ماركوس رايتسيغ
ومن كان حديث عهد بمجال الابتكار المؤسسي، فسرعان ما يدرك كثرة الآراء وكثرة الموارد التي تُعنى بتحويل المؤسسات إلى ينابيع للأفكار الخلّاقة. فالكتب والدوريات تزخر بالأساليب المعينة للموظفين على تجاوز القوالب الذهنية القديمة و”التفكير خارج الصندوق”. وغرض هذه المناهج توليد أعداد غفيرة من الأفكار غير المألوفة لتحسين الأعمال القائمة أو كشف فرص جديدة، غير أن قادة حملات الابتكار المجرّبين يعلمون أن المشكلة في معظم المؤسسات الكبرى ليست ندرة الأفكار، بل التحدي الحقيقي إنما يكمن في تمييز الأفكار الصالحة وانتقائها.
وفي المؤسسات الكبيرة، لا مناص للمديرين الكبار من تفويض معظم عملية الانتقاء إلى مديري المستويات الأدنى، غير أن تفويض القرارات المصيرية محفوف بالمخاطر. فحين يُطلب إلى المرؤوسين تصفية المقترحات الابتكارية، قد تُروَّج أفكار لا يراها كبار المديرين جديرة، أو قد تُهمَل مشروعات كان من الممكن أن يتبناها القادة لو اطلعوا عليها. لذا وجب على كبار المديرين الإلمام بالآليات التي تحكم تقييم الموظفين بعضهم لأفكار بعض، ليتمكنوا من اقتناص الأفكار التي تصنع الفارق الحقيقي للمؤسسة وهي تمضي عبر قمع الابتكار. وهذه المقالة، المستندة إلى بحثٍ تناوَل أكثر من عشرة آلاف مقترح ابتكاري في مؤسسة متعددة الجنسيات، تستقصي ما يجري حين تُغربل الأفكار في أروِقة كيان ضخم. وبناءً على بحثي، أصف سبعة متغيرات أو “مسامير ضبط” يمكن للمديرين الكبار تعديلها وفق السياق الخاص بهم، ليضمنوا أن أوفر المقترحات الابتكارية وعدًا –ولا غيرها– تحظى بفرصة التنفيذ.
بناء حجم كافٍ من المبادرات لإحداث أثر حقيقي
لقد أظهرت الدراسات مرارًا أن نسبة يسيرة فقط من اقتراحات الموظفين لمنتجات أو عمليات جديدة تعود بقيمة معتبرة على المؤسسات. فبعض الشركات تستسلم لهذا الواقع وتراه أمرًا ميؤوسًا منه، وشركات أخرى تحاول تعويض قلة الحظوظ بتنظيم ملتقيات إدارية فخمة يكون همّ الجميع فيها استحضار أفكار عظيمة، غير أن مثل هذه اللقاءات الباذخة قلّما تثمر أفكارًا فائزة، بل إن الشركات غالبًا ما تجني عددًا أكبر من المقترحات المفيدة بجمع جلسات عصف ذهني تشارك فيها جماعات كبيرة متباينة من الموظفين ذوي الخبرات المتنوعة. وأهم من ذلك أن علماء النفس التجريبيين أثبتوا في دراسات عديدة أن خير سبيل لتوليد وفرة من المقترحات هو أن يعمل الموظفون فرادى لا جماعات.
