مايكل شريج وديفيد كيرون
الخيارات الأفضل تُمكّن من اتخاذ قرارات أفضل.
في ظل الاضطرابات السوقية، يتطلب الازدهار المربح من التنفيذيين إدراكَ أن اتخاذ قرارات أفضل ليس كافيًا، بل يحتاجون إلى خياراتٍ أفضل، فالخيارات هي المادة الخام لاتخاذ القرار؛ فمن دون خيارات متنوعة ومفصلة وعالية الجودة، فإنَّ أفضل عمليات اتخاذ القرار لن تحقق الأداء المطلوب. ويمكن قياس مدى التقدم بشكل موثوق عبر لوحات المعلومات التقليدية وبطاقات الأداء التي تحددها متطلبات المحاسبة التقليدية والامتثال، لكن هذه الأمور ليس بمقدورها منحنا الرؤى أو التوقعات اللازمة لصنع خيارات متميزة ومتفوقة؛ إذ إنها لم تُصمَّم لهذا الغرض.
بيد أنَّ أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي والتنبؤي قد صُممت لذلك؛ فهي قادرة على إبراز الخيارات المخفية، وتسليط الضوء على الترابطات التي تم تجاهلها، واقتراح مسارات جديدة نحو النجاح. لا تدعم هذه الأنظمة الذكية والوكلاء الأذكياء اتخاذ قرارات أفضل فحسب، بل يُلهموننا إياها. ومع سيطرة السرعة في الوصول إلى السوق والقدرة على التكيف، تمكّن أنظمة القياس المدعومة بالذكاء الاصطناعي التنفيذيين بشكل متزايد من توقع المنافسة والتكيف معها والتفوق عليها، وتقدم أبحاثنا أدلة قوية على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية والتوليدية يمكن تدريبها لتوفير خيارات أفضل، وليس مجرد قرارات أفضل.
الخيار المصمم بوساطة الآلة يمكن -ويجب- أن يمكّن ويعزِّز نظيره البشري، كما تشرح أنجالي بهاغرا Anjali Bhagra، وهي طبيبة ورئيسة قسم الأتمتة في مايو كلينك: “في جوهر الأمر، ما نقوم به، سواء كان ذكاءً اصطناعيًّا أو أتمتة أو تقنيات مبتكرة أخرى، هو تمكين فرقنا من حل المشكلات وتقليل الاحتكاك في تقديم الرعاية الصحية، فمبادراتنا مصممة من قبل البشر ولأجلهم”.
يمكن للقادة والمديرين والزملاء على جميع المستويات استخدام الأنظمة الذكية القائمة على تحليل البيانات المتقدم والتركيب والتعرف على الأنماط، للمشاركة في ابتكار “هياكل الخيارات الذكية” التي تطرح خيارات أفضل تؤدي بدورها إلى قرارات أفضل تحقق نتائج أفضل. وقد صاغ الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ريتشارد ثالر والعالم القانوني كاس سونستاين في كتابهما “الدَفْع: تحسين القرارات المتعلقة بالصحة والثروة والسعادة”Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness مصطلح “هندسة الخيارات” للإشارة إلى ممارسة التأثير على الخيار من خلال “تنظيم السياق الذي يتخذ فيه الناس قراراتهم” عن قصد.(1)
ومن خلال الاستفادة من الأدبيات التجريبية الثرية لأبحاث الاقتصاد السلوكي، استكشف عمل ثالر وسونستاين كيف تؤثر عوامل محددة (مثل عدد الخيارات، وتضمين الخيارات الافتراضية، ووصف الخيارات) في عملية اتخاذ القرار. وإن دمج الذكاء الاصطناعي في تصميم وإنتاج هندسة الخيارات يعزز الروابط بين التصميم والقرارات بشكل أكبر. وما يميز هياكل الخيارات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي هو قدرتها على التفاعل المبتكر مع صناع القرار البشريين وتعلم تقديم توصيات وخيارات أفضل من خلال حلقات التغذية الراجعة.
