القائمة الرئيسية

كيف يشكّل الوالدان طموحات أطفالهم؟

كيف يشكّل الوالدان طموحات أطفالهم؟
ملخص المقال

يكشف المقال أن القيم التي يعيشها الوالدان يوميًا ترسم بشكل غير مباشر نوع الأهداف التي يتبنّاها أطفالهم؛ فحين يعطي الوالدان أهمية كبيرة للمال والمكانة والإنجازات، يميل الأبناء —في سن 15–17— إلى تبنّي أهداف خارجية مشابهة، مثل التفوق من أجل القبول الجامعي أو جمع الجوائز. أما الأهداف الداخلية، كالنمو الشخصي وبناء العلاقات، فلا تنتقل تلقائيًا من الوالدين إلى الأبناء، بل تحتاج إلى بيئة تربية تشبع احتياجات الطفل الأساسية: الحرية، والشعور بالكفاءة، والحب غير المشروط. فإذا افتقد الطفل هذا الدعم، قد يتخلى عن أهدافه الأصيلة ويسعى فقط وراء ما يجلب رضا الآخرين. وتوضح الدراسة أن الضغط أو المقارنات أو النقد يغذي الأهداف الخارجية، بينما لا تُظهر الظروف الحياتية أو الأزمات أثرًا مباشرًا واضحًا في توجيه أهداف الأطفال، ما يشير إلى أن نوعية البيئة التربوية تظل العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل طموحاتهم.

تشير أبحاث حديثة إلى أن أسلوب تربيتنا، والقيم التي نُظهرها في حياتنا اليومية، قد ترسم ملامح الأهداف التي يسعى إليها أطفالنا من دون أن ننتبه لذلك.

نعرف جميعًا أهمية وجود أهداف في حياتنا؛ فهي تمنحنا الاتجاه والدافع. لكن الأهداف ليست سواء: بعضها يعزز صحتنا النفسية، وبعضها يرهقنا مهما حاولنا بلوغه.

الأهداف الداخلية هي الأهداف التي تنسجم مع حاجات الإنسان العميقة: الشعور بالاستقلالية، الإحساس بالكفاءة، وبناء علاقات مُشبعة. مثل أن يسعى الطفل إلى تطوير نفسه، أو بناء صداقات صادقة، أو خدمة مجتمعه. أما الأهداف الخارجية فتركّز على ما يراه الآخرون: المال، الشهرة، المكانة، أو عدد الإعجابات على وسائل التواصل. والغريب أننا مهما حققنا منها، نادرًا ما نشعر بالرضا؛ فسباق المكانة لا ينتهي أبدًا.

الدراسة الجديدة تُظهر أن الوالدين قد يدفعون أبناءهم — من حيث لا يشعرون — نحو هذا النوع أو ذاك من الأهداف.

القيم التي يعيشها الوالدان تنتقل للأبناء

حلّل الباحثون عشرات الدراسات التي تتبعت علاقة أهداف الوالدين بأهداف أبنائهم من سن 11 حتى مطلع العشرينات. النتيجة كانت واضحة:
الأطفال يُشبهون والديهم كثيرًا عندما يتعلق الأمر بالأهداف الخارجية.

فإذا كان الأب أو الأم يوليان أهمية للمال، أو للمناصب، أو للمظاهر، يميل الأبناء إلى تبنّي أهداف خارجية مشابهة: التفوق الدراسي من أجل القبول الجامعي، الفوز بالبطولات، أو السعي وراء الجوائز والإنجازات.

ويبدو أن المراهقة المتوسطة (15–17 عامًا) هي الفترة التي يتأثر خلالها الأبناء أكثر بنموذج الوالدين في هذا النوع من الأهداف.

ويحدث ذلك بعدة طرق:

  • من خلال حديث الوالدين عن ما يعتبرونه “نجاحًا”.

  • أو سلوكياتهما اليومية.

  • أو حتى الضغوط المباشرة (“لو ما جبتِ درجة عالية ما راح تطلعين”).

  • أو المقارنات الاجتماعية (“شوفي كيف أم سارة فخورة بدخول بنتها هارفارد”).

ومن الطبيعي أن نتوقع الأمر نفسه مع الأهداف الداخلية. لكن المفاجأة أن ارتباط الأطفال بأهداف والديهم الداخلية كان معقدًا وغير مباشر. بل ظهرت علاقة طفيفة تشير إلى أنه كلما زادت رغبة الوالدين في النمو الداخلي، زاد لدى بعض الأبناء ميلٌ إلى السعي خلف أهداف خارجية!

وهذا يشير إلى أن مسار تطور كل نوع من الأهداف يختلف عن الآخر، وأن القدوة وحدها لا تكفي.

بيئة التربية هي المفتاح

توضح الدراسة أن أسلوب التربية يلعب دورًا أقوى مما نتوقع.

فالأهداف الداخلية لا تنمو لأنها “قيلت” أو “شوهدت”؛ بل تحتاج إلى بيئة يشعر فيها الطفل بأنه:

  • حرّ في اتخاذ قراراته،

  • قادر على الإنجاز،

  • محبوب ومقبول دون شروط.

هذه البيئة — التي تُشبع احتياجات الطفل النفسية الأساسية — تساعده على تكوين أهداف أصيلة تأتي من داخله: كتعلم آلة موسيقية لأنه يحبها، أو اكتشاف مجال جديد لأنه يثير فضوله، أو بناء علاقة يشعر فيها بالاحترام والتقدير.

في المقابل، البيئة التي تفتقر للدعم — حيث يكون الوالد متسلطًا أو رافضًا أو غير مهتم — قد تدفع الطفل للتخلي عن أهدافه الحقيقية فقط لينال رضا والديه. وهنا تتلاشى الأهداف الداخلية وتزداد الأهداف الخارجية.

وتؤكد الدراسة أن التربية الداعمة تساعد على تعزيز الأهداف الداخلية، لكنها لا تمنع ظهور الأهداف الخارجية، لأنها غالبًا تنشأ من تأثيرات مباشرة كالنقد، والمقارنات، والضغط نحو النجاح.

هل تؤثر ظروف الحياة على أهداف الأطفال؟

توقع الباحثون أن الأزمات التي يمر بها الوالدان — كالأعباء المادية — قد تنعكس على نوعية أهداف الأبناء، خصوصًا تلك المرتبطة بالمال والنجاح الخارجي. لكن المفاجأة أن البيانات لم تُظهر علاقة واضحة.

بمعنى:
ضغوط الحياة لا تُفسّر وحدها سبب توجه بعض الأطفال نحو الأهداف الخارجية.

وتشير الدراسة إلى أن هذا الجانب ما يزال يحتاج إلى المزيد من البحث، خصوصًا فيما يتعلق بكيفية تأثير أنواع مختلفة من الضغوط على طموحات الأطفال.

المصدر

مقالات ذات صلة