القائمة الرئيسية

هل آنَ الأوان لإعادة النظر في استراتيجيتك التسعيرية؟

هل آنَ الأوان لإعادة النظر في استراتيجيتك التسعيرية؟
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على أهمية التسعير كعنصر استراتيجي أساسي لتحقيق ربحية الشركات، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشركات تتجاهله أو تعتمد على طرق تقليدية مثل التسعير القائم على التكلفة أو المنافسة، بينما يوضح البحث الذي أجراه أندرياس هينترهوبر وستيفان ليوزو أن قوة التسعير ليست قدَرًا بل مهارة يمكن تطويرها عبر توجّه التسعير (تحديد الأسعار بناءً على القيمة أو المنافسة أو التكلفة) وقدرة الشركة على تحقيق الأسعار الفعلية. وقد صنف الباحثان الشركات إلى خمس مناطق حسب قوتها في هذين البعدين، من “قوة التسعير” إلى “رفع الراية البيضاء”، مبينين أن الشركات الناجحة تعتمد على إدارة عليا ملتزمة، ونظم متينة، ومهارات تفاوض عالية، وثقافة تنظيمية تدعم التسعير القائم على قيمة العميل، مع التأكيد على أن التحول إلى هذا النوع من التسعير عملية طويلة ومعقدة تتطلب تغييرات هيكلية وثقافية وعملية مستمرة، بالإضافة إلى بناء الثقة التنظيمية لضمان تبني الموظفين واستدامة النتائج.

أندرياس هينترهوبر وستيفان ليوزو

وقد قال المستثمر الشهير وارن بافيت: “إن القرار الأهمَّ عند تقييم أي عمل تجاري هو قوة التسعير. فإذا كنت تملك القدرة على رفع الأسعار دون أن تفقد عملاءك لصالح المنافسين، فإن عملك التجاري جيد جدًّا، أما إذا كنت مضطرًّا إلى إقامة جلسة دعاء قبل أن ترفع السعر بنسبة عشرة في المئة، فعملك التجاري سيئ للغاية”.

ومع ذلك، فإن التسعير لا ينال إلا القليل من الاهتمام في معظم الشركات. فوفقًا لبيانات الجمعية المهنية للتسعير، وهي أكبر منظمة في العالم تُعنى بالتسعير، فإن أقل من خمسة في المئة من شركات فورتشن 500 لديها وظيفة بدوام كامل مكرَّسة للتسعير، وقد قدَّرت شركة ماكنزي وشركاه أن أقل من خمسة عشر في المئة من الشركات تُجري بحوثًا منهجية في هذا الموضوع، ووفقًا لجمعية تطوير كليات إدارة الأعمال، فإن نحو تسعة في المئة فقط من كليات الأعمال تُدرِّس التسعير، وهذا الإهمال يثير الدهشة؛ إذ أكدت دراسات عديدة أن للتسعير أثرًا كبيرًا وفوريًّا في ربحية الشركات، وقد أظهرت الدراسات أن تغيرات طفيفة في السعر قد ترفع أو تخفض الربحية بنسبة تصل إلى عشرين أو خمسين في المئة.

التسعير مهارة

خلال الثمانية عشر شهرًا الماضية، أجرينا مقابلات مع أربعة وأربعين مديرًا، من الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين إلى رؤساء وحدات الأعمال والمهنيين في التسويق والتسعير والمالية، في خمس عشرة شركة صناعية مقرها الولايات المتحدة. (انظر “حول البحث”). تفاوتت هذه الشركات في حجمها من نحو خمسين إلى أكثر من ألفَي موظف، وكانت لديها قدرات تسعيرية متباينة بشكل كبير. وخلال هذا البحث، وجدنا أن قوة التسعير ليست قدَرًا محتومًا، بل سلوك مكتسَب. فبينما تؤثر المنافسة والتكاليف وحساسية الأسعار في السوق في الحدود التي تضع فيها الشركات أسعارها، فإن التسعير المتفوق يقوم في الغالب على المهارة. وقد لاحظنا أن الشركات التي حققت تسعيرًا أفضل كانت جميعها تضم مديرين كبارًا يدعمون تطوير المهارات في وضع الأسعار (توجه التسعير) وتحقيق الأسعار (تحصيل السعر). وبغض النظر عن القطاع، فإن مدى تركيز المديرين على تطوير هاتين المهارتين كان مرتبطًا بنجاح شركاتهم في تحقيق أسعار أفضل لمنتجاتهم مقارنة بمنافسيهم. أما في غياب انخراط الإدارة، فإن الشركات غالبًا ما تلجأ إلى قواعد تاريخية، مثل معلومات التكاليف، لتحديد الأسعار وتمنح سلطة التسعير بشكل مفرط لقوى المبيعات.

