القائمة الرئيسية

أنظمة السمعة الإلكترونية: كيف تصمّم نظامًا يحقق مرادك؟

أنظمة السمعة الإلكترونية: كيف تصمّم نظامًا يحقق مرادك؟
ملخص المقال

يبيّن كريسانثوس ديلا روكاس أن نجاح منصات «الويب الاجتماعي» لا يقوم فقط على فكرة الذكاء الجمعي، بل على القدرة على جذب الأفراد المناسبين وتحفيزهم وبناء الثقة بينهم، ويجعل من أنظمة السمعة الإلكترونية الأداة الحاسمة لتحقيق ذلك. فأنظمة السمعة، حين تُصمَّم بوعي، تؤدي أدوارًا مركزية في بناء الثقة بين الغرباء، ورفع جودة المحتوى، وتيسير التوافق بين الأعضاء، وتعزيز ولاء المستخدمين، كما يظهر في نماذج مثل eBay وAmazon وYelp، بينما يؤدي سوء تصميمها—كما في حالة Digg—إلى سلوكيات تلاعبية وانهيار الثقافة التعاونية. ويؤكد المقال أن تصميم نظام السمعة يستلزم قرارات استراتيجية دقيقة تتعلق بتحديد أهدافه التجارية، واختيار السلوكيات ذات الصلة والقابلة للقياس الموثوق، وطريقة جمع المعلومات وعرضها، مع موازنة آثار التنافس، والجمع الحكيم بين المقاييس التراكمية والحديثة، بما يضمن تحفيز الأعضاء، وحماية جودة المجتمع، وتحقيق أهداف المنصة على المدى الطويل.

كريسانثوس ديلا روكاس

إن من أبدع ما أبدعته العقول في منظمات العصر، ما كان قائمًا على استثمار الذكاء الجمعي للجماعات والمجتمعات، فتأمّل منصات المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، والبرمجيات مفتوحة المصدر، والعمل الجماعي عبر الإنترنت، وأسواق المعرفة؛ فهذه أمثلة يسيرة على سبل دعوة أعداد غفيرة من المستخدمين المتفرقين لإنشاء المنتجات أو تقييمها، أو ابتكار الأفكار. وهذا هو “الويب الاجتماعي”؛ الكون الافتراضي المتشابك الذي يرى فيه كثير من أرباب الأعمال وعدًا لا يقاوم بمنحهم الأفكار والعمل والقرارات بأدنى تكلفة، إن أحسنوا تدبيره.

غير أنّ أولى خطوات الإدارة الحكيمة للويب الاجتماعي أن تدرك أمرًا متناقضًا فيه: فهذه المنصات الجديدة وإن كانت تدور حول استثمار الجماعات والمجتمعات، فإن هذه الأخيرة ليست سوى مجموع الأفراد، ولن يكتب لمساعي شركتك في الويب الاجتماعي النجاح إلا بقدر ما تستطيع جذب الأفراد الصالحين، وتحفيزهم على أداء العمل الحسن، وتمكينهم من معرفة بعضهم بعضًا والثقة فيما بينهم؛ حتى يتعاونوا على بلوغ غايات المجتمع.

فالسؤال: كيف السبيل إلى ذلك؟

والجواب: باستثمار قوة السمعة في التحفيز.

فالمواقع المتميزة تدرك ذلك جيّدًا، بل حتى المواقع الضعيفة تدركه، غير أنها لا تحسن إدارته؛ ولهذا تكاد كل منصات الويب الاجتماعي تشتمل على ميزة ملفات الأعضاء: صفحات يطّلع المرء فيها على أحوال أفراد المجتمع. وفي هذه الصفحات يُتاح للأعضاء أن يكتبوا عن أنفسهم واهتماماتهم، وغالبًا ما تتضمن إحصاءات عن نشاط العضو، وشهادات من غيره من الأعضاء، وأحيانًا تقييمًا أو درجة تعكس إنجازاته ومكانته في المجتمع، ويستخدم الأعضاء هذه المعلومات ليقرروا مقدار الثقة بالعضو، ومقدار المصداقية لمنشوراته، أو ما إذا كانوا سيشاركونه في معاملة أو تعاون.

