توماس إتش. دافنبورت وجوليا كيربي
فإن كان ما يعكسه الأدب الشعبي مقياسًا صادقًا لما يشغل أذهان العامة، فكأن الجميع قد استيقظ فجأة على تهديد الآلات الذكية. فقد ظهرت في عدد من الأفلام الحديثة روبوتات ذات قدرات مخيفة على التفوق على البشر في التفكير والمكر. وكذلك في الأدبيات الاقتصادية، تصاعد القلق مؤخرًا من احتمال ارتفاع معدلات البطالة مع تزايد قدرة البرمجيات على اتخاذ القرارات. ومع ذلك، فإن المديرين الذين نحادثهم لا يتوقعون أن تحل الآلات محل العاملين بالمعرفة في المستقبل القريب، بل يتوقعون أن تعزز تقنيات الحوسبة عمل البشر بدلًا من أن تستبدل بهم. وأمام هذا الطيف الواسع والمتغير من الفرص، يكمن التحدي في معرفة أي أشكال التعزيز ينبغي اعتمادها. وبالنظر إلى طبيعة الأعمال التي يشرف عليها المديرون، فما هي التقنيات المعرفية التي ينبغي تطبيقها الآن أو مراقبتها عن كثب أو الإسهام في تطويرها؟
وللمعونة في ذلك، وضعنا إطارًا بسيطًا يحدد موضع التقنيات المعرفية على بُعدين اثنين. (انظر: “ما الذي تستطيع تقنيات اليوم المعرفية فعله وما تعجز عنه”). أولًا، يعترف هذا الإطار بأن هذه الأدوات تختلف في مقدارِ ما تستطيع تطبيقه من ذكائها بشكل مستقل. ففي أدنى المستويات، تكتفي بالاستجابة لاستفسارات البشر وأوامرهم، وفي المستوى الأعلى (وهو لا يزال نظريًّا)، تضع هذه الآلات أهدافها بنفسها. ثانيًا، يعكس الإطار نوع المهام التي تُستخدم فيها الآلات الذكية، من التحليل الرقمي التقليدي إلى أداء المهام الرقمية والمادية في العالم الواقعي، وإن تنوع المدخلات وأنواع البيانات في المهام الواقعية يجعلها أعقد على الآلات.
وبالجمع بين هذين البعدين، نرسم مصفوفة يمكن أن نضع فيها جميع التقنيات الكثيرة التي تسمى “آلات ذكية”. والأهم من ذلك، أن هذا الإطار يساعد على توضيح حدود الذكاء الآلي اليوم والتحديات التي يعمل المبتكرون على تجاوزها. واعتمادًا على نوع المهمة التي يستهدف المدير إعادة تصميمها، يكشف هذا الإطار مدى إمكانية أدائها بشكل مستقل، ونوع الآلات التي يمكن أن تضطلع بها.
مراتب الذكاء الأربع
من الواضح أن مستوى ذكاء الآلات الذكية في ازدياد؛ فالاتجاه العام يسير نحو مزيد من الاستقلالية في اتخاذ القرار؛ من آلات تحتاج إلى بيانات وسياقات قرار منظمة للغاية، إلى أخرى قادرة على فهم سياقات أكثر تعقيدًا.
دعم البشر
لقد كان الافتراض السائد لعقود أن التقنيات المعرفية ستوفر رؤًى لصانعي القرار من البشر، وهو ما كان يُعرف بـ”دعم القرار”. وحتى مع نظام واتسون من شركة آي بي إم وسائر الأنظمة المعرفية المعاصرة، يَفترض معظم الناس أن الآلة ستقدم قرارًا أو مسار عمل موصًى به، بينما يبقى القرار النهائي بِيَد الإنسان.
أَتْمَتةُ المهام المتكررة
ليس من الصعب الانتقال من دعم الآلات للبشر إلى اتخاذ الآلات للقرار، خاصة في السياقات المنظمة. فقد ازدادت قرارات الأتمتة في السنوات الأخيرة في مجالات مثل التأمين والتداول المالي، وغالبًا ما تعتمد على مجموعة ثابتة من القواعد أو الخوارزميات؛ فلا يتحسن أداؤها إلا بتدخل البشر لمراقبة الأداء وضبط الخوارزميات.
