجماعي، والتخطيط، وحلّ المشكلات، والقيادة. وقد يسعى آخرون إلى بناء أنظمة معتمدة على المستشعرات تعيننا على تقليل استهلاك الطاقة بزيادة الكفاءة وخفض نفقات التبريد، أو لإثراء حياتنا الثقافية. وكلّ ذلك من جملة ما سمّاه الاقتصادي جوزيف شومبيتر في القرن العشرين “الهدم الخلّاق”.

وأمّا مستقبل الذكاء الاصطناعي الناشئ، فسيكون بعيدًا كلّ البعد عن نهج الأعمال المعتاد في يومنا هذا، غير أنّه لا ينبغي أن يكون زمنَ ذعر. فإذا التزمنا التزامًا واضحًا بتقاسم رخاء الاقتصاد الرقمي، واستثمرنا بثقة في مستقبل سريع النشوء، فإن العقود القابلة ستغدو خيرَ عصور البشر، للأكثرين لا للأقلين.

مقالات ذات صلة