جورج إس. داي وبول جيه. إتش. شوميكر
إنَّ الحديث عن “التقنية الخضراء” لَيبعث في النفوس حماسةً عظيمة؛ إذ يثير في الأذهان أن موجةً جديدةً من المخترعات والاكتشافات ستغيِّر وجه الحياة، وتُوقِف تدهور كوكبنا، وتدَّخر الموارد للأجيال القادمة. وليس الأمر مجرَّد حديث؛ بل إن المستثمرين يضخُّون أموالًا حقيقية. وقد قُدِّر أن يبلغ السوق العالمي لمصادر الطاقة البديلة (كالرياح والطاقة الشمسية والوقود الحيوي) ثلاثمئة وخمسة عشر مليار دولار بحلول عام ألفين وثمانية عشر. وفي الأعوام القليلة الماضية، نَمت الاستثمارات الكبرى بأكثر من ثلاثين في المئة.
غير أنَّ ارتفاع وتيرة النشاط يثير من الأسئلة بقدر ما يقدِّم من الإجابات بشأن التقنيات الخضراء، فلو أننا بدأنا نشحن سياراتنا عبر شبكة كهرباء ذكية، فمن الذي يصنع البطاريات؟ وبأي تقنيات؟ وأي مصادر للطاقة سنستخدم في شحنها؟ ومثل ذلك الجدل يدور حول الوقود الحيوي: هل نصنعه من الطحالب؟ وهل تصير الطحالب مادةً أوليةً أرجى من الذرة أو قصب السكر؟ أيمكننا إنتاج نوعٍ من الأسمنت يقلِّل كثيرًا من انبعاث ثاني أكسيد الكربون، أم ينبغي أن نطوِّر مواد بديلة تحلُّ محلَّه؟ وهل تدفع برامج إدارة الطاقة الأُسر الأمريكية إلى تنظيم استهلاكها في أوقات الذروة، أم أن تغيير سلوك الناس عسير المنال؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة يزداد تعقيدها بسبب الشكوك الجوهرية التي تكتنف سوق التقنيات الخضراء. فمسار تطوُّر هذه السوق رهين بقُوى تتجاوز سلطان أيَّ رائد أعمال أو مستثمر منفرد. (انظر: “تعريف التقنيات الخضراء”). فعلى الحكومات أن تضع سياسات طاقة متماسكة ودائمة، ويجب أن يتوفَّر رأس المال المخاطِر لتمويل مشروعات البنية التحتية الضخمة، وهناك عوامل أخرى غير متوقعة: تذبذب أسعار النفط، والنزاعات الجيوسياسية، ومعدلات النمو الاقتصادي، ومواقف العامة من تحذيرات تغيُّر المناخ العالمي.
فما السبيل الأمثل، إزاء هذه الشكوك، للمشروعات الناشئة، والشركات الكبرى، والهيئات الحكومية، والمنظمات غير الحكومية في ميدان التقنية الخضراء؟ وكيف للمؤسسات أن تتجنَّب الانخداع بالضجة الإعلامية، وتسعى إلى تحقيق وعود التقنيات الخضراء الناشئة؟
العِبرة من الماضي
لقد دلَّ التاريخ على أنَّ طريق الابتكار التقني طويل متعرج، ففي الأعوام بين ألفين وخمسة وألفين وسبعة، أدى الحماس الجارف إلى ظهور مئات المشروعات الجديدة في التقنية الخضراء، لكن كثيرًا منها عانى في أتون الركود الكبير، وللمُضي قُدمًا في وجه الشكوك العميقة وطويلة الأمد، والانتكاسات المحتملة، ينبغي لشركات التقنية الخضراء أن تكتسب قدرةً على الصمود. فلا يكفي إدراك الفرص، بل لا بد من السبق إلى المنافسين، والبقاء أمامهم. ومن أجل ذلك، استخلصنا عشرة دروس عريضة لممارسي التقنية الخضراء، مستندين إلى نجاحات وإخفاقات طائفة واسعة من التقنيات الناشئة، كعلوم الحياة، والتصنيع النانوي، والمواد المتقدمة، وعلوم الفضاء، وتقنيات المعلومات الكثيرة. وإن كانت هذه الدروس ليست ثابتة لا تتغير، لكن ينبغي للمديرين أن يأخذوها مأخذ الجد؛ إذ إنها مستمَدة من تجارب صناعية مماثلة. وهذه الدروس تتناول ثلاثة محاور أساسية: فهم طبيعة الفرصة السوقية ودينامياتها؛ وصياغة استراتيجيات للريادة السوقية، وبناء منظمة قادرة على التكيُّف تملك من “قوة البقاء” ما يمكِّنها من مواجهة الشكوك الكثيرة المقبلة.
تعريف التقنيات الخضراء
نرى أن التقنيات الخضراء هي تطبيقات علمية ترنو إلى حماية البيئة والموارد الطبيعية، من خلال تقليل النفايات والسمّية، وترشيد استهلاك الطاقة، وتخفيض التلوث وانبعاث الكربون. وغالبًا ما يكون هدفها تعزيز الأمن الاقتصادي والطاقي والمناخي. وتشمل التقنيات الخضراء مصادر الطاقة البديلة، مثل المزارع الشمسية، وتوربينات الرياح، وتوربينات المد والجزر، والطاقة الحرارية الجوفية، وطاقة الأمواج، والتقنيات الداعمة للحفاظ على الطاقة، أيًّا كان مصدرها، مثل المباني الخضراء، وتقنيات “الفحم النظيف”، واحتجاز الكربون، والمواد الكيميائية النظيفة، وسواها من المنتجات التي تقلل النفايات، أو تلغي الحاجة إلى معالجة النفايات، ومنتجات المستهلكين التي تمكِّن الأفراد من تقليل بصمتهم الكربونية، كالمركبات الهجينة والهيدروجينية، والمنتجات المصنوعة من مواد مُعاد تدويرها، وتقنيات الإضاءة الصمامية والمصابيح الفلورية المدمجة التي تحل محل المصابيح المتوهجة. وتشمل التقنيات الخضراء مجالات متنوعة، مثل معالجة المياه وتنقيتها، وإعادة التدوير، والمواد، وتخزين الطاقة، وتوليد الطاقة، والبنية التحتية، والنقل، وطيف واسع من خدمات الدعم.
