دانيال هان مينغ تشينغ، وتاي-يول كيم، وبراد غيلبريث، ولين أندرسون
القيادة هي العلاقة بين أولئك الذين يطمحون إلى القيادة، وأولئك الذين يختارون أن يتبعوا أو لا يتبعوا. وترتكز هذه العلاقة على مصداقية القائد، والتي يصعب بناؤها ويسهل فقدانها. في السنوات الأخيرة، تعلّم كثير من المديرين التنفيذيين في الشركات الكبرى -بمن فيهم الرؤساء التنفيذيون لشركات BP وWells Fargo وVolkswagen- هذا الدرس القاسي من خلال الفضائح البارزة التي أضرت بسمعتهم بسرعة.
ولكن ما جوهر المصداقية؟ هناك عنصران أساسيان: الكفاءة المدركة (إيمان الناس بمعرفة القائد ومهاراته وقدرته على أداء المهمة)، والجدارة بالثقة (اعتقادهم بقيمه وموثوقيته). تتكون هذه التصورات من خلال الملاحظة المباشرة وغير المباشرة لعمل القائد وأدائه، وتكتسب هذه التصورات أهمية بالغة في عصر الرقمنة، حيث يمكن جمع كميّات هائلة من المعلومات عن الأشخاص وفحصها عبر تقنيات؛ مثل المجسات الذكية (smart sensors) وأنظمة الذكاء الاصطناعي (artificial intelligence systems). كما يسعى الموظفون إلى الاطمئنان إلى أن من يديرهم ويقيّم أداءهم، يتمتع بالكفاءة والجدارة بالثقة.
وقد حدد الباحثون عدة سلوكات عامة تؤثر في ما إذا كان يُنظر إلى القادة بهذه الطريقة، وتشمل هذه السلوكات معرفة الذات، وتقدير المرؤوسين، وتأكيد القيم المشتركة، وتطوير القدرات الجديدة، وخدمة هدف سامٍ، والمحافظة على الأمل. إلا أن الأدبيات لم تتناول كثيرًا الأفعال الملموسة التي تعزز أو تضر بمصداقية القائد. بل يُفترض على نطاق واسع أن السلوكات التي لا تزيد المصداقية تقللها بطبيعتها. وقد بدأت الأبحاث بتحدي هذا الافتراض، لكننا وجدنا كثيرًا من الأسئلة بلا إجابة، فانطلقنا للتعلم أكثر.
في عدة دراسات ميدانية، بحثنا في السلوكات المحددة التي تؤثر في كيفية تقييم الناس لكفاءة قادتهم وجدارتهم بالثقة، ومن ثم مصداقيتهم. ومن هذا العمل (انظر “حول البحث”)، استخلصنا رؤى حول الأسباب التي تجعل القادة يكسبون أو يفقدون مصداقيتهم لدى موظفيهم، وما يمكن للقادة الذين فقدوا مصداقيتهم فعله لاستعادتها.
كيف يبني القادة المصداقية؟
استنادًا إلى آراء الموظفين الذين شملهم استطلاعنا في مجموعة متنوعة من المؤسسات، وجدنا أن القادة يُنظر إليهم على أنهم أكفاء عندما يركزون على المستقبل، وعلى نتائج المؤسسة، وعلى الموظفين، وكذلك عندما يتخذون إجراءات ويطلقون المبادرات، ويتواصلون بفاعلية، ويكتسبون المعرفة والخبرات. وفي الوقت ذاته، حددنا عدة سلوكات تشير إلى الجدارة بالثقة؛ منها التواصل والتصرف بشكل متسق، وحماية المؤسسة والموظفين، وتجسيد رؤية المؤسسة وقيمها، والتشاور مع أصحاب المصلحة الرئيسين والاستماع إليهم، والتواصل الصريح مع الآخرين، وتقدير الموظفين، وتقديم الدعم للموظفين وأصحاب المصلحة (انظر “أفعال تبني أو تدمر المصداقية”). وعلى الرغم من أن الباحثين وصفوا بالفعل كثيرًا من هذه السلوكات بأنها علامات على القيادة النموذجية والمصداقية بشكل عام، يكشف التحليل الأعمق عن أفعال محددة يمكن للقادة اتخاذها لتعزيز مصداقيتهم.