يمكن لهياكل الخيارات الذكية أن تصمم بيئات اتخاذ القرار لدفع المديرين نحو تفكير أكثر ابتكارًا من خلال إدخال وتأطير خيارات “غير تقليدية”. فعلى سبيل المثال، عند القيام بعصف ذهني حول ميزات منتج جديد، قد تتضمن بنية خيار ذكية خيارات عشوائية من صناعات غير مرتبطة، مما يحفّز التلاقح الإبداعي للأفكار.
كما يمكن لهياكل الخيارات الذكية أن تتعلم تقديم خيارات استراتيجية بطرق تعاكس تحيز تجنب المخاطرة لدى لجنة تنفيذية. فعلى سبيل المثال، قد تعرض بنية خيار ذكية عمليات الاستحواذ المحتملة على أنها “فرص نمو” بدلًا من “مخاطر مالية”، مما يشجع ضمنًا على اتخاذ قرارات أكثر جرأة.
ومع تعمق الاستثمارات الاستراتيجية في الذكاء الاصطناعي ورأس المال البشري، سيدرك القادة المستقبليون أن أنظمة القياس الذكية يمكن أن تحسن سلوكيات اتخاذ القرار التنظيمي من خلال توليد خيارات جديدة، وتوقع النتائج، وتوجيه الخيارات. ومن خلال تصميم السياقات التي تُتخذ فيها القرارات الاستراتيجية والتشغيلية الرئيسية، ستعيد هذه الهياكل تشكيل مستقبل اتخاذ القرار المؤسسي وكيفية سعي القادة لتحقيق الطموحات الاستراتيجية.
ومن ثم، نرى أن القياس الذكي من أجل خيارات أفضل له آثار هائلة على اتخاذ القرارات التشغيلية والاستراتيجية، وقياس الإنتاجية، والتصميم المؤسسي.
القياس الذكي يؤدي إلى خيارات وقرارات أفضل
إن ترجمة قدرات القياس المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى رؤى قابلة للتنفيذ، ودَفْعات وخيارات، تخلق بشكل فعّال هياكل خيارات ذكية ديناميكية. فهذه الهياكل تدمج رؤى الذكاء الاصطناعي في أطر اتخاذ القرار واستدامته، وتقدم خيارات شخصية وتنبؤية وواعية أخلاقيًّا، وتساعد المستخدمين على مواءمة القرارات مع أهداف المؤسسة.
يمكن أن توفر تحليلات البيانات الذكية، على سبيل المثال، خيارات إدارية أفضل بشكل ملموس لقرارات المبيعات وسلسلة التوريد والتسويق: فالمخرجات الرئيسية هنا هي الخيارات، وليست الإجابات. ويمكن لوكلاء القياس الأذكياء تقديم رؤى دقيقة ومفصلة تمكن التوائم الرقمية من اقتراح حلول أكثر كفاءة أو ابتكارًا لعمليات سلسلة التوريد، ويمكن للقادة أن يتوقعوا خيارات وتوصيات أفضل -وليس فقط “أفضل” إجابة- من استثماراتهم القائمة على معالجات خوارزمية في مجالات تتراوح من الموارد البشرية إلى تطوير البرمجيات إلى أتمتة القوى العاملة، ومن ثم ينبغي ألا يحتكر التنفيذيون هذه الفوائد. كما يمكن لعمليات هندسة الخيارات الذكية أن تعيد تعريف حقوق اتخاذ القرار في جميع أنحاء المؤسسة؛ ففي مجال دعم العملاء، يمكن لهندسات الخيارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تقدم لوكلاء الدعم البشري توصيات مخصصة استنادًا إلى تحليل البيانات في الوقت الفعلي لسلوكيات العملاء ومعاملاتهم ومشاعرهم، ويمكن للإرشاد التنبؤي أن يساعد فِرَق دعم العملاء على حل المشكلات بكفاءة أكبر -على سبيل المثال، من خلال زيادة نسبة الطلبات التي يتم حلها في المكالمة الأولى- مع العمل على تعزيز تجربة العميل. وبمساعدة الخيارات التلقائية والمعزَّزة لاتخاذ القرار في بيئات العمل ذات الضغط العالي، يمكن لهذه الأنظمة تمكين الموظفين الذين يتعاملون مباشرة مع العملاء، ليس من خلال إخبارهم بما يجب القيام به، بل من خلال منحهم خيارات أكثر تخصيصًا، وهذا يحترم ويعكس حساسية معينة لـ”حقوق اتخاذ القرار”.