الدرس الأول: التوقيت كل شيء
قلّ من يشكك في جاذبية سوق التقنية الخضراء، لكن أين تكمن الفرص الفضلى؟ لقد شهد أواخر التسعينيات تصاعدًا هائلًا في الاستثمارات التقنية والقيم السوقية، ثم تلاشى معظم ذلك الحماس في عامي ألفين وألفين وواحد حين انفجرت فقاعة التقنية. ومهما بدا ذلك استثنائيًّا في حينه، فإن مثل هذه الانعكاسات شائعة: فلا يمكن للأسواق أن تتحدى قوانين الجاذبية إلى الأبد. وغالبًا ما يؤدي حدث محفِّز، كركودٍ في المبيعات، أو انقطاع تقني، أو هبوط في الأسعار، إلى خروج سريع للمنافسين وتوحُّد السوق. والنتيجة: فترة تصفية يختفي فيها ما يصل إلى ثمانين في المئة من اللاعبين في تلك السوق.
الفقاعات والانهيارات جزء لا مفر منه من عملية الانتقاء الطبيعي في الأسواق الحرة. ومن علامات التحذير من الفقاعات: الحماسة الشديدة بشأن حجم السوق المحتمَل ونموه، وكثرة الداخلين الجدد (بعضهم يعمل في الخفاء)، وحالة النشوة التي تصيب وسائل الإعلام والمصرفيين الاستثماريين وأصحاب رؤوس الأموال المغامِرة. إن نجاح أي عمل تجاري ناشئ أو فشله هو رهين بحسن توقيت الدخول في دورة حياة السوق: فبعض الشركات تبادر بالدخول مبكرًا، وأخرى تفوِّت الفرصة. وعلى الرغم من شيوع الاعتقاد بأن الفائزين لا بد أن يكونوا من أوائل الداخلين، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فكثيرًا ما يكون الفشل نتيجة عدم الاستثمار في القدرات اللازمة لدرء المنافسين الذين يقلدون ويحسنون العروض القائمة. ففي أواخر تسعينيات القرن العشرين، كان هنالك أكثر من ألفَي شركة في مجال التقنية الحيوية، ولم يبقَ اليوم إلا قِلة من الكبار المستقلين، مثل “أمجين”. أما البادئون الأوائل، فإما غادروا السوق وإما ابتلعتهم شركات أخرى، كما فعلت شركات الأدوية حين استحوذت على كثير من مشروعات التقنية الحيوية الناشئة.
ومع ذلك، فإنّ معظم الصناعات تواصل نموّها حتى بعد الانهيارات أو عمليات الاندماج الكبرى. فالإفراط في التفاؤل قد يؤدي إلى تقلبات حادّة وإفلاس بعض الشركات، لكنّ القطاعات نفسها قد تستمرّ في النمو. ففي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حين شهدت إنجلترا اندفاعًا واسعًا نحو مشاريع السكك الحديدية، باع كثير من مُلّاك الأراضي حقوق مرور القطارات عبر أراضيهم لشركات السكك الحديدية، مما أدّى إلى نشوء فقاعة اقتصاديّة سرعان ما انفجرت. ومع ذلك، بُنيت في العقد التالي خطوط سكك حديدية أكثر مما بُني في الفترة التي سبقت الطفرة، بل إن انفجار الفقاعة كثيرًا ما يمهد لنموٍّ لاحق. ومثال ذلك ما حصل في صناعة كابلات الألياف الضوئية مؤخرًا؛ ففي الفترة بين 1998م و2001م، وبِناءً على توقعات مفرطة في التفاؤل بشأن نمو استخدام الإنترنت، مدَّت شركات الاتصالات كميات هائلة من كابلات الألياف الضوئية، غير أن الاستفادة الفعلية لم تتجاوز 5% من تلك القدرة في ذروة الطلب. ومعظم الشركات التي استثمرت في ذلك الاندفاع نحو السككالحديدية إمّا فشلت وإمّا تكبّدت خسائر فادحة، غير أنّ الطاقة الهائلة التي وفّرتها تلك الشبكات أسهمت في إتاحة الاتصالات العالمية منخفضة التكلفة، وخلقت فرصًا سوقية جديدة، وساعدت على جعل العالم أكثر ترابطًا وتكاملًا.
الدرس الثاني: التغيير يحدث ببطء
إن فهم الفرص السوقية يقتضي أيضًا التسليم بأن التغيير غالبًا ما يكون أبطأ مما يتوقع المستثمرون المتحمسون الأوائل. ففي عالمٍ ترافق فيه الفقاعات حالات النشوة، يصعب توقع التوقيت الصحيح، وهناك ثلاثة عوائق رئيسية أمام التبني السريع للتقنيات الناشئة:
مشكلة الدجاجة والبيضة: فمن دون البرمجيات، لا قيمة كبيرة للجهاز الصلب الجديد، ومع ذلك، فإن مطوري البرمجيات لا يكتبون البرامج المطلوبة ما لم تكن هناك توقعات قوية بتحقيق مبيعات ضخمة. وقد أصابت هذه المشكلة كثيرًا من أسواق التبادل بين الشركات التي ظهرت خلال فقاعة الإنترنت؛ فلم يكن البائعون يشاركون إلا إذا توفر عدد كافٍ من المشترين، بينما كان المشترون ينتظرون قدوم مزيد من البائعين.