ولقياس مدى تطور وظيفة التسعير لدى الشركات التي أجرينا معها المقابلات، أنشأنا شبكة قدرات التسعير، وقسمنا القدرات التسعيرية إلى خمس فئات رئيسية: منطقة قوة التسعير، ومنطقة التنازل عن القيمة، ومنطقة اقتناص السعر، ومنطقة النيات الحسنة، ومنطقة رفع الراية البيضاء. (انظر “شبكة قدرات التسعير”). وتستطيع الشركات في منطقة قوة التسعير أن تفرض أسعارًا وربحيةً أعلى بكثير من الشركات في منطقة رفع الراية البيضاء. وقد لاحظنا أيضًا شركات استطاعت أن تتعلم طريقها نحو تسعير متفوق، وشهدنا عددًا منها يمر بتحول مكَّنها من الانتقال من التسعير التقليدي القائم على التكلفة إلى تسعير أعلى هامشًا مع تنفيذٍ أكثر انضباطًا.

وسيناقش هذا المقال أولًا بُعدَي شبكة قدرات التسعير: توجُّه التسعير وتحقيق السعر، ثم يصف خصائص المناطق الخمس في الشبكة، ويناقش عملية التحول التي تستطيع من خلالها الشركات تحسين قدراتها التسعيرية.

وضع الأسعار

إن وضع الأسعار، أو ما يُسمى رسميًّا توجه التسعير، يتعلق بالأساليب التي تستخدمها الشركات لتحديد أسعار البيع النهائية، وتختلف الشركات اختلافًا كبيرًا في منهجها في ذلك. فمع أن الشركات التي تبيع الخدمات للعملاء النهائيين الأفراد قد تختلف جذريًّا عن الشركات التي تبيع محركات الطائرات لمراكز شراء متقدمة، ومع أن أساليب التسعير في الهند قد تختلف كثيرًا عنها في إيطاليا، فإن البحوث الأكاديمية ونتائجنا الخاصة تشير إلى أن أساليب التسعير عبر الصناعات والدول والشركات غالبًا ما تندرج تحت إحدى فئات ثلاث: التسعير القائم على التكلفة، والتسعير القائم على المنافسة، والتسعير القائم على قيمة العميل.

١. التسعير القائم على التكلفة: هنا تتأثر قرارات التسعير أساسًا ببيانات المحاسبة، بهدف تحقيق عائد معين على الاستثمار أو نسبة ربح محددة على التكاليف. ومن الأمثلة الشائعة على أساليب التسعير القائمة على التكلفة: التسعير بإضافة هامش ربح، التسعير لتحقيق عائد مستهدف، التسعير بنسبة ربح، أو التسعير عند نقطة التعادل. أما نقطة الضعف الرئيسية في هذا الأسلوب فهي أنه يتجاهل الجوانب المتعلقة بالطلب (كالاستعداد للدفع ومرونة السعر) والمنافسة (مستويات الأسعار المنافسة). أما ميزته الأساسية فهي أن البيانات اللازمة لتحديد الأسعار غالبًا ما تكون سهلة المنال.

٢. التسعير المبني على المنافسة: هذا المنهج يعتمد على جمع المعلومات المتعلقة بمستويات الأسعار التنافسية أو الأفعال المتوقعة أو الملحوظة من المنافسين الفعليين أو المحتمَلين، ليكون ذلك المصدر الرئيس في تحديد مستويات الأسعار الملائمة. وأعظم مزيَّة لهذا المنهج أنه يُراعي حال المنافسة، وأكبر عيبٍ فيه إغفال الجوانب المتعلقة بدالة الطلب. علاوة على ذلك، فإن التشديد الشديد على عنصر المنافسة في تحديد الأسعار قد يؤدي إلى تفاقم خطر نشوب حرب أسعار. ومثال ذلك ما وقع من حروب الأسعار بين عامَي 2005م و2009م في صناعة السيارات المحلية في الولايات المتحدة، وقد حدثت تطورات مماثلة في صناعة الطيران الأمريكية. وغالبًا ما يُبرَّر منهج التسعير المبني على المنافسة بأن السعر هو من أهم معايير الشراء عند الزبائن.

