القائمة الرئيسية

عصر المستهلك المُبتكِر

عصر المستهلك المُبتكِر
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على التحول الجذري في فهم الابتكار، حيث يوضح أن المستهلكين لم يعودوا مجرد متلقين سلبيين للمنتجات، بل أصبحوا مبتكرين نشطين يشكلون مصدرًا رئيسيًا لتطوير المنتجات الجديدة. ويستند ذلك إلى دراسات وطنية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان أظهرت أن ملايين المستهلكين يبتكرون أو يعدلون المنتجات لتلبية احتياجاتهم، ويستثمرون فيها وقتًا وأموالًا كبيرة، وأحيانًا تفوق مساهمة الأفراد ما تنفقه الشركات على البحث والتطوير. يصف المقال نموذج الابتكار الجديد المكون من ثلاث مراحل: ابتكار المستهلك للمنتجات الجديدة، اختبار انتشار الطلب بين المستخدمين الآخرين، ثم دخول الشركات لتطوير وتسويق الابتكارات الأكثر جدوى تجاريًا. كما يوضح المقال دلالات هذا النموذج لكل من المستهلكين والشركات؛ فالمستهلكون أصبحوا قادرين على تصميم وتصنيع منتجاتهم بسهولة أكبر بفضل الأدوات الرقمية والطباعة ثلاثية الأبعاد، بينما على الشركات تبني استراتيجيات للاستفادة من ابتكارات المستخدمين، مثل التعرف على المستخدمين الرواد، ودعم منصات تبادل الابتكارات، وتقدير المساهمين الأصليين عند تحويل ابتكاراتهم إلى منتجات تجارية. باختصار، المقال يقدم رؤية جديدة للابتكار تركز على الدور المحوري للمستهلكين في تطوير المنتجات وتحويلهم أحيانًا إلى رواد أعمال غير رسميين.

إريك فون هيبل، وسوسومو أوغاوا، ويورون ب. ي. دي يونغ

لقد افترض طويلًا أن الشركات هي التي تطور المنتجات الجديدة للمستهلكين، في حين يظل المستهلكون متلقين سلبيين، يكتفون بشراء واستهلاك ما ينتجه المنتجون. غير أن جهودًا بحثية استمرت لعقود من قبل العديد من الباحثين أظهرت أن هذا النموذج التقليدي للابتكار معيب بشكل جوهري؛ إذ إن المستهلكين أنفسهم يشكلون مصدرًا رئيسيًّا لابتكارات المنتجات.

ومؤخرًا، أدى هذا النمط من عدّ المستهلكين مبتكرين إلى صياغة نموذج ابتكاري جديد، يلعب فيه المستهلكون دورًا محوريًّا ونشطًا للغاية. فبدلًا من النظر إلى المستهلكين على أنهم مجرد “السوق” كما علمنا النموذج التقليدي للابتكار طويلًا، يركز هذا النموذج الجديد على المستهلكين وغيرهم من مستخدمي المنتجات. وهو يفسر لماذا يعد المستهلكون مبتكرين مهمين للغاية وغالبًا ما يطورون المنتجات بأنفسهم.

في هذا المقال، نبدأ بعرض مدى اتساع وانتشار ابتكار المستهلكين كما وثقته أولى الدراسات الوطنية من نوعها، ثم نشرح كيف تدعم نتائج هذه الدراسات نموذج الابتكار الجديد الذي يتمحور حول المستخدم. وأخيرًا، نناقش آثار هذا النموذج الابتكاري الجديد على كل من المبتكرين من المستهلكين والشركات.

الدراسات الوطنية حول ابتكار المستهلكين

تعد الدراسات الوطنية حول ابتكار المستهلكين ضرورية لرسم صورة دقيقة عن مدى وانتشار النموذج الابتكاري الجديد بين المستهلكين. فقد أُجريت مؤخرًا ثلاث دراسات رائدة حول ابتكار المنتجات الاستهلاكية باستخدام عينات ممثلة من المواطنين الذين تبلغ أعمارهم 18 عامًا فأكثر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان. وتظهر جميع هذه الدراسات أن للمستهلكين دورًا بالغ الأهمية كمبتكرين للمنتجات.

وتبين الدراسات أن ملايين المواطنين في الدول الثلاث يبتكرون ويعدّلون المنتجات الاستهلاكية لتناسب احتياجاتهم بشكل أفضل. كما نلاحظ أن نسبة السكان الذين يطورون المنتجات لاستخدامهم الخاص تختلف بين الدول. وسيكون من الضروري إجراء المزيد من الدراسات لفهم أسباب ذلك. ومع فهم أفضل، قد تتمكن الدول من دعم وتعزيز أنشطة الابتكار بين مواطنيها.