عوائق الكلفة أو الأداء: فالمصابيح الفلورية المدمجة تدوم خمس إلى ست مرات أطول من المصابيح المتوهجة التقليدية، وتستهلك طاقة أقل بنسبة 75%. ولو استبدل كل منزل في الولايات المتحدة مصباحًا عاديًّا بآخر فلوري، لكان التوفير السنوي في الطاقة وانبعاثات الغازات الدفيئة يعادل إخراج 1.3 مليون سيارة من الطرقات. ومع ذلك، فمنذ ظهورها في أواخر الثمانينيات، لم تتجاوز حصة هذه المصابيح 11% من سوق الإضاءة المنزلية الأمريكية، والسبب أن سعرها يبلغ ثلاثة أضعاف المصباح العادي، كما أن ضوءها أشد قسوة.
وقد تواجه السيارات الموفِّرة للوقود والنظيفة تأخيرًا مماثلًا في الانتشار الواسع. وبالنظر إلى دورات استبدال السيارات التجارية أو المنزلية، فقد يستغرق الأمر سنوات عديدة حتى تستبدل دولة أسطولها من السيارات والشاحنات. وقد تسرع كلفة الوقود العالية والدعم والحوافز الأخرى من وتيرة الاستبدال، لكننا نظن أن التحول سيستغرق وقتًا طويلًا.
ويمكن لنماذج الانتشار أن تساعد في تقييم مدى سرعة انتشار التقنيات “الخضراء” عبر ديناميات العدوى ونقاط التحول، لكن معدل تبني التقنيات الحديثة غالبًا ما يتباطأ بفعل تأثيرات القفل، والجمود، وعدم اليقين في السوق. وتزداد العوائق إذا تطلَّب الأمر استثمارات ضخمة في البِنية التحتية لتحقيق الحد الأدنى من الكفاءة، كما في محطات شحن السيارات، أو إذا كانت كلفة التحول مرتفعة للمستهلكين، كما في الانتقال من المصباح التقليدي إلى الفلوري. علاوة على ذلك، قد تضطر قطاعات السوق في البداية إلى التعامل مع تقنيات خضراء متعددة تتنافس لتصبح المعيار، مما يزيد من حالة عدم اليقين. وتكون هذه العوامل عوائق أمام التغيير، فيصبح تطور السوق أبطأ مما هو متوقع أو مأمول.
التطوّر المشترك مقابل الاستبدال المحض: فاستبدال التقنية نادرًا ما يكون معادلةً صفريةً، إذ غالبًا ما يولّد فرصًا جديدة بدل أن يقتصر على إحلالٍ كاملٍ لما سبقه. فحتى بعد أربعين عامًا من ظهور أشباه الموصلات، لا يزال هناك حيز ربحي لصمامات التفريغ. ولم تستبدل التجارة الإلكترونية تجارة “الطوب والإسمنت”، بل إن النماذج التجارية الأكثر نجاحًا هي التي تجمع بين البيع التقليدي والإلكتروني. وكذلك الحال في التقنيات الخضراء، فستكون هناك حالات استبدال كثيرة، لكن من المرجح أن تتعايش أنواع الطاقة المختلفة لسنوات طويلة. ومن المهم أن نصوغ المسألة بوصفها تعايشًا وتطورًا مشتركًا، لا مجرد إحلال واستبدال.
الدرس الثالث: التعاون أمرٌ جوهري
بالنظر إلى حجم أسواق التكنولوجيا الخضراء ونطاقها وتعقيدها، فقد دلَّت التجربة على أنَّ التعاون مفتاحٌ لاقتناص الفرص السوقية؛ إذ تعاون الحلفاء الاستراتيجيون مع جمعيات التجارة الصناعية لوضع مواقف مشتركة، ومع سائر الشركات عبر المشروعات المشتركة، وكذلك الشراكات بين القطاعَين العام والخاص، كلها أثبتت نجاعةً عظيمة. وينبغي للداخلين الجدد أن يدركوا مواقف أصحاب المصلحة التي تؤثر في صانعي السياسات والمستهلكين. فبعض البلدان والثقافات قد تكون منفتحة على فهم تعقيد تغير المناخ، ومستعدة للانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، بينما قد يعارض آخرون التغييرات التي تمس مصالحهم الاقتصادية أو السياسية الآنية. وأصحاب المصلحة المتنوعون سيحرصون على أن يكون لهم رأي في كيفية تطور التقنيات الخضراء. ودور المنظمات غير الحكومية وأصحاب رؤوس الأموال المغامِرة سيكمل دور الشركات والجهات الحكومية.
وقد أظهر الاجتماع العالمي للمناخ في كوبنهاغن في ديسمبر سنة 2009م أهمية التعاون وصعوبته معًا بين أصحاب المصلحة الدوليين؛ فقد كانت الآمال معقودة قبيل الاجتماع أن يحقق تقدمًا كبيرًا في مكافحة الاحتباس الحراري، لا سيما في تبني أهداف واضحة لخفض الكربون، لكن قادة البرازيل والصين والهند وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة لم يتفقوا إلا على إعلان نية لاعتماد سياسات تقصر زيادة الاحتباس الحراري عن درجتين مئويتين، فجاء الاتفاق النهائي ضعيف الأثر.