٣. التسعير القائم على قيمة العميل: وهذا المنهج، الذي يُسمى أيضًا “التسعير المبني على القيمة”، يعتمد على جمع المعلومات المتعلقة بالقيمة المدرَكة من قِبل الزبون للمنتج، لتكون العامل الرئيس في تحديد السعر النهائي للبيع. وبدلًا من أن يُطرح السؤال: “كيف يمكننا تحقيق أسعار أعلى رغم شدة المنافسة؟” فإن التسعير القائم على قيمة العميليطرح السؤال: “كيف يمكننا خلق قيمة إضافية للزبون وزيادة استعداده للدفع، رغم شدة المنافسة؟” فالقيمة الذاتية والمقدَّرة للعرض الشرائي لدى الزبائن الفعليين والمحتملين هي المحرك الرئيس في تحديد الأسعار. ومناهج التسعير المبنية على قيمة الزبون تقوم على فهمٍ عميق لحاجات الزبائن، وإدراكهم للقيمة، ومرونة الأسعار، واستعدادهم للدفع.

ومن مزايا مناهج التسعير المبنية على قيمة الزبون أنها ترتبط مباشرة بحاجات الجهة الوحيدة التي تدفع ثمنًا للسلع أو الخدمات، وهي الزبون. وأما أعظم عيوب هذه المناهج، فهو أن المعلومات المتعلقة بتفضيلات الزبائن، واستعدادهم للدفع، ومرونة الأسعار، وحجم الشرائح السوقية المختلفة، غالبًا ما يصعب إيجادها وتأويلها. وقد يؤدي التسعير القائم على قيمة العميل إلى أسعار مرتفعة نسبيًّا، خاصة للمنتجات الفريدة. ورغم أن ذلك قد يبدو أمثل في المدى القصير، فإن هذه المناهج قد تدفع الداخلين الجدد إلى السوق، أو تتيح للمنافسين تقديم منتجات مماثلة بأسعار أدنى بقليلٍ دون مخاطرة. ويجب التنبيه أخيرًا إلى أن من الخطأ الظن بأن الزبائن سيدركون فورًا قيمة المنتج المبتكر والمتفوق ويدفعون مقابله، بل على المسوِّقين أن يعرِّفوا الزبائن على القيمة المتفوقة ويبينوها لهم قبل أن يربطوا السعر بالقيمة. فلا بد أن يدرك الزبون القيمة أولًا ليكون مستعدًّا للدفع من أجلها، لا أن يبني قراره الشرائي على السعر وحده.

ورغم هذه المثالب، فإن كثيرًا من العلماء المختصين في التسعير يرون أن التسعير القائم على قيمة العميل هو غالبًا أفضل السبل لتحديد أسعار المنتجات الجديدة أو تعديل أسعار المنتجات القائمة. وقد وجد بعض رجال الأعمال أيضًا أن لهذا المنهج فوائد عظيمة. ويجدر التنبيه إلى أن التسعير القائم على قيمة العميل ذو صلة خاصة في الصناعات شديدة المنافسة. ورغم أن ذلك قد يبدو مخالفًا للبداهة، فإننا نجد أن كثيرًا من المديرين في تلك الصناعات يظنون خطأً أنهم يعملون في سوق للسلع المتجانسة، فيُغفلون إمكان التمييز وخلق قيمة للزبون، ويكتفون بالتنافس على السعر وحده. ومع إقرارنا بأن بعض أجزاء الصناعة قد تشتد فيها المنافسة السعرية، فإننا نزعم أن اعتبار منتجك سلعة متجانسة يغدو نبوءة تحقق نفسها بنفسها. فبالبحث الأعمق في حاجات الزبائن يمكن تمييز أي منتج أو خدمة تقريبًا. ومثل هذا البحث العميق قد يكون سلاحًا قويًّا لمواجهة ضغوط الأسعار من قبل تجار التجزئة. فإذا توفرت للمصنِّعين بيانات عن استعداد الزبائن للدفع ومرونة الأسعار وإدراكهم للقيمة والسعر، أمكنهم أن يبينوا لتجار التجزئة القيمة الكلية التي يخلقها الطرفان معًا.

تحصيل السعر:

تختلف الشركات أيضًا في قدرتها على تحصيل الأسعار التي تحددها، فتحصيل السعر (أو بصورة رسمية أكثر: تحقيق السعر) هو ما يشير إلى القدرات والعمليات التي تضمن أن يكون السعر الذي تحصله الشركة قريبًا جدًّا من السعر الذي حددته. ولماذا قد يختلف السعر الذي تحصله الشركة عن السعر الذي تحدده؟ فمثلًا، قد تفسر أنظمة الخصم غير المتَّسقة سبب دفع زبائن متشابهين في الظاهر أسعارًا مختلفة اختلافًا كبيرًا.

