إيمي ويب
لقد أسديت النصح مؤخرًا إلى شركة اتصالات كبرى بشأن استراتيجيتها طويلة الأمد في ميدان الاتصالات اللاسلكية، وكانت الشركة، ولا عجب، قلقة على مستقبلها؛ إذ كانت خدمات البث التلفازي الجديدة، التي يربو عددها على نصف دزينة، في طور الإطلاق، وكانت منصات الألعاب الإلكترونية التي تلتهم النطاق الترددي، تجتذب أفواجًا من اللاعبين الجدد على عجل، وكانت هناك أيضًا احتمالات لتدخلات تنظيمية تلوح في الأفق.
وما طرأ من تغييرات كهذه، كان يعني اضطرابًا في نماذج الأعمال القائمة لدى الشركة، وهي نماذج لم تتطور جوهريًّا منذ فجر عصر الإنترنت. ولهذا، خشيت الشركة أن تواجه أزمة وجودية. وللتحوّط لهذا الخطر، رغب قادتها الكبار في إرسال فريق متعدد الاختصاصات لوضع رؤية لثلاث سنوات، يدرس فيها القوى الاضطرابية التي قد تؤثر في الشركة ومدى ذلك الأثر، ولم يكن هذا بالأمر الهيّن؛ إذ كان على القادة أولًا أن يحشدوا التأييد الداخلي، فكل تغيير في العمليات المعتادة يتطلب اجتماعات عديدة، وعروضًا تقديمية، وبيانًا للمخرجات الملموسة. وبعدما حصلوا على الموافقة، وشُكّل الفريق، أمضوا شهورًا في دراسة المنافسين، وبناء النماذج المالية، والتعمق في اتجاهات الإلكترونيات الاستهلاكية. وأخيرًا، أنجز الفريق ما كُلف به؛ إذ وضع خطة مفصلة شاملة لثلاث سنوات، توقعت أن تؤدي منصات البث الجديدة والألعاب الإلكترونية إلى زيادة هائلة في استهلاك النطاق الترددي، وأن تشهد الأجهزة المتصلة الأحدث من هواتف وساعات، وأجهزة رياضية منزلية، وكاميرات أمنية، انتشارًا أوسع في السوق. وكانت رؤية ضيقة ستقود الشركة إلى مسار واحد لا يلتفت إلا إلى البث والأجهزة الاستهلاكية، دون اعتبار لسائر القوى الاضطرابية التي تلوح في الأفق.
ولم تكن النتائج بالتي تفاجئ؛ فالبث والألعاب والأجهزة أمر مفروغ منه. ولكن أين سائر مجالات الابتكار المتاخمة؟ إن الشركات، في خبرتي، غالبًا ما تركز على التهديدات المألوفة؛ لأنها تملك أنظمة ترصد وتقيس بها المخاطر المعروفة. وهذا لا يضيف كبير نفع للتخطيط البعيد المدى، بل قد يدفع المنظمات إلى اتخاذ قرارات عجلى تحت الضغط. ونادرًا ما تستقصي الشركات القوى الاضطرابية المجهولة مسبقًا لتدرج نتائج بحثها في استراتيجيتها.
وكنت قد رغبت في معرفة كيف صاغت الشركة مشروعها في البدء، فالمقصد كان بحث جميع القوى الاضطرابية التي قد تؤثر في مستقبل الاتصالات، غير أنها انحصرت في التهديدات المعروفة المعتادة.
لقد كان ثمة تطورات خارجية جديرة بالانتباه؛ فعلى سبيل المثال، كان بعض رواد الأعمال الأذكياء قد أطلقوا أنظمة جديدة تتيح مشاركة القدرة الحاسوبية الكامنة في أجهزتنا المتصلة. وبواسطة تطبيق بسيط، صار بإمكان المستهلكين بيع الوصول عن بعد إلى هواتفهم المحمولة، لقاءَ أرصدة أو مال يُنفق في الأسواق. (وهذا يتيح للمستهلكين أن يربحوا المال وهم نائمون). ولأن هذه الأنظمة موزعة ولا مركزية، فإن البيانات الخاصة مصونة. وفي هذه المنصات الجديدة، يستطيع أي أحد تأجير ما لديه من موارد حسابية فائضة لقاء بدل.
