ألدن إم. هاياشي
أصبح القائمون على التسويق يدركون بشكل متزايد أن عالمهم يتغير من “الدفع” إلى “الجذب”. تقليديًّا، كان بإمكانهم دفع الإعلانات وغيرها من محتوى التسويق نحو العملاء المحتملين للترويج لمنتجات أو خدمات جديدة، أما الآن، فقد اعتاد المستهلكون جذبَ تلك المعلومات بأنفسهم، على سبيل المثال من خلال تصفح الإنترنت. وهذا التحول الجذري من الدفع إلى الجذب لا يقتصر على التسويق؛ بل يحدث في جوانب الأعمال جميعها، من الموارد البشرية إلى البحث والتطوير. على الأقل هذا ما يؤكده كتاب جديد مثير للجدل بعنوان “قوة الجذب: كيف يمكن للحركات الصغيرة الذكية أن تحرك أشياء كبيرة”، من تأليف جون هاجل، وجون سيلي براون، ولانغ دافيسون (نيويورك: بيسك بوكس، 2010م).
يعرف المؤلفون، وجميعهم مرتبطون بمركز ديلويت للأفق، الجذبَ بأنه “القدرة على استقطاب الأشخاص والموارد حسب الحاجة لمواجهة الفرص والتحديات”. فبعض خصائص الجذب هي التعاون، والمرونة، والمبادرات من القاعدة إلى القمة، أما الدفع، فيعتمد على السيطرة المركزية، والامتثال، والتوجيهات من الأعلى إلى الأسفل. والفرق بين العقليتين يؤثر تقريبًا في كل جانب من جوانب الأعمال، خذ على سبيل المثال كيفية التعامل مع المعلومات. يركز المديرون في نظام الدفع على اكتساب “مخزونات” المعرفة؛ فقد تحتكر منظمة مبيعات، على سبيل المثال، بيانات العملاء، بل وتحجب تلك المعلومات عن أقسام أخرى داخل الشركة نفسها، في المقابل، يهتم المديرون في منظمات الجذب أكثر بـ”تدفقات” المعرفة؛ امتلاك إمكانية الوصول إلى المعلومات المهمة وتوفيرها عبر الأقسام ومن شركة إلى أخرى.
حاليًّا، سمع معظم المديرين عن بعض جوانب ظاهرة الجذب، وتدرك الشركات كيف عزز الإنترنت وغيره من تقنيات المعلومات قوة العملاء والموظفين على مستوى القاعدة، وقد ظل خبراء الأعمال ينادون منذ سنوات بضرورة أن تصبح المؤسسات أكثر مرونة وأقل هرمية. علاوة على ذلك، فإن أهمية تدفق المعلومات هي فكرة مركزية في “الابتكار المفتوح”، وهو المفهوم الذي ينص على أن الشركات يجب أن تستفيد من الموارد الداخلية والخارجية على حد سواء عند طرح تقنيات جديدة في السوق، لكن جمال كتاب “قوة الجذب” يكمن في أن المؤلفين يجمعون هذه الأفكار المتفرقة على ما يبدو تحت مبدأ شامل وبسيط: توقف عن الدفع، وابدأ بالجذب.
وهنا تكمن المشكلة: ستحتاج الشركات التقليدية التي تعتمد على الدفع إلى إعادة هيكلة كاملة كي تصبح مؤسسات جذب. أحيانًا، يثير وصف المؤلفين لعالم الجذب قدرًا من المثالية الفاضلة أكثر من الواقعية المؤسسية: “بدلًا من أن يخدم الأفراد احتياجات المؤسسات، سيُعاد تشكيل مؤسساتنا لخدمة احتياجات الأفراد”، هكذا يقول المؤلفون. وبالنظر إلى سجل التغيير الضعيف في الشركات الكبرى، قد تكون مثل هذه التحولات الجذرية للأعمال من أعلى إلى أسفل مجرد حلم بعيد المنال، ومع ذلك، يقدم المؤلفون بعض النصائح العملية الجيدة لاتخاذ الخطوات الأولى الصغيرة.
إحدى هذه الخطوات هي ممارسة “الإرشاد العكسي”؛ بدلًا من أن يتولى التنفيذيون المخضرمون رعاية الموظفين الشباب الواعدين، يمكن أن تعمل العملية في الاتجاه الآخر أيضًا، إذ يمكن للموظفين المتمرسين في تقنيات الجذب المختلفة (مثل فيسبوك وتويتر) أن يُوجّهوا المديرين ذوي الخبرة لاستكشاف الطرق المختلفة التي يمكن أن تتحول بها الشركة إلى ما هو أبعد من طرقها التقليدية في ممارسة الأعمال.
كما يقترح المؤلفون فرصة جذب أخرى، وهي التركيز على الاستثناءات في تكنولوجيا المعلومات. وعادةً ما يتم تصميم تطبيقات تكنولوجيا المعلومات لتوحيد وأتمتة العمليات، ونتيجة لذلك، غالبًا ما تكون هذه التطبيقات غير جاهزة للتعامل مع الاستثناءات؛ مثل العملاء الذين يرغبون في شروط دفع غير معتادة عند الطلب، لكن هذا النوع من المعلومات يمكن أن يؤدي إلى ابتكار عملية تلبي حاجة غير مُلبّاة في السوق، وإذا ركزت الشركات على جمع هذا النوع من بيانات الاستثناءات، فقد تتمكن من تحديد اتجاهات السوق قبل منافسيها.
وستساعد هذه الممارسات، وغيرها من الممارسات المشابهة، الشركات على أن تصبح أكثر جذبًا وأقل دفعًا، لكنّ مؤلفي الكتاب لا يساورهم أي وهم بشأن حجم ما يقترحونه، ومع ذلك، يحذّرون (وربما بشكل متشائم قليلًا) من أن الشركات ببساطة ليس لديها خيار آخر. “لن نكذب عليكم: لن يكون الأمر سهلًا”، هكذا يقولون، “لكن الخيار الآن هو أن نعتمد هذه التقنيات ونزدهر، أو أن نتجاهلها ونواجه خطر الفشل الكبير مع توجه الشغف والموهبة والموارد المادية إلى أماكن أخرى”.
