كآباء ومربين ومعلمين، كثيرًا ما نقع في فخ التفكير بمقارنة نمو الأطفال بما نعتبره «طبيعيًا». نصف الطفل بأنه متفوق في مادة ما ومتأخر في أخرى، وكأن هناك خطًا واحدًا يجب أن يسير عليه الجميع.
في كثير من الأحيان، نعتمد على مقياس ذهني مسبق: طفل بعمر عامين يجب أن يكون قادرًا على التسلق، أو طفل بعمر خمس سنوات ينبغي أن يبدأ بالكتابة. وقد لاحظ الباحثون في علم نمو الأطفال أن هذا المنطق لا يقتصر على الحياة اليومية فحسب، بل يسود الدراسات العلمية أيضًا. كثير من الأبحاث تفترض—صراحةً أو ضمنيًا—أن نتائجها قابلة للتعميم على جميع الأطفال، وكأنها قاعدة ثابتة.
لكن المشكلة أن معظم هذه الدراسات أُجريت في دول غربية غنية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا. ومن هنا جاءت «المعايير» و«المراحل» التي يعرفها الآباء حول نمو الأطفال، والتي كثيرًا ما تُستعمل كمرجع حتى في دول وثقافات مختلفة، أحيانًا على حساب خصوصية الأطفال وسياقاتهم المحلية.
حتى عند إجراء أبحاث في دول نامية، يُطلب من الباحثين مقارنة النتائج بأطفال الغرب، وكأن الأطفال الغربيين يمثلون المعيار العالمي. لكن هل يمكن حقًا تطبيق نفس المعايير على كل طفل في أي مكان؟
واحدة من صعوبات دراسة نمو الأطفال هي أن هذا النمو يحدث داخل سياق اجتماعي وثقافي لا يمكن فصله. البيئة التي ينشأ فيها الطفل—أسلوب التربية، المناخ، نمط الحياة، الموارد المتاحة، وحتى العادات اليومية—تشكل جميعها جزءًا من هذا النمو. إلى جانب ذلك، تختلف الشخصيات والسمات الفردية: الفضول، الخجل، التنوع العصبي، كلها تحدد كيف يختبر الطفل العالم ويتعلم.
خذ مثالًا شائعًا: النمو الحركي في مرحلة الطفولة المبكرة. كثير من الآباء يعرفون الجداول التي تحدد متى يجب أن يجلس الطفل، يزحف، يقف أو يمشي. تبدو هذه الجداول عالمية، وكثيرًا ما يُقاس الطفل وفقها. لكن الأبحاث أظهرت أن السياق له تأثير كبير؛ ففي بعض الثقافات مثل جامايكا، حيث يتلقى الرضع تدليكًا يوميًا من مقدمي الرعاية، يتقدم نمو الأطفال الحركي بشكل أسرع بكثير من المتوسط الغربي. هذا يعني أن معيارًا وضع في مكان واحد قد لا يكون مناسبًا في مكان آخر.
ما وراء فكرة «المعيار»
القضية لا تتعلق بالنمو الحركي فقط، بل تشمل اللغة والتفاعل الاجتماعي ومهارات الحياة الأخرى. لا يمكن فهم نمو الطفل خارج السياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. كل طفل يتطور ضمن بيئة محددة، وما يبدو لنا «طبيعيًا» في ثقافتنا لا يمكن اعتباره معيارًا عالميًا. علينا أن نقبل التعقيد وأن نتخلى عن فكرة أن هناك نموًا واحدًا صحيحًا للجميع.
عندما نعتبر النمو «أمرًا يحدث بمفرده»، نفقد فهم ديناميكيات التطور الحقيقية. قد يظن المعلمون والمربون أن النمو ثابت ولا يمكن التأثير فيه، وبالتالي تضيع فرصتهم لإحداث تغيير إيجابي ودعم الأطفال بطريقة فعالة.
فهم النمو ضمن الثقافة يعني أكثر من مجرد جمع بيانات من مجتمعات مختلفة؛ إنه يعني إشراك المجتمعات نفسها، الاستماع لهم، وتمكينهم من التعبير عن تجاربهم.
بتجاوز الفهم الذي يركز على الغرب، لا يستفيد الباحثون وحدهم من دقة أعلى للعلوم، بل يستفيد جميع من يعمل مع الأطفال في العالم. فالنمو لا يحدث وفق مقياس عالمي واحد، وإنما يتشكل داخل سياقات فريدة لكل طفل، ونحن بحاجة لفهم هذا التنوع والثراء لضمان دعم أفضل لنمو الأطفال في كل مكان.