سلوكات تعكس الكفاءة: في سياق الإدارة العليا، ما أفضل الطرائق لتأكيد المستقبل ونتائج المؤسسة واتخاذ الإجراءات وإطلاق المبادرات؟ أحدها هو وضع خطط واضحة للنجاح المستقبلي. وهذا يختلف عن مجرد إعلان رؤية استراتيجية أو تحديد أهداف الأداء؛ إذ يتطلب رسم خارطة تفصيلية لكيفية تحقيق المؤسسة لأهدافها. وهناك طريقة أخرى تتمثل في إظهار معرفة متقدمة باتجاهات القطاع، وأفكار واضحة حول كيفية استجابة المؤسسة لها. كما يشمل ذلك التنبؤ النشط والاستعداد للتغيرات المقبلة، من خلال الاستثمار الاستراتيجي في تقنيات أو أسواق جديدة على سبيل المثال. أكثر من 80% من المشاركين في استطلاعنا، عدُّوا هذه السلوكات مؤشرات قوية على كفاءة القائد.
ويتعزز الشعور بالكفاءة عندما يعمل القادة باستمرار على تحسين الهياكل التنظيمية والعمليات والحفاظ على سلامة العمليات المالية. وقد تشمل هذه الأفعال إزالة الهياكل الإدارية غير الضرورية والنفقات الزائدة، وإنشاء أدوار جديدة، أو الاستثمار في التكنولوجيا التي تحسن كفاءة العمليات أو فاعلية الأعمال.
وغالبًا ما يُشار إلى أن القادة الحقيقيين مستعدون لمواجهة المشكلات الكبيرة التي يتجنبها الآخرون. وقد أكد أكثر من 60% من المشاركين في استطلاعنا هذا الرأي، إذ قالوا إنهم يرون القادة أكفاء عندما يكونون عمليين وجريئين، ويتصدون للقضايا أو المشاريع التي تحتاج إلى معالجة، ولا يخشون اتخاذ القرارات الصعبة.
سلوكات تعكس الجدارة بالثقة: وبما يتسق مع الأبحاث السابقة، وجدنا أن القادة يُنظر إليهم على أنهم جديرون بالثقة عندما يتواصلون ويتصرفون بشكل متسق. ويشمل ذلك في البداية اتخاذ قرارات غير متناقضة، كما يعني التصرف بطريقة تتماشى مع الوعود (سواء كانت صريحة أو ضمنية) التي تقدمها الشركة للموظفين وأصحاب المصلحة الآخرين. ومن خلال الاستباقية في مراعاة احتياجات أصحاب المصلحة، يمكن للمديرين التنفيذيين منع النزاعات والأزمات التنظيمية، وكسب ثقة المجموعات الرئيسة من أصحاب المصلحة.
سلوك أساسي آخر يمكن أن يؤسس ويعزز موثوقية القائد؛ هو تجسيد رسالة المنظمة، سواء على المستوى المهني أو الشخصي. يقدم إيفون شوينار، المؤسس والمدير التنفيذي السابق لشركة باتاغونيا (Patagonia) للملابس الخارجية، مثالًا جيدًا على ذلك. فشوینار، الذي يُعرف بحبه الكبير للطبيعة وروح المغامرة، أسس باتاغونيا واضعًا نصب عينيه رسالة محددة: “بناء أفضل منتج، وعدم التسبب في ضرر غير ضروري، واستخدام الأعمال التجارية للإلهام، وتطبيق الحلول للأزمة البيئية”.
