كتاب جديد يستعرض الأدلة العلمية التي تبرز الدور الجوهري للعلاقات الاجتماعية في حياتنا، ويقدّم إرشادات لتحسين بيئات العمل والمدارس ورفاهنا الشخصي.
لماذا يكون الشعور بالوحدة مؤلمًا؟ ولماذا نهتم كثيرًا بالطريقة التي يعاملنا بها الآخرون؟ ولماذا نستغرق وقتًا طويلًا في التفكير في علاقاتنا السابقة والمستقبلية؟
هذه الأسئلة يجيب عنها كتاب «اجتماعي: لماذا صُمِّمت أدمغتنا للتواصل» لعالِم الأعصاب الاجتماعي ماثيو ليبرمان من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. يعرض ليبرمان الأدلة العصبية المدهشة على أن العلاقات الاجتماعية ليست أمرًا ثانويًا في حياتنا، بل هي مركزية في طريقة عمل أدمغتنا، ويقترح تغييرات عملية يمكن أن تحسّن بيئات العمل والمدارس وصحتنا النفسية والجسدية.
وفقًا لليبرمان، هناك ثلاث شبكات عصبية رئيسية في الدماغ تدعم قدرتنا على التواصل:
1. شبكة خاصة بالألم والمتعة الاجتماعية.
2. شبكة تساعدنا على قراءة مشاعر الآخرين والتنبؤ بسلوكهم.
3. شبكة تمكّننا من استيعاب القيم والمعتقدات الثقافية والانتماء للجماعة.
وقد كشفت دراسات تصوير الدماغ عن أدوار هذه الشبكات بطرق لافتة. فمثلًا، لأن الألم الاجتماعي يُعالَج عبر مسارات مشابهة للألم الجسدي، اكتشف الباحثون أن دواء تايلينول يمكن أن يخفف من الألم الناتج عن الانفصال أو الرفض الاجتماعي. كما تضيء مراكز الألم في الدماغ عندما يتعرض شخص لمعاملة غير عادلة—even من غرباء في تجارب اقتصادية—بينما تنشط مراكز المكافأة عند التعامل بإنصاف، حتى لو كانت النتيجة المالية أقل.
وفي تجربة أخرى، طلب ليبرمان من مجموعة من الأشخاص مشاهدة أفكار أولية لمسلسلات جديدة داخل جهاز fMRI، ثم شرحها «لمنتج» آخر. وقد لاحظ أن شبكة قراءة العقول في الدماغ كانت تعمل بقوة عندما كان الشخص يشاهد فكرة ستعجب المنتج لاحقًا، بينما لم تتدخل شبكات الذاكرة أو المنطق. وهذا يشير إلى أن الدماغ يفكر تلقائيًا في كيفية مشاركة المعلومات حتى قبل فهمها بالكامل.
ويقول ليبرمان إن هذه الشبكة تعمل معظم ساعات يقظتنا، وتشكل «الوضع الافتراضي» للدماغ عندما لا نكون منغمسين في مهمة محددة. ويساعدنا ذلك على توقع سلوك الآخرين، والتعاون معهم، بل ومنافستهم بذكاء.
كما أظهرت تجربة أخرى على المدخنين أن أكثر الإعلانات فعالية في تشجيع الإقلاع عن التدخين لم تكن بالضرورة الإعلانات التي أعجبت المشاركين، بل تلك التي أثارت نشاط منطقة «تصوّر الذات» في الدماغ—مما يدل على أن الأفكار الثقافية والاجتماعية تؤثر فينا بطرق لا نعيها.
يخلص ليبرمان إلى أن:
«أدمغتنا صُمِّمت عبر التطور من أجل التواصل الاجتماعي… وهذا ما جعلنا النوع الأكثر نجاحًا على وجه الأرض.»
ما الذي يعنيه هذا لمدارسنا وأعمالنا ورعايتنا لأنفسنا؟
يعتقد ليبرمان أنه ينبغي لنا قبول هذه الحقيقة والاستفادة منها في تصميم مؤسسات أفضل:
في بيئات العمل: تشير الدراسات إلى أن رأس المال الاجتماعي داخل المؤسسة مرتبط بنجاحها الاقتصادي. لذا يجب على القادة تطوير مهاراتهم الاجتماعية لفهم احتياجات موظفيهم وتحفيزهم بشكل أفضل.
في المدارس: يجب تعزيز شعور الانتماء لدى الطلاب، إذ يرتبط ذلك بتحسن معدلهم الدراسي. كما ينبغي للمعلمين تصميم دروس تستثير شبكة «قراءة العقول» لدى الطلاب لتعزيز التعلم، سواء في العلوم الاجتماعية أو حتى في الرياضيات والعلوم.
في حياتنا الشخصية: العلاقات الاجتماعية الجيدة تعادل في أهميتها الامتناع عن التدخين من حيث التأثير على الصحة. فوجود أشخاص نحبهم يقلل شعور الألم، وقيمتنا الذاتية ترتبط أكثر بمكانتنا الاجتماعية لا بثروتنا المالية.
ويحذر ليبرمان من الانشغال المفرط بالعمل أو العزلة التي تضعف الروابط الاجتماعية، مؤكدًا أننا بحاجة إلى قضاء وقت مع الآخرين ورعاية علاقاتنا—سواء في البيت أو العمل أو المدرسة.
ويختم بقوله:
«جميعنا يحتاج إلى أشخاص يحبّهم ويحترمهم، وإلى أشخاص يحبوننا ويحترموننا. وقد لا ندرك مدى عمق هذا الاحتياج، لكنه موجود دائمًا.»
