ديفيد أ. لايت
لا يوجد نقص في النصائح المتاحة لإرشاد المديرين الذين يوشكون على بدء مهمة خارجية، لكن الكثير منها سطحي، يركز على نقاط صغيرة من قواعد السلوك مثل “لا تتعجل في تناول الطعام” عند الأكل مع الفرنسيين، أو “تحدث بنبرة منخفضة وارتدِ ملابس داكنة” عند التعامل مع اليابانيين، عندما تكون هذه النصائح دقيقة، يمكن أن تمنع الإحراج، لكنها لا تبدأ حتى في معالجة القضايا الأوسع التي تظهر خلال مهمة طويلة الأمد.
على الطرف الآخر من المقياس، قد يحصل المديرون على نصائح عامة جدًّا، مثل “كن منفتح الذهن”، لا يوجد خطأ في مثل هذه النصيحة، لكنها أيضًا غير كافية، ودون مزيد من السياق، قد يفترض المدير أن الانفتاح الذهني سيحقق النتائج نفسها في هلسنكي أو بكين كما هو الحال في مدينة نيويورك. ووفقًا لمديري دراسة استمرت عقدًا من الزمن حول القيادة عبر الثقافات، فإن هذا الافتراض خطأ.
اثنان من قادة الدراسة، منصور جاويدان، أستاذ الإدارة الاستراتيجية في كلية هاسكين للأعمال بجامعة كالجاري في كندا، وروبرت هاوس، أستاذ كرسي جوزيف فرانك برنشتاين لدراسات التنظيم وأستاذ الإدارة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، يجادلان في ورقتهما البحثية “في عين الناظر: دروس قيادية عبر الثقافات” بأن غياب المعلومات المجمعة علميًّا قد منع رجال الأعمال من الحصول على اقتراحات مفصلة وخاصة بالسياق عن كيفية التعامل مع التحديات الثقافية الكبرى. لقد ظهرت هذه الورقة وأوراق أخرى من عمل أُنجز خلال السنوات العشر الماضية من قبل فريق يضم أكثر من 150 باحثًا. كأعضاء في مشروع GLOBE (القيادة العالمية وفعالية السلوك التنظيمي)، جمع الباحثون بيانات عن القيم والممارسات والسمات القيادية من 18,000 مدير في 62 ثقافة يعملون في صناعات الاتصالات والأغذية والبنوك. بقيادة جاويدان وهاوس إلى جانب بول ج. هانجز، أستاذ علم النفس في جامعة ماريلاند، وبيتر دورفمان، أستاذ الإدارة والأعمال العامة في جامعة ولاية نيو مكسيكو، أتاح المشروع ونتائجه للمديرين مقارنة ثقافاتهم الخاصة مع ثقافات دول أخرى.
ركز المشروع بشكل رئيس على دراسة تسع سمات ثقافية. باستخدام استبيان دقيق البناء، قام أعضاء الفريق بقياس سمات مثل الحزم، والميل للتركيز على المستقبل، والمواقف تجاه النوع الاجتماعي، ومستوى الراحة مع عدم اليقين، و”مسافة السلطة”؛ أي الدرجة التي يتوقع فيها أعضاء المجتمع توزيع السلطة بشكل غير متساوٍ.
استندت الاستبيانات جميعها إلى مقياس يتراوح من 1 إلى 7. لحساب الدرجة الإجمالية لدولة ما في مسافة السلطة مثلًا، قام المشاركون في الاستبيان بتعيين رقم لعبارات مثل “في هذا المجتمع، يُتوقع من التابعين: أن يشككوا في قادتهم عند الاختلاف” أو “أن يطيعوا قادتهم دون سؤال”. تشير الدرجة 1 بقوة إلى الميل للتشكيك في القادة؛ و7 إلى الميل للطاعة. في هذه السمة تحديدًا، سجلت الدنمارك وهولندا وجنوب إفريقيا أدنى الدرجات (3.89، 4.11 و4.11)، بينما سجلت تايلاند والأرجنتين والمغرب أعلى الدرجات (5.63، 5.64 و5.80).
