فيليب مايسنر وتورستن وولف
يدرك عدد متزايد من المديرين أن آفاق شركاتهم على المدى البعيد تعتمد على إظهار آثار إيجابية على المجتمع. ولهذا الغرض، يسعون جاهدين إلى التعبير بوضوح عما يقدّرونه هم ومنظماتهم. ويساعدهم ذلك في تحديد أهداف أعمال ذات معنى، وجذب العملاء، وتحفيز جيل صاعد من العاملين الذين يبحثون عن هدف أسمى، لا مجرد راتب.
ومع ذلك، يركّز القادة في هذا السياق غالبًا على القيم التي يتبنونها بوعي ويشتركون فيها داخل منظماتهم، مثل الاستدامة أو التنوع والشمول. وغالبًا ما يغفلون عن إدراك كيف أن قيمهم الشخصية اللاواعية -مثل مدى تقديرهم للنقاش مقابل التناغم- تؤثر في كيفية وضعهم للخطط واتخاذهم للقرارات وتحقيقهم للأهداف. فهذه القيم اللاواعية تشكل استراتيجيات وتكتيكات منظماتنا من خلال توجيه تركيزنا والتأثير في الخطط التي نضعها وكيفية تنفيذها. وتشير خبرتنا البحثية والاستشارية إلى أن قيمنا من أكبر المحركات لقراراتنا الاستراتيجية. فبينما قد يُعبَّر عن القيم الواعية بوضوح من قِبل الرئيس التنفيذي أو القادة الآخرين، فإن قيمنا الشخصية اللاواعية كثيرًا ما لا يُعترف بها. ومعرفة قيمنا أمر بالغ الأهمية؛ إذ طالما بقيت ضمنية، لا يمكننا التعرف إلى تحيزاتنا والعمل على مواجهتها.
ومن خلال خبرتنا الاستشارية، لاحظنا أن القيم اللاواعية لدى القادة تؤثر بشكل خاص في ثلاثة جوانب من اتخاذهم للقرارات الاستراتيجية: كيفية وأماكن نمو أعمالهم، ومدى انفتاحهم على الأفكار الجديدة وطرق حل المشكلات الجديدة، وكيفية تفاعلهم مع الناس. وفي كل من هذه المجالات، يميل الأفراد عادة إلى إحدى قيمتين متعارضتين.
تتحدد مواقفنا الشخصية تجاه النمو بمدى تقديرنا للأمان أو تقبُّلنا للمخاطرة. فهل نحن متحفظون جدًّا تجاه المخاطر، أم يمكننا تحمُّل حالة عدم اليقين؟ ويجدر بنا أن نتذكر أن هناك فرقًا كبيرًا بين القول بأننا نحب المخاطرة وبين الإقدام فعليًّا على المخاطرات.
ويتأثر انفتاحنا على الأفكار والعمليات الجديدة بما إذا كنا نقدّر التعلم أم المعرفة. فهل نحن مستعدون لقبول طرق جديدة لحل المشكلات الحالية، أم نتمسك بما نعرف أنه نجح في الماضي؟ وأهم من ذلك، إلى أي مدًى نقدّر التطور الفكري لأنفسنا ولفريقنا؟
وتعتمد كيفية تعاملنا مع الناس على ما إذا كنا نستمتع بالنقاش أم نفضّل الانسجام. فهل نكبت وجهات النظر النقدية حفاظًا على التناغم داخل الفريق؟ كما تكشف ميولنا في هذه الحالات عن نوع الأشخاص الذين نفضّل العمل معهم — هل هم أكثر ميلًا للمواجهة أم للامتثال؟
تحديد قيمنا اللاواعية
على القادة الراغبين في الكشف عن القيم اللاواعية التي تدفعهم لصياغة الاستراتيجية وفهمها أن يواجهوا أنفسهم بصدق. ونظرًا لأن قيمنا تؤثر في قراراتنا العملية والشخصية على حد سواء، فإن التأمل في تفضيلاتنا وسلوكنا قد يمنحنا فهمًا أعمق لقيمنا الخفية.