الوعي بالسياق والتعلم
إن التقنيات المعرفية المتقدمة اليوم تمتلك قدرًا من الوعي بالسياق في الزمن الحقيقي، ومع تدفق البيانات بشكل مستمر وكبير، نحتاج إلى تقنيات تُعيننا على فهمها في حينها؛ كاكتشاف الشذوذات، وملاحظة الأنماط، واستباق ما سيحدث. وقد تشمل المعلوماتُ ذات الصلة الموقعَ أو الزمن أو هوية المستخدم، مما قد يُستعمل لتقديم توصيات (مثلًا: أفضل طريق للعمل بحسب الوقت وحركة المرور وتفضيلات السائق).
ومن سمات الحوسبة المعرفية اليوم قدرتها على التعلم وتحسين أدائها، ويتم كثير من هذا التعلم عبر تحليل البيانات الفورية، وردود فعل المستخدمين، والمحتوى الجديد من المقالات النصية. وفي البيئات التي يمكن قياس النتائج فيها، ستجلب الأنظمة المعتمِدة على التعلم فوائد مثل قرارات تداول الأسهم الأفضل، وتوقعات زمن القيادة الأدق، وتشخيصات طبية أكثر دقة.
الوعي الذاتي
حتى الآن، فإن الآلات ذات الوعي الذاتي والقدرة على وضع أهداف مستقلة لا تزال في عالم الخيال، ومع وعي ذاتي كبير، قد تبلغ الحواسيب يومًا القدرة على العمل بما يفوق مستويات الذكاء البشري في سياقات متعددة، لكن حتى أكثر الخبراء تفاؤلًا يرون أن الذكاء العام للآلات لا يزال بعيدًا ثلاثة أو أربعة عقود.
أنواع المهام المعرفية الأربع
ومن السهل تصنيف المهام التي تؤديها الآلات بحسب ما إذا كانت تعالج أرقامًا أو نصوصًا أو صورًا، وهي لَبنات الإدراك، أو ما إذا كانت تملك من المعرفة ما يكفي لاتخاذ إجراءات مدروسة في العالم الرقمي أو الواقعي.
تحليل الأعداد
إن أصل جميع التقنيات المعرفية هو تفوق الآلات الحاسبة في أداء تحليل الأعداد ضمن صيغ منظمة (غالبًا ما تكون صفوفًا وأعمدة). تقليديًّا، كان هذا التحليل العددي يُستخدم لدعم صانعي القرار من البشر فقط؛ إذ كان الناس يستمرون في أداء المهام المعرفية في مقدمة العمل؛ كصياغة الفرضيات وتحديد المشكلات، وكذلك تفسير نتائج الأعداد وانعكاساتها على القرارات في خاتمة العمل. وحتى مع إضافة المحللين المزيدَ من العروض التحليلية البصرية والتحليلات التنبؤية في العقد الأخير، بقي الناس هُم مَن يتولون التفسير.
أما اليوم، فإن الشركات تدمج التحليلات بشكل متزايد في الأنظمة والعمليات التشغيلية لتتخذ قرارات مؤتمتة متكررة؛ مما يتيح زيادات هائلة في كل من السرعة والنطاق. وحيث كان الأمر يتطلب محللًا بشريًّا لتطوير النماذج المدمجة في السابق، باتت أساليب “التعلم الآلي” قادرة على إنتاج النماذج بطريقة مؤتمتة أو شبه مؤتمتة.
تحليل الكلمات والصور
إن من الجوانب الرئيسة للإدراك البشري القدرةَ على قراءة الكلمات والصور وتحديد معانيها وأهميتها. غير أن طائفة واسعة من الأدوات التقنية اليوم، كالتعلم الآلي، ومعالجة اللغة الطبيعية، والشبكات العصبية، والتعلم العميق؛ باتت قادرة على تصنيف الكلمات وتفسيرها وتوليدها، وبعضها قادر أيضًا على تحليل الصور والتعرف عليها.
أما أول التطبيقات الذكية التي تناولت الكلمات والصور، فقد تمثل في التعرف على النصوص والصور والكلام لتمكين البشر من التواصل مع الحواسيب. أما اليوم، فإن الهواتف الذكية “تفهم” كلام الإنسان ونصوصه وتتعرف على الصور، وهذه القدرات ليست كاملة، لكنها مستخدمة على نطاق واسع في تطبيقات عديدة.
