القائمة الرئيسية

هل يمكن للتربية أن تجعلنا أشخاصًا أفضل؟

هل يمكن للتربية أن تجعلنا أشخاصًا أفضل؟
ملخص المقال

يعرض المقال رحلة كاتبة رأي سابقة أعادت الأمومة تشكيل رؤيتها للعالم، إذ بدأ طفلها الهادئ والمنطقي يكشف لها محدودية الأحكام الحاسمة ويجبرها على التراجع والإنصات، ما دفعها لإعادة التفكير في أسلوبها الحياتي والمهني. ومع انغماسها في رعاية طفلين مختلفين، اكتشفت أن الحياة لا تُعاش بحدود واضحة بين صواب وخطأ، وأنها بحاجة إلى فلسفة توجهها في هذا التعقيد، فوجدت ضالتها في “أخلاقيات الرعاية” التي ترى أن الانتباه، والاستجابة، والعلائقية هي أساس الفعل الأخلاقي. يقدّم المقال أفكار نيل نودينغز وسيمون فايل ومارتن بوبر وغيرهم ممن رأوا أن الخروج من ذاتنا لرؤية الآخر بوضوح هو جوهر الخير، لكنه يحذر أيضًا من حدود الرعاية حين تكون حصرية داخل الدوائر الضيقة. ويتساءل المقال: كيف نوسع هذه الخبرات الحميمية لتصبح التزامًا اجتماعيًا أوسع؟ مقترحًا أن التحول يتطلب جهدًا فرديًا وسياسات داعمة وثقافة تعترف بأن الإنسان شبكة من علاقات. وفي النهاية، يخلص إلى أن التفكير العميق لا يشبه دائمًا تمثال “المفكر” المنعزل؛ أحيانًا يظهر في لحظة حنان أو نظرة حب، حيث تُصنع أخلاقياتنا الحقيقية.

بكل المقاييس تقريبًا، كان ابني الأول طفلًا “سهلًا”. فبينما يميل معظم الأطفال الصغار إلى أن يكونوا كتلة من الغرائز المتفجّرة والغضب اللحظي، كان أوغي طفلًا هادئًا، متزنًا، واستراتيجيًا. لم يكن يصرخ أو يفتعل نوبات غضب، ولم يكن يسعى لفرض قوته لمجرد الفرض. كان طفلًا واقعيًا يجري حساباته بعناية، يرتدي أحذيته اللاصقة ويتصرف ببراغماتية عفوية. لم نكن نخوض معه معارك حول ارتداء قميص الإطفائي بدل قميص الشرطي، ولا كان يبكي إذا انقسمت قطعته من البسكويت نصفين—فهو ما زال سيأكل البسكويت في النهاية.

تربية طفل كهذا جعلت الأمور التي تنهك عادةً آباء الأطفال الصغار أقل تعقيدًا بكثير بالنسبة لي. كان بإمكاننا تناول الطعام في مطاعم هادئة، والسفر لمسافات طويلة، وزيارة المتاحف الفنية، والاعتماد عليه في تحمل أيام طويلة مليئة بالمشاوير المملة. وفي الليل، كنت أنام منهكة بدرجة أقل من معظم أصدقائي، وأكنّ امتنانًا كبيرًا لذلك.

لكن على المستوى العاطفي والفكري، كنت في حيرة. هذا الطفل—وفي سن مبكرة على نحو غير مألوف—بدأ يستبدل الغريزة والحدس بالعقل والمنطق.

كان معظم الآباء يعانون لإقناع أطفالهم بالإنصات للآخرين. أما مهمتي فكانت إقناع أوغي بالإنصات لنفسه. أردته أن يرى العالم بعيونه هو، وألا يكون خاضعًا للمؤثرات الخارجية. ولكي يتحقق ذلك، كان عليّ أن أتعمّد—بشكل واعٍ ومدروس—التراجع وإفساح المجال له.

ولم يكن هذا سلوكًا طبيعيًا بالنسبة لي. فحين ولدتُ أوغي، كنت أعمل في ذروة “موجة الرأي الحاد” على الإنترنت في العقد الأول من الألفية الثانية؛ كانت الآراء القاطعة مصدر رزقي. اسأليني عن أي موضوع، أو أشيري إلى أي خبر، وفي نهاية اليوم سأنتج 800 كلمة حادة الزوايا—مقتنعة تمامًا بصحتها. لم أكن أكذب في كتاباتي، لكنني كنت أتجاهل الحقائق الأخرى التي كان يمكن أن تربك وضوح الحقيقة التي ركّزت عليها. كنت أحتاج إلى رسم خط سريع وواضح بين الصواب والخطأ، وتقديم حكمي كأنه مطلق وبديهي.

قبل الأمومة، كنت قلقة من أن تُفسد التربية قدرتي على العمل، وفي النهاية فعلت ذلك بالفعل—لكن ليس بالطريقة التي توقعتها. لم تجعلني الرعاية أريد التوقف عن العمل، ولم تجعلني أسوأ أداءً. بل دفعتني إلى التساؤل عن نوع العمل الذي كنت أقدمه ككاتبة رأي، وعن نوع الشخص الذي أصبحت عليه بسببه، وهل يمكن أن تكون هناك طريقة أفضل لتبادل الأفكار.