وبالمثل، يمكن لهندسات الخيارات الذكية أن تدعم اتخاذ القرار من قِبل المديرين المتوسطين والمشرفين من خلال رؤى قابلة للتنفيذ تُقدم عبر لوحات معلومات مؤشرات الأداء الرئيسية التكيفية التي توضح مسارات اتخاذ القرار لتحسين أداء الفريق، وتسهيل اختناقات العمليات، أو تعديل جداول المشاريع. وفي مثل هذه الحالة، لن يكون على المديرين أن يختاروا فقط من قائمة خيارات، بل سيتلقون توصيات حول المفاضلة بين البدائل. فعلى سبيل المثال، قد يحلل الذكاء الاصطناعي اتجاهات بيانات المبيعات ويوصي باستراتيجيات لتحقيق الأهداف الفصلية دون أن يضطر الموظفون لتحمل أعباء عمل غير معقولة، أو يرسل تنبيهات حول أداء الموظفين مرتبطة بتحسين فرص البيع الإضافي أو رفع المبيعات. ويعدّ إبرازُ أرقام المبيعات أمرًا ثانويًّا من الناحية التشغيلية والتحليلية مقارنةً بتوجيه المديرين بشكل استباقي نحو تحسينات ممكنة في إنتاجية الفريق ومعنوياته. هل يثير هذا مخاوف أخلاقية وقانونية وخصوصية؟ نعم، ولهذا يجب أن تتضمن هندسات الخيارات الذكية متطلبات الشرح والتفسير والشفافية وفق مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول.
أما في الموارد البشرية، فيمكن لتدريب هندسة الخيارات الذكية أن يبرز الخيارات الذكية للإدارة، من أجل تحسين الإرشاد والتوجيه من خلال دمج بيانات أداء الموظفين ورضاهم وتطورهم المهني، وكذلك يمكن أن يقترح مسارات مهنية مخصصة، أو يحدد القادة المحتملين، أو يوصي ببرامج تدريبية تهدف إلى تحسين مهارات الموظفين أو سد الفجوات المهارية.
فعلى سبيل المثال، تستكشف شركة وولمارت استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المواهب المخفية أو غير المُقدَّرة حق قدرها، والتي يصفها بن بيترسون، نائب رئيس وولمارت لشؤون المنتجات والتصميم البشري، بأنها “ألماس الشركة غير المصقول”. كما يوضح بيترسون: “من الذي يعمل حاليًّا في المتجر رقم 2463 في فريسكو، تكساس، ولا نعرف عنه؟ كيف نستفيد من التكنولوجيا للحصول على رؤية حول مجتمع موظفينا وتحديد الفجوات المهارية فيما نريد أن نكون عليه بعد خمس أو عشر سنوات من الآن؟” بالإضافة إلى ذلك، تسعى وولمارت إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد فرص التعلم والتطوير في الوقت الفعلي للموظفين، وهي الفرص التي “تأخذهم إلى حيث يريدون أن يكونوا وحيث نرى نحن حاجة ضرورية”، كما يقول بيترسون. “كيف نعدهم لأدوار المستقبل؟” الجواب هو من خلال توفير خيارات أفضل تساعدهم على اتخاذ قرارات أفضل، لأنفسهم ولشركة وولمارت.
تسهم هندسات الخيارات الذكية أيضًا بشكل كبير في إعادة التفكير وإعادة تصميم مؤشرات الأداء الرئيسية والنتائج، فإذا انطوى مسار التصنيع على تنبؤ بتوقف أطول من المتوقع، فقد تتفاعل هندسة الخيارات الذكية بشكل تكيفي مع المديرين المتوسطين لاقتراح إعادة توزيع الموارد، أو تعديلات سير العمل، أو تغييرات في الأفراد، ويضمن نظام القياس الذكي ألا يكتفي مديرو الإنتاج بردِّ الفعل تجاه تقلبات مؤشرات الأداء الرئيسية، بل يتوقعون المشكلات بشكل استباقي قبل أن تتفاقم وتصبح مكلفة.
