ترجمة: جود الدهيشي
كيف يمكن للقادة تعزيز المرونة في أوقات الأزمات؟ اكتشف ثلاث استراتيجيات قيادية فاعلة مكّنت اثنتين من أبرز السيمفونيات لتحقيق تحولٍ استثنائي خلال فترة الجائحة.
إن الأزمات، سواء أكانت انقطاعات في سلسلة التوريد، أو كوارث طبيعية، أو ظهور منافس جديد، تمثل لحظات حاسمة تكشفُ عن قدراتِ القادة، ما يمكن لمثل هذه السيناريوهات أن تدفع الشركات إلى حافة الانهيار أو تُحدث تحولًا تنظيميًّا كبيرًا. سواء أكانت المنظمة تذبل أو تزدهر أثناء الأزمة فإنه يتوقف على مدى براعتها؛ أي حسن إدارتها لمواردها المتاحة.
ألحقت الجائحة أضرارًا جسيمة بالعديد من الصناعات، إلا أن صناعة الفنون المسرحية واجهت تحديات استثنائية: بطالة واسعة النطاق، وتراجعًا حادًّا في الإيرادات، وأزمة وجودية حول دور الفنون وأهميتها في أوقات المحن. في البداية، تعذر على الموسيقيين التجمع للتدريب، أُغلقت قاعات العروض، وأصبحت الموسيقا الكلاسيكية خارج دائرة اهتمام الجمهور. وعلى الرغم من أن هذه الظروف بدت في غاية الصعوبة، فإنّ ما اكتشفته أنا وزميلتي كريستين نولت خلال دراسة استمرت لعدة سنوات عن اثنتين من الفرق الموسيقية البارزة شيء مذهل: لم يكن تجاوز الأوقات العصيبة ممكنًا فقط، بل كان بالإمكان أيضًا الخروج منها أقوى وأكثر إبداعًا. فما السر في القيادة؟ أن نتحلى بمرونة أكبر من خلال تبني عقلية فرق الجاز بعيدًا عن التمسك بأسلوب الأوركسترات الكلاسيكية. لذا، غالبًا ما يُطلق قادة الأعمال على هذه المهارة اسم “المرونة”، لكنها بالنسبة للموسيقيّين تجسد فن الارتجال في موسيقا الجاز. وعليه، كشفت أبحاثنا عن ثلاثة تغييرات محورية في ممارسات القيادة، مكّنت القادة من مواجهة الاضطرابات بمرونة وإبداع، تمامًا كما يفعل موسيقيّو الجاز الموهوبون. وهذه الممارسات ليست حكرًا على مجال معين، بل يمكن لأي قائد، في أي صناعة، اعتمادها لمواجهة الأزمات المقبلة التي تواجهها مؤسساتهم.
مفارقة استغلال الموارد في أوقات الأزمات
أعظم تحدٍّ تواجهه المنظمات أثناء الأزمات هو حاجتها الماسّة إلى الموارد -مثل الوقت والمال والخبرة والمعدّات والعلاقات- في وقت تصبح فيه عملية تفعيل هذه الموارد أكثر تعقيدًا وصعوبة. وعند مواجهة مستويات عالية من عدم اليقين، قد يكون رد الفعل الغريزي الأول للقائد هو تقليص الاستثمارات لتجنب أسوأ السيناريوهات الممكنة، ولكن تكمن المفارقة في أن هذه السلوكيات الدفاعية قد تُسرّع من انهيار المنظمة. حينها، يظهر ما يُعرف بـ”تصلب التهديد”، حيث يتشبث القائد بالعادات القديمة وآليات التحكم التقليدية، ما يعيق استثمار الموارد بكامل إمكاناتها، ويحد من قدرة المنظمة على التكيف. فبدلًا من الخوف من الأزمات، يمكن للقادة تعلم كيفية تحويلها إلى فرص واستغلال فوائدها المخفية. ومن خلال تبني المقولة “الحاجة أُمّ الاختراع”، وتستطيع المنظمات إطلاق العنان لكامل إمكانات مواردها المتاحة متصدّيةً للتحديات. حيث تظهر الأبحاث المتعلقة بالبراعة أن القادة الذين يتبنون هذا النهج، يتمكّنون من تعزيز الإبداع الجماعي لمساعدة الفرق على إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات خلال الأوقات الصعبة. فخلال جائحة كوفيد-19، اكتشفت العديد من الشركات طرائقَ للوصول إلى مزيد من المعرفة (لفهم كيفية إعادة توظيف المنتجات والخدمات)، ورأس المال (للاستثمار في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات)، والعلاقات (لتحديد أسواق جديدة للمنتجات والخدمات المعدلة). كانت البراعة مما ساعد الشركات على التكيف والتحول، فانتقلت المخابز إلى بيع المكونات الخام للطهاة في المنازل، وحولت شركات الملابس إنتاجها إلى الكمامات، وابتكرت شركة دايسون لصناعة المكانس الكهربائية جهازًا للتنفس الصناعي في 10 أيام، بينما بدأت المعامل في تصنيع معقمات اليدين.