ومَن وعى هذه الحقائق من قادة الابتكار خلص إلى نتيجة واحدة: إن أردت تعظيم عدد الأفكار المتميزة في نهاية المطاف، فعليك أن تبدأ بأكبر عدد ممكن من الموظفين وتحثهم على الإسهام بأفكارهم الخاصة قبل أن تُناقَش جماعيًّا، غير أن قبول ذلك يفضي إلى تحدٍّ ظاهر: كيف تُدير كلفة الانتقاء وتُميز أفضل الأفكار؟
إدارة التكاليف
قد يبدو تمحيص الأفكار لاختيار أفضلها مهمة عادية إذا قورنت بجانب الإبداع في العملية، ولعل ذلك يفسر قلة البيانات حول ما تنفقه المؤسسات على مرحلة انتقاء الأفكار في حملات الابتكار الكبرى. وقد حللتُ مقترحات ابتكارية استُقطِبت من أكثر من خمسين ألف موظف في مؤسسة متعددة الجنسيات تدير مئات المواقع في أكثر من ستين دولة (انظر “حول البحث”). ويصعب تحديد عددِ مَن تقدموا فعلًا بأفكارهم، وعدد المقترحات المرسلة، وعدد المديرين الذين شاركوا في التقييم؛ بسبب كثرة المواقع التشغيلية وتعدد منصات التقنية المستخدمة. بدأتُ بخمسة وعشرين ألف مقترح يمكن نسبتها إلى نحو ستة آلاف موظف حول العالم. شارك أكثر من مئتي مدير من المستويات الدنيا ونحو ثمانين مديرًا متوسطًا في تقييم زهاء عشرين ألف فكرة على مدار عامين تقريبًا قبل أن يُنهى مسار الانتقاء. وكل فكرة تطلبت ما بين عشر إلى عشرين دقيقة تقييم (قراءة وكتابة تقرير ومشورة الزملاء وغير ذلك)، وبعض الأفكار قُيِّمت مرارًا، فبلغ إجمالي وقت التقييم الإداري لهذه المجموعة بين خمسة آلاف وخمسمئة إلى أحد عشر ألف ساعة (أو سبعمئة وخمسة عشر إلى ألف وأربعمئة وثلاثين يوم عمل)، وذلك دون احتساب زمن التنفيذ.
وأغلب الشركات محقة في ترددها عن استثمار مبالغ معتبرة في تقييم الأفكار ما لم يكن هناك أمل في تحقيق عائد. فإذا لم تُظهر الحملة قدرة على توليد الأفكار الجيدة واكتشافها، تعذر تبرير الإنفاق. فثمة تكاليف مالية (تُقاس بالوقت وغيره من الموارد)، فضلًا عن خطر نشوء شكوك داخلية حول إمكانية إدارة الابتكار بفعالية؛ إذ إن كل مبادرة ابتكارية فاشلة ترفع العقبة أمام الحملة التالية.
وهكذا، فإن ضمان أن تكون عملية اختيار الأفكار مُحكمة الإدارة وناجحة أمرٌ بالغ الأهمية، فالغرض النهائي هو إنشاء أنظمة قادرة على تمييز المقترحات الجديرة بالاستثمار، تلك التي تَعِدُ بتحقيق أعلى الإيرادات، وطرح غيرها جانبًا. ولا ريب أن ذلك أيسر قولًا منه فعلًا؛ إذ إن الابتكار، بحكم تعريفه، مَشوبٌ بعدم اليقين؛ فالمنافع البعيدة المدى غير جلية، وغالبًا ما يصعب التنبؤ بها عند اتخاذ قرار الاختيار، وليس لأحدٍ كرةٌ سحريةٌ تُجيب عن هذه المسائل بموضوعية في لحظة الاختيار. ومع ذلك، وبرغم هذه المعضلة الجوهرية، ثمة نصائح نافعة لكبار المديرين بشأن تصميم أنظمة لفرز الأفكار ضمن شركاتهم. وعلى الرغم من أنني لا أستطيع أن أُقدّم قاعدة ذهبية لاتخاذ القرار الأمثل في اختيار الأفكار، فإنني أستطيع أن أُبيّن لهم:
ما الذي يحدث حين يُفوِّضون عملية الاختيار إلى مرؤوسيهم، وكيف أن الهيكل التنظيمي الذي يضعه كبار الإدارة يؤثر في سلوك اتخاذ القرار لدى موظفيهم.
وفهم هذين الأمرين في غاية الأهمية؛ إذ إنه بالنظر إلى مسؤولياتهم الأخرى، لن يتسنى لكبار المديرين أن يستعرضوا بأنفسهم كل مقترح ابتكاري، لذا، لا بد لهم من أن يصوغوا أنظمة أو قنوات، بحيث تكون الأفكار التي يُرجَّح أن ينظروا فيها إما: (أ) مختارة من قِبل مديري الصف الثاني لمزيد من التقييم على مستواهم، وإما (ب) إذا كانت الأفكار ذات أهمية أو وعد كافٍ، تُحال إلى انتباه الإدارة العليا لمزيد من البحث والتدقيق. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي في انتقاء الأفكار الجيدة يكمن في تحقيق التوازن الأمثل بين كلفة الانتقاء المباشر من جهة، وكلفة التفريط في الأفكار الجيدة أو تنفيذ الأفكار الخاطئة من جهة أخرى.