وما يثير العجب في منصات الحوسبة الموزعة، أنها قادرة كذلك على تسخير قوة أجهزة أخرى، مثل: أفران المايكروويف المتصلة، وغسالات الملابس، وأجهزة الإنذار الذكية، ومكبرات الصوت التي تستجيب للأوامر الصوتية. وحين تنتقل منصات الحوسبة الموزعة من الهامش إلى التيار الرئيس، سيكون لذلك أثر زلزالي في توقعات الشركة المالية. فبينما اعتاد الفريق حساب كلفة الميغابِت الواحد للبث وكلفة صيانة الشبكات، لم تكن لديهم معادلات لحساب الأثر المالي لمليارات الأجهزة المتصلة، التي قد تصير قريبًا جزءًا من منصات الحوسبة الموزعة العملاقة.
ومن خلال النظر إلى مستقبل الاتصالات بمنظار الحوسبة الموزعة، تواردت إلى ذهني أسئلة عديدة: كيف ينبغي تعديل النماذج الحالية للنطاق الترددي وتوقعاته لتشمل كل هذه الأجهزة؟ وهل ستظل خطط العملاء تدر الهوامش نفسها مع كل هذه الاستخدامات الجديدة للنطاق القائم؟ وهل ستستغل الشركة بيانات الأجهزة كلها في استخلاص الذكاء التجاري؟ وإن كان ذلك، فكيف سيكون شكل حوكمة البيانات؟
وسألت الفريق أيضًا أن يفكر في مستقبل الاتصالات من منظور آخر مجاور: تغير المناخ. فمراكز البيانات القائمة، مثل سائر المباني، أُنشئت وفق إرشادات ومخططات وقوانين بناء، يُرجح أن يلزم تعديلها استجابةً للظواهر الجوية العنيفة. وينبغي أن تكون مراكز البيانات في بيئات مضبوطة الحرارة لا تتغير، غير أن موجات الحر والفيضانات المفاجئة والبرد الشديد والرياح العاتية والحرائق، صارت أكثر شيوعًا وأشد استعصاءً على التنبؤ. وهذا يشكل تهديدًا للبنية التحتية الحيوية.
بينما استطاع الفريق بناء نماذج تنبؤية لاستشراف طفرات عرض النطاق الترددي، كان التنبؤ بالأحداث المناخية القاسية أعسر بكثير. فكيف كان الفريق يراقب أحوال الطقس والمناخ؟ وهل أدخلوا عنصر عدم اليقين في توقعاتهم المالية، تحسّبًا لتلك الأحداث المناخية الشديدة؟ وهل أُعدّت خطّة للأزمات تُنفّذ إذا انقطعت الطاقة؟ وماذا لو أرهق امتداد أيام شديدة الحرّ أجهزة التبريد؟ وهل من الحكمة أن تستمر الشركة في بناء مراكز البيانات وصيانتها؟ أيوجد وجهٌ للرأي في إضافة فريق صغير من علماء المناخ إلى وحدة علوم البيانات القائمة في الشركة؟
رأيت من ردود أفعال الجميع، أنّ هذا النمط من التساؤل المتسلسل قد جاوز نطاق أبحاثهم المعتاد. وما كان للشركة أن تغفل عن هذه المجالات وغيرها من مواطن الاضطراب المحتمل، إلا بسبب عاداتها الراسخة ومعتقداتها المحبوبة؛ فقد تعوّد الفريق على منهج دقيق، لكنه ضيّق الأفق في التخطيط؛ إذ كانوا يبنون التوقعات المالية، ويراقبون منافسيهم المباشرين، ويتابعون البحث والتطوير في قطاع صناعتهم، فحسب.
وما شهدته ليس بالأمر الفريد؛ إذ كثيرًا ما تُبتلى الفرق عند مواجهة عدم اليقين العميق بعادة ضبط المتغيرات الداخلية المعروفة، وتغفل عن تتبع العوامل الخارجية بصفتها عناصر اضطراب محتملة. ومتابعة المتغيرات المعروفة تنسجم مع ثقافة الأعمال القائمة؛ إذ هي نشاط قابل للقياس الكمي. وهذه الممارسة تغري صانعي القرار بوهم الأمان، وتفضي –للأسف– إلى تضييق إطار المستقبل، فتجعل حتى أنجح المنظمات عرضة لقوى الاضطراب، التي تبدو كأنها تطرأ من العدم. وإن إغفال التغير الحاصل خارج تلك المتغيرات المعروفة، هو السبيل الذي به تخرج حتى أكبر الشركات وأعظمها تقديرًا من السوق بفعل الاضطراب.