حكاية سمفونيتين وأساليب القيادة المتفاوتة في مواجهة التحديات
مع بداية جائحة كوفيد-19، شرعنا في دراسة بحثية استمرت لعدة سنوات بالتعاون مع اثنتين من أبرز الأوركسترات في العالم: أوركسترا هيوستن السيمفونية، وأوركسترا ريفينيت السيمفونية (وهو اسم مستعار بناءً على طلب المنظمة للحفاظ على سرّيتها).
عندما بدأنا دراستنا البحثية، كان من غير المؤكد ما إذا كانت أوركسترا ريفينيت وأوركسترا هيوستن السيمفونية ستتمكنان من الصمود. فقد عانت المنظمتان من صعوبات مالية قبل الجائحة، مع خسائر بملايين الدولارات وعجز كبير في الميزانية. كما كانت كلتا المنظمتين غارقتين في العادات والتقاليد، ما يجعل التغيير أمرًا بالغ الصعوبة كما يعرف أي قائد أعمال. ومع ذلك، غالبًا ما تنتج الأزمات موردًا ثمينًا يعين على إحداث تغيير كبير: الإلحاح. فالإلحاح يتيح تنفيذ التغييرات بسرعة، تغييرات كانت قد تستغرق سنوات أو ربما لا تحدث على الإطلاق. أما عدم وجود الإلحاح، فيؤدي إلى فشل العديد من مبادرات إدارة التغيير، ما يجعل وجوده وفيرًا خلال الأزمة فرصة لا يجب تفويتها. وبينما كنا نجري مقابلات ونراقب المديرين التنفيذيين وأعضاء الفرق الموسيقية في الأوركسترات، اكتشفنا أن قادة كل منظمة اعتمدوا أساليب مختلفة تمامًا في التعامل مع الأزمة وتحفيز مواردهم للاستجابة لها. أعلنت أوركسترا ريفينيت عن تعليق عملياتها في بداية الجائحة، إذ لم تتمكن قيادتها من تصور كيفية تحويل قوتها العاملة وأصولها الثابتة، مثل قاعة العروض، لاستقطاب مصادر جديدة للإيرادات. كما قال لي أحد المديرين التنفيذيين في ريفينيت: “لم نكن نعرف حقًّا ما هو المسار الذي يجب اتباعه لإعادة تشغيل الأعمال… كانت هناك الكثير من الأمور المجهولة”.
