القائمة الرئيسية

هل يمكن أن يحميك حبّك لنفسك وللآخرين؟

هل يمكن أن يحميك حبّك لنفسك وللآخرين؟
ملخص المقال

يتحدث المقال عن تأثير الطريقة التي نفهم بها ذواتنا خصوصًا حين نرى أنفسنا مرتبطين روحيًا بالآخرين على قدرتنا على الصمود الصحي والنفسي في مواجهة التوتر والأزمات. يستعرض الكاتب رحلة بحثه المستلهمة من والدته “ماتا”، التي مثّلت نموذجًا لهوية مفعّلة قائمة على التعاطف وقيمة كل حياة، وكيف طوّر منها نموذج حيوية إمراض الهوية الذي يبيّن أن هذا النوع من الهوية يخفض الاكتئاب وارتفاع الضغط ويحسّن الصحة حتى في ظروف اجتماعية قاسية. ويخلص إلى أن حيوية الهوية يمكن أن تكون قوة فردية ومجتمعية، قادرة على تعزيز العدالة وتغيير البنى الاجتماعية الظالمة، وأن توسيع حدود الأنا ورؤية كل الكائنات كجزء منا قد يشكّل أحد أقوى تدخلات الصحة العامة الممكنة.

تشير أبحاث حديثة إلى أن إدراكنا لروابطنا الروحية مع الآخرين قد يشكّل حاجزًا وقائيًا أمام الأمراض، بل ويعزز الصحة العامة على نطاق واسع.

كنت أسمع في طفولتي عبارة تتردد على لسان من حولي: ""أنت لست جسدك… أنت روحٌ خالدة.""
نشأت في كليفلاند بولاية أوهايو، كفتى أسود يحمل إرثًا هندوسيًا غير مألوف في بيئته. قد تبدو هذه الفكرة غريبة على الكثيرين في العالم الغربي، لكنها ركيزة أساسية في عدد كبير من الفلسفات الشرقية التي ترى أن التعلق بالجسد بوصفه جوهر الذات هو أحد أسباب الألم البشري.

واليوم، بعد أن أصبحت منظّرًا اجتماعيًا وباحثًا في علم الأوبئة وصحة السكان، أجد نفسي أعود لذلك الدرس المبكر. لقد تبيّن لي أن الفاصل بين العلم والروحانية ليس كما يُصوّره البعض. فطريقة فهمنا للذات وهي مسألة روحية وفلسفية في أصلها ليست مجرد أفكار عائمة، بل محددات قابلة للقياس تؤثر بعمق في صحتنا ورفاهنا. وفي زمن الأزمات القابلة للوقاية من تغيّر مناخي، وجوع، ولا مساواة اقتصادية، وأمراض متفاقمة قد يكون هذا الفهم أحد الموارد المهملة القادرة على دفعنا نحو البقاء والازدهار.

ربما لم يفاجئني هذا الاستنتاج كثيرًا، فقد عشت طوال حياتي أرى والدتي تجسّد إيمانها العميق بأنها روح مرتبطة بكل الأرواح الأخرى. قادها هذا اليقين إلى حياة اتسمت بالرحمة والامتنان والدفاع عن الآخرين والتضحية، وبسلوكيات روحية لطيفة لا تحصى وهي كلها صفات ترتبط علميًا ونفسيًا بصحة أفضل.
وقد كانت أمي، التي كان كثيرون ينادونها “ماتا” (أي ""الأم"" بالسنسكريتية)، مثالًا حيًا لهذه الحقيقة. فبينما بدأت الأمراض المزمنة تفتك بأفراد عائلتها وجيرانها كالسكري، وأمراض القلب، والاضطرابات المعرفية المبكرة، والاضطراب ثنائي القطب ظلت تمتّع بصحة مدهشة وحيوية استثنائية.

ازدهرت صحة ماتا رغم كل ما واجهته من عنف قائم على النوع الاجتماعي، وفقر، وعنصرية، وصدمات أخرى عادة ما تُنهك الفئات المهمشة. ومنذ صغري كنت أتساءل: كيف قاومت كل هذه الضغوط؟ ما مصدر تلك القوة الخفية؟ هل كان السبب عدم تعلقها بالجسد؟ وهل يمكن للآخرين أن يكتسبوا هذا النوع من الصمود؟

كنت أحلم بأن أصبح طبيبًا، ودرست الأحياء في الجامعة لأصبح طبيب قلب، فقد بدا لي القلب مركزًا لكل الأمراض التي عايشتها في مجتمعي. لكن مساقًا في الأنثروبولوجيا الطبية فتح أمامي منظورًا جديدًا: أمراض القلب التي رأيتها لم تكن بيولوجية وحدها؛ بل كانت اجتماعية أيضًا جذورها متشابكة مع العنصرية والفقر والتوتر السام المزمن. عندها بدّلت مساري الأكاديمي نحو الأنثروبولوجيا ودراسات الأميركيين الأفارقة، مع بقائي على المسار الطبي، سعيًا للجمع بين البيولوجيا والمجتمع في فهمي للصحة.

