راندي بين
تنتقل البيانات الضخمة إلى مرحلة جديدة من النضج — مرحلة تُبشّر بتأثير أكبر في الأعمال وبتغيير جذري في الصناعة خلال العَقد القادم. ومع نضوج مبادرات البيانات الضخمة، بدأت المؤسسات الآن بدمج مرونة عمليات البيانات الضخمة مع قدرات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لتسريع تحقيق القيمة للأعمال.
التقاء البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي
لقد أصبح التقاء البيانات الضخمة مع الذكاء الاصطناعي التطور الأهم الذي يشكِّل مستقبل كيفية استفادة الشركات من بياناتها وقدراتها التحليلية لتحقيق قيمة تجارية. إن توافر كميات أكبر ومصادر أكثر من البيانات يتيح، ولأول مرة، قدرات في الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة ظلت خامدة لعقود بسبب نقص البيانات، وصغر أحجام العينات، وعدم القدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات في أجزاء من الثانية. لقد نقلت القدرات الرقمية البياناتِ من المعالجة الدورية إلى المعالجة الفورية، والوصول الدائم عبر الإنترنت.
على الرغم من أن الكثير من تقنيات الذكاء الاصطناعي موجودة منذ عدة عقود، فإنها أصبحت الآن فقط قادرة على الاستفادة من مجموعات بيانات ضخمة بما يكفي لتقديم تعلُّم فعّال ونتائج ذات مغزى. إن القدرة على الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات بمرونة وسهولة يقود إلى تطور سريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة. بينما كان الإحصائيون وعلماء البيانات الأوائل غالبًا ما يقتصر عملهم على مجموعات بيانات “عينة”، أتاحت البيانات الضخمة لعلماء البيانات الوصولَ إلى مجموعات ضخمة من البيانات والعمل عليها دون قيود. وبدلًا من الاعتماد على عينات بيانات ممثلة، يمكن لعلماء البيانات الآن الاعتماد على البيانات نفسها بكل تفاصيلها ودقتها وتنوعها. ولهذا السبب انتقلت الكثير من المؤسسات من نهج قائم على الفرضيات إلى نهج “البيانات أولًا”. يمكن للمؤسسات الآن تحميل جميع البيانات وترك البيانات نفسها توجِّه المسار وتحكي القصة. ويمكن تصفية البيانات غير الضرورية أو المكررة، وتحليل البيانات الأكثر دلالة وتنبؤًا باستخدام “صناديق التحليل التجريبية” أو “مراكز تميُّز البيانات الضخمة” التي تستفيد من مرونة وفاعلية طرائق إدارة البيانات. غالبًا ما يشير أنصار البيانات الضخمة إلى نهجهم بأنه “حمِّل وانطلِق”. تتيح البيانات الضخمة بيئةً تشجع على استكشاف البيانات من خلال التكرار. ونتيجة لذلك، يمكن للأعمال التحرك بسرعة أكبر، والتجربة أكثر، والتعلم بسرعة. وبعبارة أخرى، تمكّن البيانات الضخمة المؤسسات من الفشل بسرعة والتعلم بشكل أسرع.
البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في شركة MetLife
يُعدُّ بيت جونسون أحد أكثر التنفيذيين خبرة في مجال البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في الصناعة اليوم. فبعد أن عمل في مجال الذكاء الاصطناعي لعقود منذ مسيرته الأكاديمية في جامعة ييل، يقود الآن مبادرات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي بصفته زميلًا في شركة MetLife. وقد شغل جونسون سابقًا منصب نائب أول للرئيس للتقنية الاستراتيجية في بنك ميلون، وعمل بصفة نائب تنفيذي أول ومدير تقني رئيسي في شركة Cognitive Systems Inc. (CSI)، وهي شركة ذكاء اصطناعي مبكرة متخصصة في معالجة اللغة الطبيعية، والنظم الخبيرة، والاستدلال القائم على الحالات، والتنقيب في البيانات. تأسست CSI على يد عدد من أعضاء هيئة التدريس في جامعة ييل عام 1981م، عندما أكمل جونسون درجة الماجستير في علوم الحاسوب.
يشارك جونسون، الذي أعرفه منذ أكثر من عقد، بانتظام في سلسلة من لقاءات القيادات التنفيذية التي أستضيفها لكبار التنفيذيين في الصناعة لمشاركة وجهات النظر حول موضوعات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة بين نظرائهم. وقد شارك في أحدث هذه اللقاءات كبار مسؤولي البيانات، وكبار مسؤولي التحليلات، وكبار مسؤولي التحول الرقمي، وكبار مسؤولي التقنية، ورؤساء البيانات الضخمة في شركات؛ مثل AIG، وأمريكان إكسبريس، وبلاك روك، وتشارلز شواب، وسيتي جروب، وجنرال إلكتريك، وMetLife، وTD Ameritrade، وVISA، وWells Fargo، وغيرها. وبصفته خبيرًا مخضرمًا في مجال الذكاء الاصطناعي، يلاحظ جونسون ثلاث طرائق أساسية تمكِّن بها البيانات الضخمة الذكاءَ الاصطناعي اليوم:
- تقنية البيانات الضخمة — لدينا الآن القدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات كانت تتطلب في السابق أجهزة وبرمجيات باهظة الثمن جدًّا، أو ما يسمى بـ “التوازي السلعي”. أي استخدام شبكات من أجهزة كمبيوتر قياسية ورخيصة الثمن بدلاً من أجهزة عملاقة ومتخصصة ومكلفة.