بعد أن أوقفت عمل جميع الموسيقيين ومعظم موظفيها بشكلٍ مؤقت، ركزت أوركسترا ريفينيت على البقاء على قيد الحياة. خفضت المنظمة التكاليف بشكل جذري إلى 25% من ميزانيتها قبل الجائحة، وسعت إلى تحفيز القوة العاملة المتبقية لزيادة الإنتاجية وضمان استمرارية الأوركسترا، حيث كان القادة يعتقدون أنهم بحاجة إلى الانتظار حتى تهدأ الجائحة. ولكن، أدت هذه الاستراتيجية الدفاعية إلى تقليص الموارد في الوقت الذي كانت فيه المنظمة بأمسّ الحاجة إليها. وخوفًا من الإفلاس، تراجعت المنظمة بتكلفة باهظة، حيث فقدت أوركسترا ريفينيت ارتباطها بمجتمعها في وقت كان في أمسّ الحاجة إليها. استقال العديد من الموسيقيين الذين يصعب تعويضهم من الصناعة، وتدهورت الثقة بين القيادة والموظفين، التي كانت قد تأثرت سابقًا بسبب تعليق العمل، بشكل أكبر مع تركيز قادة ريفينيت على السيطرة المركزية للمنظمة ومحاولاتهم دفع القوة العاملة المتبقية إلى بذل جهد أكبر. وعليه، شعر الكثير من الموظفين بالإرهاق جراء العمل لساعات طويلة دون هدف واضح، ولم يفهم أحد، بما في ذلك المديرون التنفيذيون، “سبب” العمل الذي كانوا يقومون به. كما قال لي أحد المديرين التنفيذيين: “أنا أعمل من أجل الحفاظ على شيء ليس له معنى جوهري سوى الاستمرار في البقاء. إنه مكان غريب جدًّا أن أكون فيه… مهمتنا هي أداء الموسيقا السيمفونية”. على النقيض، اتخذت أوركسترا هيوستن قرارًا حاسمًا منذ بداية الجائحة بالبقاء مفتوحة، فقد تخلت عن التخطيط طويل الأمد، الذي تعتمد عليه عادة الأوركسترات ويُقاس بالسنوات، وركزت بدلًا من ذلك على تحديد أولويات الأسابيع القليلة القادمة، من برامج الحفلات الموسيقية، وتوظيف الأفراد، إلى ممارسات السلامة وجهود التسويق.
بدايةً، لم يكن التجمع في قاعة العروض خيارًا متاحًا بسبب القيود المفروضة والمخاوف المتعلقة بالسلامة، لذا، ابتكرت أوركسترا هيوستن طريقة مبدعة لتحويل منازل موسيقييها إلى مسارح للعروض، حيث تعاون الموسيقيون مع أفراد عائلاتهم الموهوبين موسيقيًّا، وإن لم يكونوا محترفين، بما في ذلك أزواجهم وأطفالهم. فبدلًا من الاعتماد على فريق إنتاج ضخم، تم إنتاج مقاطع الفيديو البسيطة لسلسلة “العروض من غرفة المعيشة” من قبل فريق صغير جدًّا من الموظفين. وفي المقابل، حاولت أوركسترات أخرى بث عروضها مباشرة عبر برنامج “زوم[1]“، حيث ظهر أكثر من 70 موسيقيًّا في مربعات صغيرة، محاولين استعادة أجواء الأوركسترا التقليدية، لكنَّ أوركسترا هيوستن أدركت أن محاكاة تجربة الحضور الغنية رقميًّا ستخيب آمال جمهورها. بدلًا من ذلك، أعادت صياغة تجربة تقديم محتواها بشكلٍ مبتكر، ودَعَت جمهورها إلى التعرف إلى الموسيقيين وعائلاتهم في أجواء دافئة ومليئة بالحميمية، بينما يستمتعون بموسيقا ممتعة ومميزة.