تعديل قناة الاختيار
ينبغي للشركات أن توازن بين كلفة إضاعة الفرص الجيدة من جهة، وكلفة تنفيذ الأفكار الرديئة من جهة أخرى، وكيفية تحقيق المديرين لهذا التوازن تختلف من شركة لأخرى، إلا أن ما ينبغي ألا يتغير بين مختلف المؤسسات هو الآليات النفسية والاجتماعية الأساسية التي تؤثر في كيفية اختيار الأفراد للأفكار التي يقترحها غيرهم في المؤسسة. وقد قمت وشركائي في البحث بتحديد الأفكار المستجدة وقياس كلٍّ من الآليات المعروفة والجديدة العاملة بهذا الصدد، وربطناها بسبعة ضوابط تنظيمية يمكن للشركات تعديلها لفرز مقترحات الابتكار بما يلائم حاجتها.
وفيما يلي أُبيّن كيف يمكن للإدارة أن توظف هذه الضوابط لصالحها؛ فأشرح أولًا المتغيرات التي تؤثر في احتمال اختيار الأفكار، ثم أقدم إرشادات حول كيفية ضبط المديرين لمحددات التصميم على النحو الأمثل في سياق شركاتهم ليصنعوا قناة فعالة.
١. التحيز الوطني: درسنا ثلاثة أنواع من التحيزات السائدة في المؤسسة: التحيز الوطني، وتحيز وحدة الأعمال، وتحيز الموقع. وقبل النظر في كلٍّ منها على حدة، من المهم الإشارة إلى الدور العام للتحيز. فقد ثبت أن شخصين نادرًا ما ينظر أحدهما إلى الآخر بنظرة موضوعية أو محايدة مهما كان السياق. فالناس يميلون إلى التحيز إيجابًا أو سلبًا تجاه غيرهم، ومصادر التحيز متعددة. إلا أنه من مصلحة الإدارة العليا أن تدرك مدى تأثير التحيزات في نظرة المديرين الأدنى إلى مقترحات الابتكار المقدمة من الموظفين. وفي الإطار العام لمساعي الابتكار المؤسسي، فإن وجود التحيزات ليس بالضرورة أمرًا إيجابيًّا أو سلبيًّا؛ غير أن التحيزات تؤثر في بنية قناة الابتكار؛ لذا ينبغي لكبار المديرين أن يحيطوا بها علمًا ويعالجوا أثرها إن لزم الأمر.
وقد أظهرت البحوث التي بُني عليها هذا المقال أن المديرين الأدنى يميلون إلى تفضيل الأفكار التي يقترحها موظفون يعملون في البلد ذاته الذي يعمل فيه المديرفمجرّد انتماء الأفراد إلى تلك المجموعة الاسمية الواحدة يمنحهم شعورًا مشتركًا بالهوية المهنية، حتى وإن لم يلتقِ المدير ببعض الموظفين شخصيًا. يزيد من احتمال اجتياز الفكرة لمرحلة الانتقاء؛ ففي البحث الذي استند إليه هذا المقال، بلغت ميزة الانتماء إلى البلد نفسه ما بين ٧٪ و١٦٪. وهناك عدة تفسيرات لذلك، غير أن ثلاثة منها هي الأبرز وقد تتداخل معًا: (أ) قد يكون التواصل بين المديرين والموظفين المنتمين إلى البلد نفسه أقل عرضة لسوء الفهم لأسباب ثقافية (بصرف النظر عن اللغة)، أو (ب) أن خلفية الموظف أو كفاءته المرتبطة بالبلد تزيد من الجودة الموضوعية للفكرة بالنسبة للبلد الذي يعمل فيه المدير، أو (ج) أن المديرين ببساطة يفضلون الموظفين من البلد نفسه (فيُعجبون بمقترحاتهم) لأسباب لا علاقة لها بالمقترح ذاته، وهو ما يُعرف بتأثير “التجانس”.
