القائمة الرئيسية

ما الذي يساعد الآباء في رحلة التحوّل إلى الأبوة؟

ما الذي يساعد الآباء في رحلة التحوّل إلى الأبوة؟
ملخص المقال

يستعرض النص ما يعيشه الأب المنتظر من مشاعر متناقضة بين الفرح والقلق، مشيرًا إلى أن نسبة من الآباء الجدد يعانون من اكتئاب أو قلق ما بعد الولادة، رغم تردّدهم في طلب المساعدة وغياب سياسات داعمة لهم. وتُظهر الأبحاث أن ارتباط الأب بطفله قبل الولادة يتأثر بمستوى الضغط والقلق والتفكير السلبي لديه، وأن اللطف مع الذات واليقظة—من دون أحكام—يعززان هذا الارتباط مباشرة وبشكل غير مباشر عبر خفض التوتر. وتشير دراسات أخرى إلى أن الآباء الأكثر لطفًا مع أنفسهم يكونون أقدر على تنظيم مشاعرهم وأقل عرضة للوحدة والاكتئاب، كما تكون علاقتهم بأطفالهم أدفأ وأقل صراعًا، فيما تساهم اليقظة في حضور الأب وانتباهه لاحتياجات طفله، مما يدعم ارتباطًا آمنًا. ويقترح النص ممارسات بسيطة لبناء اللطف مع الذات واليقظة، مثل التأمل القصير والتنفس الواعي، مؤكدًا أن دعم الآباء نفسيًا ينعكس على الأسرة كلها، وأن العناية بالذات ليست رفاهية بل ضرورة للأبوة الصحية.

تُعدّ مرحلة الانتقال إلى الأبوة فترة حافلة بالمشاعر المتناقضة. فإلى جانب الفرح، والتشوّق، والفخر بالاستعداد لدور جديد محوري، قد يعيش الأب المنتظر مستويات عالية من الضغط والقلق. وتشير الدراسات إلى أن ما بين 5% و15% من الآباء الجدد يعانون من اكتئاب أو قلق ما بعد الولادة—لكن الكثير منهم يتردد في طلب المساعدة بسبب الصورة النمطية عن “صلابة الرجل” وخوفهم من الوصمة الاجتماعية. كما يفتقر معظم الآباء في الولايات المتحدة إلى سياسات داعمة كالإجازات الوالدية المدفوعة ورعاية الأطفال بأسعار معقولة.

ومع أن الرفاه العاطفي والاجتماعي للأب ضروري لارتباطه بطفله وللنمو الصحي للأسرة بأكملها، فإن السؤال المهم هو: ما الذي يمكنه دعم الأب المنتظر نفسيًا وعاطفيًا، ومساعدته على بناء علاقة آمنة مع طفله؟

الرفاه والارتباط: ما الذي يقول العلم؟

في دراسة حديثة للباحثة نور دي فال وزملائها، جرى البحث في العوامل التي تعيق أو تعزّز قدرة الآباء المنتظرين على الارتباط بأطفالهم قبل الولادة.

شارك في الدراسة نحو 70 أبًا هولنديًا تراوحت أعمارهم بين العشرينات والأربعينات. وقيّم الباحثون شعورهم بالارتباط بأطفالهم، ومستويات الاكتئاب والقلق والضغط لديهم، إضافة إلى سيطرة التفكير السلبي المتكرر—ذلك النوع من الأفكار المزعجة التي تتكرر ولا يسهل التخلّص منها.

كما قيّموا جانبين مهمين في قدرات الأب النفسية:

  • اللطف مع الذات (كيف يعامل نفسه في لحظات الفشل أو الصعوبة)

  • الوعي اللحظي أو اليقظة (قدرته على ملاحظة مشاعره وأفكاره دون أحكام أو ردود فعل فورية)

وكانت النتائج واضحة:

  • الآباء الذين عانوا من ضغط أقل، وقلق أقل، وتفكير سلبي أقل شعروا بارتباط أقوى بأطفالهم.

  • والآباء الذين تحلّوا بمستوى أعلى من اللطف مع الذات واليقظة غير الحكمية—كان ارتباطهم بأطفالهم أقوى أيضًا.