وعندما انتقلت أوركسترا هيوستن السيمفونية إلى بث الحفلات الكاملة مباشرة عبر الإنترنت دون حضور جمهور، استطاعت الوصول إلى أسواق جغرافية جديدة لم يكن بالإمكان الوصول إليها من خلال الفعاليات الحضورية فقط. واتخذت الأوركسترا خطوة جريئة بفرض رسوم دخول على الحفلات الافتراضية (في إجراء غير مألوف)، ما جذب تبرعات من مجموعة واسعة ومتنوعة من الداعمين، وأسفر ذلك عن موارد إضافية، مثل زيادة الإيرادات، واستقطاب مؤيدين جدد، واهتمام إعلامي بارز، إلى جانب تعزيز مكانتها بين نظرائها في المجال. لكن الأهم أن هذه القرارات منحت الأوركسترا وقتًا ثمينًا لوضع خطة آمنة وفاعلة لإعادة جمهورها إلى قاعة العروض، وهو ما أنجزته أوركسترا هيوستن في وقت مبكر مقارنة بمعظم الفرق السيمفونية الأخرى. ومع ذلك، لم يقف طموحها عند هذا الحد، بل استغلت تحديات الجائحة لإحداث تحول أعمق وأكثر استراتيجية في مسيرتها. فبدلًا من اللجوء إلى تخفيضات جذرية في التكاليف وتقليصات غير مستدامة في القوى العاملة كما فعلت أوركسترا ريفينيت تحت شعار الحيلة، اختارت أوركسترا هيوستن السيمفونية نهجًا استراتيجيًّا لإدارة مواردها بذكاء. لم يقتصر تركيز القادة على مجرد البقاء، بل وضعوا نصب أعينهم تعزيز مستقبل المنظمة على المدى الطويل ماليًّا وعمليًّا وتحقيق رسالتها:
• دفعت الحاجة الملحّة لإدارة التكاليف بوعي خلال الأزمة المالية القادة إلى تحقيق التوازن في الميزانية، وهو إنجاز ظل بعيد المنال في السنوات السابقة، وأصبحت المنظمة بأكملها ملتزمة بمسار جديد يرتكز على مسؤولية مالية أكبر لضمان استدامتها في المستقبل.
• وسعت المنظمة قاعدة متبرعيها لتشمل ما هو أبعد من مدينة هيوستن، وتمكنت من الوصول إلى جمهور عالمي من خلال خدمة البث المباشر المدفوعة. وعلى الرغم من أن عائدات تذاكر البث المباشر كانت أقل من عائدات الحفلات الحضورية، فإنّ الكثير من الحاضرين كانوا من الرعاة الجدد، علاوة على ذلك، قام العديد منهم بالتبرع بمبالغ إضافية بجانب شراء تذاكر البث المباشر.
• استمرت الأوركسترا في تقديم العروض عبر البث المباشر حتى بعد استئناف الجدول الكامل للحفلات الحضورية، ما أسهم في تحقيق إيرادات إضافية مع بذل جهد محدود.
• في تحول لافت، قدمت المنظمة لجمهورها، الذي اعتاد الاستماع إلى أعمال باخ وبيتهوفن وموزارت، مجموعة متنوعة من المؤلفين الموسيقيين الجدد. قبل الجائحة، كان الضغط لملء 3000 مقعد يعيق أوركسترا هيوستن من استكشاف أعمال مؤلفين غير مألوفين، إذ كان من الصعب جذب الجمهور عندما تتضمن البرامج قطعًا موسيقية غريبة، ومع ذلك، اختفى هذا الضغط عندما تم تقليص سعة قاعة الأداء إلى أقل من 50%. جلبت المنظمة أصواتًا جديدة كانت في أمسّ الحاجة إليها، وتفاعل الجمهور بشكل إيجابي، ما دفع الأوركسترا إلى تكثيف جهودها. ففي العام الذي سبق الجائحة، لم تتجاوز الأعمال الموسيقية من تأليف أفراد من الفئات الممثلة تمثيلًا ناقصًا أو من النساء 1% من الحفلات الكلاسيكية، ولكن في السنة التالية 2023م، ومع امتلاء قاعة هيوستن وسع طاقتها الكاملة، ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 72%.