ورغم هذا التحول، لم تغادرني صورة أمي وصمودها. حتى وأنا أتعلم كيف تشكّل البنى الاجتماعية النتائج الصحية، كنت أدرك أن هناك عنصرًا داخليًا روحيًا يكمل الصورة. تساءلت: ما أثر إحساسها الروحي بالذات على قدرتها على التحمّل؟

لاحقًا، كباحث في علم الأوبئة، أصبحت مهتمًا بدراسة كيف يمكن لتعريف الفرد لذاته أن يخفف من آثار التوتر المزمن. وبينما ركّز الكثير من الباحثين على المحددات البنيوية للصحة، حاولت دمج الفلسفة الشرقية وعلم النفس الاجتماعي في إطار واحد. وفي السنة الأولى من الدكتوراه، بدأت في صياغة ما أطلقت عليه نموذج حيوية–إمراض الهوية (IVP).

استلهمت هذا النموذج مباشرة من تجربة ماتا، وحددت ثلاثة عناصر محورية ميّزت نظرتها للذات عن الجسد:

  1. إحساس بالذات يمتد ليشمل كل الكائنات الحية.

  2. إيمان راسخ بأن لكل حياة قيمة جوهرية ثابتة.

  3. تعاطف طبيعي نابع من إدراك القيمة المشتركة.

تشكل هذه المرتكزات ما أسميه حيوية الهوية وهي حالة من الاتصال الرحوم بالذات وبالآخرين، تغذي الصحة النفسية والبدنية.

أما النقيض فهو إمراض الهوية: حين تُختزل الذات في الجسد، أو المكانة، أو العرق، أو عندما تقوم على استبعاد “الآخر”. هذه الحالة لا تضر بصاحبها فحسب، بل تغذي اللامساواة في المجتمع. وكلنا نقف على هذا الطيف بدرجات مختلفة. وافترضتُ أن من يميلون نحو “حيوية الهوية” يكونون أكثر صمودًا أمام التوتر، بينما يكون من يميلون للنقيض أكثر عرضة للمرض.

لكن كيف تحمي حيوية الهوية الصحة؟

التوتر في حدّ ذاته ليس عدوًا دائمًا. فالتوتر القصير يبني القدرة على التكيف. أما التوتر المزمن الذي تعانيه الفئات المهمشة فهو سمّ صامت يهرّئ كل عضو من أعضاء الجسد، ويعجل بالشيخوخة، ويرتبط بأمراض تمتد من السكري إلى السرطان.
ومع ذلك، ينجو بعض الناس من أسوأ آثاره. صحيح أن للجينات دورًا، لكنني افترضت أن للهوية دورًا آخر: رؤية الإنسان لذاته وللعالم قد تُقرر إن كان التوتر يتحول إلى قوة مدمرة أو قوة محفزة.

طورت استبيانًا يقيس حيوية الهوية وإمراضها. وفي مختبر HARI للشيخوخة الصحية والهوية، بدأنا ندرس أثر هذا المفهوم على الصحة.

وكانت النتائج الأولى لافتة. فقد شملت دراساتنا أكثر من 2,700 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18 و81 عامًا، ووجدنا أن ارتفاع حيوية الهوية يرتبط بانخفاض احتمال الاكتئاب بشكل كبير، حتى بعد ضبط عشرات العوامل. وقد ظهر تأثير “الجرعة” فكلما زادت حيوية الهوية، انخفض الاكتئاب بنسبة قد تصل إلى 90٪.
كما وجدت دراسات أخرى أن النساء السود اللاتي يتمتعن بحيوية عالية للهوية كن أقل عرضة لارتفاع ضغط الدم المرتبط بظروف السكن بنسبة 50٪. وبالمثل، أبلغ الرجال الذين يواجهون صعوبات مالية حادة عن صحة أفضل عندما كان مستوى حيوية هويتهم أعلى.

هذه النتائج تشير إلى أن فهمنا لمن نكون على مستوى الهوية قد يحدد حرفيًا الطريقة التي يتعامل بها الجسد مع التوتر.