وتُظهر بيانات الدراسات أيضًا أن المواطنين الذين يبتكرون في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان ينفقون مبالغ وأوقاتًا متقاربة على هذه الأنشطة. وقد يعكس ذلك حقيقة أن متوسط الدخل السنوي للأسر في هذه الدول مرتفع نسبيًّا ومتقارب؛ ومن المرجح أن ينفق المبتكرون من المستهلكين في الدول ذات الدخل المنخفض أموالًا أقل بكثير.

وعندما نجمع ما ينفقه المواطنون ككل، نجد أن إجمالي الإنفاق السنوي التقديري للمبتكرين من المستهلكين يبلغ مليارات الدولارات في كل دولة. ففي المملكة المتحدة، يتوافق الإنفاق على البحث والتطوير (R&D) كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي مع المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ويقدر أن ما ينفقه المستهلكون البريطانيون كمجموعة على تطوير المنتجات الاستهلاكية يفوق (بنسبة 144%) ما تنفقه جميع الشركات التجارية مجتمعة على البحث والتطوير للمنتجات الاستهلاكية في المملكة المتحدة. أما الولايات المتحدة واليابان فهما معروفتان بأنهما دولتان كثيفتا الإنفاق على البحث والتطوير، ومع ذلك فإن الاستثمارات الإجمالية التقديرية التي يقوم بها الأفراد من المستهلكين في تطوير المنتجات الاستهلاكية تظل كبيرة في هاتين الدولتين أيضًا؛ إذ نقدر أن المستهلكين في الولايات المتحدة ينفقون 33% من المبلغ الذي تنفقه الشركات التجارية على البحث والتطوير للمنتجات الاستهلاكية في الولايات المتحدة، بينما ينفق المستهلكون اليابانيون 13% من المبلغ الذي تنفقه الشركات التجارية على البحث والتطوير للمنتجات الاستهلاكية في اليابان.

وقد أظهر تحليلنا لمجموعة من المتغيرات الديموغرافية أن المبتكرين من المستهلكين هم أكثر احتمالًا بشكل ملحوظ من المواطن العادي لأن يكونوا ذوي تعليم عالٍ (يحملون درجات البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه)، أو يملكون تعليمًا تقنيًّا (في العلوم أو الهندسة أو كمحترفين تقنيين)، أو أن يكونوا من الذكور ، وعندما يجتمع لدى المواطن الواحد هذه الصفات الثلاث، تصبح احتمالية أن يبتكر في المنتجات الاستهلاكية أعلى بنسبة 260% من المواطن العادي في المملكة المتحدة، و210% أعلى في الولايات المتحدة، و140% أعلى في اليابان. وقد اختلفت الأهمية النسبية لهذه السمات الديموغرافية بحسب الدولة؛ ففي المملكة المتحدة كان للتعليم التقني التأثير الأكبر على احتمالية ابتكار المستهلك، وفي الولايات المتحدة كان مستوى التعليم، أما في اليابان فكان الجنس.

تحول نموذجي في فهم الابتكار

ماذا نعرف أيضًا عن ابتكار المستهلكين، بخلاف حقيقة انتشاره الكبير؟ أولًا، تكشف الدراسات أن قلة قليلة من المستهلكين يسعون لحماية ابتكاراتهم من المقلدين؛ فابتكاراتهم متاحة مجانًا للجميع. ثانيًا، معظم ابتكارات المستهلكين لا تعتمد من قبل مستهلكين آخرين و/أو من قبل منتجي المنتجات الاستهلاكية. ثالثًا، عدد مهم من هذه الابتكارات يجد طريقه للاعتماد من قبل الآخرين ، وبالنظر إلى هذه النتائج مجتمعة، يتضح أن الشركات المنتجة للمنتجات الاستهلاكية لديها “واجهة أمامية” غير متوقعة من تصاميم ابتكارية مجانية تشكل موردًا مهمًّا لعمليات الابتكار التجاري في مجالات متنوعة .

ويتمثل هذا النموذج الابتكاري الجديد، الذي يلعب فيه المستهلكون وغيرهم من مستخدمي المنتجات دورًا محوريًّا، في ثلاث مراحل.