٢. تحيز وحدة الأعمال: كذلك يميل المديرون إلى تفضيل الأفكار الصادرة عن موظفين يعملون ضمن وحدات الأعمال نفسها التي ينتمون إليها، للأسباب ذاتها تقريبًا (سهولة التواصل، والمعرفة المتخصصة، والتجانس)، مع أن عوامل الكفاءة ربما تكون الأهم. وفي سياق الشركة التي تناولها بحثي، أدى اشتراك المديرين والموظفين في وحدة الأعمال ذاتها إلى زيادة احتمال اختيار الفكرة بنحو ٣٪.
٣. تحيّز الموقع: وقد أظهرت البحوث أيضًا أنّ المديرين يختارون الأفكار لمزيد من التقييم في كثير من الأحيان إذا كان مقدّموها من العاملين في موقعهم الفعلي. بل إنّ تحيّز الموقع كان أقوى بكثير من التحيّزات التي ذُكرت آنفًا؛ إذ زاد احتمال اجتياز الفكرة للمرحلة الأولى من التصفية بنسبة تتراوح بين ١٠٪ و٥٠٪. وربما يعكس هذا التحيّز القوي حقيقة أنّ المديرين والعاملين إذا اجتمعوا في موقع واحد صاروا في عداد جماعة واحدة “حقيقية”، وليسوا مجرّد زملاء، وقد تكون بينهم معرفة ومودة. وعلى كلّ حال، ينبغي لكبار المديرين أن يكونوا على وعي بهذه التحيّزات. وكما ذُكر، فقد يكون ذلك في بعض الأحوال مفيدًا للشركة؛ إذ يهيّئ بيئة متقبّلة للأفكار المبتكرة، غير أنّه قد يكون أيضًا ممّا ينبغي للإدارة أن تعالجه، كأن يُشترط أن تُعرض المقترحات على مديرين من مواقع أخرى في الشركة، أو من دول أو وحدات أعمال أخرى، إلى جانب مديرين من الموقع نفسه.
٤. طول المقترح: إن لطول مقترح الابتكار أثرًا عظيمًا فيما إذا كان المديرون سيختارون الفكرة لمزيد من النظر. تُظهر السجلات أنّ المقترحات التي هي إما طويلة جدًّا وإما قصيرة جدًّا لا تحظى بمستوى النظر نفسه من المديرين كالتي كانت بطول “مناسب” بحسب البيئة الخاصة، وكان الطول الأمثل للمقترح في الشركة التي درستها نحو مئتين وخمسين كلمة، وقد تختلف الأعراف في منظمات أخرى. والحقيقة أنّ المديرين الأدنى رتبة، الذين يتولّون تصفية المقترحات، مشغولون وأمد انتباههم قصير. فالمقترح الطويل قد يُستبعد من مزيد النظر مهما كانت الفكرة جديرة، وغالبًا ما يعاني المقترح الطويل الممل من فقدان التركيز. أمّا المقترح الوجيز، فقد يدلّ على أنّ الفكرة لم تُدرس بما فيه الكفاية ولم تُجِب عن الأسئلة الأساسية. فإلى جانب مسائل التصوّر عند المقوّم، فإنّ طول المقترح الأمثل يعكس جودة المقترح موضوعيًّا؛ مما يزيد احتمال ترقية الفكرة، وينبغي للشركات التي ترغب في استثمار أفضل الأفكار أن تبيّن معايير كتابة المقترحات، وإلا فقد تُقصى بعض أفضل الأفكار قبل أن يُنظر فيها بجدية.
٥. نبرة المقترح: وإلى جانب الانتباه إلى طول المقترح، فإن كيفية عرض الأفكار تُحدث فرقًا كبيرًا في نظرة المديرين المشرفين على التصفية إلى قيمتها المحتملة. فالمقترحات التي تبرز الجوانب الإيجابية للفكرة للشركة، بدل التركيز على المشكلة التي تروم معالجتها، يكون لها حظ أوفر في نيل مزيد من النظر. وبالمتوسط، فإن المقترحات التي تذكر عشرة أوصاف إيجابية (كإبراز “العظمة” أو “التفوق” أو “الجِدة” في الحل) تزيد احتمال اجتياز الفكرة للانتقاء الأولي بنحو ١٠٪ إلى ١٥٪. وعمومًا، فإن المديرين أكثر تقبّلًا للأفكار التي تبرز الفرص الكامنة في الحل المقترح من تلك التي تركز أساسًا على المخاطر.
