دراسة جديدة تتجاوز حدود البيت لتفحص تأثير البيئة المحيطة على التطور العقلي والعاطفي للأطفال.
يرغب الآباء دائماً في تقديم أفضل ما لديهم لأطفالهم، وتزخر ثقافة التربية اليوم بسيلٍ لا نهاية له من النصائح حول كيفية إعداد الأطفال للنجاح.
معظم هذه النصائح تركز على الإجراءات الفردية، مثل استراتيجيات التربية أو الأنشطة الإثرائية في عطلة نهاية الأسبوع. لكن أطفالنا يتأثرون أيضاً بعوامل خارج المنزل، مثل الأحياء التي ينشأون فيها.
الدراسة الجديدة حاولت فك شفرة العوامل على مستوى الحيّ وفهم تأثيرها على نمو الأطفال، مستخلصة دروساً مهمة لبناء مجتمعات تخدم جميع الأطفال.
أربع عوامل رئيسية في الأحياء تؤثر على الأطفال
درس الباحثون مجموعة من حوالي 10,000 طفل تتراوح أعمارهم بين تسع وعشر سنوات، ضمن إطار دراسة التطور العقلي للأطفال والمراهقين. ولتقييم حالة هؤلاء الأطفال، اعتمد الباحثون على التصوير بالرنين المغناطيسي، والمقابلات مع الأطفال وأولياء الأمور، والفحوص الصحية، وغيرها من الأدوات.
باستخدام مؤشر فرص الطفل 2.0، الذي يتضمن بيانات عن أحياء الأطفال، تم تحديد أربعة جوانب رئيسية للحي تؤثر على الأطفال:
التعليم: جودة المدارس، وإتقان القراءة والرياضيات في الصف الثالث.
الوضع الاجتماعي والاقتصادي: الوصول إلى الرعاية الصحية، مستوى التعليم، دخل الأسرة.
الإثراء في الحي: قرب مراكز التعليم المبكر عالية الجودة، وجود المساحات الخضراء، وسهولة التنقل سيراً على الأقدام.
مستوى الفقر: الوصول إلى الغذاء الصحي، استقرار السكن، الاعتماد على المساعدات العامة.
من المهم الإشارة إلى أن الدراسة لم تقيس تعليم أو وضع كل طفل بشكل فردي، بل ركزت على الظروف المحيطة بالمنزل الأساسي للطفل.
تأثير الأحياء على السلوك والعاطفة
وجد الباحثون أن لكل جانب من هذه الجوانب الأربعة تأثير واضح على صحة الأطفال السلوكية، لكن بطرق مختلفة:
في الأحياء ذات المستوى الاجتماعي والاقتصادي المرتفع وجودة التعليم العالية، أظهر الأطفال سلوكاً أقل اندفاعاً نحو المخاطرة والمكافآت، ما قد يرتبط بقلة الاندفاعية.
في المناطق الأكثر فقراً، ظهر سلوك أكثر اندفاعاً لدى الأطفال.
في الأحياء الغنية بالمساحات العامة والحدائق وتحسين البيئة الحضرية، لوحظ انخفاض في أعراض القلق والاكتئاب.
بناء مجتمعات أفضل للأطفال
كما هو الحال مع كل الدراسات، كانت هناك حدود لهذه الدراسة، مثل استبعاد الأطفال المصابين بالتوحد أو ذوي الإعاقات الذهنية.
لكن النتائج تؤكد أهمية العمل الجماعي لصحة الأطفال. إذ يمكن لموارد الحي أن تؤثر في التطور العقلي والعاطفي، والاستثمار في التعليم، وسلامة الحي، والوصول إلى الموارد الصحية يمكن أن يدعم صحة الأطفال النفسية.
أبحاث أخرى تؤكد أهمية جودة البيئة المحيطة على نمو الأطفال. على سبيل المثال، كشفت دراسة حديثة لمنظمة الصحة العالمية أن 93٪ من الأطفال حول العالم يتنفسون هواءً ملوثاً، ما يؤدي إلى مشاكل صحية وعقلية، مثل التهابات الجهاز التنفسي العلوي، وحتى الوفاة. وتشمل هذه المشكلة الأطفال في الدول الغنية أيضًا.
كما أظهر عمل أكاديمية Urban95 مع سكان المدن حول العالم مخاوف تتجاوز البيئة المادية، بما في ذلك سهولة التنقل وإمكانية الوصول إلى خدمات رعاية الأطفال. في الولايات المتحدة وحدها، يعيش 11 مليون طفل في فقر، وهو ما يصاحبه سلسلة من التحديات والآثار السلبية.
حلول مدنية عملية
الأبحاث تشير إلى أن الحلول المدنية الجماعية لها تأثير أكبر من الحلول الفردية. من أمثلة ذلك: تحويل موقف سيارات قديم إلى ملعب، زراعة الأشجار، وإدخال محلات البقالة، فهي تخدم المجتمع كله، بما في ذلك أطفالنا، بغض النظر عن مستوى امتيازنا.
هناك أمثلة على سياسات جيدة: مشروع Care Blocks الذي تعاونت فيه أكاديمية Urban95 مع مدينة بوغوتا في كولومبيا، يهدف إلى زيادة قرب وسهولة التنقل بين جوانب الحياة الحضرية الأساسية مثل العمل، ورعاية الأطفال، والطعام.
في كتابها المدينة النسوية: امتلاك المكان في عالم من صنع الرجال، تشير الجغرافية النسوية ليزلي كيرن إلى أن المدن صممت تاريخياً للرجال العاملين، وربطت وسائل النقل بالمواعيد التقليدية للعمل. تصميم المدن ليكون مناسباً للنساء والأطفال يجعلها أفضل للجميع: المصاعد العاملة، ووسائل النقل المناسبة للعربات، تقلل من حوادث السير، وتحسن جودة الهواء، وتفيد كبار السن والسياح أيضاً.
خلاصة
إدراك أن جميع الأطفال معرضون لتأثيرات سلبية من البيئة المحيطة بهم، وبالمقابل يمكنهم الاستفادة من البيئة الإيجابية، يقودنا إلى فهم أوسع وشامل لسياسات المدن وحلول التربية. هذه الحلول لا تخدم أطفالنا فقط، بل كل أطفال المجتمع.