  • كما وُجد أن اللطف مع الذات واليقظة يساعدان الآباء بشكل غير مباشر عبر تقليل الضغط والتوتر، مما يعزز مشاعر الارتباط.

تقول الباحثة:

“خلال فترة ما قبل الولادة، يصبح تنظيم الأفكار والمشاعر، والتعامل مع الذات بلطف وصبر، أمرًا جوهريًا لمواجهة تحديات الأبوة المقبلة.”

ماذا يحتاج الأب الجديد؟

في دراسة أخرى حديثة، وجد الباحث دانيل فان هيردن وزملاؤه أن الآباء الأكثر لطفًا مع أنفسهم—سواء كانوا آباء لأطفال صغار أو مراهقين—كانوا أكثر قدرة على تنظيم مشاعرهم، وأقل عرضة للشعور بالوحدة والاكتئاب والقلق. كما كانت علاقتهم بأطفالهم أقرب وأقل صراعًا.

يوضح الباحثون ذلك قائلين:

“عندما يفتقر الأب إلى اللطف مع ذاته، يتزايد النقد الذاتي، وقد يتحوّل بسهولة إلى نقد قاسٍ لأطفاله، مما يزيد من الصراع ويقلل من تعاطفه معهم.”

الأمر ذاته ينطبق على اليقظة:
فالأب الذي يمارس الوعي اللحظي يكون أكثر حضورًا في علاقته مع طفله، وأقدر على ملاحظة احتياجاته العاطفية، وأقل تفاعلًا بشكل انفعالي.

وفي دراسة من البرتغال عام 2016، وُجد أن الآباء الذين يمارسون “الأبوة اليقِظة” لديهم أطفال يشعرون بارتباط أكثر أمانًا—وهو مؤشر مهم للرفاه النفسي على المدى الطويل.

وتشرح الباحثة كاتارينا ميديروس:

“الآباء الواعون لحظيًا يكونون أكثر حضورًا واهتمامًا واتساقًا في تفاعلهم، وأقدر على الاستجابة بحنان وهدوء لاحتياجات الطفل.”

كيف يمكن للآباء تنمية اللطف مع الذات واليقظة؟

1) ممارسات بسيطة للطف مع الذات

البدء يمكن أن يكون بخطوة صغيرة:
عندما يظهر النقد الداخلي، يمكن لتمرين قصير من “اللطف مع الذات” أن يغيّر المشهد الداخلي بالكامل.
هناك تأملات مخصّصة للوالدين تستغرق 10 دقائق فقط، تساعد على تخفيف القسوة تجاه الذات وتذكر حقيقة بسيطة:
لا يوجد والد مثالي… والخطأ جزء طبيعي من التربية.

كما أن ممارسة اللطف مع الذات أمام الأطفال يساعدهم بدورهم على تنمية هذه المهارة.

2) بناء اليقظة في لحظات الضغط

اليقظة ليست مهارة فطرية، لكنها تُبنى مع التدريب.
تمرين بسيط مثل التنفس الواعي لخمس دقائق يمكن أن يساعد الأب على تهدئة التوتر سريعًا، وفصل أفكاره ومشاعره عن ذاته، ومن ثم التعامل معها بوضوح أكبر.

يركّز هذا النوع من الممارسات على ملاحظة اللحظة كما هي—دون تقييم أو حكم—وهو ما يمنح الأب مساحة داخلية للتصرف بهدوء بدلاً من الانجراف وراء الانفعال.

اليقظة تذكّرنا بحقيقة مهمة:
كل لحظة ستعبر… والظروف الصعبة مؤقتة.

الخلاصة: دعم الآباء يعني دعم الأسرة كلها

تُظهر خمسون سنة من الأبحاث أن وجود الأب—عاطفيًا ونفسيًا—مهم جدًا لنمو الطفل ورفاهه. وتُظهر الأبحاث كذلك أن رحلة الأبوة نفسها تترك آثارًا عميقة على صحة الرجل النفسية والجسدية.

وبينما نواصل المطالبة بسياسات اجتماعية داعمة للآباء، يمكن لكل واحد منا أن يبدأ بدعم الأب في حياته بشكل مباشر:
بالاستماع، والمساندة، وتخفيف الضغط… وبالتذكير بأن العناية بالذات ليست رفاهية، بل ضرورة.

المصدر

مقالات ذات صلة