وعلى النقيض من ذلك، كان بروتوكول مونتريال الذي اعتُمِد سنة 1989م للقضاء على المواد المستنفدة للأوزون مثالًا على النجاح. فقد حدد المجتمع العلمي الدولي خطرًا محدقًا (ثقب الأوزون)، وأسبابه الرئيسة (استخدام الكلوروفلوروكربونات في الصناعة)، وسُبل تعديل المنتجات والعمليات للحد من المشكلة. وبفضل الجهود الدبلوماسية الدولية الفعالة وقوى السوق، لم يعد ثقب الأوزون يتسع على نحوٍ خطير، وقد تطلب الأمر تركيزًا جماعيًّا على تهديد عالمي معترف به، وقوة العلم الذي لا يُدحض لتشخيص الكلوروفلوروكربونات كسببٍ رئيس. ومن النجاحات البارزة أيضًا مبادرة “نجمة الطاقة” التي أطلقتها وكالة حماية البيئة الأمريكية عام 1992م، ثم تبنَّتها أستراليا وكندا واليابان ونيوزيلندا وتايوان والاتحاد الأوروبي. وقد حددت “نجمة الطاقة” مجالات واسعة للهدر مثل الإضاءة والحواسيب والأجهزة والمباني، ثم قدمت أمثلة مقنعة على أن الابتكار في حفظ الطاقة يؤدي إلى توفير في التكاليف على المستويَين المؤسسي والفردي. وتقدِّر وكالة حماية البيئة أن وفورات التكاليف التراكمية من برنامج “نجمة الطاقة” بلغت أربعة عشر مليار دولار في عام 2006م وحده.
الدرس الرابع: الابتكار ذو وجوهٍ شتى
أما العنصر الأخير لفهم الفرصة، فهو إدراك المعنى الكامل للابتكار. فكثيرًا ما يُظَن أن الابتكار يقتصر على منتج أو سوق جديدة، ولكنه في الغالب أوسع من ذلك؛ إذ يشمل التغيرات في نماذج الأعمال، وتصاميم المنظمات، والهياكل المالية، أو سلاسل الإنتاج والإمداد. وقد اعتادت الساحة التقنية على صراع الابتكارات في نماذج الأعمال، كما هي الحال بين “غوغل” و”نتفليكس” في مجال الأفلام حسب الطلب. وتتيح التقنيات الخضراء إمكانات ابتكارٍ ثوري على امتداد سلسلة القيمة بأسرها. ومثال ذلك شركة “سوزلون إنرجي” الهندية التي غدت ثالث أكبر شركة لتوربينات الرياح في العالم بحلها لمشكلات العملاء بحلولٍ شاملة؛ إذ بدأت بتقديم المشورة في رسم خرائط الرياح وتوفير الأراضي، ثم توسَّعت لتشمل جميع مراحل الطاقة الريحية من التوليد إلى ربط الشبكات، بعدما كان العملاء يضطرون سابقًا إلى تجميع المكونات بأنفسهم.
وابتكار نماذج جديدة أمرٌ لا بد منه لنجاح التقنيات الخضراء. فالابتكار الحقيقي يقتضي طرح الأسئلة العميقة، والإخفاق في ذلك قد يحجب عن المديرين فرصًا جديدة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك رفض شركة “آي بي إم” في الستينيات فرصة الاستحواذ على عملية التصوير الجديدة التي طورتها “زيروكس”. فقد استعانت “آي بي إم” بشركة الاستشارات المرموقة “آرثر دي ليتل” للإجابة عن سؤال: “إذا توفر لدينا أسلوب موثوق فيه وأرخص وأسرع، فكم نسخة إضافية من الوثائق سيقوم الناس بإنتاجها في عامٍ معين؟” وكان النسخ آنذاك يُصنع من الأصل، فحصرت كلٌّ من “آي بي إم” و”آرثر دي ليتل” المسألة في “نسخ من الأصل”، وأغفلوا سوقًا أوسع بكثير (أي نسخ من نسخ من نسخ وهكذا). وقد اتضح أن السوق الجديدة والأوسع كانت أكبر بأضعاف، ولم يكن في الإمكان التنبؤ بذلك إلا لو أُعيد طرح السؤال: “كيف سيغير أسلوب زيروكس الجديد توقيت وطرائق النسخ، وما انعكاسات ذلك المحتملة؟”
الدرس الخامس: اعتناق عدم اليقين من خلال الحفاظ على الخيارات
إذا أدركت الشركة فرصة حقيقية في السوق، فإن التحدي التالي يكون في صياغة استراتيجية تمكِّنها من تحقيق الريادة المستدامة في السوق. ومن السهل التقليل من شأن الأخطار الكامنة في المبادرات الجديدة؛ إذ إن قضايا التوقيت المعقدة وعوامل أخرى كالأحداث النادرة، والبجعات السوداء[1]، والتفرُّدات، قد تفسد أكثر الخطط التجارية إحكامًا. وأدوات الإدارة التقليدية توهم المديرين بأنهم قادرون على اختراق الضباب عبر حساب توزيعات الاحتمال، واتِّباع مسارات القرار المثلى. ولعل هذا النهج يُجدي نفعًا في البيئات المألوفة، لكنه لا ينفع عند الخوض في المجهول، والتحدي الذي يواجه القادة الناشئين في ميدان التقنيات الخضراء هو تعلُّم كيفية اعتناق عدم اليقين والاستفادة منه.