وللبدء في عملية التأمل هذه، يمكن استخدام أداتنا التقييمية (انظر “ما القيم التي تحرك قيادتك؟”)، أو ببساطة التأمل في الأسئلة التالية: عندما يتعلق الأمر بالاستثمار الشخصي، هل تحتفظ بمدخراتك في أسهم عالية المخاطر، أم تضعها في صناديق تحفظ رأس المال؟ قد يشير جوابك إلى ميلك في بُعد النمو. وعندما يتعلق الأمر بالتفاعل مع الناس، هل تستمتع بالنقاش البنّاء، أم تجد هذه المواجهات مرهقة؟ وكيف تشعر حيال الاعتماد على المعرفة القائمة مقابل تطوير أفكار جديدة؟ والآن، تخيل تقاعدك: هل تهتم أكثر بإيجاد طرق لمشاركة خبرتك، أم بالتسجيل في دروس لتعلم موضوع جديد؟ إن إجاباتك عن هذه الأسئلة تشكل نقطة انطلاق لفهم أفضل للقيم المتعارضة التي تميل إليها في كلٍّ من المجالات الثلاثة: النمو، والأفكار، والأشخاص.
تقييم: ما القيم التي تحرك قيادتك؟
مع تعزيز فهم الذات، يمكن للقادة السعي لاتخاذ قرارات أقل تحيزًا. إحدى الطرق للبدء في استكشاف ميولنا الخاصة وبناء ملف قيم هي استخدام أداة التقييم البسيطة وخريطة القيم أدناه، والتي استخدمناها في عملنا الاستشاري. ومن خلال خبرتنا، فإن المعرفة المكتسبة من استخدام هذه الأداة البسيطة يمكن أن تساعد القادة على إدارة ميولهم اللاواعية بشكل أفضل، أو حتى تجاوزها.
لاستخدام أداة التقييم اضغط هنا
كيف تشكل قيمنا استراتيجيتنا
نتخذ مئات القرارات، كبيرة وصغيرة، تعكس قيمنا اللاواعية. سواء كنا نحدد مدى إقدامنا على دفع الابتكار، أو مقدار المخاطرة التي نحن مستعدون لتحملها، أو كيفية دخولنا أسواقًا أو مناطق جديدة؛ ففي جميع هذه الحالات تشكل قيمنا خياراتنا، وغالبًا من دون وعي منا بذلك. فعلى سبيل المثال، فإن تفضيل الأمان أو تقبل المخاطرة يؤدي إلى خيارات استراتيجية مختلفة جذريًّا. عندما نميل إلى المخاطرة، نكون أكثر استعدادًا لاستكشاف فرص جديدة ودفع عجلة الابتكار أو حتى خوض مشاريع ثورية. أما إذا كان نظام قيمنا موجهًا نحو الأمان، فسنختار مسارًا أكثر استقرارًا للنمو ونوزع المخاطر عبر مشاريع أصغر متعددة.
وعندما تميل قيمنا أكثر نحو المعرفة بدلًا من التعلم، فقد نفضل الوضع القائم سواء على مستوى تطورنا الشخصي أو تطور فريقنا. وبدلًا من استكشاف تقنيات أو عمليات أو ممارسات إدارية جديدة، نفضل التمسك بما نعرفه. أما إذا كنا نقدّر التعلم، فسنخلق بيئة تتدفق فيها الأفكار الجديدة بحُرية، ونستقطب أشخاصًا يحملون أفكارًا مبتكرة، ويصبح تطوير ونمو فريقنا أولوية طبيعية. وقد تحدد هذه البُنية القيمية أيضًا كيفية تعاملنا مع الابتكار ومدى انفتاحنا على التغيير.