ويُسمي المستقبليون هذه العوامل الخارجية بالإشارات الضعيفة، وهي دلائل مهمة على التغير. وبعض فرق القيادة تواجه عدم اليقين بالتماس الإشارات الضعيفة، فهم يستخدمون أطرًا مجرّبة، وينفتحون على رؤى بديلة للمستقبل، ويتحدّون أنفسهم أن يبصروا شركاتهم وصناعاتهم من منظور خارجي. أما الشركات التي لا تضع عملية منظمة للبحث الدائم عن الإشارات الضعيفة، فغالبًا ما تزلزلها قوى الاضطراب.
بوصفي باحثة في علم المستقبليات الكمية، فإن عملي هو استقصاء المستقبل، وهذا المسار يرتكز على مواجهة مقصودة لحالات عدم اليقين الداخلية والخارجية على السواء. أفعل ذلك بما أسميه “نظرية قوى المستقبل”، التي تفسّر كيف أن الاضطراب غالبًا ما ينشأ من مصادر مؤثرة للتغير الكلي، وتمثل هذه المصادر حالات عدم يقين خارجية؛ أي عوامل تؤثر تأثيرًا واسعًا في الأعمال والحكم والمجتمع، وقد تميل هذه العوامل إلى الإيجاب أو الحياد أو السلب.
وأستخدم أداة بسيطة لتطبيق نظريّة قوى المستقبل على المنظمات في أثناء تطويرها التفكير الاستراتيجي. وتعدِّد هذه الأداة أحد عشر مصدرًا للتغير الكلي، غالبًا ما تكون خارج نطاق سيطرة القائد. وفي خمسة عشر عامًا من البحث الكمي الاستشرافي، وجدت أن كل تغير، إنما هو نتيجة اضطراب في واحد أو أكثر من هذه المصادر الأحد عشر، ويجب على المنظمات أن تولي اهتمامها لجميع هذه المصادر، وأن تبحث عن مواطن التقاطع، والانقلابات، والتناقضات. والأنماط الناشئة ذات أهمية خاصة؛ إذ تشير إلى تحول من نوع ما. ويجب على القادة أن يربطوا هذه النقاط بقطاعاتهم وشركاتهم، وأن يهيئوا فرقهم لاتخاذ خطوات تدريجية. ولعل المصادر الأحد عشر للتغير تبدو شاقة في البدء، ولكن تأمل فائدة الرؤية الأوسع: فقد تكون شركة زراعية كبرى تتابع تغيرات البنية التحتية، أول من يدخل أسواقًا جديدة أو ناشئة، بينما يمكن لتاجر تجزئة ضخم يراقب تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، أن يكون في موقع أفضل للتنافس مع منصات التقنية الكبرى.
وتشمل مصادر التغير الكلي ما يلي:
١. توزيع الثروة: توزيع الدخل بين أسر السكان، وتركيز الأصول في المجتمعات المختلفة، وإمكان الأفراد للترقي من أوضاعهم المالية، والفجوة بين أعلى وأدنى الشرائح في الاقتصاد.
٢. التعليم: إتاحة وجودة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي، وتدريب القوى العاملة، والتلمذة الصناعية، وبرامج الشهادات، وطرائق التعلم وأدواته، وميول الناس في الدراسة.
٣. البنية التحتية: الهياكل المادية والتنظيمية والرقمية اللازمة لعمل المجتمع (الجسور، وشبكات الكهرباء، والطرق، وأبراج الواي فاي، وكاميرات المراقبة المغلقة)، وكيف يمكن لبنية مدينة أو ولاية أو دولة أن تؤثر في أخرى.
٤. الحكومة: الهيئات الحاكمة المحلية والإقليمية والوطنية والدولية، ودورات تخطيطها، وانتخاباتها، وقراراتها التنظيمية.