- توافر مجموعات بيانات ضخمة — بيانات التعرف الضوئي إلى الحروف، والنسخ، وملفات الصوت والصورة، وبيانات الطقس، وبيانات الخدمات اللوجستية متاحة الآن بطرائق لم تكن ممكنة في الماضي؛ حتى البيانات القديمة المستخرجة من الورق أصبحت متاحة عبر الإنترنت.
- تعلُّم الآلة على نطاق واسع — خوارزميات “موسعة” مثل الشبكات العصبية المتكررة والتعلم العميق تدفع باختراقات الذكاء الاصطناعي.
يشير جونسون إلى عدد من الطرائق التي تستخدم بها MetLife الذكاءَ الاصطناعي بفضل ما أتاحته البيانات الضخمة:
- لقد مكّن التعرف إلى الكلام من تتبُّع الحوادث والنتائج بشكل متفوق جدًّا نتيجة تطبيقات التعلم الآلي واسعة النطاق التي تشير إلى الإخفاقات الوشيكة. ومن الأمثلة على ذلك القدرة على تحليل تقارير الأطباء التي نشأت في الأصل كاستمارات مكتوبة. وهذا يمكّن من التعرف إلى تطور الأمراض، وتحسين فاعلية العلاج، وصياغة استراتيجيات “العودة إلى العمل” — وجميعها قضايا مهمة بالنسبة إلى شركات التأمين.
- فاعلية العمليات الخلفية تؤدي إلى تحقيق وفورات في التكاليف وتحسين خدمة العملاء من خلال معالجة المطالبات بشكل أكثر كفاءة، وذلك نتيجة لنماذج المطالبات التي أُثرِيت بالبيانات غير المهيكلة (مثل تقارير الأطباء). وهذا يمكّن شركة التأمين من تحسين صحة المرضى من منظور وقائي؛ إذ يمكننا التعرف إلى الشذوذات في وقت أبكر واتخاذ الإجراءات بشكل أسرع.
- الهدف الأسمى سيكون القدرة على تنفيذ الاكتتاب الآلي، وهي ممارسة أصبحت شائعة إلى حدٍّ ما في مجالات مثل التأمين على الممتلكات والحوادث. والخطوات التالية ستكون تطبيق الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي على الصحة العامة والعافية.
يختصر جونسون تجربته بقوله: “لقد وصلنا الآن إلى الكتلة الحرجة. عندما تجمع بين هذه الأشياء —البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي— نبدأ في رؤية حلول أفضل لعدد من المشكلات التقليدية. وسيستغرق الأمر وقتًا أطول للمنتجات ذات الآجال الطويلة المتعلقة بالصحة/العافية والحياة. لكنها قادمة”.
عَقدٌ من الاضطراب على نطاق واسع
الذكاء الاصطناعي المدعوم بالبيانات الضخمة يسرّع من إمكانيات التغيير المزعزع. إن الانتشار الواسع للبيانات، جنبًا إلى جنب مع الوسائل المتاحة لالتقاط وتحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة ومرونة وعلى نطاق واسع، يدفع الابتكار إلى ما هو أبعد بكثير من وظائف البيانات والتحليلات التقليدية. إن القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة بناءً على معلومات حديثة أصبحت بسرعة هي القاعدة السائدة.
الشكل أدناه مأخوذ من استطلاع التنفيذيين السنوي للبيانات الضخمة لشركة NewVantage Partners، الذي نُشر في أوائل عام 2017م ويعكس توقعات كبار التنفيذيين للعقد القادم. في مقالتي في عدد يناير من MIT Sloan Management Review، بعنوان “الشركات تستعد لعقد من الاضطراب بسبب الذكاء الاصطناعي”، أشرت إلى أن التنفيذيين أفادوا بأنهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيكون “الأكثر إحداثًا للاضطراب” بين القدرات الجديدة خلال العقد القادم. إضافة إلى ذلك، أشار هؤلاء التنفيذيون أيضًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يأتي في المرتبة الأولى بين جميع القدرات الجديدة التي يعتقد التنفيذيون أنها ستؤثر بشكل مزعزع في شركاتهم؛ إذ —أفاد 88.5٪ من التنفيذيين بأنهم يتوقعون أن يكون للذكاء الاصطناعي تأثير في شركاتهم (انظر “الذكاء الاصطناعي هو ‘الأكثر إحداثًا للاضطراب’ بين القدرات الجديدة خلال العقد القادم”).
الذكاء الاصطناعي هو “الأكثر إحداثًا للاضطراب” بين القدرات الجديدة خلال العقد القادم
يكشف استطلاع التنفيذيين السنوي للبيانات الضخمة لشركة NewVantage Partners أن 88.5٪ من كبار التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي هو الأول بين جميع القدرات الجديدة التي سيكون لها تأثير مزعزع في شركاتهم.

يمتد تأثير البيانات الضخمة إلى ما هو أبعد بكثير من البيانات والتحليلات البسيطة؛ فالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي معًا يوفران أساسًا قويًّا لموجة متسارعة من الابتكار المتزايد واضطراب الأعمال. وبينما كانت الموجة الأولى من البيانات الضخمة تدور حول السرعة والمرونة، يبدو أن الموجة التالية من البيانات الضخمة ستتمحور حول الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحقيق قيمة أعمال على نطاق واسع.
عن الكاتب
راندي بين: هو قائد فكري في الصناعة ومؤلِّف، والرئيس التنفيذي لشركة NewVantage Partners؛ وهي شركة استشارات استراتيجية وإدارية أسَّسها في عام 2001م. يمكنك متابعته على تويتر عَبر @RandyBeanNVP.