علاوة على ذلك، فإن قدرات التفاوض ومستويات الصلاحيات بين أفراد المبيعات قد تتفاوت تفاوتًا كبيرًا، فيتمكن بعض الزبائن من الحصول على شروط أفضل بكثير من غيرهم، وقد يتجاوز بعض مندوبي المبيعات المتمرسين في مجال تكنولوجيا المعلومات أنظمة الرقابة لإتمام صفقات بشروط غير مواتية سعيًا لتحقيق الحصة البيعية، بينما يحرص مديرو مبيعات آخرون على حماية الأسعار وهوامش الربح، ويفضلون ترك الصفقات التي تقل عن الأسعار المستهدفة المحددة جيدًا، فإمكانات تحصيل السعر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الشركة على تحويل الأهداف إلى نتائج، وتعكس قدرة الشركة على فرض أسعارها الرسمية داخليًّا على موظفي المبيعات، وخارجيًّا على الزبائن وشركاء التجارة، وتحويل تلك الأسعار إلى أسعار فعلية محصلة.

وقد دلت أبحاثنا على أن الفروق في إمكانات تحصيل السعر تعود إلى عدة عوامل:

  • وجود قواعد تسعير تحدد أقصى مستويات الخصم لكل حجم طلب معين.
  • مدى الالتزام الفعلي بهذه القواعد والإرشادات.
  • العواقب التنظيمية لعدم اتباع هذه الإرشادات.
  • مدى وجوب تبرير موظفي المبيعات وطلب الموافقة عند الخروج عن الأسعار المحددة في القوائم.
  • مهارات التفاوض لدى موظفي المبيعات.
  • درجة فهم موظفي المبيعات لأفضل البدائل المتاحة للعميل.
  • الحد الأقصى لاستعداد العميل للدفع، والقيمة الفارقة التي تقدمها منتجات الشركة وخدماتها للعملاء.
  • وجود أسعار مستهدفة واضحة قبل دخول موظفي المبيعات في المفاوضات مع العملاء.
  • مقدار الضغط -سواء كان ذاتيًّا أو تنظيميًّا- الذي يدفع موظفي المبيعات لإبرام صفقات غير مربحة.
  • الثقة في النفس التي تمكِّن من رفض الصفقات غير المربحة.
  • مدى الخدمات المجانية المقدمة للعملاء لإتمام الصفقة.
  • الأنظمة الموضوعة لمراقبة وتبليغ انحرافات الأسعار إلى موظفي المبيعات، ومديري التسويق، وصناع القرار الآخرين.

وفي سياق بحثنا، استخدمنا مجموعة محددة من الأسئلة كأداة تشخيصية تُمكِّن التنفيذيين من تقييم قدراتهم على تحقيق الأسعار المرجوة. (انظر: “تقييم قدرات تحقيق الأسعار”). وتُظهر الإجابات الواردة من شركتين تختلفان اختلافًا كبيرًا في قدراتهما على تحقيق الأسعار في هذا العرض؛ إذ تبدو إحدى الشركتين  أكثر امتلاكًا لأنظمة مراقبة وحوافز متينة، وأدوات تحكُّم أفضل، ومهارات تفاوض أرفع، وثقة أعلى لدى موظفي المبيعات من الشركة الأخرى ، وليس من المستغرب أن تكون مستويات الأسعار المطلقة واتساق الأسعار أعلى بكثير لدى الشركة الأولى مقارنة بالثانية.

خمس مناطق رئيسة للتسعير

كيف تختلف الشركات في عينة بحثنا في توجُّهها نحو التسعير وقدرتها على تحقيق الأسعار؟ لقد وجدنا تباينات واضحة بين الشركات ذات القدرات العالية في التسعير وتحقيق الأسعار (منطقة قوة التسعير)، وتلك التي تضعف فيها القدرات في كلا الجانبين (منطقة الراية البيضاء). وصنَّفنا كل واحدة من الشركات الخمس عشرة التي درسناها وفقًا لقدراتها في وضع الأسعار وتحقيقها، كما حدَّدنا خمس مناطق رئيسة للتسعير. (انظر: “قدرات التسعير في الشركات المدروسة”).

١. منطقة قوة التسعير (قدرات عالية في توجه التسعير، وقدرات عالية في تحقيق الأسعار):

لقد حدد بحثنا عددًا محدودًا من الشركات ذات قوة تسعيرية عالية. وتشترك هذه الشركات في السمات الآتية: ثقافة مكرسة للتسعير، وأدوات متقدمة لقياس استعداد العملاء للدفع ومرونة الأسعار لديهم، وعمليات تسعير متينة. ولعل الأهم من ذلك كله وجود قادة ينشرون ثقافة التسعير في أرجاء المؤسسة. وغالبًا ما تتمتع هذه الشركات بثقة عالية في قدرتها على تطبيق زيادات في الأسعار المدرجة والدفاع عنها أمام العملاء، وقد علَّق أحد الرؤساء التنفيذيين في بحثنا قائلًا:

“لا تحتاج إلى الشجاعة إلا لثانيةٍ واحدة، وهي حين يطلب الرجل خصمًا فتقول: لا. ثم تبرِّر ذلك، فذلك يتطلب شجاعة. فكيف تجعل موظفي المبيعات في حالة ذهنية تُمكِّنهم من تبرير السعر؟ لست بحاجة لأن تكون سوبرمان لساعتين، بل يجب أن تكون سوبرمان لثانية واحدة”.