وعندما تُحلل الكلمات والصور على نطاق واسع، فإن ذلك يمثل فئة متميزة من القدرات؛ فمن التطبيقات في هذا الباب ترجمة كميات ضخمة من النصوص بين اللغات، أو الإجابة عن الأسئلة كما يفعل الإنسان، أو فهم اللغة بطريقة تتيح تلخيصها أو توليد مقاطع جديدة منها.
وكان “آي بي إم واتسون” أول أداة قادرة على استيعاب النصوص وتحليلها و”فهمها” بما يكفي للرد على أسئلة دقيقة، غير أنه لا يتعامل مع البيانات العددية المنظمة، ولا يستطيع فهم العلاقات بين المتغيرات أو إجراء التنبؤات، كما أنه ليس ملائمًا لتطبيق القواعد أو تحليل الخيارات في أشجار القرار. ومع ذلك، فإن شركة آي بي إم تضيف بسرعةٍ قدرات جديدة، منها تحليل الصور.
وهناك أمثلة أخرى على أنظمة الكلمات والصور، وقد طُورت معظمها لتطبيقات بعينها، ثم عُدلت تدريجيًّا لمعالجة أنواع أخرى من الحالات المعرفية. فشركة “ديجيتال ريزونينغ سيستمز” مثلًا، ومقرها فرانكلين بولاية تينيسي، التي طورت برامج حوسبة معرفية لأغراض الأمن القومي؛ بدأت تسوِّق برمجيات ذكية تحلل اتصالات الموظفين في المؤسسات المالية لتحديد احتمالية الاحتيال، وشركة أخرى، “آي بي سوفت” ومقرها مدينة نيويورك، تعالج الكلمات المنطوقة بوساطة وكيل ذكي للعملاء مُبرمَج لتفسير رغباتهم وتنفيذها متى أمكن.
وتستخدم كلٌّ من “آي بي سوفت” و”ديجيتال ريزونينغ” و”واتسون” الأصلي مكونات متشابهة؛ منها القدرة على تصنيف أجزاء الكلام، وتحديد الكيانات والحقائق الرئيسة في النص، وإظهار العلاقات بين الكيانات والحقائق في رسم بياني، وربط الكيانات والعلاقات بالأهداف. وهذه الفئة من التطبيقات أنسب للظروف التي تتوفر فيها معلومات نصية مشفرة أكثر بكثير، وتتغير بسرعة أكبر مما يستطيع أي إنسان استيعابه أو الاحتفاظ به.
أما التعرف على الصور وتصنيفها، فليس بالأمر الجديد؛ فقد استُخدمت “رؤية الآلة” القائمة على تقنية مطابقة الأنماط الهندسية لعقود في تحديد الأجزاء على خطوط الإنتاج وقراءة الرموز الشريطية. واليوم، ترغب شركات كثيرة في تنفيذ مهام رؤية أكثر حساسية؛ مثل التعرف على الوجوه، أو تصنيف الصور على الإنترنت، أو تقييم أضرار التصادمات المرورية، وتعتمد هذه المهام على التعلم الآلي وتحليل الشبكات العصبية القادر على مطابقة أنماط معينة من البكسلات بصور معروفة.
وأكثر أنظمة التعلم الآلي كفاءة لديها القدرة على “التعلم”؛ فقراراتها تتحسن كلما زادت البيانات، وهي “تتذكر” المعلومات التي استوعبتها سابقًا. فمثلًا، كلما أُدخلت معلومات جديدة إلى واتسون، اتسع مخزونه من المعرفة، أما الأنظمة الأخرى في هذه الفئة، فيتحسن أداؤها المعرفي كلما زادت البيانات المتاحة للتدريب. لكن كما قال مايك رودين، نائب الرئيس الأول لتطوير الأعمال في آي بي إم واتسون: “واتسون لا يملك القدرة على التفكير من تلقاء نفسه”، ولا يملكها أي نظام ذكي آخر حتى الآن.