وخلال تاريخ الشركة الممتد خمسة وأربعين عامًا، عاش شوينار هذه الرسالة واحتفى بها. ويُتوقع من الموظفين استخدام منتجات الشركة (بعضها يحصلون عليه مجانًا) ليكونوا على دراية تامة بما يبيعونه، كما يُشجعون على المشاركة في مغامرات خارجية ليظلوا على ارتباط دائم بالبيئة الطبيعية. وعلى الصعيد الشخصي، يخصص شوينار وقتًا لتسلق الجبال، والتزلج، وغيرهما من الأنشطة الخارجية مع الأصدقاء والعائلة.
حول البحث
أجرينا عدة دراسات ميدانية على مدى ثلاث سنوات، باستخدام الأساليب الكمية والنوعية، لفهم العوامل التي تؤثر على مصداقية القادة وكيف تؤثر مصداقيتهم على سلوك الموظفين ونتائج المؤسسات. شملت الدراسات موظفين من العمالة اليدوية والإدارية من مناطق مختلفة في الولايات المتحدة وبمستويات تعليمية رسمية متفاوتة. طورنا نموذجاً شاملاً لمصداقية المديرين التنفيذيين من خلال دراسة ميدانية شملت 146 مشاركًا: موظفين في شركة نقل وطلاب ماجستير إدارة أعمال مسائيين يعملون في منظمات متنوعة. ومن خلال تحليل إجابات المشاركين، حددنا سلوكيات القيادة التي تولد تصورات عن الكفاءة وعدم الكفاءة، والجدارة بالثقة وعدم الجدارة بالثقة—وهي عوامل إما تدعم أو تقوض مصداقية القائد.
وللتأكد من صحة وتطوير مجموعة السلوكيات، أجرينا دراسة ميدانية ثانية شملت 145 مشاركًا: موظفين في مؤسسة تعمل في قطاع الخدمات ومجموعة ثانية من طلاب ماجستير إدارة الأعمال المسائيين. قام المشاركون بتقييم مدى دلالة السلوكيات التي تم تحديدها في الدراسة الأولى على كفاءة أو عدم كفاءة القائد، وعلى جدارة أو عدم جدارة القائد بالثقة.
كيف يقوض القادة مصداقيتهم؟
بينما كانت الأبحاث السابقة أقل تركيزًا على العوامل التي تجعل القادة يفقدون مصداقيتهم، حدد الموظفون في دراساتنا الميدانية، عددًا من المؤشرات التحذيرية في كل من فئتي الكفاءة والموثوقية (انظر “الأفعال التي تبني أو تدمر المصداقية”). كثير من القادة لا يدركون أنهم يتصرفون بهذه الطرائق، أو أن مثل هذه السلوكات تلحق الضرر بمصداقيتهم، ولهذا سنعرضها هنا.
سلوكات تشير إلى عدم الكفاءة: أكثر من ثمانين بالمئة من المشاركين في دراستنا، أفادوا بأنهم يعدُّون كبار المديرين غير أكفاء عندما يظهرون نقصًا في المعرفة ذات الصلة بالعمل. وعلى الرغم من أن الناس يفترضون غالبًا أن القادة يُختارون بناءً على معرفتهم ومهاراتهم وقدراتهم، فإن ذلك ليس دائمًا هو الحال. ويخاطر القادة بفقدان مصداقيتهم بسرعة عندما يواجهون صعوبة في التعامل مع المهام الأساسية التي تقع ضمن نطاق عملهم، أو عندما يجدون صعوبة في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالمنظمة، أو يتخذون قرارات لا تتماشى مع المنظمة أو بيئتها الواسعة. ومثال متطرف على ذلك توني هايوارد، المدير التنفيذي لشركة BP في أثناء حادثة التسرب النفطي في ديب ووتر هورايزن (Deepwater Horizon) عام 2010م، الذي أظهر مرارًا وتكرارًا خلال الأزمة، عدم فهم لأسباب الحادث وخطورته وعواقبه الاجتماعية والبيئية المدمرة.