اختيار هندسة الخيارات المناسبة
ما هي هندسة الخيارات الذكية الأنسب لحالة استخدام بعينها أو ظرف معين؟ هل ينبغي أن تعطي هندسات الخيارات الذكية أولوية أكبر لتجربة العملاء على حساب تجربة الموظفين؟ هل ينبغي أن تسعى القرارات المالية التشغيلية إلى تحسين قيمة العميل مدى الحياة على التدفقات النقدية الفصلية؟ هل يجب أن يجعل المديرون إرشاداتهم وقواعدهم وتوصياتهم الشخصية في هندسة الخيارات الذكية مرئية لزملائهم؟ في النهاية، ينبغي أن تعكس هندسات الخيارات الذكية حقوق اتخاذ القرار التي تحددها الإدارة العليا (أو أي مكان آخر في المؤسسة، فهو خيار). وعند تقييم البدائل المتاحة في هندسة الخيارات، يجب على القادة أن يأخذوا في الحسبان بشكل صريح كيف ستتفاعل هذه الأنظمة مع المستخدمين وتربطهم بالوظيفة أو المهمة التي تناسبهم أكثر.
هذه بعض البدائل المتاحة في هندسات الخيارات الذكية:
- خوارزميات الدفع لاتخاذ قرارات مُثلى: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدمج استراتيجيات “الدفع” التي وضعها سونستاين وثالر، والتي توجه القادة بلطف نحو اتخاذ قرارات أكثر مثالية دون تقييد أو تهديد استقلاليتهم الحقيقية أو المتصورة وصلاحياتهم في اتخاذ القرار؛ هذا الأمر يعزز قرارات المؤسسة من خلال تحسين النتائج بشكل خفي مع الحفاظ على وكالة صانعي القرار، وهذا يبني ثقة أكبر بين مهندسي الاختيار الأذكياء ومستخدمي هذه الأنظمة.
- بيئات اتخاذ القرار الشخصية: يمكن لأنظمة القياس المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تخلق بيئات قرار مصممة خصيصًا، تعكس الأدوار الفريدة، والاختيارات السابقة، وسياقات القادة أو المديرين أو الزملاء الأفراد، تمامًا كما تقوم أمازون ونتفلكس وسبوتيفاي بتخصيص توصياتها للمستهلكين الأفراد، فإن هذه الخيارات الشخصية تتماشى صراحة مع التفضيلات المهنية والأولويات أو متطلبات تظهر وفقًا لسياق الموقف.
- نمذجة الاختيار التنبؤية: من خلال الاستفادة من البيانات التاريخية وتحليلات الذكاء الاصطناعي، توفر هذه الأنظمة رؤى مستقبلية، وتتنبأ بالنتائج المحتملة والمقايضات لمختلف القرارات الاستراتيجية، وتشجع القدرات التنبؤية القادة على تقييم الأثر المحتمل لاختياراتهم ونتائجها المتوقعة بشكل استباقي.
- إدارة التعقيد: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر كميات هائلة من البيانات المعقدة إلى رؤى مبسطة وقابلة للتنفيذ، مما يمكّن صانعي القرار من التنقل بكفاءة أكبر في بيئات الخيارات الصعبة، ويسهم تقليل التعقيد في زيادة الوضوح والرؤية حول القرارات مع ضمان تركيز القادة على أهم المقاييس.
- اتخاذ القرار الأخلاقي: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدمج الاعتبارات الأخلاقية في هياكل الاختيار الذكية لتوجيه القرارات الاستراتيجية بشفافية نحو التوافق مع قيم المؤسسة والامتثال للقوانين والتشريعات. ويحتفي هذا التكامل بالقرارات المسؤولة التي تعكس أهداف المؤسسة الأوسع لصالح أصحاب المصلحة، وكذلك المستثمرين والمشغلين.