تعلم كيف تكون مفعمًا بالحياة: ثلاث استراتيجيات للقادة
العديد من المنظمات، سواء أكانت أوركسترا أو شركة تصنيع أو مؤسسة خدمات احترافية، مهيكلة مجازيًّا إلى حد كبير كالأوركسترا؛ فهي تحتوي على قادة (مثل القادة في الأوركسترا)، وتعتمد على النوتة الموسيقية (أي الروتين والممارسات) لتنسيق الأجزاء المختلفة (مثل الفرق، أو الأقسام، أو المجالات الوظيفية) من المؤسسة، لذا، يسعى قادة المنظمات لتحقيق أداء موثوق وموحد، تمامًا كما يسعى القادة في الأوركسترا لجعل عرض السمفونية في الظهيرة بجودة العرض المسائي نفسها، من خلال العديد من التدريبات (أي تكرار السلوكيات)، ما يمكّن من تحقيق تحسينات تدريجية، لكن القادة يهدفون إلى نتائج قابلة للتنبؤ بها وثابتة نسبيًّا. وإن العمل بهذا الشكل مثل الأوركسترا يساعد المنظمات على الازدهار في بيئات مستقرة ذات مخاطر منخفضة، لكن في أوقات الأزمات، قد يصبح هذا النموذج غير فاعل أو كارثيًّا. إذ كشف بحثنا أن أوركسترا هيوستن أجرت تحولًا جذريًّا في نموذج عملياتها، فقد تفوقت على منافسيها في الصناعة عندما قام القادة بتغيير الاستراتيجية التشغيلية إلى نموذج يشبه فرقة الجاز، كما قال لي أحد المديرين التنفيذيين، فإن الفريق الجماعي أدرك القوة الحقيقية للمرونة: “القيادة جاءت من كلا الجانبين؛ من الإدارة والموظفين، ومن الموسيقيين… لقد دمجنا أنواعًا مختلفة من الموسيقا والبرامج التي لم نكن لنعتمدها في الماضي. أستطيع أن أقول إنه رغم كوننا منظمة كبيرة، فإننا نعمل الآن كما لو كنا منظمة صغيرة”. هذه هي النتيجة التي يأمل العديد من قادة الأعمال في تحقيقها داخل فرقهم خلال الأزمات المدمرة.
كيف ألهم قادة أوركسترا هيوستن المنظمة لتصبح بهذه الدرجة من المرونة؟ وجد بحثنا ثلاثة تغييرات حاسمة في ممارسات القيادة التي سمحت لهم بالتكيف بنجاح.
- أبقِ الإيقاع حيًّا
مثل فرقة الجاز، سعت أوركسترا هيوستن السيمفونية إلى إبقاء الموسيقا مستمرة، حرفيًّا أو مجازيًّا، بينما توقفت أوركسترا ريفينيت السيمفونية عن العزف والقيام بوظائفها كمنظمة، حيث ظلت أوركسترا هيوستن تعزف… أي نوع من الموسيقا. على سبيل المثال، كانت سلسلة “العروض من غرفة المعيشة” التي تم بثها عبر الإنترنت تجربة مختلفة تمامًا عن الإنتاج الاحترافي المتكامل الذي يضم 70 موسيقيًّا في قاعة تتسع لثلاثة آلاف مقعد. مع ذلك، جلبت هذه العروض رعاة ومتبرعين جددًا، وأسهمت في الحفاظ على مكانة الأوركسترا في المجتمع، كما أن هذه التجربة ساعدت في تعزيز خبرة المنظمة في مجال البث المباشر، وهو ما أصبح نقطة انطلاق مهمة لتقديم عروض افتراضية أكثر تنوعًا. اكتشف القادة، والموظفون، والموسيقيون قدراتهم المخفية في العزف بأنماط موسيقية متنوعة، واستخدام التقنيات الحديثة، والتنسيق بطرق جديدة. ففي ظل غياب الوضوح بشأن تطورات الجائحة، ركزت أوركسترا هيوستن على اتخاذ قرارات قصيرة الأجل، متسائلةً: “ماذا يمكننا أن نعزف هذا الأسبوع؟”، بدلًا من محاولة تحديد مسار طويل المدى لبقية العام. منح هذا الأوركسترا القدرة على الوصول إلى المعلومات الأكثر صلة التي توجه عملياتها؛ معلومات آنية يمكن الاستفادة منها لاتخاذ قرارات اليوم، بدلًا من الاعتماد على افتراضات غير موثوقة بشأن مستقبل غامض. إن قادة أي منظمة يمكنهم فهم الأزمة من خلال التجربة، ثم تقييم الدروس المستفادة، بدلًا من أن يظلوا جامدين أمام الخوف وعدم اليقين.