٦. حجم المنظمة: وتُظهر البحوث أيضًا أنّ بيئة العمل التنظيمية التي يعمل فيها المدير (بما فيها حجم المؤسسة) تؤثر في احتمال رفعه للأفكار الواعدة إلى الرؤساء. ومن اللافت أنّه كلما كبر حجم الوحدة التنظيمية، زاد احتمال أن يرفع المديرون الأفكار لمزيد من التقييم ولا يرفضوها فورًا. وتشير أبحاثي إلى أنّ كثرة الزملاء لدى المديرين الأدنى رتبة في الابتكار تجعلهم أكثر اعتيادًا على إلقاء المسؤولية على غيرهم في الشركة، وهي آلية معروفة في مجالات أخرى من سلوك المنظمات.
٧. درجة التراتب: غير أنّ حجم الشركة ليس العامل التنظيمي الوحيد المؤثر في اجتياز مقترحات الابتكار للعقبات الأولى. فالمديرون الأدنى رتبة في الابتكار يتأثرون أيضًا بمدى التراتب الذي يحيط بهم وبمدى شعورهم بالارتياح في الإقدام والمخاطرة. فكلما زادت التراتبية في الوحدة التي يعمل فيها المدير الأدنى، قلّ احتمال أن يصرّح بأن الفكرة، ولو كانت واعدةً، ذاتُ صلة بالشركة ويرفعها إلى الرؤساء. وتبيّن دراستي أنّ هذا التردد يعكس شعور المديرين الأدنى بعدم القدرة على التأثير في مقترحات الابتكار أو التحكم فيها في المنظمات شديدة التراتب. ومن المرجّح أن يؤدي ذلك إلى انفصال نفسي عند المديرين وابتعادهم عن حملات الابتكار. وإلى جانب القلق من التراتب، فإن بعض المديرين الأدنى ربما يعزفون عن المشاركة في العملية لأنهم لا يرغبون في التعرض لتعليقات سلبية محتملة من الرؤساء.
بناء القمع
فكيف يُمكن للإدارة العليا أن تُطبِّق هذه النتائج؟ فإذا ما شجَّعت الشركات موظفيها على التقدُّم بأفكار جديدة، وجب على المديرين أن يُنشِئوا قمعًا يُمكِّنهم من انتقاء أفضل تلك الأفكار. ويُمكن للمسؤولين التنفيذيين أن يبدؤوا هذا العمل التصميمي بدراسة الآليات المذكورة آنفًا بحسب ما يتعلَّق بمنظماتهم، مع الاعتراف بأنه لا توجد قواعد ثابتة لموازنة الكمِّ والكيف تصلح في كلِّ مقام. (انظر: “تفصيل قمع الابتكار على المقاس”).
ولنأخذ مسألة التحيُّز مثالًا، فمع أن ثمَّة منافع ظاهرة في أن يقوم المديرون الأدنى من بلد معين أو وحدة أعمال معينة بمراجعة مقترحات الابتكار المقدَّمة من موظفين من البلد أو الوحدة ذاتها (إذ يشتركون في إطار مرجعي واحد)، فإن في ذلك مشكلات متأصلة أيضًا (إذ قد يكونون غير ناقدين بما يكفي لتلك الأفكار). فعلى الإدارة العليا أن تُوازن بين الإيجابيات والسلبيات في كل متغيِّر، كي تُحدِث التغييرات المناسبة في هياكل المنظمة وعملياتها. وبالنظر إلى ظروف المنظمة وأهدافها، يجب على كبار المديرين أن يُقيِّموا ما إذا كان من الأصلح توسيع القمع أو تضييقه أو اتخاذ موقف وسط بين ذلك، مع الاعتراف بأن لكل قرار من هذه القرارات تبعات في التكاليف والموارد.