فيما يتعلق بقيمنا تجاه الناس، فإن الميل نحو التنوع يدل على تقديرنا للنقاش وتعدد الآراء؛ مما يتيح لنا مساحة للتجربة والابتكار. نحن نؤمن بأن وجود قدر معين من الجدل يضفي حيوية على العمل ويؤدي إلى نتائج أفضل ضمن الفريق. وعلى النقيض من ذلك، إذا كان نظام قيمنا يفضل الانسجام، فسوف نكوّن فريقًا أكثر تجانسًا، حيث تكون النقاشات السريعة هي القاعدة، وتتسم عملية اتخاذ القرار بالتوافق. وعند وضع الاستراتيجيات، قد تكون الفرق المتجانسة أقل انفتاحًا على الاتجاهات والتطورات الجديدة، ومن ثم تميل إلى اتباع استراتيجية أكثر ثباتًا واستقرارًا.
وباختصار، يمكننا القول إنه كلما زاد توجهنا نحو المخاطرة والتعلم والنقاش، أصبحت استراتيجيتنا أكثر تركيزًا على التكيف الديناميكي والابتكار، أما إذا كان ميلنا نحو الأمان والمعرفة والانسجام، فإنّ استراتيجيتنا ستتجه أكثر نحو الثبات والتوجه البعيد المدى.
هل قيمنا متوافقة مع أهداف شركتنا؟
تيم كوك ليس ستيف جوبز، ومع ذلك قاد كلاهما شركة Apple في الوقت المناسب، أحدهما في مرحلة من الابتكار الثوري الذي أنشأ صناعة قائمة بذاتها، والآخر في فترة من النمو الاستراتيجي المستقر الذي جعل Apple أول شركة تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار.
ورغم أهمية توافق القيم الشخصية الواعية للقادة مع القيم المعلنة للمؤسسة، فإنه ينبغي أيضًا أن تتوافق قيمهم اللاواعية مع الأساليب المطلوبة لتحقيق أهداف المنظمة. فإذا غاب هذا التوافق، فقد تدفع قيم المدير التنفيذي الشركةَ نحو اتجاه غير مرغوب فيه مع كل قرار رئيسي يتم اتخاذه.
في معظم الأحيان، نفترض أن قيم المديرين التنفيذيين متوافقة مع أهداف شركاتهم، لكنْ كثيرًا ما لا يكون الأمر كذلك، ويصعب معالجة ذلك؛ لأن القيم أكثر رسوخًا مما نظن ولا يمكن تغييرها بسهولة. بالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرًا من الناس غير مدركين لقيمهم اللاواعية، أو لم يفكروا في كيفية تأثيرها على قراراتهم واستراتيجياتهم.
يجب على المديرين التنفيذيين أن يمتلكوا أو يطوروا فهمًا كافيًا لقيمهم اللاواعية ليتمكنوا من إدراك ميولهم، وأحيانًا تجاوزها؛ لأنهم سيعممون قيمهم على جميع أنحاء المؤسسة. وهذا ليس نتيجة لقراراتهم فقط، بل أيضًا للثقافة التي يخلقونها ولمن يختارون توظيفه. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن المديرين التنفيذيين يميلون إلى توظيف من يشبهونهم ويشتركون معهم في القيم، وهذا يخلق قوة خفية تؤثر في ثقافة الشركة، وتنعكس على كل استراتيجية وابتكار وتحوُّل يُنفَّذ في المؤسسة.
بناء الفِرق المناسبة للتغيير
بصفتنا قادة، عندما نفهم قيمنا بشكل أفضل، ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل تتوافق مع أهداف الشركة أو القسم الذي ننتمي إليه؟ فربما إذا كنا نفضل النمو والابتكار، يمكن أن ندير عملًا جديدًا وواعدًا بدلًا من السعي للحفاظ على الأعمال الأساسية. وعلى العكس، قد لا يكون المدير التنفيذي الذي يميل إلى الأمان والانسجام هو الأنسب لإدارة قسم جديد أو سريع النمو.