ولحسن الحظ، ثمَّة أدوات تعين المؤسسات والأفراد على التحول الذهني اللازم للنجاح في مستقبل يكتنفه الغموض الشديد، ويتطلب هذا التحول الابتعاد عن محاولة التنبؤ بالأخطار والسيطرة عليها، والاقتراب من تقنيات تُسلِّم بأن أفضل ما يمكن فعله هو الإبحار في خضم عدم اليقين، كما يفعل ربان السفينة في عرض البحر. فالتفكير بالسيناريوهات، مثلًا، يعين المديرين على تصوُّر طيف واسع من الاحتمالات، ليتمكنوا من تصحيح المسار عند الحاجة، حتى عند مواجهة أحداث غير متوقعة، كما أن تحسين قدرات الرصد والاستشراف قد يساعد الشركات على اكتشاف ما لم يكن في الحسبان قبل فوات الأوان (وسنعود إلى هذا في الدرس التاسع). ومن الملحقات الطبيعية لتخطيط السيناريوهات “التفكير بالخيارات الواقعية”. فعندما يكون مستوى عدم اليقين عاليًا، قد يكون من الحكمة توزيع الرهانات على عدة خيارات صغيرة، بدلًا من رهان واحد كبير؛ إذ إن خطر فشل الرهان الكبير أعظم. وقد تعلَّمت شركة موتورولا هذا الدرس القاسي مع شركة إيريديوم، وهي شبكة عالمية صُممت لدعم الاتصالات الصوتية والبيانية حول العالم عبر هواتف وأجهزة الأقمار الاصطناعية المحمولة. فقد بدأت الشركة في تقديم خدماتها عام 1998م، ثم أعلنت إفلاسها تحت الفصل الحادي عشر بعد تسعة أشهر فقط، بعد أن أهدرت مليارات الدولارات. وفي كثير من الحالات، يكون اتِّباع نهج الاستثمار متعدد الخطوات أجدى؛ إذ يحفظ المرونة من خلال السماح للمديرين بتجربة عدة خيارات، كما لو أنهم يشترون خيارات شراء على عدة أسهم، بدلًا من المراهنة على سهم واحد. ومع الاستثمارات الصغيرة، تكتسب الشركة حق مراقبة التقنيات الناشئة من كثب، مما يمكِّن المديرين من اتخاذ قرار في كل مرحلة، إما بتوسيع الاستثمار وإما الانسحاب. ومثل هذه الخيارات الواقعية تساعد الشركات على استكشاف الفرص، وترسيخ موطئ قدم في الأسواق الناشئة، أو الحصول على أنواع شتى من التراخيص وحقوق المشاركة، التي يمكن تفعيلها عند انطلاق التقنية، فإذا تطورت التقنيات الناشئة، واتضحت مساراتها وفرصها في السوق، أمكن حينئذٍ اللجوء إلى المقاييس التقليدية مثل صافي القيمة الحالية.
الدرس السادس: توقُّع موضع المال
إن النجاح في الصناعة الناشئة كالنصر في لعبة الهوكي على الجليد؛ فهو يعتمد على الاستبصار، ومراقبة السوق، ليس وحدها، بل مراقبة التحركات التنافسية وردود الأفعال التي ستحدد مسارها. ولكي يضع القادة استراتيجية ناجحة، عليهم أن يتخيلوا المستقبل، كما قال لاعب الهوكي الشهير وين جريتزكي: “عليك أن تتزلج إلى حيث سيكون القرص، لا إلى حيث هو الآن”. وبعبارة أخرى، السوق ليست خطية بل ديناميكية للغاية.
فلنتأمل سوق الطاقة المتجددة؛ فقد شهدنا في السنوات الأخيرة تقدمًا هائلًا في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الجوفية. ففي الفترة بين عامَي 1998م و2008م، ارتفعت القدرة المركبة عالميًّا لهذه المصادر من عشرين إلى مئة وخمسة وأربعين جيجاواط. واليوم، في الدنمارك، تمثل طاقة الرياح عشرين في المئة من توليد الكهرباء. وعلى الرغم من هذه المكاسب، لا تزال هناك شكوك أساسية؛ إذ لم يتضح بعد أي من منصات التقنية المتنافسة ستسود، أو ما إذا كانت تقنية جديدة كلية ستظهر.
وهذا الإشكال يبدو جليًّا في سوق الطاقة الشمسية؛ فبسبب ارتفاع سعر الكهرباء الشمسية الفوتوفولتية مقارنة بالمصادر التقليدية، تُمنح مشروعات الطاقة الشمسية في كثير من البلدان دعمًا حكوميًّا. وقد اتخذ هذا الدعم صورًا عدة: حوافز استثمارية (كالتخفيضات الضريبية أو القروض منخفضة الفائدة)، أو أسعار إعادة شراء مضمونة للكهرباء المنتَجة من الطاقة الشمسية (عبر ما يُسمى تعريفات التغذية)، أو فرض إدراج الطاقة الشمسية ضمن مزيج الطاقة الكلي. ففي اليابان، مثلًا، ساعدت الحوافز الحكومية على نشوء سوق قوية للطاقة الشمسية منذ عام 1994م. أما ألمانيا، فقد استخدمت الحوافز لمشروعات الطاقة الشمسية منذ عام 2000م، مما أدى إلى معدلات نمو مبهرة في الطاقة الشمسية الفوتوفولتية.
وبناءً على هذا النشاط، قد يبدو أن سوق الطاقة الشمسية مجال خصب للاستثمار، لكن أي منصة تقنية هي الأجدر بالبقاء؟ في الوقت الراهن، تهيمن الخلية السيليكونية البلورية على إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، إلا أن ثمة تقنيات منافِسة، مثل الطاقة الشمسية المركزة، أو التصاميم الرقيقة باستخدام أحبار النانو، أو تصاميم “ المجمّعات الشمسية. “، وكلها قد تتجاوز تقنية السيليكون البلوري. والشركات اليقظة سترقب هذه المنافسات، وتشتري الخيارات الواقعية المناسبة لحماية موقعها.