- لا تنتظر طويلًا لتمارس الشفافية
عمل قادة أوركسترا هيوستن على بناء وتعزيز الثقة العميقة بين الإدارة وجميع الموظفين؛ ففي أوقات الأزمات، حيث تصبح الموارد نادرة، من السهل أن تتآكل الثقة إذا غابت الشفافية عن عملية اتخاذ القرار. وبدلًا من إخفاء القرارات وراء الستار، دعا القادة ممثلين من الموظفين في الخطوط الأمامية للمساهمة في اتخاذ القرارات الحاسمة، كما تم تعزيز العلاقات مع نقابة الموسيقيين، ومن خلال الكشف المبكر عن المعلومات الحساسة وشرح الوضع الصعب الذي كانت المنظمة تمر به، تمكن القادة من بناء الثقة وإشعال شعور بالإلحاح، وهو ما كان ضروريًّا لتتمكن الفرق من إحداث تغييرات كبيرة بسرعة، وعليه، تجسدت الثقة أيضًا في تمكين الموظفين من التجربة وعدم معاقبتهم على الأخطاء. على سبيل المثال، اضطر فريق التسويق إلى اختبار رسائل حملات مختلفة حتى توصلوا إلى رسالة تلاقي صدى لدى الرعاة، أما فريق التطوير، فقد حوّل مجرد حقيقة أن الأوركسترا كانت تعزف إلى قصة ملهمة للعودة، وهي القصة التي لقيت دعمًا حماسيًّا من المتبرعين. من جانب آخر، اكتشف فريق العمليات طرقًا مبتكرة لتطبيق التباعد الاجتماعي بين الموسيقيين والجمهور، وظلوا يكيّفون خططهم بشكل مستمر مع تطور مجريات الجائحة.
- التكاتف لإعادة صياغة الهوية بعد الأزمة.
أخيرًا، نجحت فرقة هيوستن السيمفونية في صياغة هوية جديدة بعد الأزمة تُجسّد دورها القيادي في المجتمع. وبدلًا من السعي للعودة إلى معايير ما قبل الجائحة، تبنّى القادة رؤية أوسع توسّعت فيها مهمة الفرقة لتشمل تلبية احتياجات شريحة أكبر وأكثر تنوعًا من أفراد المجتمع. واصلت الفرقة التزامها بتجربة أنواع موسيقية مبتكرة، إلى جانب استمرارها في البث المباشر لإيصال مجموعة موسيقية أوسع إلى الجماهير حول العالم، كما أسهمت البرامج التعليمية المعززة في الوصول إلى الفئات الأقل حظًّا، ما أرسى دعائم أقوى لتنويع قاعدة المواهب الفنية وإثراء المشهد الثقافي. فبعد مساهمتهم في إعادة تشكيل عودة فرقة هيوستن السيمفونية خلال الجائحة، تبنّى الموظفون رؤية موجهة نحو المجتمع وتضافروا للحفاظ على زخم التحول، ومع مرور الوقت، بدؤوا يرون مهاراتهم بشكل مختلف. فبعد نجاحهم في مواجهة تحديات كبيرة والمساهمة في بناء منظمة أقوى، أصبح الموظفون ينظرون إلى أنفسهم كقادة قادرين على التكيف مع الأزمات، وهو ما سيساعدهم جميعًا في مواجهة التحديات المستقبلية.