وهذه الميزات جزء من أنظمة السمعة الإلكترونية، فالسمعة الإلكترونية حاضرة في كل مكان، لكنها كثيرًا ما تكون مهملة أو سيئة التصميم في منصات الويب الاجتماعي، ومع ذلك فهي تؤدي دورًا محوريًّا في بناء الثقة، وتعزيز الجودة، وتحسين التعاون، وبث الولاء. بل إن أنظمة السمعة هي القطعة الفارقة بين النجاح والفشل في المنصات الاجتماعية، وهي الأبطال المجهولون في عالم الويب الاجتماعي؛ فمثلًا: ما كان لمجتمع التداول في eBay، حيث يتعامل الغرباء، أن يقوم لولا نظام السمعة الذي يعزز الأمانة ويبني الثقة بتمكين المشترين والبائعين من تقييم بعضهم بعضًا، ومع ذلك، فإن سوء تصميم نظام السمعة في eBay جعل منه عاجزًا عن ردع الاحتيال، واضطرت المنصة مع الزمن إلى إرساء آليات مراقبة إضافية. وميزة مراجعات المنتجات في Amazon ازدادت فائدة ومصداقية بفضل نظام التقييم الذي يمكّن القرّاء من التصويت على فائدة المراجعة، ويستخدم تلك الأصوات لإرشاد العملاء إلى أكثر المراجعات نفعًا، ومكافأة أنجح المراجعين. أما Yelp؛ المنصّة الشابة المتخصّصة في مراجعات الأماكن والخدمات داخل المدن ، فتستخدم ما هو في جوهره نظامَ سُمعةٍ يساعد المستخدمين على تفسير الآراء الذاتية وتقديرها.
وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ موقع Digg.com — وهو منصّة لتصفية الأخبار اجتماعيًّا — بثَّ بين أعضائه منافسةً غير ضرورية من خلال نظام سمعةٍ سيئ التصميم؛ فشجّع سلوكًا تواطئيًّا وأضرّ في نهاية المطاف بجودة الموقع وأثره.

وعلى مدى العقد الماضي، درس الباحثون والممارسون في مجالات شتى أنظمة السمعة، وبلغوا نتائج مهمة.

القرار الرئيس الأول: ما هي الأهداف التجارية الجوهرية لنظام السمعة لديك؟

قبل أن تشرع في تصميم موقعك، لا بد أن تدرك وتحدد أولويات الأهداف التي سيخدمها نظام السمعة في منصتك الاجتماعية، من منظور منظمتك ومن منظور المستخدمين.

فالسمعة هي خلاصة أفعال المرء الماضية في سياق مجتمع معين، تعرض للآخرين بطريقة تعينهم على اتخاذ القرار في كيفية التعامل مع ذلك الفرد. ومفهوم السمعة قديم قدم المجتمع ذاته؛ إذ توجد وتنتشر في المجتمعات البشرية سواء أكان ثمة نظام مركزي يديرها أم لا. وفي المجتمعات الصغيرة المتماسكة، قد لا تكون الحاجة إلى نظام مركزي للسمعة ملحة، إذ تضمن التفاعلات المتكررة والأحاديث الجانبية أن العلم بأحوال الأفراد منتشر بين الجميع.

لكن الحاجة إلى النظام المركزي تزداد بازدياد حجم المجتمع وندرة التفاعل بين أفراده؛ ففي المجتمعات الإلكترونية التي تضم مئات أو آلاف الأعضاء، حيث لا يعرف معظمهم بعضهم إلا افتراضيًّا، يغدو وجود نظام سمعة أمرًا لا غنًى عنه.

