أمضي جزءاً كبيراً من عملي وأنا أراجع أرقاماً وقراءات بحثاً عن علامات قد تشير إلى مشكلة صحية خطيرة. قبل مدة قصيرة، كنت في قسم الطوارئ في مركز ""ساتر ألتـا بيتس"" الطبي في أوكلاند كاليفورنيا، عندما لاحظت لدى أحد المرضى مستوى مرتفعاً من البروتين ومؤشرات على خلل في الكلى، إلى جانب إرهاق وألم في الظهر. انتابني القلق فوراً: قد يكون الأمر اضطراباً دموياً خطيراً.
التحضير لأسوأ السيناريوهات جزء أساسي من وظيفتي. لكن في الفترة الأخيرة، ومع كل ما يشهده العالم من اضطرابات سياسية وثقافية ومناخية، شعرت بأن عقلي محاصر بسلسلة لا تنتهي من أفكار ""الأسوأ"":
هل سيفقد مرضاي تغطيتهم التأمينية للقاحات؟
هل سيواصل مركز السيطرة على الأمراض عمله؟
كيف ستتعافى ولايتنا من هذه الحرائق؟
وأمام كل هذا الإرهاق، وجدت نفسي أتساءل: إذا كان الأمل ""ينبع أبداً""، فأين هو الآن حين أحتاجه؟
بعد بعض التأمل، أدركت أنني أعرف عن الأمل أكثر مما أظن. فالأمل أساس من أسس العلاج. التدريب الطبي يعلمنا البحث عن حلول لكل مشكلة، ومحاولة تجاوز التحديات حتى نصل إلى نتيجة إيجابية للمريض وذلك في جوهره فعلٌ قائم على الأمل.
ومع ما يرافق التغيير من قلق، فإنه يفتح الباب أيضاً أمام فرص جديدة. وأمام الفوضى التي نعيشها، بدأت أتعامل مع الأمل بشكل أعمق. درست المفهوم كما يشرحه علماء النفس مثل ويليام ميلر، الذي يرى أن الأمل ""جزء أساسي من رأس مالنا النفسي"". ومن خلال تجربتي، صرت أفهم أكثر ما يخنقه، وما يساعده على الظهور، وما البيئات التي تُنمّيه، وما العادات التي يمكن أن تجعلنا نعيش بعقلية مليئة بالأمل.
ما هو الأمل؟
يعرّف عالم النفس إيفريت ورثنغتون الأمل بأنه:
""الدافع للاستمرار نحو هدف ما، حتى لو كان احتمال الوصول إليه ضئيلاً.""
الحياة مليئة بالاختبارات، ونحتاج الأمل كي نواصل الطريق. فالأبحاث الممتدة لسنوات تؤكّد أن الأشخاص الأكثر أملاً هم الأكثر قدرة على الصمود والابتكار وحلّ المشكلات. وحتى المرضى المصابون بأمراض خطيرة يعيشون عادة مدة أطول عندما يكون لديهم قدر أكبر من الأمل.
لكن هذا التعريف يغفل جانباً مهماً: الحياة تتغير باستمرار، وكذلك أهدافنا وتصوراتنا عن المستقبل. وبالتالي، فإن الأمل نفسه يجب أن يكون مرناً وقابلاً للتجدد.
تذكرت هذا الأمر مؤخراً أثناء حديثي مع أحد مرضاي المصابين بسرطان الرئة في مرحلته الرابعة. قلت له:
""كما ذكرنا سابقاً، يبدو أن السرطان قد تقدّم. أنا آسفة، وسأجلس معك لنرى ما الذي يمكننا أن نأمل به من هنا.""
فأجابني بنبرة صافية: ""لسنوات كنت مصمماً على هزيمة المرض، لكن خلال الأيام الأخيرة أدركت أن كل ما أريده هو حضور زفاف ابنتي الشهر المقبل. لست متأكداً إن كنت سأستطيع. ما رأيك يا دكتورة؟""
قلتُ: ""تأملت المشهد في رأسي وكدت أبكي. نعم! سنفعل كل ما بوسعنا… فريقك هنا في المستشفى يقف معك قلباً وقالباً.""
فاغرورقت عيناه وهو يقول: ""الآن أنا الذي سأبكي.""
هكذا هو الأمل أحياناً: ليس الهدف الأكبر دائماً، بل الهدف الأكثر واقعية والأقرب إلى القلب.
الأمل في مواجهة التحديات الكبرى
حين تشتد الأزمات، يصعب العثور على حلول… ويصعب العثور على الأمل معها.
الخوف رد فعل فطري وسريع لتنبيهنا للخطر. لكن ما يلي الخوف يتطلب تفكيراً أعمق: نحتاج عندها إلى الأمل، لكن الأمل لا يظهر بلا دعوة. إنه يحتاج إلى جهد واعٍ كي نتمكن من استحضاره عندما نحتاجه.