كما أشرنا، فإن من السمات المهمة للقادة الأكفاء أنهم يواجهون المشكلات الكبرى. لذا فمن المنطقي أن أكثر من سبعين بالمئة من المشاركين في دراستنا، أفادوا بأنهم يشككون بجدية في كفاءة القادة الذين يفشلون في اتخاذ إجراءات أو يتجاهلون المشكلات. وفي تعليقه على فضيحة ويلز فارجو (Wells Fargo) عام 2016م، حيث فتح موظفو البنك مليوني حساب دون إذن العملاء، قال وارن بافيت إن أكبر خطأ ارتكبه المدير التنفيذي آنذاك جون ستامبف؛ هو فشله في السنوات السابقة في معالجة السياسات الأساسية التي أدت إلى الفضيحة. وباختصار، أظهر ستامبف ذلك النهج المتساهل في القيادة الذي غالبًا ما يساويه الناس بعدم الكفاءة.
ومن أوضح الطرائق التي يثير بها القادة الشكوك في كفاءتهم، كما أشار الموظفون، خلق حالة من الارتباك بين الموظفين وأصحاب المصلحة الآخرين. ومن الأمثلة المحددة التي أشار إليها أكثر من سبعين بالمئة من المشاركين في دراستنا؛ توزيع معلومات غير صحيحة. أحيانًا يفعل القادة ذلك دون إدراك، وأحيانًا يسيؤون عرض الحقائق في محاولة لإضفاء طابع إيجابي على المواقف الصعبة. وفي كلتا الحالتين، ينتهي الأمر بالناس؛ إما في حالة ارتباك في أحسن الأحوال، وإما في حالة شك وارتياب في أسوئها. وتعد هذه مشكلة عالية المخاطر في بيئة الأعمال اليوم، حيث يُتوقع من القادة التعامل مع المعلومات من مصادر عديدة بحذر وحكمة بالغين.
وسلوك آخر يقوض الإحساس بالكفاءة هو تقديم معلومات متناقضة، وقد تأتي التناقضات من أشخاص مختلفين في فريق القيادة، أو حتى من الشخص نفسه. فعلى سبيل المثال، تعرض هايوارد لانتقادات شديدة، بسبب تقديمه معلومات غير صحيحة ومتضاربة في أثناء حادثة ديب ووتر هورايزن. وقد نُقل عنه قوله إن “الأثر البيئي العام لهذا سيكون ضئيلًا جدًّا جدًّا” رغم وجود معلومات متناقضة بوضوح.
وأخيرًا، يمكن أن يُلحق القادة الضرر بسمعتهم في الكفاءة، عندما يطلبون معلومات وتقارير لا تبدو ذات صلة أو ذات قيمة. مثل هذه الطلبات التي تبدو غير ضرورية، قد تسبب ارتباكًا بشأن أولويات المنظمة، وقد يشعر الموظفون بالاستياء مما يرونه مضيعة لوقتهم.
سلوكات تشير إلى انعدام الموثوقية
نظرًا لأن الثقة أساسية للغاية في العلاقة بين القادة وأتباعهم، فإن السلوكات التي توحي بعدم الموثوقية تقوض المصداقية بسرعة. لقد حددنا عدة سلوكات قد يظن المرء أن القادة يدركون ضررها ويتجنبونها؛ منها: تعزيز مناخ غير أخلاقي داخل المنظمة من خلال إساءة استخدام الموارد (كما فعل دينيس كوزلوفسكي، المدير التنفيذي لشركة تايكو إنترناشونال (Tyco International)، عندما استخدم أموال الشركة لإقامة حفلة عيد ميلاد لزوجته في سردينيا)؛ والتلاعب بالبيانات أو حتى تزويرها لتجميل الواقع (كما ظهر في “المحاسبة الإبداعية” التي استخدمتها شركتا إنرون (Enron)، وآرثر أندرسن (Arthur Andersen))؛ والانخراط في التحرش الجنسي أو العلاقات غير المشروعة مع الموظفين. في الواقع، ذكر المشاركون في دراستنا هذه السلوكات بشكل متكرر، حيث أشار أكثر من ثمانين بالمئة إلى أن هذه التصرفات تدل بوضوح على قائد غير جدير بالثقة. وحتى إذا لم يتصرف القادة بأنفسهم بشكل غير أخلاقي، فقد يعانون فقدان الثقة بشكل جسيم إذا سمحوا لزملائهم بالتصرف بشكل غير أخلاقي. يجب على القادة أن يلتزموا بقيم أخلاقية عالية لحماية منظمتهم وأفرادها، وإلا فإن الأتباع وأصحاب المصلحة الرئيسين سيفقدون ثقتهم بهم.
