ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن لجهود تحقيق التوازن بين الجنسين أن تخلق "مفارقة التنوع"، حيث تتوقف المؤسسات عن معالجة فجوة الأجور بمجرد بلوغها نسب تمثيل عادلة، مما يؤدي إلى استمرار التمييز رغم التقدم الظاهري. وتوضح أن تحقيق المساواة العددية لا يعني عدالة الرواتب، وتدعو المديرين لإجراء مراجعات دورية للأجور، واعتماد شفافية ومعايير واضحة للترقيات والمكافآت، وتدريب القيادات على كشف التحيزات، لضمان مساواة حقيقية تعزز الأداء والاقتصاد.
- على الرغم من تطبيق حصص التنوع، ما زالت فجوة الأجور بين الجنسين مستمرة.
- تظهر أبحاث جديدة أن تحقيق التوازن بين الجنسين في مكان العمل غالبا ما يخلق ما يمكن تسميته "مفارقة التنوع"، والتي تؤدي بشكل غير مقصود إلى إيقاف التقدم نحو تحقيق المساواة في الأجور. يحدث ذلك لأن المديرين، بمجرد رؤية أن أهداف التنوع واضحة ومتحققة، يتوقفون عن التدقيق في قرارات الترقية والأجور بشكل كاف.
- للتعامل مع هذا الأمر، يجب على المديرين والمؤسسات إجراء مراجعات دورية للأجور والتعامل مع التنوع بوصفه نقطة بداية مهمة وليس الهدف النهائي.
في جميع أنحاء العالم، أصبح تحقيق التنوع بين الجنسين هدفا رئيسيا للشركات والمستثمرين والهيئات التنظيمية. فهناك عدد أكبر من النساء يشغلن المناصب التنفيذية العليا أكثر من أي وقت مضى، كما تضاعفت الالتزامات المؤسسية المتعلقة بالتوازن بين الجنسين. ولم يعد من غير المألوف اليوم أن تعلن المؤسسات سعيها للوصول إلى نسب متساوية بين الرجال والنساء. أحد الأمثلة على ذلك هو توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن تمثيل المرأة في مجالس الإدارة، الذي يفرض على الشركات المدرجة أن تضم مجالس إدارتها غير التنفيذية ما لا يقل عن 40% من النساء بحلول عام 2026.
تعكس هذه الجهود إدراكا متزايدا بأن الفرق المتنوعة تعزز الابتكار وتحسن أداء المؤسسات. ولكن هل يؤدي ارتفاع نسبة تمثيل النساء حقا إلى مزيد من العدالة، وخاصة فيما يتعلق بالمساواة في الأجور؟ أم أن المؤسسات تحتفل بتقدمها في التنوع بينما تترك الفجوات في الأجور دون معالجة؟
تكشف أبحاثي الأخيرة، المنشورة في مجلة إدارة الموارد البشرية بالتعاون مع كلوديا هولتشلاغ، كارلوس موراليس، وألين ماسودا، أن وجود فريق متوازن من حيث الجنس لا يعني دائما توزيعاً عادلاً للأجور. فعلى الرغم من حدوث خطوات نحو تقليص فجوات الأجور، إلا أن هذه الإنجازات غالبا ما تتباطأ أو تتوقف عند وصول الفرق إلى التوازن بين الجنسين. بعبارة أخرى، بمجرد تحقيق أهداف التنوع المرئية، يشعر المديرون أن "مهمتهم انتهت" ويتوقفون بشكل غير واعٍ عن بذل المزيد لتعزيز بيئة عمل عادلة.
نسمي هذا الظاهرة "مفارقة التنوع": عندما تُظهر جهود التنوع تقدما ظاهريا، لكنها تعرقل بشكل غير مقصود أي تقدم إضافي نحو المساواة الحقيقية. في دراستنا، حصلنا على بيانات نادرة حول الرواتب وزيادات الأجور من شركة متعددة الجنسيات في ألمانيا، مما أتاح تحليلا دقيقا للفروق في الأجور عبر أكثر من 300 وحدة عمل و4000 موظف على مدى ثلاث سنوات. كانت هذه الشركة تعلن التزامها بالعدالة، ومع ذلك استمرت فجوة الأجور بين النساء والرجال.
جهود تحقيق التوازن بين الجنسين ليست كافية
تكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة اليوم، في وقت لا تزال فيه فجوة الأجور بين الجنسين مرتفعة رغم تقدم النساء في التمثيل الوظيفي. ووفقاً لتقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، لم يتمكن أي بلد حتى الآن من تحقيق المساواة الكاملة.