الدرس السابع: التأمل فيما وراء حدود الصناعات
تُظهر التجارب في الصناعات الأخرى، المعتمدة على التكنولوجيا، مدى شيوع انتقال الابتكارات التقنية عبر حدود الصناعات. فمثلًا، للعلوم الحيوية آثار واسعة النطاق على الأمن القومي، وتغيُّر المناخ، والتقنيات الخضراء. ومن أمثلة الابتكار العابر للصناعات: الطب عن بُعد، والمعلوماتية الصحية، وهندسة الأنسجة. وكذلك توفر الطاقة البديلة فرصًا وافرة للتلاقح التقني. ففي سبعينيات القرن الماضي، حينما شكَّل نقص البنزين تهديدًا لإمدادات الطاقة في الولايات المتحدة، ساهم الإيثانول المستخرَج من الذرة في تحقيق أمن الطاقة. وفي العقد الأخير، عاد الإيثانول إلى الواجهة، وهذه المرة بوصفه وسيلةً لإطالة موارد البنزين. أما الوقود الحيوي “الأخضر”، الذي يُنتج لا من الذرة، بل من قصب السكر، وبنجر السكر، ونباتات السليلوز غير الغذائية مثل الأعشاب البرّية المستخدمة لإنتاج الطاقة، فهو الآن في مراحل مختلفة من التطبيق التجاري.
وقد يكون تطوير إنزيمات جديدة، ولا سيما الكائنات المخمرة للإيثانول، من قِبل شركات، مثل نوفوزايمز ودانيسكو وغيرهما، خطوة ذات شأن عظيم؛ إذ قد يُحدث ذلك تحولًا في سوق طاقة النقل، ويفتح الباب أمام مصادر طاقة محلية ميسورة الكلفة. ومما يُبشِّر بالخير تقنيات التقاطع التي تشمل النباتات والكائنات الدقيقة المعدلة وراثيًّا، حيث تُدمج جزيئات الحمض النووي من مصادر شتى باستخدام تقنية الحمض النووي المؤتلف. ولقد استُخدمت عملية التخمير منذ آلاف السنين لتحويل الشعير إلى كحول، ومؤخرًا استُخدمت البكتيريا لتخمير الأعشاب البرية لصنع وقود الطائرات. وسيستمر توسيع حدود السوق في التقنيات الخضراء نظرًا إلى تنوعها وإمكانات الابتكار فيها. وإن رسم خرائط لمجالات التقنية المتجاورة يعين المديرين على استشراف مواضع الامتداد الحدودي. (انظر: “الالتقاء المدفوع بالعلوم الحيوية”). وإن فضاءً ديناميكيًّا كالتقنيات الخضراء من غير المرجح أن ينمو ضمن قطاعات سوقية ثابتة، ومن ثَم فإنه من الضروري تصوُّر أسباب تغير خرائط الصناعات وكيفيته مع مرور الزمن.
الدرس الثامن: المشاركة من أجل المنفعة المشتركة
نادرًا ما تحدث الابتكارات التقنية ضمن شركة واحدة. وعلى مدى العقد الماضي، أصبح بناء منظمة قابلة للتكيف جهدًا تعاونيًّا يضم طيفًا من الفاعلين: وسطاء المعرفة، والموردين، والمقاولين المتخصصين، وشركات التصميم. ويُعظم هذا النسيج المتنوع من المشاركين قيمة الرؤى الفردية، مع توزيع الأخطار والعوائد الاستثمارية على نطاق أوسع.
وهذا الانتشار للأخطار مغرٍ خاصة في مجال التقنية الخضراء، حيث يعلو مستوى عدم اليقين، ويعظم حجم الاستثمارات الرأسمالية غير القابلة للاسترداد وفترات العائد الممتدة عن قدرة معظم المستثمرين المغامرين منفردين. فالشبكات التي تملك مهارات متفوقة وخبرة وبصيرة سوقية يمكنها امتصاص بعض الأخطار أو تقليلها. وفوق ذلك، فإن الشبكة غالبًا ما تكون أحكم من أي مشارك منفرد؛ إذ تتعلق الحكمة لا بما تعرفه الشبكة فحسب، بل بمن تعرفه أيضًا. فالشبكة الموسعة تملك عددًا مضاعفًا من نقاط الاتصال مع العالم الخارجي: من قادة الفكر، والروابط، والخبراء. وهذه الشبكة تعين المشاركين على مراقبة أطراف السوق، واكتشاف بوادر المشكلات أو الفرص قبل أن يدركها المنافسون.
أما الشركات التي تتقن مهارات تنسيق الشبكات المعقدة، فلها أن تجني ثمار التآزر الشبكي. ولكي تنجح الشراكة، ينبغي للشركات حماية ملكيتها الفكرية، وتجنب فقدان السيطرة على مبادراتها الخضراء، وستنجح الشركات التي تصطف مع شركاء جيدين ذوي سجل حافل بالنجاح. وفي نهاية المطاف، فإن من يحمي نفسه، وينمي ثقافة الانفتاح، سيستطيع العمل مع مجموعات متباينة لتحقيق أهداف مشتركة. ومن الأمثلة الناجحة على المبادرات المشتركة بين القطاعَين العام والخاص في مكافحة الأمطار الحمضية: أن وكالة حماية البيئة حددت انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت من محطات الطاقة بوصفها السبب الرئيس للأمطار الحمضية، ووضعت سياسة الحد والمتاجرة للحد من الانبعاثات. وكانت النتيجة: ابتكارات سوقية وتشغيلية متنوعة خفضت بشكل جذري من SO2 في البيئة. فمنذ بدء البرنامج عام 1990م، خفضت سياسة الحد والمتاجرة من انبعاثات SO2 من محطات الطاقة بمقدار عشرة ملايين طن، أي بأكثر من 60%. والبرنامج الآن مطبَّق بالكامل، مع حدٍّ دائم لانبعاثات SO2 يقل عن مستويات عام 1980م بنحو 50%. وتوضح هذه القصة الناجحة كيف أن وكالة حكومية مسؤولة، من خلال سياسة عامة رشيدة، اعتمدت على آليات السوق لتوزيع أخطار ومكاسب الابتكارات التقنية.