٥. الجغرافيا السياسية: العلاقات بين قادة الدول وجيوشها وحكوماتها، والمخاطر التي يواجهها المستثمرون والشركات والقادة المنتخبون، استجابة للإجراءات التنظيمية أو الاقتصادية أو العسكرية.
٦. الاقتصاد: التحولات في العوامل الاقتصادية الكلية والجزئية المعتادة.
٧. الصحة العامة: التغيرات التي تطرأ على صحة وسلوك سكان المجتمع استجابة لأنماط الحياة، والثقافة السائدة، والأمراض، والتنظيم الحكومي، والحروب أو النزاعات، والمعتقدات الدينية.
٨. الديموغرافيا: مراقبة كيف تؤدي معدلات المواليد والوفيات، والدخل، والكثافة السكانية، والهجرة البشرية، والأمراض، وغيرها من الديناميات إلى تحولات في المجتمعات.
٩. البيئة: هي التغيرات التي تطرأ على العالم الطبيعي أو على مناطق جغرافية معينة، وتشمل الأحداث المناخية القاسية، وتقلبات المناخ، وارتفاع مستويات البحار، والجفاف، وارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة، وغير ذلك. ويدخل في هذا الباب أيضًا إنتاج الزراعة.
١٠. الإعلام والاتصالات: ويشمل جميع الوسائل التي نتبادل بها المعلومات ونتعلم بها عن العالم، من الشبكات الاجتماعية، والمؤسسات الإخبارية، والمنصات الرقمية، وخدمات بث الفيديو، وأنظمة الألعاب والرياضات الإلكترونية، وتقنية الجيل الخامس، وغير ذلك من الوسائل التي لا حصر لها، والتي نتواصل بها بعضنا مع بعض.
١١. التقنية: وليست مصدرًا منفردًا للتغيرات الكبرى، بل هي الرابط الذي يصل بين عالم الأعمال والحكومة والمجتمع. ونحن نبحث دائمًا عن التطورات التقنية الناشئة، وكذلك الإشارات التقنية الكامنة في سائر مصادر التغير.
وربما يبدو هذا عدًّا واسعًا على غير المعتاد للإشارات التي ينبغي تتبعها استعدادًا للمستقبل، غير أني من خلال التجربة أرى أن إهمال هذه المصادر المحتملة للتغير، يجعل الكيانات عرضة للاضطراب والانقطاع. وأحبُّ الأمثلة إلى نفسي في ذلك، ما وقع عام ٢٠٠٤م؛ إذ ظهرت إشارات ضعيفة عدة تنبئ بتحول جذري في أساليب التواصل بين الناس. كان فريقان من كبار القادة يملكان ذات المعلومات؛ أحدهما كان ينظر إلى العوامل الخارجية بنشاط، أما الآخر فاكتفى باستقراء الاتجاهات السائدة في صناعته ليجري تحسينات طفيفة على منتجاته القائمة، وقد أفضت تلك القرارات إلى نهاية إحدى الشركات المحبوبة والموقرة في العالم، وظهور منافس لم يكن في الحسبان، وكانت الإشارات تشمل التطورات الآتية:
– برامج جديدة جعلت من السهل على أي شخص نسخ المحتوى من الأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية.
– مواقع مشاركة الملفات من نظير إلى نظير، مثل BitTorrent وisoHunt وThe Pirate Bay وLimeWire، التي كانت في البدء حكرًا على المخترقين، أصبحت شائعة بين الناس، يتبادلون بها الموسيقا والأفلام على نطاق واسع.
– الطلب على المحتوى الرقمي كان في ازدياد سريع، بينما بدأت مبيعات الوسائط المادية في التراجع.
– مطورو الألعاب كانوا يجربون تقنيات الاستشعار باللمس التي تستجيب للضغط والملامسة؛ ففي ألعاب القتال مثلًا، إذا أصيب اللاعب بنيران العدو، شعر باهتزاز في وحدة التحكم. كما أدرج المطورون تقنيات اللمس في الشاشات الأولى التي تعمل باللمس؛ فيكفي المستخدم لمس أيقونة ليواصل، أو يرجع، أو يدور، أو يتوقف.
– في كوريا واليابان، بدأ تصنيع الأجهزة الاستهلاكية بوظائف مزدوجة؛ فكان هناك كاميرات رقمية مزودة بمشغلات MP3، وهواتف محمولة ذات هوائيات معدنية قابلة للسحب لاستقبال بث التلفاز.