المرحلة الأولى

في البداية، تكون الأسواق للمنتجات والخدمات ذات الوظائف الجديدة صغيرة وغير مؤكدة. فعلى سبيل المثال، في البداية لم يكن أحد يعلم ما إذا كان سيكون هناك سوق مربح لأول لوح تزلج (skateboard)؛ أو حتى لأول آلة غسل الصحون (dishwashing machine)، على سبيل المثال. ومع ذلك، فإن المنتجين لا يحبذون الأسواق الصغيرة وغير المؤكدة. خاصة في مجالات السلع الاستهلاكية، يدرك المنتجون أنهم بحاجة إلى توزيع تكاليف البحث والتطوير (R&D) وغيرها من تكاليف الابتكار على عدد كبير من المشترين من أجل تحقيق الربح. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يضطر المستهلكون إلى أن يكونوا روادًا للمنتجات الجديدة بأنفسهم؛ لأن المنتجين لا يرون بعدُ دليلًا على وجود سوق مربح. وهذه بالفعل هي قصة كل من ألواح التزلج وآلات غسل الصحون. فقد تم تطوير لوح التزلج وصنعه من قِبل الأطفال لاستخدامهم الشخصي؛ حيث قاموا بتفكيك نوع من أحذية التزلج (roller skate) التي تُثبت على الأحذية، وطرقوا عجلاتها على ألواح خشبية (ومن هنا جاء اسم “لوح التزلج”). وبالمثل، تم اختراع أول آلة غسل صحون عملية من قِبل جوزفين كوكرين (Josephine Cochrane) عام 1886م لحل مشكلة واجهتها كمستخدمة: إذ كان خدمها كثيرًا ما يكسرون أوانيها الفاخرة أثناء غسلها يدويًّا.

المرحلة الثانية

كما أظهرت الدراسات الاستقصائية، فإن معظم الابتكارات التي يطورها المستهلكون تهم المستهلك المبتكر وحده. لكن بعض ابتكارات المستهلكين تمتلك إمكانات أكبر، ونظرًا لأن العديد من التصاميم غالبًا ما تكون متاحة مجانًا، يستطيع مستهلكون آخرون اختبار مدى اهتمامهم بأنفسهم من خلال نسخها بحرية وتجربتها وربما تحسين التصاميم أيضًا. إن مدى انتشار هذا الانتشار الفيروسي بين المستهلكين الآخرين، سواء عبر المجتمعات على الإنترنت (Web) أو مجتمعات أخرى، يشكل إشارة متزايدة القوة للمنتجين حول أي من التصاميم والوظائف الجديدة يمكن أن يشكل أساسًا لمنتج تجاري جديد مربح أو لسلسلة منتجات جديدة. وبعبارة أخرى، لا يطور المستهلكون منتجات جديدة فحسب، بل يقدمون أيضًا بيانات بحث تسويقي لأي منتج منتبه بما فيه الكفاية لجمعها وتقييمها.

المرحلة الثالثة

تبدأ الشركات المنتجة في اتخاذ القرار بأن المعلومات المتعلقة بتصميم المنتج الجديد ووظيفته، وعدد من قد يرغب في شرائه، قد بلغت مستويات مقبولة لمخاطرهم. فعلى سبيل المثال، لم تبدأ الشركات بالاهتمام بتصنيع ألواح التزلج تجاريًّا إلا بعد أن بدأت شعبيتها تنتشر بين الأطفال. وعادة ما يدخل المنتجون الصغار أولًا؛ لأنهم يرضون بالأسواق الصغيرة. وبعض هؤلاء هم شركات ناشئة أسسها مبتكرون من المستهلكين أنفسهم. ثم تدخل الشركات الكبرى غالبًا عن طريق الاستحواذ، إذا نما السوق أكثر فأكثر. ويساهم المنتجون، حتى وإن لم يطوروا الأفكار الأولية والنماذج الأولية للابتكارات ذات الوظائف الجديدة، في تطويرها أيضًا؛ فقد يحسنون التصاميم التي طورها المستخدمون لجعلها أكثر موثوقية وأسهل في الاستخدام، وغالبًا ما يعيدون تصميم المنتجات لتناسب الإنتاج الضخم منخفض التكلفة بشكل أفضل.