إن السمعة كثيرًا ما تُقرن بمفهوم الثقة، ومع أنّ بناء الثقة كان تاريخيًّا من أهم أدوار السمعة، فإن أنظمة السمعة المعتمدة على الشبكة العنكبوتية في عصرنا الحاضر تؤدي طائفة واسعة من الأغراض، منها ما يلي:

بناء الثقة: إن تشجيع السلوكيات “الصالحة” وزجر السلوكيات “السيئة” ضمن سياق الموقع، لعلّه الدور الأظهر والأكثر تداولًا لأنظمة السمعة، وقد تجلّى ذلك أوضح ما يكون في موقع eBay.

ترقية الجودة: في أكثر منصات الويب الاجتماعية، تتفاوت جودة مساهمات المستخدمين تفاوتًا كبيرًا؛ إذ إنّ قلة من المستخدمين يقدّمون معظم المساهمات ذات الجودة العالية. ويمكن لأنظمة السمعة أن تعزز تلك المنصات بإبراز المساهمين المتميزين، فيكون ذلك باعثًا للمستخدمين على بذل مزيد من الجهد ليحظوا بالاعتراف، ويسهّل على سائر المستخدمين التعرّف إلى المحتوى القيّم.

تيسير التوافق بين الأعضاء: وهذه الغاية ذات شأن في المواطن التي يختلف فيها الأعضاء في الميول والأذواق، وتكون جودة المساهمات فيها محكومة بدرجة عالية من الذاتية. فأنظمة السمعة في مثل هذه المواطن تعين المستخدمين على تقدير مدى تشابههم أو توافقهم مع غيرهم، ليقرّروا مقدار الثقة بمنشور أحدهم، أو اتخاذ القرار بشأن بدء التعاون معه.

المحافظة على الولاء: لما كانت السمعة في الغالب مبنية على نشاط المستخدم ضمن مجتمع أو نظام إلكتروني واحد، صارت وسيلة قوية لجذب المستخدمين وحبسهم، ويمكن استثمارها استراتيجيًّا لزيادة ولاء المستخدمين وتقليل تسربهم. فإذا بنى المستخدم سمعة في موقع ما، تردد في الانتقال إلى منافس؛ إذ سيضطر حينئذ لبناء سمعته من جديد. وفي بيئة تشتد فيها المنافسة، لا ينبغي إغفال هذا البعد من آلية السمعة.

فهذه الأهداف الأربعة كلها معتبرة في تصميم معظم أنظمة السمعة، غير أنّ منصات الويب الاجتماعية المختلفة تعطي كل هدف منها وزنًا يختلف عن غيرها؛ فمثلًا: بناء الثقة الكافية ليطمئنّ المشترون إلى إرسال أموالهم إلى بائعين لم يلتقوهم قط، وربما لا يشترون منهم مرة أخرى، هو الهدف الأسمى في نظام سمعة eBay. وأما آلية السمعة في مراجعي Amazon، فغايتها الكبرى أن يحمل الأعضاء على تقديم مراجعات متقنة عالية الجودة، وتمييز المراجعات الأرفع جودة. وكذلك تحرص Yelp على تحفيز المساهمات الممتازة، غير أن أغلب مراجعات Yelp ذاتية يصعب تقييم جودتها بدقة، فالأهم أن يُتاح للقارئ أدوات تعينه على تقدير مصداقية المراجعة ومدى توافقها مع رؤيته للعالم. وأخيرًا، فإن Xbox Live مثال لنظامٍ غايته الكبرى (تجاريًّا) الحفاظ على ولاء المستخدمين واستبقائهم.

القرار الحاسم الثاني: ما المعلومات التي ينبغي إدراجها في ملف سمعة المستخدم؟

ينبغي أن يكون نظام السمعة العادل مبنيًّا على نشاط المستخدم ضمن المجتمع، وأن يركّز على عرض ملخصات أفعال المستخدم أو تقييمات مساهماته المجتمعية. ولا بأس في العادة أن يُسمح للمستخدمين أن يكتبوا عن أنفسهم بعض الشيء، غير أنّه في جل الأحوال ينبغي ألا يُسمح للمستخدمين الآخرين بتقديم تقييم مباشر للفرد إلا إذا كان ذلك مرتبطًا بفعل معين أو مساهمة مجتمعية محددة؛ إذ إن فتح باب التقييم المباشر للأفراد يؤدي إلى التلاعب والابتزاز وغير ذلك.