عالميا، تكسب النساء حوالي 23% أقل من الرجال. ويختلف هذا الرقم حسب البلد والقطاع نتيجة اختلافات في أسواق العمل والسياسات الاجتماعية والتوزيع المهني. أما في الاقتصادات المتقدمة، فتقترب الفجوة من 12%، رغم وجود تفاوتات كبيرة مثل فجوة الأجور في كوريا الجنوبية التي تتجاوز 30%.
وقد حاولت سياسات مختلفة حول العالم تحسين هذه الأرقام. ففي إسبانيا، يفرض قانون جديد على الشركات الكشف عن نظام تحديد الرواتب والمزايا، وإلا تُفرض عليها غرامة تصل إلى 187,000 يورو. وفي أستراليا، يجبر قانون المساواة بين الجنسين المؤسسات التي تضم أكثر من 100 موظف على تقديم تقارير دورية للحكومة. أما كندا، فتُلزم المؤسسات الخاضعة للتنظيم الفيدرالي بإعداد خطة للمساواة في الأجور وتحديثها بانتظام.
تعتمد هذه الإصلاحات على فكرة أن الشفافية تدفع نحو التغيير. ولكن رغم أهمية التقارير العلنية، إلا أنها لا تغير بالضرورة القرارات اليومية للمديرين. هذا ما توضحه مفارقة التنوع: عندما يعكس فريق العمل أهداف التنوع بشكل واضح، فإنه قد يكتسب شرعية رمزية لدى المعنيين، لكنه لا يحفز تغييرا حقيقيا في قرارات الأجور التي يتخذها المديرون أثناء مراجعات الأداء السنوية. فإذا اعتبر المديرون أن التمثيل العادل دليل كافٍ على الإنصاف، فإنهم يصبحون أقل تدقيقا في الترقيات والمكافآت والقرارات غير الرسمية التي تحدد مجتمعةً الرواتب، مما يؤدي لاستمرار الفجوة رغم توازن الأعداد.
التغيير الحقيقي يبدأ من المديرين
إن سد فجوة الأجور ليس مجرد مسألة عدالة، بل هو رافعة اقتصادية مهمة. فوفق تحليل للبنك الدولي عام 2024، فإن إزالة الحواجز أمام المشاركة الاقتصادية الكاملة للمرأة يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من 20%. وهذا يعني أن المساواة في الأجور تؤثر على الإنتاجية والاحتفاظ بالموظفين وسمعة الشركات في أسواق تعتمد على المواهب.
والأخبار الجيدة: يمكن للشركات أن تحقق الكثير بنفسها. فماذا يجب على المديرين فعله لضمان تحقيق تقدم حقيقي؟
أولا: لا تخلط بين workforce المتوازن والأجر العادل. يجب التعامل مع حصص التنوع كنقطة انطلاق فقط. وجود 40% من النساء في مجالس الإدارة خطوة إيجابية، لكنها يجب أن تُستكمل بأنظمة شفافة لمقارنة الرواتب: تصنيف الوظائف، نطاقات الرواتب، معايير التقييم، المكافآت، والترقيات.
ثانيا: إجراء مراجعات منتظمة للرواتب. يجب تحليل الرواتب بحسب الجنس، والوظيفة، والدرجة، والأقدمية، والأداء. وإذا ظهرت فجوات، يجب اتخاذ خطوات تصحيحية ومراقبتها بمرور الوقت. غالبا ما تكون الفروق الحقيقية في زيادات الرواتب السنوية لا في الرواتب الأساسية، لذا من المهم مقارنة الأشخاص في وظائف متشابهة بطريقة منهجية.
ثالثا: الاستثمار في تدريب المديرين على تحقيق المساواة. يمكن لهذا التدريب أن يرفع الوعي بالتحيزات اللاواعية ويزود المديرين بالأدوات اللازمة لاتخاذ قرارات عادلة. وقد ترغب الشركات أيضا في تشجيع المديرين على اتخاذ قرارات مبنية على البيانات من خلال استخدام مؤشرات مثل compa ratio، الذي يقارن راتب الموظف بزملائه أو بالسوق.
التوازن بين الجنسين مهم للغاية، لكنه ليس كافيا بذاته. ويتضح ذلك عالميا من خلال القوانين والبيانات الحديثة التي تظهر تقدما في التنوع مع بقاء فجوات الأجور مؤسسية. ومع تشديد اللوائح وتغير توقعات المواهب وتبدل الظروف الاقتصادية، فإن التركيز على المساواة بين الجنسين ليس فقط الخيار الأخلاقي الصحيح، بل هو قرار تجاري ذكي.
في النهاية، فإن المؤسسات التي تعتمد فقط على تحقيق توازن عددي بين الرجال والنساء قد تفشل في إدراك أن العمل الحقيقي يبدأ بعد ذلك.