العودة من جديد
مع تقدم أبحاثنا في عامها الثاني، أصبحنا أكثر يقينًا بأن “ريفينيت” ستغلق أبوابها، ولكن تبين لنا أننا كنا مخطئين؛ فعندما كانت المنظمة على شفير الانهيار، قرر قادة “ريفينيت” التوقف عن انتظار انحسار الأزمة وبدؤوا في إحداث تحول جذري لمسار المنظمة. بدأ هذا التحول عندما انخرط القادة في عملية تحديث أفكارهم، وهي مهارة قيادية تتطلب مراجعة المعتقدات السابقة وتعديلها لتناسب بشكل أفضل التعامل مع المشكلات. وغالبًا ما يواجه القادة صعوبة في تغيير الاتجاه بعد التزامهم بخطة معينة، لكن قادة “ريفينيت” نجحوا في تعديل رؤاهم حول الأزمة بينما كانت المنظمة تذبل، وتمكّنوا من التكيف، كما يفعل أي موسيقي جاز. وعلى الرغم من أن العلاقة مع موسيقيي “ريفينيت” كانت قد تضررت بشدة، بدأ القادة حوارًا جديدًا، وأصبح الأثر الكامل للإجازة القسرية وقرار “ريفينيت” بتعليق العمليات واضحًا، حيث قام القادة بتحديث تقييماتهم للحالة العاطفية للموظفين، وأتاح لهم فهمًا أكثر وضوحًا لكيفية معاناتهم اقتصاديًّا وعاطفيًّا. لذا، أوضح الموسيقيون أنهم شعروا بانفصال عن حبهم للأداء، وكانوا يكافحون للبقاء في قمة مستواهم دون التدريب كأوركسترا كاملة. فبعد التعرف إلى صعوبات الموظفين، شعر القادة أخيرًا بالحاجة الملحة لتصحيح المسار. بعد ذلك، قام قادة “ريفينيت” بتحديث افتراضاتهم بشأن الموارد المالية، واعترفوا أخيرًا بأن تقليص التكاليف ليس استراتيجية قابلة للاستمرار أو طريقًا للتحول، وبدلًا من رؤية الموظفين كمراكز تكلفة، تحول القادة إلى اعتبارهم مولدين للإيرادات. فمن خلال تبني نهج أكثر استراتيجية في استخدام مواردهم، تمكن قادة “ريفينيت” من استثمار الموارد المتاحة للاستجابة للأزمة بشكل أكثر فاعلية، حيث عاد الموسيقيون من الإجازة وبدؤوا في المساهمة في زيادة الإيرادات عبر التواصل مع المتبرعين، وفي النهاية من خلال تنظيم الحفلات الموسيقية.
بدأ القادة في ملاحظة كيف تكيفت الكيانات الأخرى مع الأزمة، حيث استلهموا من قدرة أوركسترا هيوستن السيمفونية على الاستمرار في العمل خلال الجائحة، وتعلموا أيضًا من جهود موسيقيي “ريفينيت” تنظيم حفلات موسيقية آمنة من الجائحة لجمع الأموال لأنفسهم أثناء الإجازة القسرية. أظهرت هذه الأمثلة لقادة “ريفينيت” أن العمل خلال الجائحة كان ممكنًا، وهو ما كانوا يظنون أنه مستحيل في وقت سابق من العام. وبحلول نهاية العام الثاني من الجائحة، كانت “ريفينيت” على الطريق الصحيح لاستعادة قوتها التي كانت عليها قبل الأزمة. فعند وقوع الأزمة، سيساعد التكيف بمرونة القيادات في أي صناعة على التكيف والتحول بشكل إيجابي في منظماتهم، وبدلًا من التراجع بخوف عند بداية الأزمة، يمكن استخدام الحيلة كأداة استراتيجية تساعد القادة في تحويل التهديد إلى فرصة. ومن خلال استغلال الإمكانات الخفية للموارد المتاحة، يمكن للمنظمات الخروج من الأزمة بأوضاع مالية أفضل، وعمليات أقوى، ومعنويات أعلى للفريق، وإحساس متجدد بالهدف.
نبذة عن المؤلف
سكوت سونيشين هو أستاذ هنري غاردينر سيموندز للإدارة في جامعة رايس، مؤلف كتاب “أطلق العنان لقوة الأقل، وحقق أكثر مما كنت تتخيل” (هاربر كولينز، 2017م)، ومؤلف مشارك (مع ماري كوندو) لكتاب “السعادة في العمل تنظّم حياتك المهنية” (ليتل، براون سبارك، 2020م).
[1] ) هو برنامج لمؤتمرات الفيديو طورته زوم لاتصالات الفيديو، يوفر خدمة الدردشة المرئية التي تسمح بما يصل إلى 100 جهاز في وقت واحد.