لاحظ أننا قلنا إن التسلسل السابق ينطبق على المنتجات “ذات الوظائف الجديدة” (functionally novel)، حيث لا توجد بدائل قريبة في السوق بعدُ. فبالنسبة لمثل هذه المنتجات، لم يتم بعد إثبات الطلب المحتمل على الوظائف التي تؤديها. أما النوع الثاني من ابتكار المنتجات فهو تحسين “أبعاد الجودة” (dimension of merit) للمنتجات ذات الوظائف والأسواق المعروفة. وهذا النوع من الابتكار يحسن وظيفة قائمة لمنتج معروف لدى السوق. ونتيجة لذلك، قد يكون لدى كل من المنتجين والمستخدمين حافز لتطوير ابتكارات تحسين أبعاد الجودة، فعلى سبيل المثال، بعد أن أصبح لوح التزلج منتجًا ذا وظائف معروفة وسوقًا ذا حجم كبير، قد يقرر المنتجون الاستثمار في تطوير محامل (bearings) محسنة للعجلات لعلمهم بوجود سوق لمثل هذا التحسين.

مع أن مدى وأهمية ابتكار المنتجات من قبل المستهلكين هو الاكتشاف الجديد الذي نركز عليه في هذا المقال، فمن المهم أن نلاحظ أن أنماط الابتكار ذاتها وُجدت أيضًا في المنتجات الموجهة من شركة إلى شركة (business-to-business) وفي الخدمات كذلك. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يتم تطوير معدات العمليات الجديدة من قبل الشركات التي لديها حاجة داخلية إليها. وغالبًا ما تكشف هذه الشركات المستخدِمة عن ابتكاراتها لمورديها دون مقابل؛ لأنها تتوق إلى مصدر خارجي للتوريد. وبالمثل، غالبًا ما يتم تطوير الخدمات المصرفية الجديدة في قطاعي التجزئة والشركات من قبل المستخدمين. فعلى سبيل المثال، كان عملاء البنوك من الأفراد والشركات يقومون بنقل الأموال بين حساباتهم بشكل منهجي لزيادة العائد من الفوائد، وذلك قبل أن تبدأ البنوك في تقديم “حسابات السويب” (sweep accounts) كخدمة مصرفية مربحة.

دلالات نموذج الابتكار الجديد

ما الدلالات بالنسبة للمستهلكين والمنتجين لهذا التحول الجذري في فهمنا لعملية الابتكار؟

الدلالات بالنسبة للمستهلكين المبتكرين

فيما يتعلق بالمرحلة الأولى من عملية الابتكار التي وصفناها؛ أي الوعي بالحاجة الأولية، وتصميم المنتج، وإعداد النماذج الأولية، واختبار الاستخدام، يجب على المستهلكين أن يدركوا أنهم مطورون مهمون حقًّا للمنتجات والخدمات الجديدة؛ فليس الأمر مقتصرًا على الشركات وحدها، كما يقول أحد شعارات شركة جنرال إلكتريك (General Electric) الشهيرة، “نجلب الأشياء الجيدة إلى الحياة”. ومع هذا الفهم يأتي شعور بالمسؤولية وتحدٍّ مثير، وإحساس بأنه “إذا أردت شيئًا جديدًا حقًّا، فعليَّ أن أفعله بنفسي” (وبالتأكيد، من الشائع والممتع أن يتشارك المرء العمل مع أصدقاء ذوي ميول مماثلة).

ثانيًا، ينبغي للمستهلكين أن يدركوا أن تصميم وصنع ما يرغبون فيه بأنفسهم أصبح أسهل تدريجيًّا. ربما بدا الأمر صعبًا للغاية في المرة الأخيرة التي احتجت فيها إلى شيء غير متوفر في السوق. لكن إذا نظرت مجددًا، فقد تجده اليوم أسهل بكثير. إن تكلفة أدوات التصميم المعتمدة على الحاسوب آخذة في الانخفاض بسرعة، واليوم يتوفر العديد من هذه الأدوات الكافية على شبكة الإنترنت مجانًا. كذلك، فإن درجة التطور وسهولة الاستخدام في هذه الأدوات آخذة في الارتفاع السريع. ولم يعد لزامًا اليوم أن تكون “عالِم صواريخ” لتصمم ما تريد باستخدام برنامج التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD: computer-aided design) مثل Google SketchUp.

ثالثًا، إن بناء ما تصممه أصبح أيضًا أسهل تدريجيًّا، فقد ظهرت العديد من الشركات الجديدة التي تقبل ملفات التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) الخاصة بك وتحولها إلى أجزاء ومنتجات حقيقية عبر التصنيع بمساعدة الحاسوب (CAM: computer-aided manufacture). وتختص شركات مختلفة بتقنيات إنتاج محوسبة متنوعة، تتراوح بين القطع بالليزر والطباعة ثلاثية الأبعاد (3-D printing). واليوم، باتت عملية الإنتاج التي تحتاجها متاحة للمستهلكين الأفراد لصنع حتى نسخة واحدة من جزء ما بجودة عالية جدًّا، وغالبًا بسعر معقول جدًّا.