وهذه الشركات لديها أيضًا موظفون مخصصون للتسعير، مثل رئيس التسعير، أو رئيس إدارة الإيرادات، أو مدير التسعير. وتتحمل هذه المناصب العليا مسؤولية تنفيذ عمليات تنظيمية متينة لضمان الانضباط في وضع الأسعار وتحقيقها. وهذا يعني أن قرارات التسعير مغروسة في هياكل وعمليات متينة، وليست متروكة لاجتهاد موظفي المبيعات في الميدان. وقد قال أحد مديري التسعير في شركة عالية الأداء تستخدم التسعير القائم على قيمة العميل:

“لقد نظمنا الأسعار في النظام… ويمكن لمكتب الربح التابع لفريق التسعير أن ينظر فيما إذا كانت نقاط الأسعار منخفضة جدًّا، أو على الأقل مربحة وقائمة على القيمة بما يكفي للمضي قدمًا، بغضِّ النظر عن نوع العمل أو التجارة. كل شيء مُعد مسبقًا في النظام”.

وغالبًا ما يكون لدى الشركات ذات القدرات التسعيرية القوية قائدٌ تنفيذي يدفع بانضباط تحقيق الأسعار. أما التنفيذيون في معظم الشركات الأخرى، فلا يشاركون في التسعير إلا للموافقة على انحرافاتٍ غير معتادة، أو للمشاركة في مفاوضات العقود الكبيرة، أو لإجراء مراجعات عامة للأعمال. أما في الشركات ذات القوة التسعيرية العالية، فإن التنفيذيين منخرطون فعليًّا في تحسين قدرات التسعير وفعالية النظام كله. وهكذا يقود هؤلاء التنفيذيون ترسيخ التسعير القائم على قيمة العميل في أرجاء الشركة، ويحفزون التغييرات التنظيمية اللازمة لدعمه. وقد أفاد مديرو المبيعات والتسويق الذين قابلناهم بأن دعم وقناعة القادة الكبار أمرٌ أساسي لتبنِّي التسعير القائم على قيمة العميل. وكما قال مدير تركيز العملاء في شركة تعتمد هذا النهج:

“ما جعل [التسعير القائم على قيمة العميل] يعمل، بالنظر إلى الوراء، هو بالتأكيد حقيقة أن الإدارة العليا ساعدت في تسويقه، وساعدت، بصدق، في دفعه قدمًا أيضًا. ومع مرور الوقت، ثبت أنهم كانوا على صواب. ولكن من دون الإدارة العليا، لم يكن ذلك ليحدث”.

تنبيه: ينبغي على الشركات ذات القوة التسعيرية العالية أن توازن بعناية بين التكاليف والفوائد الناتجة عن تعقيد استراتيجيات التسعير القائمة على القيمة. وكما قال أحد المديرين الكبار في شركة صناعية:

كم عدد نقاط التسعير التي نرغب في محاولة إدارتها، كم عدد نقاط التسعير المختلفة؟ فإن في ذلك توازنًا؛ إذ يمكن للمرء أن يستخرج القيمة ويطبقها على كل زبون أو منتج على حدة، فإذا بنا أمام مئات الألوف من نقاط التسعير التي نسعى لإدارتها، وليس في ذلك خير أيضًا.

٢. منطقة الراية البيضاء (ضعف القدرات في توجيه الأسعار، وضعف القدرات في تحقيق الأسعار). وعلى النقيض الشديد، فإن بعض الشركات في عيِّنتنا لم تولِ التسعير عناية تُذكر. فلا عجب أن هذه الشركات تتخلف عن غيرها في مؤشرات الربحية الرئيسة. وفي هذه الشركات، لا تعكس الأسعار قيمة الزبون ولا استعداده للدفع؛ وفوق ذلك، لا يملك موظفو المبيعات إرشادات محكمة الصنع، وأما تطبيق الأسعار النظرية في الميدان، فهو في الغالب رهين الحظ وتقدير موظفي المبيعات، وقد علَّق أحد الرؤساء التنفيذيين لشركة تعتمد التسعير القائم على التكلفة قائلًا:

“إن التسعير عندنا قائم على حدس موظفي المبيعات… ما داموا ضمن هامش التسعير المخوَّل لهم لاتخاذ القرار”.

