من الطبيعي أن نرغب في أن يكون أطفالنا ممتنين، وأن يتعلّموا قول “شكرًا” بصدق، لا بدافع المجاملة أو الإلزام. لكن كثيرًا من الآباء يكتشفون أن محاولة فرض الامتنان—سواء بالتذكير المستمر أو بالإصرار على قول كلمات معينة—لا تنتج أطفالًا أكثر امتنانًا… بل العكس.
فالامتنان الحقيقي شعور ينمو من الداخل، أما الامتنان المفروض فيتحول إلى عبء أو مهمة يجب تأديتها، ويفقد قيمته. هنا يطرح السؤال نفسه: كيف نساعد أطفالنا على تنمية الامتنان دون أن نفرضه عليهم؟
الخطوة الأولى هي أن نفهم كيف ينمو الامتنان طبيعيًا داخل الطفل.
كيف يتطوّر الامتنان لدى الأطفال؟
يبيّن الباحثان جيفري فروه وجياكومو بونو أن الامتنان يمر بمراحل تطور واضحة:
من الولادة حتى سن السادسة:
هذه مرحلة بناء الأساس: التعاطف، فهم مشاعر الآخرين، ملاحظة النية خلف الأفعال اللطيفة…
هي مهارات تمهّد لظهور الامتنان لاحقًا، لكنها لم تكتمل بعد.
من السابعة إلى العاشرة:
يبدأ الطفل في إدراك معنى الامتنان وتمييز لطف الآخرين؛ تتشكل لديه القدرة على التعبير عن الامتنان بوعي.
من سن الحادية عشرة فما فوق:
يزداد الامتنان عمقًا، ويرتبط بمستويات أعلى من السعادة والتفاؤل والارتباط الاجتماعي وحتى النجاح الدراسي.
إدراك هذه المراحل يساعدنا على توقع ما يناسب الطفل بدل دفعه إلى مستوى لم يصل إليه بعد.
كيف نزرع الامتنان دون فرضه؟
إليك ثلاث طرق تعمل بعمق وهدوء، ونتائجها طويلة المدى.
أولًا: قدّمي نموذجًا حيًا للامتنان
الأطفال يتعلمون من أفعالنا أكثر مما يتعلمون من تعليماتنا.
ويمكننا نشر ثقافة الامتنان في البيت دون أي كلام مباشر.
كيف؟
قولي ما تشعرين به:
إذا راودك شعور بالامتنان تجاه شخص أو موقف، عبّري عنه بصوت مسموع:
“أنا ممتنة لأنك ساعدتني.”
“أحب عندما يصنع أحد لنا شيئًا جميلًا.”
أظهري تقديرك للآخرين:
كلمات الامتنان الصغيرة التي يسمعها الطفل بين أفراد الأسرة تشكّل لديه مفهومًا إيجابيًا للامتنان.
احكي قصص الامتنان من حياتك:
قصّة بسيطة عن موقف أثار امتنانك قد تكون درسًا أعمق من أي تعليم مباشر.
تحدثي عن فوائد الامتنان:
لا تجعليه سرًا—اشرحي كيف يجعلنا أكثر سعادة وصحة وارتباطًا بالآخرين.
عندما يرى الطفل الامتنان يمارس أمامه، فإنه يتعلمه تلقائيًا دون جهد.
ثانيًا: اصنعي بيئة تسمح للامتنان بأن ينمو
الامتنان لا يُفرض… لكنه يزدهر حين يشعر الطفل بالأمان والتقدير.
كيف نهيّئ بيئة تسمح له بالنمو؟
امنحيه مساحة دون ضغط:
مثلًا:
“لو تحب، شاركنا شيئًا جميلًا حدث لك اليوم… وإذا تفضل تحتفظ به لنفسك، هذا رائع أيضًا.”
استخدمي نموذج “لاحظ–فكّر–اشعر–افعل”:
لاحظ: ما الشيء الذي جعلني أشعر بالامتنان؟
فكّر: لماذا حدث هذا؟
اشعر: كيف جعلني أشعر؟
افعل: كيف أعبّر عن امتناني؟
هذه الخطوات تساعد الطفل على رؤية الصورة كاملة، وفهم أن الأفعال اللطيفة وراءها نية تستحق التقدير.
وفّري طرقًا متعددة للتعبير:
ليس كل طفل يعبر بالكلام.
دعيه يختار: كتابة، رسم، تسجيل صوتي، صورة…
اعترفي بكل المشاعر:
قد يشعر الطفل بالامتنان لكنه في الوقت نفسه غاضب أو متعب.
والمهم أن يعرف أن ذلك طبيعي.
عندما يصبح الامتنان “دعوة” لا “واجبًا”، يتحول إلى شعور حقيقي.
ثالثًا: دعي الأطفال يقودون تجربة الامتنان
عندما نتيح لهم المساحة ليصنعوا طقوسهم الخاصة، يتحول الامتنان إلى جزء من شخصيتهم.
كيف؟
احترمي أفكارهم:
استمعي لاقتراحاتهم… فقد يكون لديهم طرق أجمل مما نتصور.
شجّعيهم على مشاركة قصصهم:
حين يشارك الطفل لحظة امتنانه، يشعر بقوة التجربة ويتعلم الآخرون منه.
امنحيهم القيادة:
في المنزل، يمكن للطفل أن يصنع “مرطبان الامتنان”، يقرر شكله وطريقة استخدامه.
في المدرسة، يمكنهم إنشاء “جدار الامتنان” برسائل لطيفة كتبوها لزملائهم.
عندما يصبح الطفل قائدًا لممارسة الامتنان، يتبناه بصدق، لأنه يشعر بأنه “اختياره”.
الخلاصة
في المرة القادمة التي نهمّ فيها بالتذكير التقليدي:
“ها؟ ماذا نقول؟”
دعينا نتوقف قليلاً.
بدلًا من الإلحاح، لنجرب:
أن نكون قدوة… وأن ندعو… وأن نمكّن.
فعندما يصبح الامتنان اختيارًا ينبع من الداخل لا استجابة لمطالبة خارجية، يتحول إلى عادة تلازم الطفل طوال حياته—عادة تعزز صحته النفسية، وتقوي علاقاته، وتجعله جزءًا من عالم أكثر مودة ولطفًا.