فكر في كيفية انعكاس الدرجة العالية في مثال واقعي يتعلق بشركة تايلاندية كبيرة. أرادت الإدارة العليا للشركة التعرف إلى عملية التغذية الراجعة بزاوية 360 درجة. بعد أن استمعوا إلى الشرح، رد المديرون بأن تنفيذ العملية سيكون صعبًا جدًّا وربما غير مرغوب فيه في منظمتهم. شعروا أن المرؤوسين سيشعرون بعدم الارتياح لأن العمال التايلانديين لا يرون أن من شأنهم تقييم رؤسائهم، وسيشعر الرؤساء بالإهانة لأن المديرين التايلانديين لا يعتقدون أن مرؤوسيهم مؤهلون بأي شكل من الأشكال لتقييمهم. قد يفترض المدير الأمريكي النموذجي أن عملية 360 درجة هي بطبيعتها نهج منفتح الذهن، لكن قادة GLOBE يقترحون أن هذا المدير قد يخاطر بإحداث ضرر حقيقي إذا حاول تنفيذ العملية دون فهم كيفية استقبالها، سواء في تايلاند أو فرنسا أو المكسيك.
خذ مثالًا آخر؛ في الولايات المتحدة، قد يعمل أعضاء الفريق غالبًا بشكل مستقل ونادرًا ما يكون هناك تفاعل كبير مع عائلات بعضهم. لكن هذا النقص في الاتصال ليس عائقًا أمام إنجاز العمل. في البرازيل، مع ذلك، والتي تسجل درجة عالية في سمة “الجماعية داخل المجموعة”، يرى الباحثون أن على قائد الفريق قضاء أكبر وقت ممكن مع الفريق، كما يجب عليه دعوة عائلات أعضاء الفريق للاجتماع بشكل متكرر. في تلك الثقافة، يعمل الفريق بشكل أفضل عندما يُنظر إليه كأسرة ممتدة حسب قولهم. ينطبق هذا أيضًا في مصر، وفقًا لتحليل البحث، مع استثناء مهم: يُنظر إلى قائد الفريق في مصر على أنه شخصية أبوية، مستبد لطيف. ومن البدهي أن هذا الدور لن يأتي بشكل طبيعي للقائد الأمريكي الذي يحاول أن يسير على خطى المصريين. إذًا، ماذا ينبغي على المدير الذي يستعد للعمل في الخارج أن يفعل ليتحضّر؟ في حين أنه من المهم بالتأكيد التعرف إلى الثقافات الأخرى، يشير باحثو مشروع GLOBE إلى أن القادة المغتربين، بغض النظر عن جنسيتهم، يحتاجون أيضًا إلى تثقيف الموظفين المحليين عن ثقافتهم الخاصة. فهذا هو السبيل الوحيد لتجاوز الصور النمطية وبناء الفهم والثقة المتبادلين بين الناس، كما خلص جاويدان وهاوس.
وبالمثل، يلاحظ قادة مشروع GLOBE أن المدراء التنفيذيين ليسوا بحاجة إلى تركيز جهودهم العابرة للثقافات على أن يصبحوا أشبه بأشخاص من البلد المضيف؛ فعلى سبيل المثال، قد يجد المدير التنفيذي الأمريكي في مصر أنه من المفيد والمحبب جمع عائلات أعضاء الفريق معًا، مع تفضيله تجنب النهج الاستبدادي. وإذا كان التنفيذي صريحًا بشأن الأسباب، يمكنه خلق بيئة تعليمية جماعية منتجة للطرفين.
كيف يمكن للشركات تطوير قادة يمتلكون الذكاء اللازم لإجراء مثل هذه التمييزات؟ يمكن للتعليم والتدريب الرسميين أن يساعدا إلى حد ما، لكن الرأي العام بين الخبراء هو أنه لا بديل عن الخبرة العملية. ويمكن للنتائج المستخلصة من مشروع GLOBE، مع تحليله لكل بلد على حدة، أن تمنح المدير الذي يفكر في مهمة في ثقافة جديدة بداية قوية في هذه العملية.
لمزيد من المعلومات، راجع موقع مشروع GLOBE على الإنترنت: http://www.ucalgary.ca/mg/GLOBE/Public/