الاتصال غير الصادق هو وسيلة أخرى تبدو بدهية يُلحق بها القادة الضرر بمصداقيتهم. وهذا يتجاوز مجرد محاولة عرض الأمور في أبهى صورة ممكنة؛ فالقادة الذين ينقلون معلومات كاذبة أو غير دقيقة، أو يحتفظون بكثير من الأسرار، يعرّضون مصداقيتهم للخطر، وكذلك أولئك الذين يقدّمون وعودًا دون بذل أي جهد للوفاء بها، كأن يقول أحدهم: «سأعود إليك لاحقًا»، ولا يفعل ذلك أبدًا.
وقد كشفت أبحاثنا أيضًا أن السلوكات الأنانية يمكن أن تقوّض ثقة الموظفين بقادتهم، وتشمل هذه السلوكات: التحايل على القوانين لمنفعة الذات أو المقربين، واتخاذ القرارات بناءً على المصلحة الشخصية بدلًا من مصلحة المؤسسة، وحث الموظفين على تقديم تضحيات مادية في حين يُهدر القادة موارد المؤسسة على الامتيازات لأنفسهم، ونسب إنجازات الآخرين إلى أنفسهم.
كما يُنظر إلى القادة الذين يتجاهلون علانية آراء الموظفين وأصحاب المصلحة الرئيسين، على أنهم غير جديرين بالثقة. ومن الأمثلة المحددة التي ذكرها المشاركون في دراستنا: اتخاذ قرارات أحادية الجانب، ورفض طلبات الآخرين بلا تروٍّ أو اعتبار كافٍ. وقد عدَّ أكثر من ٦٠٪ من المشاركين في دراستنا، أن هذه السلوكات مؤشرات قوية على عدم جدارة القائد بالثقة.
وعلى الرغم من وضوح أن القادة يفقدون مصداقيتهم حين يُظهرون عدم الكفاءة أو عدم الأمانة، فقد وجد العلماء أن الموظفين أكثر تسامحًا وغفرانًا مع القائد غير الكفء، مقارنة بالقائد غير الجدير بالثقة. فهم يعتقدون أن القادة غير الأكفاء يمكنهم على الأقل محاولة أن يصبحوا أكثر كفاءة، في حين لا يستطيع القادة غير الجديرين بالثقة أن يصبحوا جديرين بالثقة بسهولة.
رؤى للقادة
حتى الآن، وصفنا السلوكات التي تبني أو تهدم المصداقية، حتى يتمكن القادة من تقييم سلوكهم بدقة أكبر، وفهم كيف يراهم الآخرون. وسنشارك تاليًا بعض الرؤى المستخلصة من تحليلنا، حتى يدرك القادة كيف يتجنبون فقدان المصداقية، أو كيف يستعيدونها إذا فقدوها بالفعل.
١. السلوكات التي تساعدك في كسب أو فقدان المصداقية، ليست دائمًا صورًا معكوسة بعضها لبعض؛ فبعض المؤشرات السلوكية للكفاءة مقابل عدم الكفاءة، أو للجدارة بالثقة مقابل عدم الجدارة بها، هي بالفعل صور متقابلة؛ فمثلًا، اتخاذ إجراء ما قد يدل على الكفاءة، في حين أن الإخفاق في ذلك قد يشير إلى عدم الكفاءة. إلا أن السلوكات التي تجعل الموظفين يرون كبار المديرين أكفاء أو جديرين بالثقة، غالبًا ليست عكس تلك التي تنقل عدم الكفاءة أو عدم الأمانة؛ فمع أن التركيز على المستقبل قد يدل على الكفاءة، فإن التركيز على الماضي لا يُعد بالضرورة علامة على عدم الكفاءة.