وغالبًا ما يزاول المستخدمون أفعالًا كثيرة ومتنوعة ضمن سياق الموقع، لذا يجب على أنظمة السمعة الفعّالة أن تختار بعناية أي جوانب من سلوك المستخدم ينبغي تتبعها والإبلاغ عنها. وبالنظر إلى الأهداف التجارية التي صُمم نظام السمعة ليخدمها (القرار الحاسم الأول)، فإن لهذا القرار ثلاثة أوجه:

أي الأفعال أكثر صلة بمستخدمي نظام السمعة؟ فمثلًا، إذا كان الهدف الرئيس للنظام مساعدة المستخدمين على تقدير أمانة البائع، فإن تتبع نسبة إتمام البائع للصفقات مؤشر بالغ الأهمية، أما تتبع سجل مشتريات البائع فليس كذلك. وعلى النقيض، إذا كان الهدف الرئيس مساعدة المستخدمين على معرفة مدى تشابه أذواق المراجع مع أذواقهم، فإن تتبع سجل مشتريات المراجع قد يكون مؤشّرًا ذا بال.

أي السلوكيات مرغوبة؟ إن مجرد تتبع أفعال المستخدم علنًا قد يشجع أو يثبط وقوعها (بحسب ما إذا كان الفعل محمودًا أو مذمومًا). فإن أراد الموقع تشجيع كثرة المساهمات؛ فربما يجدر تتبع عدد المراجعات أو التعليقات المنشورة في ملف السمعة، أما إذا رغب في ترقية جودة المساهمات، فالأولى إخفاء معلومات عن حجم المساهمات وتتبع تقييم الآخرين لمساهمة معينة عوضًا عن ذلك.

لأيّ السلوكيّات يمكن الحصول على معلومات موثوقة؟ فمتى ما قرّر نظام السمعة إبراز جانب من جوانب السلوك، لا بدّ أن يسعى الأفراد إلى التحايل على النظام لمصلحتهم. لذا، من الضروري اختيار المقاييس التي تتّسم بالموثوقيّة ويصعب التلاعب بها. وأمّا الخيار الرئيس في هذا المقام، فهو بين المعلومات المستقاة من الداخل (أي من التجربة المباشرة) وبين الآراء المنقولة عن الآخرين (أي من الخبرة غير المباشرة). فإحصاء موقع “ييلب” لعدد المراجعات التي نشرها المستخدم أو حجم شبكة أصدقائه، مثال على المعلومات المباشرة. وأمّا اعتماد “إيباي” على سؤال كلّ من المشتري والبائع عن رأيهما في الصفقة، فهو مثال على الآراء المنقولة. وغالبًا ما يكون الاعتماد على المعلومات المستقاة من أفعال المستخدمين أنفسهم أولى، لما فيها من مزيد وثاقة. غير أنّ هذه المعلومات قد لا تتوفّر دائمًا، أو قد يستلزم جمعها إنشاء بنية تحتيّة باهظة الكلفة. ولهذا السبب، كثيرًا ما تضطرّ أنظمة السمعة إلى الاعتماد على الآراء المنقولة من الآخرين. فإذا كان الأمر كذلك، وجب وضع آليات تحدّ من التلاعب والتحايل.

القرار الرئيس الثالث: كيف ينبغي جمع معلومات السمعة وعرضها؟

تعتمد آليات السمعة طرائق شتّى في عرض النتائج، وتنقسم هذه الطرائق إلى ثلاثة أصناف كبرى:

إحصاءات النشاط الخام؛ كعدد المراجعات المنشورة، أو عدد المعاملات المنجزة.