وقد ربط أحد الفريقين القياديين تلك الإشارات بعمله القائم، وتنبأ بعالم تتجمع فيه جميع أجهزتنا في هاتف محمول واحد، له من القوة ما يمكنه من تسجيل الفيديوهات، ولعب الألعاب، وفحص البريد الإلكتروني، وإدارة الجداول، وعرض الخرائط التفاعلية مع الإرشاد، وغير ذلك الكثير. لم يكن لدى ذلك الفريق تعلق بشكل الهاتف التقليدي، بل كان منفتحًا على البدائل في كيفية عمل الحاسوب-الهاتف. وكان ذلك الفريق في شركة آبل، وفي عام ٢٠٠٧م، طُرِحَ منتج جمع في صميمه تلك الإشارات الضعيفة: أول آيفون. وفي نهاية العقد، أرغمت شركة كانت معروفة أساسًا بحواسيبها المكتبية الأنيقة، سوق الأجهزة المحمولة بأسره على الانصياع لرؤيتها للمستقبل.
أما الفريق الآخر، لم تلفت أنظار قادة شركة Research in Motion (RIM)، التي كانت تصنع في ذلك الحين الهاتف الأشهر عالميًّا: بلاك بيري. (وقد بلغ حبنا لتلك الهواتف أن سميناها “كراك بيري”، وافتخرنا بإدماننا الرقمي). كان أول جهاز يتيح لنا البقاء متصلين بمكاتبنا حقًّا. ولعله الأهم، أنه كان مزودًا بلوحة مفاتيح كاملة مادية، بينما بقية الهواتف آنذاك لم تزد عن أزرار مرقمة، وكانت كتابة الحروف تتطلب الضغط على عدة أزرار للوصول إلى أحد الأحرف الثلاثة المرتبطة بكل رقم. وقبل بلاك بيري، كان إرسال رسالة نصية قصيرة من ثلاثة أسطر يستغرق دقائق.
وبسبب الشعبية الجارفة للبلاك بيري، أصبحت RIM من أكبر الشركات وأكثرها قيمة في العالم؛ إذ بلغت قيمتها ٢٦ مليار دولار، وسيطرت على نحو ٧٠٪ من سوق الهواتف المحمولة، وبلغ عدد مستخدميها سبعة ملايين. وبفضل هذا النجاح الباهر، لم تترك ثقافة الشركة مجالًا لبدائل مستقبلية، وكان هناك نفور داخلي من مخالفة المعتقدات الراسخة. أما المديرون الذين ربطوا تلك الإشارات الضعيفة بالبلاك بيري، فلم يكن لهم مصداقية خارج أقسامهم. ونتيجة لذلك، لم تصل القوى الخارجية المزعزعة التي كانت آبل تتابعها بنشاط إلى قادة RIM. واستمرت الشركة في الابتكار المحدود، فطرحت بلاك بيري بيرل الأصغر حجمًا، وفيه فأرة صغيرة على شكل لؤلؤة مزروعة في لوحة المفاتيح، وأصدرت أجهزة بألوان جديدة. وكان ذلك، في ضوء ما نعلم اليوم، هو الاستراتيجية الدفاعية التي شرحها كلايتون كريستنسن في نظريته عن الابتكار المزعزع؛ إذ حين يتهددهم التغيير، يلجأ اللاعبون الكبار إلى ما سماه “الابتكار الاستمراري”؛ أي إضافة مزايا جديدة تتيح لهم الحفاظ على قاعدة عملائهم، وربما هوامش أرباحهم. غير أن مثل هذه الابتكارات تغفل في الغالب التغيرات المزعزعة التي تقتحم السوق.