إعادة التفكير في الإنتاجية: من المخرجات إلى النتائج
لهياكل الاختيار الذكية آثار هائلة على تعريف وتصميم وقياس إنتاجية المؤسسات، ويمكن لأنظمة القياس الذكية التي تحلل كميات هائلة من البيانات ذات الصلة، وتحدد الأنماط الأساسية، أن تقدم الآن رؤى ونصائح حول الخيارات والفرص والمخرجات الأكثر احتمالًا لتحقيق النتائج المرغوبة، كما يمكنها قياس المساهمات في النتائج، وليس فقط المخرجات. وعندما يتم تضمينها بشكل مناسب في تدفقات البيانات وسير العمل، يمكن لهياكل الاختيار الذكية إنتاج وإعطاء الأولوية لمقاييس الأثر على مقاييس النشاط. إذ تُمكِّن هذه القدرة المديرين التنفيذيين من إعادة النظر في تطلعاتهم الإنتاجية لرأس المال البشري والمالي وأشكال رأس المال الأخرى. وبصراحة، يمكن لهياكل الاختيار الذكية أن تساعد القادة على مواءمة العائد من أصولهم الملموسة وغير الملموسة بشكل أكثر إنتاجية.
ومن الأمثلة على ذلك، أحد البنوك الدولية الكبرى الذي خرج من جائحة كوفيد-19 ليواجه حقيقة واقعية غير سارة، حيث أظهرت الاستطلاعات المتكررة أن غالبية موظفيه أعلنوا أنهم يحضرون الكثير من الاجتماعات، وأن معظم هذه الاجتماعات مضيعة للوقت. وقد كشفت نتائج الاستطلاع عن مواطن خلل ثقافية وتشغيلية أدت إلى إطلاق عدة مشاريع تجريبية للذكاء الاصطناعي لاستكشاف طرق مختلفة لجعل الاجتماعات أكثر قيمة للمشاركين فيها.
في إحدى التجارب الأكثر نجاحًا، تمت تغذية نموذج لغوي ضخم (LLM) بجميع مواد العروض التقديمية ومحاضر الاجتماعات والجداول الزمنية لاجتماعات فرق معينة، وذلك من أجل التلخيص والتجميع والمشاركة، وكانت المخرجات الفورية المولدة ملخصات موجزة للنقاط الأساسية والخطوات التالية المقترحة. إذ أبلغ المشاركون في هذه الاجتماعات المدعومة بالنموذج اللغوي عن مستويات رضًا أعلى بكثير مقارنة بمستويات الرضا عن الاجتماعات في نتائج الاستبيان، ومن ثم منحت هذه النتائج المديرين والإدارة العليا على حد سواء طريقة جديدة لقياس وتقييم مساهمة اجتماعات الفرق والتعاون في إنجاز المشاريع في الوقت المحدد وضمن الميزانية وبجودة وموثوقية أعلى.
وقد ظهر أثر أكثر استدامة لدى المشاركين الذين استخدموا تلك الملخصات والخطوات التالية لتحسين التنسيق والمتابعة والتعاون، وتوليد جداول أعمال وقوائم مراجعة موصى بها للاجتماعات والمحادثات المستقبلية، كما أصبحت الاجتماعات أقل “مضيعة للوقت” وأكثر فرصة لتفاعلاتٍ ذات قيمة مضافة مكَّنت الموظفين من تحسين كيفية ترتيب أولويات وقتهم ومهامهم وجهودهم، إذ يوضح هذا المثال أن التطبيق المتعمَّد لقدرات النماذج اللغوية الضخمة يمكن أن يُحسِّن جودة الاجتماعات ونتائجها.
آثار التصميم المؤسسي: حقوق اتخاذ القرار
إن هياكل الاختيار التي تقدم خيارات ذكية للقادة والمديرين تثير حتمًا أسئلة مهمة ولا مفر منها حول حقوق اتخاذ القرار؛ متى يؤدي اتباع توصية آلية إلى إثارة قضايا المساءلة؟ وتحت أي ظروف يمكن لصانع القرار البشري تجاهل الخيارات أو التوصيات التي تولدها الآلة؟ ومع تعلم أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تصبح مهندسي اختيار أكثر قدرة، كيف ستتغير حقوق اتخاذ القرار للعاملين البشريين الموهوبين؟ لن يستطيع القادة تجنب آثار التصميم المؤسسي الناتجة عن هياكل الاختيار الذكية.