وفيما يتعلق بالمرحلة الثانية من عملية الابتكار، اختبار عمومية الطلب وربما تشجيع التقليد، يمكن للمستهلكين أن يختاروا بذل الجهد لجعل الناس على علم بابتكارهم؛ أو تقييم الطلب إذا رغبوا؛ والتصرف بناءً على تلك المعلومات إذا أرادوا. لاحظ أن بيانات الاستطلاع تشير إلى أن قلة نسبية من المستهلكين حموا ابتكاراتهم عبر حقوق الملكية الفكرية، لكن معظم المبتكرين من المستهلكين لم يشاركوا معارفهم عن ابتكاراتهم بنشاط، كأن ينشروا تصميمهم على موقع إلكتروني مثلًا. كثير من المستهلكين اليوم ليس لديهم حافز كافٍ لمشاركة ابتكاراتهم بنشاط بسبب الجهد المطلوب، أو ربما لأنهم يظنون أن لا أحد غيرهم سيجد ابتكارهم مثيرًا للاهتمام. إن إنشاء منصات لمشاركة التصاميم يمكن أن يخفف من الجهد المطلوب من المستخدمين الأفراد. فعلى سبيل المثال، موقع Thingiverse.com هو موقع مجتمعي يسمح لأي شخص بنشر تصاميمه. وكما يقول الموقع: “Thingiverse هو كون من الأشياء. نزّل ملفاتنا واصنعها بقاطع الليزر أو الطابعة ثلاثية الأبعاد أو آلة CNC الخاصة بك.” وتسمح مواقع أخرى للمستهلكين المبتكرين، أو لأي مصمم، بنشر تصاميمهم وفرض رسوم على من يرغب في نسخها. وفي الحالتين، فإن الموقع المجهز بشكل مناسب يمكّن المبتكر، وكذلك الأقران والشركات، من متابعة عدد مرات التنزيل والتعليقات ذات الصلة من المتبنين، سواء كانت تعليقات تقدير أو اقتراح أو شكوى، وبذلك يحصلون على إشارات حول الطلب العام في السوق.

دلالات لرواد الأعمال تتضمن المرحلة الثالثة من عملية الابتكار اتخاذ قرارات بتسويق الابتكار إذا وجدت مؤشرات كافية على وجود طلب. ومن بين المنتجين المحتملين يوجد المبتكرون من المستهلكين أنفسهم، إضافة إلى المستهلكين الذين يتبنون التصميم الأولي ثم يقررون إنتاجه للبيع للآخرين. والخبر السار للمبتكرين من المستهلكين هو أن تسويق الابتكار ذاتيًّا أصبح أسهل باستمرار؛ فلم يعد عليك التخلي عن وظيفة أو مسار مهني جذاب لديك. إذ يمكن الاستعانة بشركات لإنتاج تصميمك بكميات كبيرة، وتسلُّم ومعالجة طلبات العملاء ومدفوعاتهم، وشحن المنتج النهائي إلى العملاء نيابة عنك. إن ذلك بعيد كل البعد عن الجهد الريادي المستنزف الذي كان مطلوبًا لأداء هذه المهام في السابق. وبهذا، أصبح الطريق ممهدًا أمام المستهلك المبتكر ليكون “رائد أعمال عَرَضيًّا”.

دلالات للشركات القائمة، يجب على الشركات أن تفكر في كيفية إعادة تنظيم أنظمة تطوير منتجاتها لتقبل بكفاءة وتبني النماذج الأولية التي يطورها المستخدمون. والسؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: “ما الذي ينبغي أن يتغير هنا إذا كنا نؤمن حقًّا بأن المستهلكين يطورون ويصنعون نماذج أولية ويختبرون الاستخدام ويختبرون السوق لبعض أهم منتجاتنا الجديدة وأكثرها ابتكارًا من دون تدخلنا؟”.