هل يمكن أن تغير حيوية الهوية صحة المجتمعات بأكملها؟

أستخدم كلمتي “مُفعّلة” و“مُمرِضة” لأؤكد أن الهوية ليست ثابتة. فهي تُعلّم وتُزرع فينا منذ الصغر، ويمكن إعادة تشكيلها. وإذا كان بالإمكان تنمية حيوية الهوية، فربما يمكن تعليم الصمود أيضًا.

اهتزت قناعتي عندما اكتُشف أن والدتي مصابة بسرطان رحم عدواني، في عمر الخامسة والستين، وفي ذروة دراستي للدكتوراه. وبعد أقل من عامين، رحلت عن عالمنا. كان رحيلها صدمة مؤلمة؛ فقد كانت واعية بروحها وجسدها وصحتها، وتعيش وفق معتقداتها بشكل عملي. فكيف استسلمت لمرض بهذه الشراسة؟

جعلني حزن الفقد أرى واقعًا أعمق: حتى لو ساعدت الهوية الفردية في بناء الصمود، فإن البنى الاجتماعية تبقى أقوى. فمهما بلغ صمود الفرد، تبقى الهياكل الظالمة العنصرية، التمييز، الفقر قادرة على تشكيل الأمراض ومساراتها.

فالنساء السود غير اللاتينيات أكثر عرضة للوفاة بسرطان الرحم مقارنة بغيرهن. تراكم الظلم الاجتماعي يترك آثاره داخل الجسد، مهما بلغت قوة الروح.

ومع مرور الوقت أدركت أن هذه الحقيقة لا تنفي قيمة حيوية الهوية بل تكشف عن إذنٍ لتحول أوسع. فحيوية الهوية ليست فقط درعًا فرديًا، بل يمكن أن تكون شرارة لتغيير اجتماعي شامل.
إن النظرة التي ترى للآخرين قيمة جوهرية تقدر على تفكيك الأنظمة التي تصنع اللامساواة أصلًا.

فالأنظمة الظالمة تبقى لأن كثيرين يستمدون شعورهم بالقيمة من التفوق على الآخرين. ولو مرّ المزيد من الناس بتحول “مفعِّل” حيث يصبح الاتصال بالآخرين وليس المقارنة هو أساس القيمة لربما تغيرت القرارات التي تُبقي الظلم قائمًا.

ويمكن تخيّل “لقاح للهوية” علاج اجتماعي يشفي أمراض الهيمنة بالطريقة نفسها التي قضينا بها على الجدري وشلل الأطفال: عبر الشجاعة الجماعية، والمحبة، والإصرار. فكل نقطة تحوّل في مسارات القوة تبدأ من قرار بشري. وكل قرار يتأثر بحالة الهوية.

وكلما ازداد عدد من يرون أنفسهم جزءًا من أسرة الحياة الممتدة، لا درجات متنافسة في سلم اجتماعي، زاد ميل خياراتنا الجماعية نحو العدالة والرعاية لأنفسنا، وللآخرين، وللكوكب.

ومع هذا التحول، ستنعكس التغييرات داخل الفرد أيضًا. قد تتغير قيمنا، وقد نعيد تعريف القيادة لتشمل أشخاصًا يستندون في قيمتهم إلى الاعتراف بأن كل حياة ثمينة. وحتى لو تقدمت الأنظمة ببطء، يظل لكل فرد القدرة على تفعيل هويته، وتنمية الصحة والرحمة داخله، وإعادة تشكيل العالم من حوله بهدوء.

الخطوات القادمة

ما زال عملي في مراحله الأولى أسعى لفهم كيفية تشكل حالات الهوية وانتقالها، وكيف يمكن تحويلها على نطاق واسع. لكن ما يطمئنني هو أن الحكمة التي عاشت بها أمي لم تكن مجرد شعر روحي، بل كانت رؤية سبقت ما بدأت العلوم للتو في قياسه.

ولا أعلم حقًا إن كنا “لسنا أجسادنا” وربما يتجاوز الجواب قدرة العلم المادي. لكنني واثق من شيء واحد:
أن ما نؤمن به حول ذواتنا يؤثر بعمق في قدرتنا على الحفاظ على صحتنا، حتى في مواجهة أصعب الظروف.

والأهم من هذا كله هو أننا عندما نختار أن نرى كل الكائنات الحية كجزء منّا عندما نوسّع حدود الأنا، ونعترف بالقيمة الجوهرية لكل حياة، ونمنح التعاطف بسخاء فإننا نمارس واحدة من أقوى “تدخلات الصحة العامة” الممكنة على الإطلاق.

المصدر

مقالات ذات صلة