أداء المهام الرقمية
ومن الأدوار العملية لتقنية المعرفة في السنوات الأخيرة أتمتةُ المهام والقرارات الإدارية، ولجعل الأتمتة ممكنة، لا بد من توفر قدرتين تقنيتين: أولاهما القدرة على التعبير عن منطق القرار في صورة “قواعد عمل”، وثانيهما وجود تقنيات قادرة على نقل الحالة أو المهمة عبر سلسلة الخطوات اللازمة لإتمامها. وعلى مدى العقود الماضية، استُخدمت أدوات اتخاذ القرار المؤتمتة لدعم طيف واسع من المهام الإدارية، من الموافقة على وثائق التأمين إلى عمليات تقنية المعلومات إلى التداول عالي السرعة.
في الآونة الأخيرة، شرعت الشركات في استخدام “أتمتة العمليات الروبوتية”، وهي التي تستعين بتقنيات تدفق العمل وقواعد الأعمال للتواصل مع نظم المعلومات المتعددة كما لو كانت مستخدمًا بشريًّا. وقد غدت تكنولوجيا العمليات الروبوتية شائعة في المصارف (للمهام الخدمية في المكاتب الخلفية، كاستبدال بطاقة الصراف الآلي المفقودة)، وشركات التأمين (لمعالجة المطالبات والمدفوعات)، وتقنية المعلومات (لمراقبة رسائل أخطاء النظام وإصلاح المشكلات البسيطة)، وإدارة سلسلة الإمداد (لمعالجة الفواتير والاستجابة للطلبات الروتينية من العملاء والموردين).
إن فوائد أتمتة العمليات تتراكم سريعًا، ففي دراسة حالة أجريت في نيسان سنة ٢٠١٥م في شركة تليفونيكا أو ٢، ثاني أكبر مزود لخدمات الهاتف المحمول في المملكة المتحدة، تَبيَّن أن الشركة قد أَتْمَتَت أكثر من مئة وستين مجالًا من العمليات باستخدام “روبوتات” برمجية، وقد بلغ العائد الإجمالي على الاستثمار خلال ثلاث سنوات ما بين ٦٥٠٪ و٨٠٠٪.
أداء المهام المادية
أما أتمتة المهام المادية فهي، بطبيعة الحال، ميدان الروبوتات. ومع أن الناس يحبون إطلاق اسم “الروبوت” على كل تقنية أتمتة، فإن من تعريفات الروبوت في معجم ميريام-ويبستر: “آلة تستطيع أداء عمل الإنسان وتعمل تلقائيًّا أو تُدار بالحاسوب”.
في سنة ٢٠١٤م، قامت الشركات بتركيب نحو مئتين وخمسة وعشرين ألف روبوت صناعي في أنحاء العالم، وكان أكثر من ثلثها في صناعة السيارات، ومع ذلك، كثيرًا ما تخيّب الروبوتات الآمال. ففي سنة ٢٠١١م، صرح مؤسس شركة فوكسكون التايوانية أنه سيقوم بتركيب مليون روبوت في غضون ثلاث سنوات ليحلوا محل مليون عامل، غير أن الشركة وجدت أن الاعتماد على الروبوتات وحدها في تصنيع الهواتف الذكية أمر عسير التنفيذ. ففي سنة ٢٠١٥م، خططت فوكسكون لتوظيف أكثر من مئة ألف عامل جديد وتركيب نحو عشرة آلاف روبوت جديد لتجميع نماذج آيفون الحديثة.
تاريخيًّا، كانت الروبوتات التي تحل محل الإنسان تتطلب قدرًا عاليًا من البرمجة لأداء المهام المتكررة، وكان لا بد، لأسباب السلامة، من عزلها عن العمال البشر، أما اليوم، فقد ظهر نوع جديد من الروبوتات يُسمى غالبًا “الروبوتات التعاونية”، تستطيع العمل بأمان إلى جانب الإنسان، ويمكن برمجتها ببساطة عن طريق تحريك ذراعها بيد إنسان.