من الواضح أنه سيكون من المهم تعلم كيفية تحديد الابتكارات الواعدة التي يطورها المستهلكون وتكتسب زخمًا بين مجموعات المستهلكين. ولحسن الحظ، أظهرت أبحاث سابقة حول ابتكار المستخدمين أن بعض المستخدمين الذين يُطلق عليهم “المستخدمون الرواد” (lead users) أكثر ميلًا بكثير لتطوير ابتكارات واعدة تجاريًّا من الزبون العادي، سواء في أسواق المستهلكين أو أسواق الأعمال بين الشركات. والمستخدمون الرواد هم أولئك الذين يتقدمون غالبية المستخدمين في اتجاه سوقي مهم، ولديهم حافز قوي للابتكار. وتوجد طرق مجرّبة للعثور على المستخدمين الرواد، ويمكن للشركات تنزيل المواد التدريبية التي تحتاجها من الإنترنت مجانًا. ويمكن للشركات أن تتخذ خطوات أخرى أيضًا، مثل إنشاء أو زيارة مواقع مجتمعية للمستهلكين، أو تنظيم مسابقات ابتكار لجذب نشاط المستهلكين الذي قد لا يحدث لولا ذلك.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على الشركات أن تساعد مطوري منتجاتها على النظر إلى الابتكارات التي يطورها المستهلكون بعين جديدة، ليس بعدّها مجرد محاولات هاوية ضعيفة الهندسة، فالهندسة الإنتاجية للمنتج ليست هي القيمة التي ينبغي للشركات أن تبحث عنها في النموذج الأولي للمنتج الذي طوره المستهلك، ولا في طريقة استخدامه ذات الصلة. إن المستهلك يعرض نموذجًا أوليًّا لمنتج يؤدي وظيفة مبتكرة أظهر الناس فعلًا أنهم يرغبون فيها. تلك هي المعلومة التي لا تقدر بثمن والتي يجب على شركاتكم أن تستوعبها جيدًا. ومن هذه النقطة تحديدًا، ومع الحفاظ على فكرة المستخدم الأصلية، يستطيع فريق تطوير المنتجات لديكم أن يبدع تحسينات هندسية رائعة إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك، وسيكون لهم الحق في أن يفخروا بذلك بحق. ومع أن الابتكارات التي يطورها المستهلكون نادرًا ما تُسجل ببراءات اختراع، إلا أن المنتجين كثيرًا ما يستطيعون مع ذلك أن يحصلوا على حماية ببراءات الاختراع من خلال التحسينات التي يبتكرها مهندسوهم.

أما الخبر السار للشركات التي ترغب في تبني ابتكارات المستخدمين كأساس لمنتجات تجارية، فيكمن في أن عمليات النمذجة الأولية للمنتجات والاختبارات المبدئية التي يجريها موظفو الشركة داخليًّا مكلفة جدًّا. أما المستخدمون، فيتحملون تلك التكاليف الأولية لأسباب تخصهم. وبإمكان الشركات أن توفر المال وتزيد من نسبة نجاحها من خلال تركيزها على مفاهيم المنتجات التي سبق للمستهلكين أن طوّروا نماذج أولية لها، والتي تم اختبارها في السوق إلى حد ما.

فما الذي ينبغي على الشركات أن تفعله تحديدًا؟ أولًا، توقفوا عن مهاجمة مستخدميكم المبتكرين، سواء عن قصد أو عن غير قصد! فعلى مر التاريخ، حاربت الشركات القرصنة (أي النسخ غير القانوني للمنتجات مثل الأغاني والأفلام والبرمجيات) بوسائل أوقعت المبتكرين من المستخدمين في شباكها أيضًا. فعلى سبيل المثال، ينص قانون الألفية الرقمية لحقوق النشر الأمريكي (Digital Millennium Copyright Act) على أن تجاوز المستخدمين لإجراءات الحماية البرمجية التي قد يضعها المنتجون لمنع الاطلاع على البرمجيات المرتبطة بمنتجاتهم يُعد جريمة جنائية. ومن المنطقي أن تسعى الشركات لردع المستخدمين عن فحص أو تعديل الشيفرة البرمجية بغرض نسخها بشكل غير قانوني. غير أن من غير المجدي أن تردع تلك الشركات نفسها المستخدمين الذين يحاولون فحص الشيفرة البرمجية وتعديلها لتحسين منتج الشركة أو لاستخدامه بطرق مبتكرة قد تفتح أسواقًا جديدة لتلك الشركة. لقد بدأت الشركات تدرك ذلك. فعلى سبيل المثال، استنكرت شركة Microsoft في البداية قيام المستخدمين باختراق منتجها Kinect سعيًا منهم لاستخدامه بطرق جديدة. ثم، في غضون أيام، غيرت موقفها وأشادت بهؤلاء المستخدمين أنفسهم، بعد أن أدركت إمكان تحقيق مكاسب متبادلة.