وأخيرًا، فإن الشركات لا ينبغي لها فقط أن تلتزم بتخصيص الموارد الكافية لجهودها الابتكارية، بل يجب عليها أيضًا أن تُعيد النظر في المبادرات لمواكبة تغيُّر الظروف. وفي الحقيقة، فإن الشركة التي درستُها في هذا البحث لا تزال حتى اليوم -بعد ما يقارب ثلاث سنوات من انتهاء الحملة الموصوفة في هذا المقال- تلقي شباكًا واسعة في استقطاب الأفكار من موظفيها، غير أن الإدارة باتت تولي اهتمامًا أعظم للتكاليف المصاحبة لعملية انتقاء الأفكار مما كانت عليه من قبل. وقد حققت وُفوراتٍ ماليةً عبر قصر حق تقديم الأفكار على الموظفين الأكثر خبرة، والذين يُحفَّزون على التروِّي والتدقيق في مقترحاتهم قبل رفعها. ويُمكن للموظفين أن ينالوا مكافآت مالية مجزية على الأفكار الواعدة، وفي بعض الحالات يُدعون لعرض أفكارهم أمام مجلس الإدارة. ومع أنه من المبكر الحكم على نجاح هذا التوجه، فإنه يُظهر بجلاءٍ أن ثمة موازنة أخرى ينبغي للإدارة العليا أن تتأملها: وهي إدارة التوازن بين تخصيص الموارد لانتقاء الأفكار وبين استحداثها ابتداءً، وكيف يُمكن للمديرين أن يُحسنوا معالجة هذا التحدي الإداري العلوي الذي سيبقى موضوعًا للبحث المستقبلي.
المراجع
1. In its most general form, this insight on the skewed distribution of breakthrough ideas was reported by Alfred Lotka as early as 1926. See A. Lotka, “The Frequency Distribution of Scientific Productivity,” Journal of the Washington Academy of Sciences 16, no. 12 (1926): 317-324. More recently, these insights have been applied to improve our understanding about corporate innovation more specifically. See L. Fleming, “Breakthroughs and the ‘Long Tail’ of Innovation,” MIT Sloan Management Review 49, no.1 (2007): 69-74.
2. For a review, see H. Lamm and G. Trommsdorff, “Group versus Individual Performance on Tasks Requiring Ideational Proficiency (Brainstorming): A Review,” European Journal of Social Psychology 3, no. 4 (1973): 361-388.
3. Recent experimental studies in the field of operations research support this conclusion. For details, see K. Girotra, C. Terwiesch and K.T. Ulrich, “Idea Generation and the Quality of the Best Idea,” Management Science 56, no. 4 (April 2010): 591-605.
4. The data on ideas I deploy for analysis are limited to observations that can, at least in theory, be tracked to an individual inside the company’s central personnel database, and have no major missing information otherwise.
5. Note that the “costs” of implementation can be twofold. The company will incur direct costs when implementing a bad (that is, unprofitable) idea, and it will face opportunity costs when not implementing a good (or profitable) idea. Both types of errors (so-called false positives and false negatives) jointly create the total costs of idea implementation. When balancing selection and implementation costs, the manager must find an optimum for her or his corporation.
6. For more information, see M.G. Reitzig and O. Sorenson, “Intra-Organizational Provincialism,” Working paper, Toronto, February 12, 2010, http://papers.ssrn.com/ and M.G. Reitzig, “Hierarchies, Polyarchies, and Endogenous Screening,” August 6, 2010, http://papers.ssrn.com/.
7. For the basics, see M.B. Brewer, “In-group Bias in the Minimal Intergroup Situation: A Cognitive Motivational Analysis,” Psychological Bulletin 86, no.1 (1979): 307-324.
8. Depending on the actual statistical model; for more information, see Reitzig and Sorenson, “Provincialism,” and Reitzig, “Hierarchies.”
9. In this case the bias is driven by an informational transfer problem, and not by other behavioral particularities of the subjects.
10. For further reading, see M. McPherson, L.S. Lovin and J.M. Cook, “Birds of a Feather: Homophily in Social Networks,” Annual Review of Sociology 27, no. 1 (2001): 415-444.
11. A detailed manual inspection of a random sample of about 200 idea descriptions confirms this large-scale empirical finding.
12. Think of it as follows: You can say (1) that an idea makes $1 million more per year for the company; or (2) that the company has a problem, which unless fixed will cost the company $1 million per year. The first statement is positively worded. Chances are, it will pass the selection. The second one, saying exactly the same thing in terms of content, stands a worse chance because it is not framed positively.
13. For further reading, see D.R. Forsyth, L.E. Zyzniewski and C.A. Giammanco, “Responsibility Diffusion in Cooperative Collectives,” Personality and Social Psychology Bulletin 28, no. 1 (2002): 54-65.