الدرس التاسع: راقب الأطراف
في عالم التكنولوجيا الناشئة، هناك قدرتان لا غِنى عنهما لبقاءٍ طويل الأمد: يقظة التنظيم، وقابلية الإدارة العليا للتكيف مع التغير. فكثيرًا ما تظهر الابتكارات في أطراف الأعمال أو الأسواق قبل أن يُعترف بها على نطاق واسع. ولهذا، ينبغي للشركات أن تنمي القدرة على استشعار الإشارات الضعيفة للتهديدات والفرص، وتفسيرها، والعمل بمقتضاها. وتاريخ تقنية الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (LED) عبرة معتبرة؛ فبعد سنين من البحث، لم يكن معظم الناس يعلمون بها، حتى ظهرت في تطبيقات مثل لافتات الخروج المضيئة وشاشات الهواتف المحمولة، ثم وجدت هذه التقنية طريقها إلى إشارات المرور وأضواء المكابح والسيارات، لكنها لم تُحدِث أثرًا يُذكَر في سوق الإضاءة الناعمة في المنازل والمكاتب. ومن المرجح أن تسلك الابتكارات المستقبلية في التقنيات الخضراء مسارًا مشابهًا؛ إذ تبدأ من الأطراف، ثم تتجه نحو المركز. ومن أدرك الإمكانات باكرًا، كان أقدر على التحكم في مصيره؛ فبدلًا من أن يكون فعله ردًّا على الأحداث، يستطيع أن يشكِّلها بما يخدم مصلحته.
ومما كشفته البحوث حول الرؤية الطرفية أن المديرين كثيرًا ما يدركون متأخرين أن تقنية ناشئة قد تجاوزتها أخرى في الأطراف. ومثال ذلك المنافسة بين وادي السيليكون والصين في سوق الخلايا الكهروضوئية؛ إذ لم يتوقع المستثمرون، نظرًا إلى طرائق وادي السيليكون المتقدمة والرخيصة في طباعة طبقات رقيقة من المواد على السيليكون، أن تبادر الصين إلى اقتحام هذه السوق بهذه السرعة. غير أن الصين فاجأت الجميع؛ إذ سخَّرت ضخامتها ودعمها الحكومي السخي لتقليل التكاليف، واكتساب الحصة السوقية. والإشارات الضعيفة يصعب تفسيرها، وذلك ما يجعلها خطيرة.
الدرس العاشر: اجمع بين المهارتين
إن مجالس الإدارة والمستثمرين في شركات التقنيات الخضراء يعلون من شأن يقظة التنظيم، وهم وإن لم يتوقعوا الاستبصار، لكنهم يعولون على فرق القيادة في قراءة الإشارات المبكرة للفرص أو الأخطار، والعمل بمقتضاها. والقادة اليقظون الذين يزدهرون في أوقات الاضطراب واللايقين، يمتلكون ميزة فارقة على المديرين التشغيليين المهرة في التنفيذ وتحقيق الكفاءة قصيرة الأمد، لكنهم يتعثَّرون عند حلول الفوضى. فالقادة اليقظون أكثر ازدواجية في المهارة؛ يوازنون بين ثقافة التعلم وأداء العمل، ويعتنون بالحاضر من دون إغفال المستقبل، ويجمعون بين الاهتمام بالناس والمهام بحسب مقتضى الحال.
والازدواجية في المهارة قد تكون صفة للفرد كما للتنظيم، وهي تعزز قدرة الشركة على الابتكار. ويمكن للقادة أن ينمُّوا هذه المهارة بأن يتيحوا للوحدات المستقلة المحافظة على عملياتها وبناها وثقافتها، سعيًا إلى التنفيذ السريع للاستراتيجيات المتفق عليها. بل إن بعضهم يدعم الشركات الناشئة والمبادرات التجريبية، ويوفر لها موارد خاصة أحيانًا. أما المنظمات التقليدية فتفضِّل أسلوبًا واحدًا في العمل، وكثيرًا ما يقاوم المديرون التشغيليون فيها تخصيص الموارد للمشروعات التي تبدو محفوفة بالأخطار، أو غير متوافقة مع مقاييس الأداء القائمة، فيموت كثير من الأفكار الجيدة في مهدها.
ولإدارة شتى أوجه عدم اليقين المحيطة بالتقنيات الخضراء، لا بد من التعلم من النجاحات والإخفاقات على السواء. فالقادة الناجحون يكافَؤون بجذب المستثمرين والموهوبين. غير أن الأمر لا يقتصر على الاستراتيجية والقيادة، بل يتعداه إلى بناء قدرة تنظيمية تُحسِّن من تعامل القادة مع تعقيد التقنيات الخضراء، وعدم يقينها.
وحين تنشغل فِرق الإدارة بمطالب بدء المشروعات الجديدة ومواجهة عدم اليقين، يسهل عليها أن تغفل عن الصورة الكبرى. وغرضنا أن نعينهم على التعلم من تجارب الرابحين والخاسرين في التقنيات الناشئة، ليحسنوا طرح الأسئلة، ويفكروا في طيف أوسع من الاستراتيجيات، ويفحصوا بعمق قدرة مؤسساتهم على البقاء. وقد دفعتنا بحوثنا المستفيضة في التقنيات الناشئة إلى تقديم بعض التنبؤات في ميدان التقنيات الخضراء؛ إذ نرى أن الانتقال من التقنيات القديمة “البنية” إلى التقنيات الخضراء سيكون مسيرة تمتد عقودًا، تعترضها منعطفات كثيرة. وفي الوقت الراهن، تشمل التقنيات الخضراء طيفًا واسعًا من الصناعات والتطبيقات، ولا شك أن مزيدًا من القطاعات الواعدة سيظهر. أما اللاعبون الناجحون في هذا الميدان فسيضعون استراتيجيات تراعي مستويات عدة من عدم اليقين، وسينمُّون قادة قادرين على إدارة التعقيد واللايقين العاليَين. وبينما يستعد المديرون لمهمة تطوير التقنيات الخضراء الناشئة نحو مستقبل مستقر ومزدهر، نرجو أن يجدوا فيما قدمناه من الرؤى ما يعينهم على ذلك.