ثانيًا، فكروا في دعم المستهلكين الذين يقدمون لكم، أو يمكن أن يقدموا لكم، مادة أولية لعملية الابتكار الداخلي لديكم. فأنتم في منافسة مع الشركات الأخرى على اهتمام وولاء المبتكرين من المستخدمين. وعادة ما يكون لدى المستخدمين خيارات بين عدة منتجات يستخدمونها كمنصات أو كمكونات في جهودهم الابتكارية. وبكل منطق، يميلون إلى التركيز على المنتجات التي تمنحهم أفضل توازن بين تكلفة الابتكار والعائد منه، ومع تزايد الابتكار في علامة تجارية أو طراز معين، يبدأ مسار دائري إيجابي يقلل من التكاليف على المبتكرين اللاحقين، مما يؤدي إلى زيادة إضافية في ابتكار المستخدمين. فعلى سبيل المثال، تصبح بعض أنواع وطرازات السيارات جاذبة بشكل خاص للمستخدمين الذين يرغبون في تعديلها و”تطويرها” عبر إضافة ميزات جديدة أو تحسين أدائها. وغالبًا ما يقوم منتجون في السوق الثانوية بتصنيع القطع الخاصة التي يبتكرها المستخدمون المبتكرون لتلك الطرازات مع تزايد الاهتمام بها. وتؤدي زيادة توفر القطع الخاصة لتلك الطرازات، والمعرفة التصميمية المتخصصة التي يكتسبها المستخدمون ويتبادلونها، إلى جعل تلك السيارات أكثر جاذبية للمستهلك التالي الذي يفكر في الابتكار.

هناك طرق عديدة لزيادة جاذبية منتجاتكم للمبتكرين من المستخدمين. ومن أبرزها:

دعم الابتكار من قبل المستخدمين. أنشِئوا واجهات مفتوحة وموثقة لدعم التعديلات على منتجاتكم، وقدموا “أدوات المطورين” (developers’ toolkits) للمساعدة، وأقيموا مواقع إلكترونية تتيح للمستخدمين ذوي الاهتمامات المشتركة تبادل المعلومات والابتكار معًا بسهولة أكبر.

استكشفوا ما الذي يريده المستخدمون مقابل استفادتكم من ابتكاراتهم، فعلى سبيل المثال، قد يرغب المستخدمون في دعم مجتمعاتهم، أو الحصول على قطع مجانية، أو الوصول الخاص إلى مطوريكم الداخليين. ولإقامة علاقة إيجابية طويلة الأمد مع مبتكري المستخدمين، اسعوا لتحقيق منفعة متبادلة.

وعندما تقررون إنتاج نسخة تجارية من منتج طوره المستخدمون، امنحوا المبتكرين التقدير الذي يستحقونه. فعلى سبيل المثال، إذا كان منتجكم مبنيًّا على نموذج أولي ابتكره “جو” أو مجموعة مستخدمي ABC، فاذكروا ذلك صراحة! بعض الشركات، مثل MathWorks وStataCorp وLEGO، تفعل ذلك. ويقدر المستخدمون هذا الأمر، بل ويثمنونه أكثر عندما لا يكون لديهم مطالبات بحقوق الملكية الفكرية على ابتكاراتهم. أما معظم الشركات اليوم فلا تزال لا تعترف بمبتكري المستخدمين، بل تدعو المستهلكين بفخر لشراء “منتج XYZ الجديد الرائع الذي طورناه نحن!” وهذا ليس من الإنصاف.

إن التحول الجذري الذي وصفناه هنا والمتمثل في قيام المستهلكين بتجربة النماذج الأولية واستخدامها، ثم تصفية هذه النماذج بحسب عمومية الطلب من قِبَل الأقران، يعقبه تسويق الابتكارات التي تحظى برغبة عامة؛ يشتد قوة مع مرور الزمن. إن تكاليف ابتكار المستهلكين آخذة في الانخفاض بفضل أدوات التصميم الأفضل والأرخص، ووسائل الاتصال وتشكيل المجموعات عبر الإنترنت (Internet) الأكثر تطورًا وأقل تكلفة، فضلًا عن مرافق النمذجة الأولية (prototyping facilities) التي أصبحت أكثر جودة وأقل تكلفة. وفي العديد من مجالات فرص الابتكار، أصبح النموذج التقليدي البالي القائل: “نحن المنتجون سننجز ذلك نيابةً عنكم”، موضع منافسة متزايدة أما النموذج الجديد فهو مثير وممتع في آن واحد. إن “مواكبة هذا التوجه” فكرة رائعة حقًّا!