حين أطلقت شركة آبل هاتف الآيفون، بقيت تُصغي إلى الإشارات وتراقبها، في حين لم تُعِدْ شركة رِيم (RIM) ضبط استراتيجيتها قط. وبدل أن تُسارع إلى تكييف منتجها المحبوب لجيل جديد من مستخدمي الهواتف المحمولة، واصلت شركة رِيم تعديل أجهزة البلاك بيري التي تملكها، وتحسين نظام تشغيلها تحسينًا تدريجيًّا. وكان ذلك الآيفون الأول، من وجوه عديدة، طُعْمًا مُضلِّلًا. وكما هو الحال غالبًا مع المقتحمين الناجحين للأسواق، يكون أول منتج يخترق السوق منخفض الجودة، ويكاد يكون بالكاد “جيدًا بما فيه الكفاية” للمستهلكين، وهذا ما يمكّن الشركات الراسخة من تبرير تجاهلها لهؤلاء الوافدين الجدد. غير أنّ الصعود نحو الجودة يكون سريعًا؛ فقد سارعت آبل إلى تحسين الهاتف ونظام تشغيله، وسرعان ما اتضح أن الآيفون لم يُصمم قط لينافس البلاك بيري. فإنّ لآبل رؤية مغايرة تمامًا لمستقبل الهواتف الذكية؛ إذ رأت في الجهاز الواحد الجامع لشؤون الحياة كلها، لا للأعمال فحسب، مسارًا للمستقبل، وبهذا تجاوزت رِيم وقفزت عليها.
وأما الطريقة التي خططت بها رِيم وآبل لمستقبلهما، فهي التي حسمت مصيرهما، وما جرى لرِيم إنما هو نذيرٌ لكل منظمة؛ فبوسع القادة الكبار أن يختاروا مواجهة الغموض، وأن يراقبوا القوى المقتحمة للأسواق منذ بداياتها، أو أن يبتكروا ضمن نطاق ضيق، ويعززوا الممارسات والمعتقدات المألوفة.
وكثير من الشركات حول العالم تستخدم نظرية قوى المستقبل لتعينها على فهم الغموض العميق والتحرر من استبداد الابتكار المحدود، فبعضها يلجأ إليها في مستهل مشروع استراتيجي، وبعضها يتخذها مبدأ هاديًا في جميع مسارات عمله وعملياته وتخطيطه. والعبرة أن يُربط كل مصدر من مصادر التغيير بالشركة، وأن تُطرح أسئلة من قبيل: من يمول التطويرات والتجارب الجديدة في هذا المصدر من التغيير؟ وأي الشرائح السكانية ستتأثر بشكل مباشرة أو غير مباشرة بالتحولات في هذا المجال؟ وهل يمكن لأي تغير في هذا المصدر أن يؤدي إلى إجراءات تنظيمية مستقبلية؟ وكيف يمكن لتحول في هذا المجال أن يؤدي إلى تحولات في قطاعات أخرى؟ ومَن المستفيد إن أدى تقدم في هذا المصدر إلى ضرر ما؟ وقد رأيت أن أنجح الفرق هي التي تستخدم أداة التغيير الكلي لا من أجل مهمة محددة فحسب، بل لتشجيع المراقبة الدائمة للإشارات. وقد أخذت إحدى الشركات العالمية هذه الفكرة إلى أقصى مداها، فأنشأت مجموعات عابرة للوظائف، تتألف من قادة ومديرين من شتى أنحاء المنظمة في العالم، وتضم كل مجموعة عشرة أشخاص، ويُسند إلى كل واحد منهم مصدر من مصادر التغيير الكلي، مع بعض المواضيع التقنية المحددة، ومواضيع تتصل بوظيفته. ويكون على كل عضو متابعة مجالات التغطية الموكلة إليه، ويجتمع أفراد كل مجموعة بضع مرات في الشهر في جلسة استراتيجية مدتها ستون دقيقة، لتبادل المعارف ومناقشة دلالات الإشارات الضعيفة التي يكتشفونها. وليس هذا، فحسب، وسيلة لبناء قدرات داخلية في تتبع الإشارات، بل أسهم أيضًا في تحسين التواصل في عموم المنظمة.
وقد يخالف ذلك ثقافة منظمتك الراسخة، غير أنّ مواجهة الغموض هي خير سبيل لمجابهة القوى الخارجية الخارجة عن إرادتك. وإن تتبع الإشارات الضعيفة بالنظر المتعمد من خلال عدسات التغيير الكلي، هو أفضل وسيلة لضمان بقاء منظمتك في الصدارة أمام موجات الاضطراب المقبلة، بل هو السبيل لأن تجد فريقك في مقدمة الموجة، يقود الصناعة كلها نحو المستقبل.