بدأ ذلك مع أوغي، وتعمّق أكثر عندما أنجبت ليفاي، شقيقه الأكثر عاطفية وشغفًا، بعد أربع سنوات. وكلما انغمست أكثر في رعاية شخصين مختلفين تمامًا، ازداد تشككي في اليقينيات التي كنت أتباهى بها في كتاباتي وفي حياتي. هناك—وهي حقيقة بسيطة لكنها لا تكفّ عن إدهاشنا—طرق لا حصر لها لعيش الحياة.

حتى تلك اللحظة، كان تعليمي الفلسفي الرسمي يقتصر على مقرر تمهيدي في الفلسفة انسحبت منه بعد ثلاثة أسابيع في سنتي الجامعية الثانية. بدلاً من نقاش “كيف نعيش جيدًا”، كان المقرر غارقًا في مسائل نظرية غريبة كنا مطالبين بحلها بالمنطق الخالص. فقلت لنفسي ربما الأفضل أن أبقى مع الشعراء. وهذا كان مناسبًا… إلى أن أصبحت أمًا وأدركت أنني بحاجة إلى شيء من الإرشاد الفلسفي. ما كنت أظنه عن نفسي، وعن كيف يجب أن يكون الإنسان، بدأ يتكشف وينهار أمام مسؤولية الرعاية.

فلسفات الرعاية

قليل منا ينظر إلى نفسه بوصفه “فيلسوفًا”، لكننا جميعًا نفكر بطريقة فلسفية. نحاول معرفة “الصواب” في المواقف المعقدة، ونتساءل عمّا له قيمة حقًا في الحياة. نتعلم منذ الصغر التفريق بين الخطأ والصواب، وأن هذا الإحساس الداخلي بالحق يجب أن ينبع من داخلنا: افعل للآخرين ما تحب أن يفعلوه لك.

ومع تقدمنا في العمر، نتعلم الاعتماد على العقل، وتوسيع نظرتنا للصواب والخطأ على مستوى المجتمع. وربما—إن كنا طموحين فكريًا—نستخدم هذا العقل لمحاولة فهم الحقيقة والعدالة والحرية، أو نغوص في مسائل فلسفية معقدة مثل “مشكلة العربة” الشهيرة.

لكن هذه الأسئلة الكبرى والسيناريوهات الافتراضية—على أهميتها—لا تساعد كثيرًا في توجيهي لكيف أعيش حياتي الواقعية، حيث لا يكون الناس مقيدين على قضبان قطار، بل أشخاصًا معقدين، هشّين، يحتاجون مني شيئًا حقيقيًا. كنت بحاجة إلى فلسفة تتعامل مع “اليقظة الأخلاقية” التي منحتني إياها الأمومة. ووجدت ضالتي في مجال فلسفي أقل شهرة: أخلاقيات الرعاية.

هناك، اكتشفت أعمال فيلسوفات مثل نيل نودينغز، التي ترى أن الميل الفطري للرعاية—وهو ميل يظهر لدينا منذ الطفولة المبكرة—يشكل أساس التزامنا بأن نكون صالحين. وهذا ابتعاد جذري عن كثير من الفلاسفة وعلماء النفس الذين رأوا أن العلاقات الحميمية—بكل تحيزاتها وتناقضاتها—قد تعيق التفكير الأخلاقي. أما نودينغز، فترى العكس تمامًا: الرعاية هي أعظم درس أخلاقي يمكن أن نتلقاه.

من خلال أعمالها، بدأت أتساءل: ما الرعاية تحديدًا؟ وما معنى أن نقوم بها جيدًا؟

فرّقت نودينغز بين “الرعاية لِـ” (caring for)، حيث نولي من نهتم به انتباهًا ونستجيب له، وبين “الرعاية عن” (caring about)، حيث نهتم به نظريًا دون أن نعطيه استجابة حقيقية. ثم ميّزت بين “الراعي الفاضل”—الذي يفعل ما يظنه هو صوابًا للمُعتنى به—و“الراعي العلائقي”—الذي يحاول فهم ما يحتاجه المُعتنى به، ثم يعمل على تلبيته.

دخلت الأمومة وأنا أرى أطفالي مثل قرّاء مقالاتي: يحتاجون رأيًا ثابتًا وواضحًا يقودهم. لكن ما كانوا يحتاجونه لم يكن “دليلًا صارمًا”، بل شخصًا يتوقف، ينصت، يتأمل، ويتجاوب مع احتياجاتهم الحقيقية. وفي أفضل أيامي، أكون ذلك “الراعي العلائقي” الذي يجيب الأسئلة بأسئلة، ويظل فضوليًا تجاه رغباتهم، بينما أصمتُ الصوت الداخلي الذي يقول: “يجب أن يكونوا أفضل… يجب أن يكون الأمر مختلفًا.”

ومع الوقت، بدأت أتعامل بالطريقة نفسها مع الآخرين—الأصدقاء، المعارف، وحتى الغرباء.