ونظرًا لأن كثيرًا من السلوكات المدركة للكفاءة والجدارة بالثقة غير متناظرة، فإن تجنب السلوكات التي تُفقد القادة مصداقيتهم لا يساعدهم تلقائيًّا على كسبها؛ بل إنه حتى عند ممارستهم سلوكات تعزز المصداقية، قد يفقد القادة مصداقيتهم إذا مارسوا سلوكات تدل على عدم الكفاءة أو عدم الأمانة. لذا من المهم النظر إلى مجموعة المؤشرات الكاملة عند محاولة تقييم نظرة الآخرين إليك كقائد.
٢. أحيانًا تحمل المعلومات الإيجابية وزنًا أكبر من المعلومات السلبية، والعكس صحيح؛ فقد وجد العلماء الذين يدرسون الثقة، أن الناس يميلون إلى إعطاء وزن أكبر للمعلومات الإيجابية مقارنة بالسلبية فيما يتعلق بالكفاءة. أما فيما يخص الجدارة بالثقة، فيولي الناس وزنًا أكبر للمعلومات السلبية مقارنة بالإيجابية. فقد يُنظر إلى فعل كفء واحد كإشارة موثوقة للكفاءة، في حين قد يُعدّ فعل غير كفء واحد استثناءً. وعلى الجانب الآخر، يميل الناس إلى إضفاء أهمية أكبر على فعل واحد غير جدير بالثقة، مقارنة بفعل واحد جدير بالثقة. ويشير هذا إلى أن القادة يمكنهم كسب المصداقية من خلال القيام بفعل واحد يُظهر الكفاءة؛ مثل وضع رؤية واضحة لمستقبل المؤسسة. إلا أنهم قد يفقدون المصداقية بسهولة إذا ارتكبوا فعلًا غير جدير بالثقة؛ مثل التلاعب بالبيانات لتضليل الآخرين.
٣. التغلب على فقدان المصداقية أمر عسير، لكنه ممكن. إن أي سلوك يدفع الموظفين إلى نسب عدم الكفاءة أو انعدام الثقة إلى الإدارة العليا، سواء كان ذلك منفردًا أو مقترنًا بسلوكات أخرى، قد يؤدي إلى عواقب سلبية يصعب تجاوزها. وكما أُشير سابقًا، فإن الموظفين أقل تسامحًا مع السلوكات غير الجديرة بالثقة مقارنةً بالسلوكات غير الكفؤة. ولهذا السبب جزئيًّا، فإن استعادة المصداقية بعد فقدانها أصعب من بنائها ابتداءً. ومع ذلك، فإن ذلك ممكن التحقيق.
فعلى سبيل المثال، في أعقاب الأزمة المالية في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كُشِفت بعض الممارسات المشكوك فيها لدى كبرى شركات الخدمات المالية الأمريكية في وسائل الإعلام، وخضعت لتدقيق الرأي العام. وقد استجابت كثير من الشركات بإجراء تغييرات طفيفة نسبيًّا على تعويضات التنفيذيين أو ممارسات الحوكمة. إلا أن جيمس غورمان (James Gorman)، الرئيس التنفيذي لشركة مورغان ستانلي (Morgan Stanley)، انتهز الفرصة لإجراء مراجعة شاملة لممارسات الشركة المتعلقة بالتعويضات والامتثال وإدارة المخاطر، وأعاد تركيز ثقافة الشركة على أهداف الأداء المستدامة بعيدة المدى، والإدارة الأخلاقية للموارد، وتجديد تأكيد مصالح العملاء، فكسب بذلك ثناء وثقة الموظفين وأصحاب المصلحة الآخرين. لكن كثيرًا من القادة لا يمتلكون تلك الخبرة عند محاولتهم استعادة المصداقية، بعد التشكيك في جدارتهم أو جدارة مؤسساتهم بالثقة. وغالبًا ما تتطلب مثل هذه التحولات قيام الشركات بتعيين قيادة جديدة، كما حدث عقب فضيحة حسابات عملاء ويلز فارجو (Wells Fargo)، التي أجبرت الرئيس التنفيذي ستامبف (Stumpf) على الاستقالة.