الدرجات والتمييزات؛ كالتقييم بالنجوم (مثل مراجعات أمازون)، أو الدرجات الرقميّة (كمجموع تقييمات إيباي، أو تصنيف مستخدمي توب كودر)، أو المستويات المرقّمة أو رتب العضويّة المسمّاة (كمستويات لاعبي وورلد أوف ووركرافت، أو رتب “المشرف” و”المشرف الأعلى” في سلاش دوت)، أو شارات الإنجاز (كبائع إيباي المميز، أو مراجع أمازون العليا).

قوائم المتصدّرين وسائر طرائق عرض التصنيفات النسبيّة للمستخدمين؛ مثل قائمة أفضل مراجعي أمازون، أو تصنيف شهرة المؤلفين في إبنيونز.

إنّ اختيار طريقة الجمع والعرض أمر بالغ الأهميّة، إذ يحدّد، أوّلًا: مدى تدخّل آلية السمعة في إصدار الحكم مقابل ترك المستخدمين يحكمون بأنفسهم، وثانيًا: مدى إسهام نظام السمعة في خلق روح التنافس بين المستخدمين. ولعلّ عرض الإحصاءات الخام لنشاط الفرد في المجتمع هو أكثر الطرائق حياديّة في تلخيص سمعة المرء. وقد ازدادت إحصاءات الشبكات الاجتماعيّة شهرة وانتشارًا في مواضع شتّى. ومزية الإحصاءات الخام أنّ النظام لا يصدر بها حكمًا مباشرًا، بل يترك للمستخدمين استخلاص النتائج بأنفسهم، غير أنّ عبء تفسير تلك الأرقام يقع على عاتق المستخدم، الذي يجب أن يكون خبيرًا بالبيئة ليستخلص النتائج الصحيحة.

وأمّا استخدام درجات صريحة، كالتقييم بالنجوم، فيحلّ هذه الإشكاليّة إذ ينقل للمستخدمين فورًا ما إذا كان أداء المرء في جانب معيّن “حسنًا” أم “سيّئًا”. وهذه الطريقة تسهّل على المستخدمين استيعاب المعلومة، غير أنّها تتضمّن حكمًا صريحًا على الجودة؛ لذا، فهي أصلح في المواطن التي يتّفق فيها الجميع على معنى الجودة.

وأمّا قوائم المتصدّرين والتصنيفات، فتزيد على ذلك بأنّها لا تكتفي بالحكم، بل تبيّن مكانة المستخدم نسبة إلى غيره، فهي تخلق ترتيبًا هرميًّا بين المستخدمين، وقد يكون لهذا أثر بالغ في ثقافة المجتمع وسلوكه. فدعم المقارنة المباشرة بين المستخدمين قد يزيد الحافز على المساهمة، غير أنّه قد يغرس أيضًا ثقافة تنافس قد تكون مفسدة بوجوه عدّة؛ فقد يدفع الهوس بالتصنيفات بعض المستخدمين إلى سلوكيات متلاعبة وضارّة، كما قد يشعر من لم يبلغوا المراتب العليا بالحنق ويدفعهم ذلك إلى ترك المجتمع. وقد دلّت التجربة على أنّ عرض التصنيفات وقوائم المتصدّرين بشكل بارز يجرّ من المشكلات أكثر مما يجلب من المنافع. فإن أبيت إلا استخدامها، فاجعلها عنصرًا خفيًّا نسبيًّا في آلية السمعة.