وفي هذه الشركات، يشيع التخفيض وتعم الفوضى. ويشكو المديرون من تدنِّي مستويات الأسعار، غير أنهم يفتقرون إلى القدرات والرؤية والأدوات لمواجهة هذه التطورات. وفي الجملة، فإن هذه الشركات تتنازل عن سلطانها في التسعير إلى الزبائن.

٣. منطقة التفريط بالقيمة (قوة القدرات في توجيه الأسعار، وضعف القدرات في تحقيق الأسعار). أما الشركات التي تقع في هذه المنطقة أو تقاربها، فإن أسعارها الاسمية تعكس في الجملة قيمة الزبون. غير أن هذه الشركات تعجز أيضًا عن تحقيق القيمة التي أوجدتها؛ لأن إرشادات التخفيض فيها عشوائية، ويُحث موظفو المبيعات على التفاوض بقوة مع الزبائن لإتمام الصفقات، غير أنهم يفتقرون إلى المعلومات التي تمكِّنهم من تتبُّع مستويات الأسعار وتحسينها حقًّا. وبعبارة أخرى، تتفوق هذه الشركات في خلق القيمة وتقديمها، لكنها تترك قدرًا كبيرًا من القيمة على مائدة التفاوض مع الزبائن أو الموزعين. وقد لاحظ أحد مديري المبيعات في شركة قريبة من هذه المنطقة قائلًا:

“لقد وضع الرئيس التنفيذي هذه الإجراءات لزيادة المبيعات بالتخفيض وملء المصنع، وأقنع من تحته… بأن الامتصاص هو جوهر اللعبة. فأصبح ذلك متأصلًا في الثقافة”.

٤. منطقة اقتناص السعر (ضعف القدرات في توجيه الأسعار، وقوة القدرات في تحقيق الأسعار). وعلى العكس، فإن الشركات التي تقع في هذه المنطقة أو تقترب منها لديها أنظمة وإجراءات متينة لتقليل الانحرافات غير المبررة عن الأسعار الاسمية، غير أنها في الغالب تستخدم أساليب غير متقدمة في تحديد تلك الأسعار في المقام الأول. وغالبًا ما تتفوق هذه الشركات في تنفيذ الأسعار، لكن أسعارها لا تعكس كامل القيمة التي تقدمها منتجاتها وخدماتها للزبائن. وقد لاحظ أحد الرؤساء التنفيذيين لشركة تعتمد التسعير القائم على التكلفة قائلًا:

“مراحل القرار عندنا: إما أن نستمر أو لا نستمر بِناءً على التكلفة-أهداف التكلفة. نضع هدف التكلفة بِناءً على توقعات الهامش، ثم على تقدير سعر البيع المستهدف. جلّ النقاشات الرسمية تدور حول: هل سنحقق هدف التكلفة؟ هل نحن بعيدون عن هدف التكلفة؟ نولي التحليل التكاليفي رسمية أكبر، ونولي التسعير رسمية أقل”.

وعلى الرغم من بساطة آليات تحديد الأسعار، فإن الشركات في هذه المنطقة أو قريبًا منها لديها إجراءات متينة لتحقيق الأسعار الاسمية المستهدفة مع الزبائن. ويتطلب ذلك قدرًا كبيرًا من الثقة الفردية والتنظيمية. وقد لاحظ أحد المديرين في شركة قريبة من هذه المنطقة قائلًا:

“عليك أن تنظر في أعين الزبائن وتقول: منتجنا أغلى ثمنًا. هذا أغلى ثمنًا، وهو يستحق ذلك. عليك أن تدفع أكثر لأجله”، ويجب أن تكون واثقًا جدًّا لتفعل ذلك.

٥. منطقة النيات الحسنة (متوسط القدرات في توجيه الأسعار، ومتوسط القدرات في تحقيق الأسعار). بعض الشركات عالقة في منطقة نسميها منطقة النيات الحسنة. وتستخدم هذه الشركات أساليب أكثر تقدمًا قليلًا في تحديد الأسعار. فإحدى الشركات، مثلًا، تستخدم التسعير الديناميكي المميز، بحيث تربط أسعارها ديناميكيًّا بمستويات أسعار مجموعة محددة من المنافسين. ولدى هذه الشركات أيضًا بعض الأنظمة والإجراءات للحد من حرية موظفي المبيعات في الميدان، ولتشجيع الانضباط في تحقيق الأسعار. وفي بعض الحالات، يكون التوجه الإنتاجي القوي، ومن ثَم التركيز الداخلي الشديد، من الأسباب الرئيسة لعدم بلوغ قدرات التسعير في هذه الشركات مستوى النضج العالي. وقد علَّق الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد التسعير القائم على المنافسة قائلًا:

“إن جيناتنا صناعية… أنا معتاد جدًّا على التكلفة المعيارية… الطريقة التقليدية جدًّا: التكلفة زائد هامش. وهذا من طبيعة كوننا شركة تصنيع… أظننا ديناميكيين ونتحرك في نماذج الخدمة، لكننا حملنا معنا هذا النموذج التسعيري القائم على التكلفة زائد الهامش”.