ولكي نتعامل مع الخوف بوعي، نحتاج إلى مجموعة من القدرات الذهنية:
-
الرغبة في التغيير
-
القدرة على الثبات والهدوء في مواجهة التحدي
-
التركيز وحضور الذهن مع شيء من الفضول والتفكير النقدي
-
الإحساس بالقدرة على اتخاذ خطوة والعمل رغم الصعوبات
وقد قدّم عالم النفس تشارلز سنايدر نموذجاً للأمل يقوم على عنصرين أساسيين:
-
تفكير المسارات (Pathway Thinking): إيجاد طرق للوصول إلى الهدف.
-
تفكير الإرادة أو الوكالة (Agency Thinking): الإيمان بأننا قادرون على تحقيق الهدف رغم العقبات.
وفي الأوقات العصيبة، قد نفتقد كلا الأمرين.
الأمل… معاً
هنا يأتي دور العلاقات والروابط الاجتماعية. فكما حدث مع مريضي ""السيّد ر""، أحياناً يكفي وجود إنسان إلى جانبك، يمسك بيدك ويقول: لن نواجه هذا وحدنا. حتى عندما لا أملك علاجاً شافياً، فإن مجرد التواجد مع المريض يمنحه قوة تتحدى الخوف من الوحدة.
وكغيره من المشاعر، يمكن للأمل أن يكون معدياً. فمن خلال التفاعل والتخطيط والمشاركة، يستطيع الناس تعزيز تفكير المسارات وتقوية الإحساس بالقدرة. ولهذا قامت بعض أساليب العلاج النفسي الجماعي على فكرة ""علاج الأمل"" الذي يجمع الناس للتخطيط والدعم المتبادل، بحيث يخرج كل شخص من الجلسة وهو يحمل رؤية أكثر تفاؤلاً وشبكة يمكن الاعتماد عليها.
بناء الأمل… خطوة خطوة
في الفترة الأخيرة، حاولت التخفيف من موجات ""أسوأ السيناريوهات"" بمبدأ بسيط: الأمل في الأوقات الصعبة يبدأ بخطوات صغيرة.
عندما نكون على حافة اليأس، قد يكون من المفيد أن نبدأ بشيء صغير نعرف أن نجاحه شبه مؤكد.
ومنذ أسابيع، صرت أبحث عن الأمل في تفاصيل يومي الصغير: تحسن بسيط في فحوصات أحد المرضى، زيادة في قوته، أو مجرد ابتسامة. بدأت أعتبر تلك النجاحات الصغيرة إنجازات مشتركة بيني وبين المرضى، وبمرور الوقت لاحظت أننا أصبحنا أكثر قدرة على مواجهة الأسئلة الطبية الكبيرة.
وينطبق الأمر ذاته على حياتنا خارج العيادة. إذا أردنا إصلاح عالمنا، فالبداية تكون من حولنا: من بيوتنا وأصدقائنا. يمكننا مشاركة اضطراباتنا وأفكارنا، وتبادل الحلول حتى في مشاريع بسيطة مثل العناية بحديقة. ويمكننا الاجتماع مع الجيران أو الجمعيات المحلية لخلق مساحة للأفكار والعمل والأمل.
فالبحوث تشير إلى أن الأمل داخل المجتمعات يعزز التسامح، ويخفف الصراعات وهو أمر بالغ الأهمية في زمن الاستقطاب والانقسامات
إلى أين نمضي؟
الصوت الساخر والتشاؤم لهما حضور قوي هذه الأيام… ولأسباب مفهومة. لكن المشكلة أن التشاؤم يفعل عكس ما يفعله الأمل تماماً: إذ يقود إلى الإرهاق والاكتئاب وضعف الصحة النفسية والجسدية.
أما اختيار الأمل حتى إن بدا بسيطاً فهو بداية التغيير.
الأمل موجود دائماً أمامنا، كمساحة بين الواقع وما نطمح إليه، وكعتبة نقف عليها قبل اتخاذ أي خطوة. وهو يوجّهنا نحو الآخرين، نحو العزاء، ونحو الإحساس بأن أفعالنا لها أثر. وقد وجدت دراسة حديثة أن الأمل يمنح حياتنا معنى، ويزيد شعورنا بأن خطواتنا مهمة.
ورغم أن الأمل إحساس، إلا أنه أيضاً عملية. وما زلت أتعلم تهدئة ذهني قبل أن أصل إليه. لكني أعرف الآن أن ممارسة الأمل مع المرضى ومع دائرة أحبّائي هي أفضل تدريب لعقلية الأمل التي أحتاجها.
في عملي، صرت أتعامل مع الأمل كأنه جزء من العلاج نفسه. كل زيارة لمريض هي فرصة لزرع بذرة أمل حتى إن كان الحزن أو الفقد حاضراً.
وفي حياتنا اليومية، يمكن لكل واحد منا أن يبحث عن الأمل في الخطوات الصغيرة التي يتخذها… فهي الطريق إلى الخطوات الأكبر.
وتلخص الكاتبة ماريا بوبوفا الأمر بعبارة أحبها:
""قد لا أرى النهاية السعيدة التي أتمنّاها، لكنني مصرّة على استقبال المستقبل بأفضل نسخة من نفسي.""
وهذا هو جوهر الأمل:
أن نحمل أفضل ما فينا إلى العالم مهما كان الطريق أمامنا شاقاً.