وترى نودينغز أن هذه اللحظات من الرعاية المنغمسة، العميقة، يمكن أن تساعد الراعي على تشكيل “مثله الأخلاقي”—الصورة المثلى للشخص الذي يريد أن يكونه—والتي تصبح بوصلة له في المواقف الأخرى.

الخروج من ذاتنا: رؤية فلسفية

تأمل الفلاسفة طويلًا في فكرة الابتعاد عن منظورنا الذاتي باعتبارها فعلًا أخلاقيًا.

  • الفيلسوفة سيمون فايل سمت الانتباه “أندر وأصفى أشكال السخاء”.

  • إيريس مردوخ قالت إن “الخير” يتحقق حين “نخترق حجاب الذات الأنانية ونرى العالم كما هو حقًا.”

  • مارتن بوبر شجع القراء على رؤية الآخر لا كشيء، بل كشخص معقد، فوضوي، مليء بالمفاجآت والالتباس والجمال. وقال عبارته الشهيرة: “كل حياة حقيقية هي لقاء.”

لكن الأمر ليس بهذه البساطة دائمًا. أحيانًا تجعلنا الرعاية أشخاصًا أفضل، وأحيانًا لا تفعل. فهناك آباء وأمهات غيّرهم حب أطفالهم نحو الأفضل، وهناك آخرون أحبّوا أبناءهم بعمق… بينما أساؤوا في الوقت ذاته للآخرين خارج تلك الدائرة الضيقة.

كيف نجعل الرعاية شاملة؟

تلعب البيولوجيا دورًا مهمًا هنا. فنحن مبرمجون للاهتمام بمن يشبهوننا—عائلتنا، جماعتنا، وطننا—أكثر ممن لا يشبهوننا. وهذه البرمجة قد تجعلنا منحازين، قاصرين، وربما أنانيين.

ولهذا السبب يمكن لإنسان أن يحب أبناءه بعمق… بينما يعامل المرأة التي ترعاهم معاملة سيئة. أو يمكنه أن يهتم بمربية أطفاله… بينما يتجاهل احتياجات أطفالها هي.

ومع ذلك، حين يقول أب إن الأبوة جعلته أكثر تعاطفًا وصبرًا مع الجميع، أو حين تعلن امرأة ثرية أن تجربة رعاية طفلها جعلتها تؤمن بأهمية إجازة الوالدين للجميع، يبدو هذا التحول حقيقيًا وصادقًا.

تتساءل الباحثة سارة كلارك ميلر عن كيفية جعل الرعاية التي نعيشها مع من نحب تمتد لتشمل الآخرين. وسؤالها الرئيس هو:
كيف نجسر هذه الفجوة؟ كيف نجعل تجاربنا الحميمية في الرعاية تتحول إلى مجتمع أكثر رعاية؟

ربما—كما تقول—يجب أن نفكر في الرعاية بوصفها واجبًا: قاعدة أخلاقية نتفق عليها. لكن نودينغز ترى أن القواعد الكبرى ليست كل شيء. فالأفضل أن نستمد فهمنا من التجربة الشخصية للرعاية: كيف نتعلم من شخص واحد نعتني به، ونستخدم ما تعلمناه لتوجيه تعاملنا مع الآخرين.

يقول الباحث دانيال إنغستر:
“الأمل موجود، لكنه يتطلب جهدًا أكبر مما تخيّل منظّرو الرعاية.”

هذا “الجهد” يشمل سياسات حكومية تدعم مقدمي الرعاية، وتغيّرًا ثقافيًا يركز على الإنسان بوصفه جزءًا من شبكة علاقات، لا مجرد فرد مستقل.

ويمضي إنغستر ليقول إن هذا التحول بدأ يحدث بالفعل، خاصة في نقاشات عدم المساواة: فبدلًا من التركيز على “قواعد واحدة للجميع”، بدأنا نفكر أكثر في العلاقات بين الأشخاص، وكيف تتأثر رفاهية أحدهم برفاهية الآخر.

النهائية: أي طريق يجعلنا أفضل؟

لا توجد وصفة واحدة مؤكدة تجعل الإنسان أفضل. لكن أخلاقيات الرعاية تعلمنا أن العلاقات طريق صالح للبحث عن الحقيقة والعدالة والخير، تمامًا مثل العقل والمنطق.

منذ أن أصبحت أمًا، وأنا أفكر كثيرًا في من نمنحه سلطة “الكشف الفلسفي” في مجتمعنا، وكيف نقرر من هو المفكر الحقيقي.

غالبًا ما تستحضر ذهني صورة تمثال رودان الشهير “المفكر”: رجل قوي الجسد، يجلس وحده، يضع ذقنه على قبضته، عينيه مركزتان نحو الداخل. تمثال جميل، لكنه يرسّخ قصة معينة عن “شكل التفكير العميق”.

لكن ماذا عن أولئك الذين تأتيهم لحظات الكشف الفلسفي وهم ينظرون في عيون أحد أبنائهم؟ أو يمسكون بيد شخص يحبونه؟ أو يربتون على ظهر أحدهم بينما يضحك أو يبكي… أو يموت؟

المصدر

مقالات ذات صلة