التحول إلى قوة التوجه السعري وتحقيق الأسعار

إن جميع الشركات تقريبًا تطمح إلى وضع الأسعار قريبًا من القيمة التي تقدمها منتجاتها وخدماتها، كما تطمح جميعها إلى تضييق الفجوة بين الأسعار المعلنة والأسعار الفعلية التي تدخل جيوبها. ومع ذلك، قلَّما نجحت الشركات في الانتقال من التسعير القائم على التكلفة أو المنافسة، مع ضعف في القدرة على تحقيق الأسعار، إلى تحديد الأسعار بناءً على قيمة الزبون مع قوة في تحقيق الأسعار. إن إشراك المنظمة في تطبيق منهجية تسعير جديدة هو في جوهره عملية إدارة تغيير تفوق في تعقيدها بكثيرٍ أنشطةً مثل تغيير الأسعار المعلنة. وغالبًا ما تتطلب المناهج الجديدة في التسعير أولوياتٍ تنظيميةً جديدة، وهيكلًا تنظيميًّا جديدًا، وقدراتٍ جديدةً، وعمليات وأدوات جديدة، وأنظمة أهداف وحوافز مختلفة.

وتؤيد المقابلات التي أجريناها مع المديرين هذا الرأي؛ إذ تشير إلى أن تطبيق واستبطان التسعير القائم على قيمة الزبون يتطلب تغييرًا تنظيميًّا عميقًا يبدِّل حياة الشركة التنظيمية وهويتها، كما يبدِّل هوية الفاعلين فيها. وتدل تعليقات المبحوثين على أن التحول من التسعير القائم على التكلفة أو المنافسة إلى التسعير القائم على قيمة الزبون هو مسار بطيء وتدريجي.

إن عملية تطبيق واستبطان التسعير القائم على قيمة الزبون رحلة تغيير طويلة ومضنية، بل مؤلمة أحيانًا، بالنسبة إلى المنظمة وفاعليها. وقد تستغرق هذه العملية بين أربع سنوات إلى سبع سنوات، وتتطلب تعبئة تنظيمية مكثفة ومستدامة لتحويل الهياكل والثقافات والعمليات والأنظمة الراسخة. كما تتطلب انتباهًا دائمًا، واستثمارات متواصلة، وجهدًا تنفيذيًّا دؤوبًا. وينبغي على المسوِّقين والبائعين والمطورين أن يغيروا عقليتهم التجارية وأُطُرهم المرجعية، وأن يتبنَّوا مفاهيم جديدة متعلقة بالقيمة يُنتظر أن تصير نمطَ حياة جديدًا، كما ينبغي لهم أن يتعلموا لغة جديدة ليحملوا رسالة القيمة داخليًّا وخارجيًّا؛ ونتيجة لذلك، فإن الناس إما يتغيرون ويصبحون “أبطال المنظمة” أو يغادرونها.

ولأن الانتقال إلى التسعير القائم على قيمة الزبون ليس بالأمر اليسير، فعلى الشركات الساعية إلى هذا التحول أن تصمم عمدًا برامج تركز على بناء الثقة التنظيمية لتسريع تبنِّي الأعضاء ودفع مستويات الدافعية لقبول التغيير، فعندما تكون الثقة عالية، يشترك الناس في الإيمان بقوتهم الجمعية على تحقيق النتائج المنشودة. وفي أبسط صورها، فإن الفعالية التنظيمية هي شعور بـ “نستطيع”. ونرى أن الثقة التنظيمية هي عامل تمكين رئيسي لتحول المنظمة نحو التسعير القائم على قيمة الزبون.