وإذا كان التغيير ضروريًّا، سواء من خلال إعادة الهيكلة أو من خلال تصميم وتنفيذ مبادرات استراتيجية جديدة، فعلى المديرين التنفيذيين الكبار أن يراعوا بعناية بُعد القيم عند اختيار من سيتولى تنفيذ المشروع. وينطبق ذلك على الأفراد والفِرق على حد سواء. إن ضمان توافق قيم الفريق المكلّف بتنفيذ التغيير مع الأهداف الجديدة للشركة أمر بالغ الأهمية، فهو يخلق دافعًا داخليًّا مشتركًا نحو النتيجة المنشودة، ويحفز الفريق ويترجم إلى تركيز واستراتيجية موحدة. هذا التوافق بين الفريق والأهداف المعدلة يمكن أن يدعم تحول المؤسسة عبر تغيير العقليات والممارسات تدريجيًّا، وفي نهاية المطاف مواءمتها مع الأهداف الجديدة للشركة.
إن فحص ذواتنا، والاعتراف بصراحةٍ بتفضيلاتنا العميقة في مجالات المخاطرة والأفكار الجديدة والعلاقات بين الأفراد، قد يكون أمرًا صعبًا وغير مريح. ولكن كلما زاد مقدار معرفتنا بأنفسنا عند اتخاذ القرار، أصبحنا أقدر على إدارة مدى تأثير قيمنا اللاواعية على اختياراتنا، وربما تجاوز مناطق الراحة الطبيعية لدينا لنحقق توافقًا أفضل بين قراراتنا وأهداف الشركة.
المراجع
1. L. Fink, “Larry Fink’s 2018 Letter to CEOs: A Sense of Purpose,” BlackRock, Jan. 16, 2018, www.blackrock.com. Fink tied long-term success with not only delivering financial performance, but also making a positive contribution to society.
2. D.C. Hambrick, “Upper Echelons Theory: An Update,” Academy of Management Review 32, no. 2 (April 2007): 334-343.
3. P. Meissner, O. Sibony, and T. Wulf, “Are You Ready to Decide?” McKinsey Quarterly 2015, no. 2 (April 2015): 18-23.
4. W.H. Stewart Jr. and P.L. Roth, “Risk Propensity Differences Between Entrepreneurs and Managers: A Meta-Analytic Review,” Journal of Applied Psychology 86, no. 1 (February 2001): 145-153.
5. C.S. Dweck, “Mindset: The New Psychology of Success” (New York: Random House, 2006).
6. D. Lovallo, T. Koller, R. Uhlaner, et al., “Your Company Is Too Risk-Averse: Here’s Why and What to Do About It,” Harvard Business Review 98, no. 2 (March-April 2020): 104-111.
7. J.M. Nebel, “Status Quo Bias, Rationality, and Conservatism About Value,” Ethics 125, no. 2 (January 2015): 449-476.
8. A. Parker, C. Medina, and B. Schill, “Diversity’s New Frontier: Diversity of Thought,” Rotman Management Magazine, fall 2017.
9. M. Spiegel and T. Schmiedel, “What Makes Change Harder — or Easier,” MIT Sloan Management Review 58, no. 3 (spring 2017): 88-89.
10. S. Arieli, L. Sagiv, and S. Roccas, “Values at Work: The Impact of Personal Values in Organisations,” Applied Psychology 69, no. 2 (April 2020): 230-275.
11. L.A. Rivera, “Hiring as Cultural Matching: The Case of Elite Professional Service Firms,” American Sociological Review 77, no. 6 (December 2012): 999-1022.
12. H. Ibarra, “Take a Wrecking Ball to Your Company’s Iconic Practices,” MIT Sloan Management Review 61, no. 2 (winter 2020): 13-16.