تتفاوت الروبوتات في درجات الاستقلالية؛ فمنها ما يُدار عن بعد، كالمركبات الجوية المسيَّرة وأدوات الجراحة الروبوتية ومعدات التعدين، وهي مصممة ليشغّلها الإنسان، ومنها ما يصير شبه مستقل بعد برمجته، لكنه يظل محدود القدرة على الاستجابة للظروف غير المتوقعة. ومع ازدياد ذكاء الروبوتات وتحسُّن رؤيتها الآلية وارتفاع قدرتها على اتخاذ القرار، ستدمج أنواعًا أخرى من التقنيات الإدراكية، وستمتلك القدرة على تحويل البيئة المادية. فعلى سبيل المثال، تم تثبيت برمجيات آي بي إم واتسون في أنواع مختلفة من الروبوتات.
الالتقاء العظيم
تتلاقى، رويدًا رويدًا، عوالمُ البرمجيات الذكية والروبوتات، وتغدو الحدود بين التقنيات الإدراكية المختلفة غائمة. وفي المستقبل، ستتمكن الروبوتات من التعلم واستشعار السياق، وستتحسن أدوات أتمتة العمليات الروبوتية وغيرها من الأدوات الرقمية، وستغدو البرمجيات الذكية قادرة على تحليل مجموعات أكثر تعقيدًا من الأرقام والنصوص والصور.
نتوقع أن تُطوِّر الشركات حلولًا إدراكية باستخدام اللبنات الأساسية لواجهات برمجة التطبيقات (APIs)، فقد تتولى واجهة واحدة معالجة اللغة، وأخرى التعلم الآلي العددي، وثالثة الحوار بالسؤال والجواب، ومع تفاعل هذه العناصر معًا، فإن تحديد الواجهات المطلوبة سيقتضي فهمًا معمقًا لهندسة الحلول الإدراكية.
وهذا النهج التجزيئي هو المسار الذي تسير فيه الشركات الكبرى؛ فشركة آي بي إم، مثلًا، قد جزأت نظام واتسون إلى مجموعة من الخدمات “منصة إدراكية” متاحة بالاشتراك عبر السحابة، وقد توسعت خدمات واتسون الأصلية في السؤال والجواب لتشمل أكثر من ثلاثين نوعًا آخر؛ منها “رؤى الشخصية” لقياس السلوك البشري، و”التعرف البصري” لتحديد الصور، وما إلى ذلك. كما أن شركات أخرى في مجال التقنيات الإدراكية، مثل “كوجنيتف سكيل” في أوستن، تكساس، تدمج قدرات إدراكية متعددة في “سحابة إدراكية”.
وعلى الرغم من تزايد قدرات التقنيات الإدراكية، فإن معظم المؤسسات التي تستكشفها تبدأ بمشروعات صغيرة لاختبار التقنية في مجال محدد، غير أن بعضها يطمح إلى ما هو أكبر بكثير. فعلى سبيل المثال، يتخذ مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان (MSK)، ومركز إم دي أندرسون للسرطان في جامعة تكساس بهيوستن، نهج “الانطلاق إلى القمر”، مستعينين بأدوات إدراكية مثل واتسون لتطوير طرق أفضل لتشخيص السرطان وعلاجه.
تصميم بنية إدراكية
ستظل الأجهزة والبرمجيات تتحسن، غير أن على المديرين ألا ينتظروا الخيارات المستقبلية، بل ينبغي لهم إدخال التقنيات الإدراكية إلى أماكن العمل اليوم لاكتشاف قيمتها في تعزيز الإنسان، أما المديرون الأكثر تقدمًا، فسيبتكرون هياكل تقنية معلومات تدعم أكثر من تطبيق واحد. ونرى أن المؤسسات ستبني “بنى إدراكية” تتواصل مع بنى تقنية المعلومات التقليدية، لكنها تظل متميزة عنها، فماذا يعني ذلك؟ نرى أن البنية الإدراكية المصممة جيدًا ستولي عددًا من السمات أهمية كبرى:
قدرة معالجة أنواع متعددة من البيانات
إنّ البصائر الإدراكية لا تُستمد من نوع واحد من البيانات فحسب (كالنصوص مثلًا)، بل ستنبثق مستقبلًا من مزج النصوص والأرقام والصور والكلام والبيانات الجينية وما شابهها، تحقيقًا لوعي شامل بالأوضاع.