على سبيل المثال، تأمل إطار عمل RACI (المسؤول، صاحب القرار، المستشار، المُطلع) في تخصيص حقوق ومسؤوليات اتخاذ القرار لإدارة المشاريع. بمعنى واضح وملموس، يمثل إطار RACI بنية اختيار لحقوق اتخاذ القرار؛ فمن خلال تنظيم وتوضيح أدوار اتخاذ القرار التنظيمي، تقوم تطبيقات RACI الفعالة بتشكيل كيفية عرض الخيارات واتخاذها بشكل صريح ومحدد.
مع الاعتذار لـثالر وسونستاين، يدفع هذا الإطار السلوكيات التنظيمية نحو قرارات أكثر وضوحًا وكفاءة ومساءلة، كما يجسد إطار RACI مبادئ بنية الاختيار في سياق صريح لحقوق ومسؤوليات اتخاذ القرار. وإن الجمع بين النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) والأساليب التقليدية لإطار RACI يعزز التنفيذ التشغيلي لـRACI، إذ سيقوم إطار عمل RACI الذكي بـ:
- التنبؤ بالتخصيصات المثلى للمسؤوليات بناءً على البيانات اللحظية والنتائج المرجوة.
- تعديل حقوق اتخاذ القرار بسلاسة مع تغير سياقات المشروع.
- تخصيص بنى الاختيار لكل دور، مما يعزز جودة اتخاذ القرار.
- التنبؤ بأثر وتطوير تأثير تكوينات RACI المختلفة على نجاح المشروع.
- تحديد عنق الزجاجة في اتخاذ القرار بشكل استباقي، واقتراح إعادة توزيع المسؤوليات.
هذا التحوّل سيجعل من إطار RACI التقليدي، الذي كان إطارًا صارمًا يحدد الأدوار في مرحلة معينة من المشروع، نظامَ قياسٍ وتعلم متكيف يتعلم باستمرار تحسين توزيع حقوق اتخاذ القرار.
التشارك في خلق خيارات وقرارات ونتائج أفضل
إذا قررت فرق القيادة إنشاء بنى الاختيار الذكية، فيمكن لهذه البنى تمكين المديرين والموظفين على جميع المستويات من العمل باستقلالية وبصيرة أكبر. وبالاستناد إلى تحليلات تتزايد دقتها باستمرار، تعيد هذه الهياكل تشكيل كيفية تفاعل القادة والمديرين والموظفين بشكل بنّاء مع البيانات وتقييمها والتصرف بناءً عليها، ومع تحول القادة إلى أوصياء على أنظمة ذكية تتعلم، وتتعلم كيف تتعلم، وتتأقلم وتتحسن، فإنهم يحتاجون إلى إعادة تقييم أدوارهم الافتراضية كصناع قرار مهيمنين، وهكذا، تصبح إعادة التفكير في السلطة والمساءلة وحقوق اتخاذ القرار أولوية استراتيجية وثقافية حاسمة، كما ينبغي أن تصبح حقوق اتخاذ القرار ديناميكيةً بقدر ديناميكية البيانات والنماذج التي تقودها. لم يعد السؤال التنفيذي الجوهري هو ما إذا كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي التنبؤية والتوليدية ستتولى اتخاذ القرار، بل كيف ستتكامل كل من الخبرة البشرية والذكاء الاصطناعي لخلق خيارات وقرارات ونتائج أفضل معًا.
هذه هي المقالة الأولى في جهد بحثي جديد ضمن مبادرة MIT SMR Big Ideas تم تنفيذه بالتعاون مع شركة تاتا للخدمات الاستشارية، لفهم كيف يحوّل القياس الذكي عملية اتخاذ القرار القيادي وتصميم المؤسسات. سننشر مقالة أخرى تشارك المزيد من نتائج أبحاثنا في أوائل العام القادم وتقريرًا مطولًا في صيف العام القادم.
المراجع
1. R.H. Thaler and C.R. Sunstein, “Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness” (New Haven, Connecticut: Yale University Press, 2008).