المراجع

1. Among important papers documenting this pattern in consumer products: S. Shah, “Sources and Patterns of Innovation in a Consumer Products Field: Innovations in Sporting Equipment,” working paper 4105, MIT Sloan School of Management, Cambridge, Massachusetts, 2000; C. Lüthje, “Characteristics of Innovating Users in a Consumer Goods Field: An Empirical Study of Sport-Related Product Consumers,” Technovation 24, no. 9 (2004): 683-695; R. Tietz, P. Morrison, C. Lüthje and C. Herstatt, “The Process of User-Innovation: A Case Study in a Consumer Goods Setting,” International Journal of Product Development 2, no. 4 (2005): 321-338; and N. Franke, E. von Hippel and M. Schreier, “Finding Commercially Attractive User Innovations: A Test of Lead-User Theory,” Journal of Product Innovation Management 23, no. 4 (2006): 301-315.

2. C.Y. Baldwin and E. von Hippel, “Modeling a Paradigm Shift: From Producer Innovation to User and Open Collaborative Innovation,” Organization Science, in press. See http://papers.ssrn.com.

3. E. von Hippel, J.P.J. de Jong and S. Flowers, “Comparing Business and Household Sector Innovation in Consumer Products: Findings from a Representative Study in the UK,” working paper, September 2010, http://papers.ssrn.com; S. Flowers, E. von Hippel, J. de Jong and T. Sinozic, “Measuring User Innovation in the UK: The Importance of Product Creation by Users” (London: NESTA, 2010); and S. Ogawa and K. Pongtanalert, “Visualizing Invisible Innovation Content: Evidence from Global Consumer Innovation Surveys,” working paper, June 2011, http://papers.ssrn.com.

4. This three-phase process was spelled out in C.Y. Baldwin, C. Hienerth and E. von Hippel, “How User Innovations Become Commercial Products: A Theoretical Investigation and Case Study,” Research Policy 35, no. 9 (November 2006): 1291-1313.

5. S.K. Shah and M. Tripsas, “The Accidental Entrepreneur: The Emergent and Collective Process of User Entrepreneurship,” Strategic Entrepreneurship Journal 1 (November 2007): 123-140.

6. W. Riggs and E. von Hippel, “The Impact of Scientific and Commercial Values on the Sources of Scientific Instrument Innovation,” Research Policy 23 (July 1994): 459-469.

7. J.P.J. de Jong and E. von Hippel, “Transfers of User Process Innovations to Process Equipment Producers: A Study of Dutch High-Tech Firms” Research Policy 38, no. 7 (September 2009): 1181-1191.

8. P. Oliveira and E. von Hippel, “Users as Service Innovators: The Case of Banking Services,” Research Policy 40, no. 6 (July 2011): 806-818.

9. Google SketchUp CAD software can be downloaded for free at http://sketchup.google.com.

10. For example, explore services offered by Shapeways.com at http://shapeways.com.

11. S. Ogawa and F. Piller, “Reducing the Risks of New Product Development,” MIT Sloan Management Review 47, no. 2 (winter 2006): 65-71.

12. Lead user project handbooks and videos are available for free download from http://mit.edu/evhippel/www/teaching.htm.

13. L.B. Jeppesen and K.R. Lakhani, “Marginality and Problem-Solving Effectiveness in Broadcast Search,” Organization Science 21, no. 5 (September-October 2010): 1016-1033.

14. G.L. Lilien, P.D. Morrison, K. Searls, M. Sonnack and E. von Hippel, “Performance Assessment of the Lead User Idea-Generation Process for New Product Development,” Management Science 48, no. 8 (August 2002): 1042-1059, table 1.

15. For examples of user innovation activity associated with the Kinect, see P. Wayner, “With a Wave of the Hand, Improvising on Kinect,” New York Times, July 21, 2011, p. B8.

16. R. Prügl and N. Franke, “Factors Impacting the Success of Toolkits for User Innovation and Design: A Test of Toolkit Characteristics and Complementary User-Community Activities in the Computer Gaming Industry,” working paper, Vienna University of Economics, 2005.

17. Baldwin and von Hippel, “Modeling a Paradigm Shift.”

i. von Hippel, de Jong and Flowers, “Comparing Business and Household Sector Innovation in Consumer Products.” Flowers, von Hippel, de Jong and Sinozic, “Measuring User Innovation in the UK.”

ii. Ogawa and Pongtanalert, “Visualizing Invisible Innovation Content.”

مقالات ذات صلة