القدرة على التعلّم
مع أنّ هذا ينبغي أن يكون جوهر التقنيات الإدراكية، فإنّ معظم الأنظمة المعاصرة (كأنظمة القواعد والأتمتة الروبوتية للعمليات) لا تطوّر نفسها بنفسها، فإن خُيّرتَ بين نظام يتعلّم وآخر لا يتعلّم، فاختر الأول.
الشفافية
سيتعاون البشر والتقنيات الإدراكية معًا في المستقبل المنظور، وسيظل الإنسان يرغب في معرفة كيف توصّلت هذه التقنيات إلى قرارها أو توصيتها. فإن لم يُتح للناس فتح “الصندوق الأسود”، فلن يثقوا به. وهذه من ركائز التعزيز البشري، وعامل رئيس في تسريع تبنّي هذه التقنيات.
تنوّع الأدوار البشرية
بعض التقنيات الإدراكية، إذا بُرمجت، تعمل كمعظم الروبوتات الصناعية على تنفيذ العملية المكلّفة بها، أما الروبوتات الجراحية، فيُفترض أن الإنسان هو المسيطر عليها. وفي المستقبل، سنحتاج غالبًا إلى أنماط تحكُّم متعددة؛ كما في المركبات ذاتية القيادة، فلا بد من وسيلة تمكّن الإنسان من تولّي القيادة عند الحاجة، وتعدّد وسائل التحكم سبيل آخر لتعزيز التكامل بين الإنسان والآلة، بدلًا من الاستبدال التام.
مرونة التحديث والتعديل
من أسباب نجاح الأنظمة القائمة على القواعد في مجالات التأمين والمصارف أنّ المستخدمين يستطيعون تعديل القواعد، غير أنّ تعديل معظم الأنظمة الإدراكية وتحديثها اليوم لا يجيده إلا الخبراء، وستحتاج الأنظمة المستقبلية إلى مزيد من المرونة في هذا الباب.
قدرات تقارير متينة
ينبغي أن تكون التقنيات الإدراكية مسؤولة أمام سائر أقسام المؤسسة وأصحاب المصلحة الآخرين، وقد تحدّثنا، مثلًا، مع ممثلي شركات تستخدم أنظمة مؤتمتة لشراء الإعلانات الرقمية وتوزيعها، فأكدوا أنّ العملاء يصرّون على تقارير مفصّلة تتيح تحليل البيانات بطرق شتى.
نظافة تقنية معلومات رفيعة المستوى
ستحتاج التقنيات الإدراكية إلى جميع خصائص أنظمة المعلومات الحديثة؛ من واجهات استخدام سهلة، وأمن بيانات متقدّم، وقدرة على التعامل مع عدة مستخدمين في آن واحد، ولن ترضى الشركات بالتفريط في أيٍّ من هذه الأهداف في مجال التقنيات الإدراكية، ولن تضطر لذلك مستقبلًا.
وفوق هذا، إذا كان الهدف الإداري هو التعزيز لا الاستبدال، وجب فهم موضع القدرات البشرية ضمن الصورة الكلية، وستظل للإنسان مزايا يتفوق بها على أذكى الآلات؛ فهو أقدر على تفسير البيانات غير المنظمة، كمعنى قصيدة أو تمييز صورة حيّ راقٍ من آخَر متدنٍّ، ولديه اتساع إدراكي يمكّنه من إتقان أعمال شتى في آن واحد. وسيظل الحكم والمرونة النابعان من هذه المزايا أساسَ قدرة أي مؤسسة على الابتكار وإسعاد العملاء والتفوق في الأسواق التنافسية؛ حيث ستغدو التقنيات الإدراكية شائعة الانتشار عما قريب.
ولا ريب أنّ الآلات الذكية تتقدم في مجالات إتقانها بمعدل أسرع كثيرًا من البشر، ولا يُنكَر أنّ كثيرًا من العاملين سيحتاجون إلى استدعاء مواهب جديدة، وتطوير قدرات غير التي اعتادوا الاعتماد عليها في الماضي، ولكن في المستقبل المنظور، ما تزال أمام البشر طرق لا حصر لها لإضافة قيمة عظيمة، وكلما أحسن المديرون استثمار المواهب البشرية بالتقنيات المتقدمة، زال عن الجميع الخوف من صعود الآلات الذكية.