ولكي يستعيد القادة المصداقية المفقودة، لا بد لهم من إعادة ترسيخ التوقعات الإيجابية؛ أي إن عليهم مرارًا وتكرارًا القيام بأفعال جديرة بالثقة، إذ إن الفعل الواحد لا يكفي. كما ينبغي لهم التغلب على التوقعات السلبية الناتجة عن سلوكاتهم غير الكفؤة وغير الجديرة بالثقة، وذلك بتأكيد السلوكات المحددة التي تعكس الكفاءة والجدارة بالثقة.
المراجع
1. J.M. Kouzes and B.Z. Posner, “Credibility: How Leaders Gain and Lose It, Why People Demand It” (San Francisco, California: Jossey-Bass, 2011); and J.M. Kouzes and B.Z. Posner, “The Leadership Challenge: How to Make Extraordinary Things Happen in Organizations,” 6th ed. (Hoboken, New Jersey: John Wiley & Sons, 2017).
2. Political leaders lose their credibility as well, and some (such as Brazilian president Dilma Rousseff and South Korean president Park Geun-hye) have been removed from office and even imprisoned.
3. See T.-Y. Kim, T.S. Bateman, B. Gilbreath, and L.M. Andersson, “Top Management Credibility and Employee Cynicism: A Comprehensive Model,” Human Relations 62, no. 1 (August 2009): 1435-1458; and P.H. Kim, K. Dirks, C.D. Cooper, and D.L. Ferrin, “When More Blame Is Better Than Less: The Implications of Internal Versus External Attributions for the Repair of Trust After a Competence- Versus Integrity-Based Trust Violation,” Organizational Behavior and Human Decision Processes 99, no. 1 (2006): 49-65.
4. J.M. Kouzes and B.Z. Posner, “Leading in Cynical Times,” Journal of Management Inquiry 14, no. 4 (2005): 357-364; D.G. Leathers, “Successful Nonverbal Communication: Principles and Applications” (New York: MacMillan Publishing Co., 1992); R.C. Mayer, J.H. Davis, and F.D. Schoorman, “An Integrative Model of Organizational Trust,” Academy of Management Review 20, no. 3 (1995): 709-734; and T.L. Simons, “Behavioral Integrity: The Perceived Alignment Between Managers’ Words and Deeds as a Research Focus,” Organization Science 13, no. 1 (2002): 18-35.
5. K.T. Dirks, “Three Fundamental Questions Regarding Trust in Leaders,” in “Handbook of Trust Research,” ed. R. Bachmann and A. Zaheer (Cheltenham, United Kingdom: Edward Elgar, 2006), 15-28; and P.H. Kim, D.L. Ferrin, C.D. Cooper, and K.T. Dirks, “Removing the Shadow of Suspicion: The Effects of Apology Versus Denial for Repairing Competence- Versus Integrity-Based Trust Violations,” Journal of Applied Psychology 89, no. 1 (2004): 104-118.
6. B.M. Bass, “Bass & Stogdill’s Handbook of Leadership: Theory, Research, and Managerial Applications,” 3rd ed. (New York: Free Press, 1990).
7. Kouzes and Posner, “Credibility: How Leaders Gain.”
8. “Patagonia’s Mission Statement,” n.d.
9. Reuters, “Buffett Says Wells Fargo Was ‘Slow to Fix’ Sales Scandal,” May 6, 2017.
10. “BP Boss Tony Hayward’s Gaffes,” June 20, 2010.
11. T.Y. Kim et al., “Top Management Credibility”; and P.H. Kim et al., “Removing the Shadow of Suspicion.”
12. K.T. Dirks, “Three Fundamental Questions”; and P.H. Kim et al., “Removing the Shadow of Suspicion.”
13. P.H. Kim et al., “When More Blame Is Better Than Less.”