وأمّا قصة موقع Digg.com، فهي مثال على مخاطر إدخال التنافس المفرط في مجتمع كان الأصل فيه التعاون. فهذا الموقع يتيح للمستخدمين ترشيح المقالات الإخباريّة التي استرعت انتباههم، ثم يصوّت الآخرون لترقية المقالات أو خفضها، ويحدّد عدد الأصوات مدى بروز المقالة في الموقع. وقد أُريد للموقع أن يكون وسيلة شعبيّة لتحديد “ما يستحق القراءة اليوم”. وقد أنشأ Digg.com آلية سمعة تضمنت في الأصل قائمة بأكثر الأعضاء تأثيرًا؛ أي أولئك الذين حازت مقالاتهم المرشحة على أكبر عدد من الأصوات. وقد بلغ ببعض هؤلاء الأعضاء الهوس بترتيبهم أن شكّلوا حلقة تواطؤ لضمان تصدّر ترشيحاتهم؛ فأدّى ذلك إلى تقويض ثقافة الموقع وديناميّته. وإثر جدل واسع، قرّر الموقع في يناير 2007م إلغاء قائمة المتصدّرين، واليوم، لا تشتمل صفحة المستخدم في Digg إلا على “إحصاءات بسيطة” فحسب.

بُعدٌ آخرُ مُهِمٌّ في التَّصميمِ هوَ: هل يُؤسِّسُ النِّظامُ تقاريرهُ على تاريخِ المستخدمِ الكاملِ في الموقعِ، أم يَبني الإحصاءاتِ أو الدَّرجاتِ أو التَّصنيفاتِ على السُّلوكِ الحديثِ فقط؟ فالمقاييسُ التَّراكميةُ تزدادُ بازديادِ مُكثِ المستخدمِ في الموقعِ، وهذا حسنٌ في بناءِ الولاءِ، غيرَ أنَّهُ ليسَ جيِّدًا في تحفيزِ المُستخدمينَ القُدامى على الاستمرارِ في الإسهامِ. وقد يُثبِّطُ ذلكَ أيضًا عزيمةَ الأعضاءِ الجُددِ عن الانضمامِ، إذ قد يرونَ من العسرِ أو الاستحالةِ أن “يلحقوا” بأعضاءٍ قدامى. أمَّا مقاييسُ السُّلوكِ الحديثِ فعلى الضِّدِّ من ذلك: تُبقي الأعضاءَ في يقظةٍ دائمةٍ، وتُتيحُ للفتيانِ الجُددِ فرصًا متساويةً، لكنَّها تُقلِّلُ من كلفةِ الانتقالِ إلى موقعٍ مُنافِسٍ، وغالبًا ما يكونُ الجمعُ الحكيمُ بين هذينِ النَّوعينِ من المقاييسِ هو الأصلحُ.

وبعدَ عدَّةِ مُراجعاتٍ، اجتمعت eBay وAmazon على مثلِ هذهِ التَّوليفاتِ؛ فملفُّ السُّمعةِ في eBay يشتملُ اليومَ على درجةِ التَّغذيةِ الرَّاجعةِ، وهي مقياسٌ تراكميٌّ، إضافةً إلى بيانٍ مُفصَّلٍ عن التَّغذيةِ الرَّاجعةِ الحديثةِ للعضوِ. كذلكَ تنشرُ Amazon تصنيفينِ مختلفينِ للمُراجعينَ: أحدَهما يُبنى أساسًا على الإسهاماتِ التَّراكميةِ، والآخرَ على الإسهاماتِ الحديثةِ.

ولا ريبَ أنَّ نُظُمَ السُّمعةِ في الشَّبكةِ الاجتماعيةِ أعقدُ ممَّا تَسَعُهُ مقالةٌ قصيرةٌ، وأُصولُ تصميمِها أدقُّ ممَّا يُظَنُّ. فلعلَّهُ غيرُ مُستغرَبٍ أن تُخطئَ منصَّاتٌ كثيرةٌ في بناءِ نُظُمِها، فتكونَ للعاقبةِ عواقبُ وخيمةٌ، ولكن إذا ابتدأَ مُصمِّمو نُظُمِ السُّمعةِ من الأُسسِ، أمكنهم أن يَبلغوا في بناءِ النِّظامِ الذي يُحقِّقُ أهدافَ شركاتِهم شأوًا بعيدًا.

مقالات ذات صلة