كيف تعيد التفكير في استراتيجيتك التسعيرية؟

كيف للشركات أن تعيد النظر في استراتيجيتها التسعيرية؟ إن أول مجال قد يتطلب إعادة تفكير جذرية هو طريقة وضع الأسعار. فلدى كثير من الشركات فرصةٌ كبيرة لتمييز نفسها عن المنافسين بتعلُّم كيفية خلق القيمة للزبون وقياسها والتواصل بشأنها واغتنامها عبر تنفيذ استراتيجيات تسعير قائمة على قيمة الزبون. أما المجال الثاني فيتعلق بتحقيق الأسعار، أي عملية تحويل الأسعار المعلنة إلى أسعار فعلية مربحة، وهنا تفتقر كثير من الشركات إلى نظم المعلومات، وقدرات التفاوض، ونظم الحوافز، وأدوات الرقابة، وثقة مندوبي المبيعات، مما يؤدي إلى تحقيق أسعار أفضل. والتحسينات الصغيرة في أيٍّ من هذه المجالات تؤدي إلى نتائج قابلة للقياس بسرعة.

ويعد انخراط الرئيس التنفيذي شرطًا حاسمًا لضمان أن تؤدي التغييرات في استراتيجية التسعير إلى تغيير حقيقي في ثقافة الشركة. وفي الوقت نفسه، يجب على الرئيس التنفيذي أن يضمن ألا تُرى هذه التغييرات، كما هو حال كثير من المبادرات الفاشلة، على أنها “مجرد مشروع آخر”. إن تبنِّي الرئيس التنفيذي، مقترنًا بالثقة التنظيمية والقدرات الجديدة والتغيير التحويلي، هو من أهم المحفزات لنَيل قوة التسعير.

المراجع

1. A. Frye and D. Campbell, “Buffett Says Pricing Power More Important than Good Management,” February 18, 2011, http://bloomberg.com.

2. K. Mitchell, “The Current State of Pricing Practice in U.S. Firms,” (opening speech Professional Pricing Society Annual Spring Conference, Chicago, May 3-6, 2011).

3. A. Hinterhuber, “Towards Value-Based Pricing: An Integrative Framework for Decision Making,” Industrial Marketing Management 33, no. 8 (2004): 765-778.

4. P.H. McCaskey and D.L. Brady, “The Current Status of Course Offerings in Pricing in the Business Curriculum,” Journal of Product and Brand Management 16, no. 5 (2007): 358-361.

5. A. Hinterhuber and M. Bertini, “Profiting When Customers Choose Value Over Price,” Business Strategy Review 22, no. 1 (spring 2011): 46-49.

6. For more on pricing capabilities, see S. Dutta, M. Bergen, D. Levy, M. Ritson and M. Zbaracki, “Pricing as a Strategic Capability,” MIT Sloan Management Review 43, no. 3 (spring 2002): 61-66.

7. J.C. Anderson and J.A. Narus, “Business Marketing: Understand What Customers Value,” Harvard Business Review 76, no. 6 (1998): 53-65; J.C. Anderson, J.A. Narus and W. Van Rossum, “Customer Value Propositions in Business Markets,” Harvard Business Review 84, no. 3 (2006): 91-99; G. Cressman Jr., “Commentary on ‘Industrial Pricing: Theory and Managerial Practice,’” Marketing Science 18, no. 3 (1999): 455-457; and B. Shapiro, “Buy Low, Sell High: Creating and Extracting Customer Value by Enhancing Organizational Performance,” Harvard Business School Note 597-071 (1987).

8. P. Ingenbleek, M. Debruyne, R.T. Frambach and T.M.M. Verhallen, “Successful New Product Pricing Practices: A Contingency Approach,” Marketing Letters 14, no. 4 (2003): 289-305; and P.T.M. Ingenbleek, R.T. Frambach and T.M.M. Verhallen, “The Role of Value-Informed Pricing in Market-Oriented Product Innovation Management,” Journal of Product Innovation Management 27, no. 7 (2010): 1032-1046.

9. See S. Frank, “Applying Six Sigma in Pricing and Revenue Management,” Journal of Revenue and Pricing Management 2 (2003): 245-254; or M.S. Sodhi and N.S. Sodhi, “Six Sigma Pricing,” Harvard Business Review 83, no. 5 (May 2005): 135-42.

10. For more on value-based pricing, see T. Nagle, J. Hogan and J. Zale, “The Strategy and Tactics of Pricing: A Guide to Growing More Profitably,” 5th ed. (Upper Saddle River, New Jersey: Prentice Hall, 2010).

11. As Forbis and Mehta noted as far back as 1981, a new pricing approach is not “just a change of marketing signals” but “a new way of life” See J. Forbis and N. Mehta, “Value-Based Strategies for Industrial Products,” Business Horizons 24, no. 3 (1981): 32-42.

12. Ibid.

13. J. Bohn, “The Design and Validation of an Instrument to Assess Organizational Efficacy” (PhD diss., University of Wisconsin, Milwaukee, 2001).

14. Ibid.

مقالات ذات صلة