أن تعرف ما الذي يجعل الناس سعداء شيء، وأن تعيش أنت حياة سعيدة بالفعل شيء آخر تمامًا. لم أتذوّق معنى السعادة الحقيقي إلا عندما تركت مسيرتي الأكاديمية التي استمرت عشر سنوات في دراسة السعادة، وحملت ما أحتاجه على دراجة هوائية، وانطلقت لأشهر طويلة في رحلة متعرّجة نحو مملكة بوتان.
ولمن لا يعرف بوتان: إنها مملكة صغيرة في جبال الهيمالايا، تشتهر بأنها تُصمّم سياساتها الوطنية بناءً على مؤشر السعادة لا على النمو الاقتصادي.
وجهة فريدة… ورحلة أكثر فرادة.
وخلال تلك الرحلة تعلّمت عن السعادة أكثر بكثير مما تعلّمته من الكتب والمقالات. ليس تقليلًا من قيمة المعرفة الأكاديمية، لكنها لا تُغني عن الخبرة المباشرة والمواجهة الحية مع الحياة.
هذه بعض أهم الدروس التي خرجت بها في رحلتي نحو السعادة:
1. السعادة العميقة… وليست مجرد ابتسامة
عندما يتحدث الناس عن السعادة، قد يختزلها البعض في الضحك والبهجة المستمرة، ولذلك يرونها هدفًا سطحيًا أو غير واقعي للمجتمعات.
لكن الحقيقة أن الابتسام والضحك ليسا معيار السعادة الحقيقي. فالمشاعر الصعبة — الحزن والقلق والخوف — جزء طبيعي من التجربة الإنسانية. أصبحتُ اليوم أقدّر البكاء كوسيلة ضرورية للتحرر، وأتعامل مع قلقي بفضول بدل الهرب منه.
السعادة التي أبحث عنها — والتي تسعى بوتان إليها — سعادة عميقة: قائمة على الترابط، والغاية، والأمل، وتتسع أيضًا للحزن والقلق. وأرى أنه يجدر بدول العالم وأفرادها أن يطمحوا لهذا النوع من السعادة.
2. ضع أهدافًا… لكن تعلّم أن تتخلى عنها
وجود أهداف يساعدنا على العيش بوضوح واتجاه. لكن المشكلة تحدث عندما نربط سعادتنا بتحقيق الهدف فقط.
فنصبح أقل حضورًا في اللحظة، وأبعد عن حالة “التدفُّق” التي تصفها علم النفس بأنها اندماج كامل في التجربة. وقد لا يجلب لنا تحقيق الهدف السعادة التي توقعناها أصلًا.
خلال رحلتي إلى بوتان، تخلّيت مرارًا عن فكرة الوصول لبوتان نفسها، وبهذا استطعت أن أستمتع بالطريق وأن أجد معنى في الرحلة ذاتها. وعندما وصلت أخيرًا… وجدت أن التعب والحنين غطّى على فرحة الوصول.
وهذا درس مهم: إذا لم نكن سعداء في الطريق، فهل يستحق الوصول كل هذا العناء؟
3. لا تنخدع بالقصص السائدة عن السعادة
تنتشر مجموعة كبيرة من القصص عن السعادة، لكنها ليست دائمًا مدعومة بالأدلة.
مثل قصة: “سأصبح سعيدًا عندما أحقق هذا الهدف”.
أو قصة: “المال يجلب السعادة”.
وقد قضيت سنوات أدرس علاقة المال بالسعادة، عدا عن 18 شهرًا من السفر المتواضع.
والخلاصة واضحة:
بعد تجاوز حدّ الحاجات الأساسية، لا يصبح للمال تأثير كبير مقارنةً بـ:
جودة العلاقات
الصحة النفسية والجسدية
العيش بانسجام مع القيم الشخصية
ومع الأسف، هذه الجوانب تُضحّى غالبًا في سبيل مزيد من المال، لأن النظام الاقتصادي السائد يعالج النمو لا الرفاه.
4. اسمح للآخرين بأن يعطوك
العلاقات الدافئة أساس السعادة. لكن هذا لا يجعلها سهلة دائمًا.
كنت أرى في البيانات العلمية أهمية العلاقات، لكنني كأي شخص آخر واجهت صعوبة في تحقيقها في حياتي. لسنا متعوّدين على استقبال الحب بسهولة، ونميل للاعتقاد بأننا لا نستحقه إلا إذا كنا “بالطريقة الصحيحة”.
أكثر ما أدهشني في رحلتي هو كرم الناس ولطفهم. كانوا يدعونني إلى منازلهم، يقدّمون لي الطعام أو مكانًا أنام فيه، رغم أن بعضهم يملك القليل. في البداية كنتُ مرتابة أو منشغلة بالمسير، لكن شيئًا فشيئًا تعلمت أن أسمح للناس بالاقتراب — فازدادت الروابط عمقًا، وزادت معها سعادتي.
5. الأزمات جزء من الطريق… ويمكن تجاوزها
لم يكن بإمكاني الوصول إلى بوتان بالدراجة لولا أني واجهت أزمات عدّة. الجميع يمرّ بالأزمات، لكننا نحتاج في تلك الأوقات إلى:
دعم من الآخرين
وقت كافٍ لفهم ما حدث
ورغبة واعية في المضيّ قدمًا
هذه العناصر أساس (المرونة النفسية)، وهي التي ساعدتني على الاستمرار.
6. لا شيء يضاهي فندق “المليون نجمة”
من أجمل لحظات الرحلة أن أنهي يومًا طويلًا من التدرج بين الجبال ثم أتمدد تحت سماء مليئة بالنجوم. نحن جزء من الطبيعة، لكن حياتنا الحديثة تُبعدنا عنها وتحصرنا في أماكن مغلقة ومصطنعة لا تلبي احتياجاتنا الإنسانية.
العودة للطبيعة ليست رفاهية:
إنها أساسية لرفاهيتنا الآن… ولقدرتنا على العيش ككوكب مستدام في المستقبل.