المراجع
1. J. Bennett, “Are We Headed Toward a Green Bubble?” Entrepreneur (April 2010): 51-54.
2. The research supporting this study was funded by the Mack Center for Technological Innovation at the Wharton School of the University of Pennsylvania. See G.S. Day and P.J.H. Schoemaker, “Wharton on Managing Emerging Technologies” (New York: Wiley, 2000).
3. See G. Tellis and P. Golder, “Will and Vision: How Latecomers Grow to Dominate Markets” (New York: McGraw-Hill, 2002); and G.S. Day, “Strategies for Surviving a Shakeout” Harvard Business Review (March-April 1997).
4. R. Spekman and P. Farris, “Compact Fluorescent Bulbs: 15 Years Later,” University of Virginia Darden School, 2008; and “CFL Market Profile,” U.S. Department of Energy, March 2009.
5. M. Gladwell, “The Tipping Point: How Little Things Can Make a Big Difference” (New York: Little Brown and Co., 2000).
6. C. Shapiro and H.R. Varian, “Information Rules: A Strategic Guide to the Network Economy” (Boston: Harvard Business School Press, 1999).
7. D.A. Levinthal, “The Slow Pace of Rapid Technological Change: Gradualism and Punctuation in Technological Change,” Industrial and Corporate Change 7, no. 2 (1998): 217-247.
8. For a discussion of the Copenhagen process, see P.R. Kleindorfer, “Personal View: Coping with Copenhagen,” INSEAD, January 25, 2010, http://knowledge.insead.edu/environment-copenhagen-insead-091229.cfm. The current status of country endorsements of the Copenhagen Accord is periodically updated at www.usclimatenetwork.org/policy/copenhagen-accord-commitments.
9. V. Govindarajan and C. Trimble, “Ten Rules for Strategic Innovators” (Boston: Harvard Business School Press, 2005); L. Huston and N. Sakkab, “Connect and Develop” Harvard Business Review (March 2006): 1-8; M. Hansen and J. Birkinshaw, “The Innovation Value Chain.” Harvard Business Review (June, 2007).
10. V. Barabba, “Meeting of the Minds: Creating the Market-Based Enterprise,” (Boston: Harvard Business School Press, 1995).
11. Tail events refer to unlikely occurrences, drawn from the tail of the probability distribution. Black swans refer to large-impact and rare events outside most people’s expectations. Singularities refer to a mathematical discontinuity, such as a plastic credit card breaking at some point (the singularity) when bent further and further. See N.N. Taleb, “Fooled by Randomness: The Hidden Role of Chance in Life and in the Markets” (London: Texere Publishing, 2001) or his “The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable” (New York: Random House, 2007); see also, B. Mandelbrot and R.L. Hudson, “The (Mis)Behavior of Markets” (New York: Basic Books, 2004).
12. P.J.H. Schoemaker, “Profiting From Uncertainty: Strategies for Succeeding No Matter What the Future Brings” (New York: Free Press, 2002).
13. A.K. Dixit and R.S. Pindyck, “The Options Approach to Capital Investment,” Harvard Business Review (May-June, 1995): 105-115.
14. I.C. MacMillan and R.G. McGrath, “Crafting R&D Project Portfolios,” Research Technology Management 45, no. 5 (September-October 2002): 48-59.
15. Grid-price refers to the price of electricity charged by utilities to the end consumer of electricity.
16. P.J.H. Schoemaker and J.A. Schoemaker, “Chips, Clones and Living Beyond 100” (Upper Saddle River, NJ: Pearson Publishing, 2009).
17. http://web.mit.edu/erc/spotlights/ethanol.html.
18. P. Kleindorfer and J. Wind (eds.), “The Network Challenge: Strategy, Profit and Risk in an Interlinked World,” (Upper Saddle River, NJ: Wharton Publishing, 2009): 277-295.
19. G.S. Day and P.H.J. Schoemaker, “Peripheral Vision: Detecting the Weak Signals That Will Make or Break Your Company” (Cambridge, MA: Harvard Business School Press, 2006).
20. G.S. Day and P.J.H. Schoemaker, “Are You a ‘Vigilant’ Leader?” MIT Sloan Management Review 49, no. 3 (spring 2008): 43-51.
21. C.A. O’Reilly and M.L. Tuschman, “The Ambidextrous Organization”, Harvard Business Review (April 2004); see also Govindarajan, “Ten Rules.”
i. Jefferies Research, “Clean Technology Primer,” September 2009.
ii. These solar PV scenarios are described in more detail in a working paper by Michael Dreimann and Raphael Speck titled “Solar Power,” February 2010; for a copy, see http://mackcenter.wharton.upenn.edu/fordpapers.aspx.
[1] تُشير إلى مفهوم معروف في الاقتصاد ونظرية الاحتمالات وضعه نسيم نيقولا طالب (Nassim Nicholas Taleb)، هي نظرية تُشير إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث المفاجئة. تقوم هذه النظرية على الفكرة السائدة بأن البجع كله أبيض أما وجود البجع الأسود فهو نادر ومفاجئ. كان ذلك قبل اكتشاف البجع الأسود في استراليا الغربية الذي كان حدثًا غير متوقع. وتنطبقُ هذه النظرية على الأحداث التاريخية التي لم يكن من الممكن التنبؤ بها أو كان احتمال وقوعها غير وارد على الإطلاق. فمعظم الناس لم يروا بجعًا أسودَ، لذا يعتقدون بعدم وجوده، وذلك لأن عقلنا يركّز على أمور ويغفل عن أخرى. المترجمة.
