القائمة الرئيسية

لماذا وكيف تتكوّن الشخصية؟

لماذا وكيف تتكوّن الشخصية؟
ملخص المقال

يوضح المقال كيف يمكن أن تنشأ الشخصية حتى في كائن بسيط مثل ذبابة الفاكهة، من خلال تفاعل الجينات والبيئة وتفضيل التطور للتنوع السلوكي داخل المجموعة. يروي الباحث تجربته الطويلة في تتبّع آلاف الذباب داخل متاهات صغيرة عبر 21 جيلًا، ليكتشف أن ما يُورَّث ليس نوع السلوك نفسه، بل مقدار الاختلاف بين الأفراد. هذا التنوع يمنح المجموعة ميزة في البيئات المتقلبة وفق نظرية “التحوّط”. وبالانتخاب المتكرر للذباب الأكثر اختلافًا، ظهرت مجموعات ذات تنوع هائل، ما يؤكد أن الشخصية يمكن أن تتطور. ويختم المقال بأن البحث العلمي مليء بالعقبات، لكن الفضول هو الدافع المستمر لفهم كيف تشكّل البيئة والتطور السلوك الفردي.

حين بدأتُ دراسة الدكتوراه، كان يشغلني سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في جوهره: من أين تأتي الفروق الفردية في السلوك؟ أو بصيغة أخرى: كيف تتكون الشخصية؟ اخترت ذبابة الفاكهة كنموذج، لأنها رغم صغرها، تحمل في سلوكها بذورًا أولية لما يمكن أن نسميه “ملامح شخصية”.

كانت تجربتي تعتمد على مراقبة ذبابة واحدة في كل مرة داخل متاهة صغيرة. يبدأ يومي في المختبر بحمل الذبابة المخدّرة بفرشاة دقيقة ووضعها في المتاهة. بعد أن تستيقظ وتستكشف، أعيدها إلى أنبوبها بحذر شديد، وكأنني أنقل كنزًا صغيرًا، قبل أن أحدد إن كانت ستستمر معي في التجربة أو لا.

كررت هذه العملية مع زملائي كل يوم، حتى أصبحنا نقيس سلوك 900 ذبابة يوميًا. كانت ساعات طويلة ومملة في ظاهرها، مليئة بالبودكاست والكتب الصوتية التي رافقتني وأنا أتنقل بين الذباب واحدًا تلو الآخر. كنت أخطط لاعتماد روبوت المختبر — الذي نطلق عليه اسم MAPLE — ليسهل علينا المهمة ويقوم بتعبئة المتاهات وإفراغها. وبعد شهور من تعديل شفرته البرمجية، نجحت أخيرًا في تشغيله. لكن المفاجأة كانت أنه تعطّل تمامًا في اليوم الأول من تجربتي طويلة المدى التي تمتد لـ 500 يوم.

كان ذلك بداية سلسلة طويلة من العقبات. ومع كل يوم يمر، كنت أتعلم شيئًا جديدًا — ليس فقط عن السلوك والتطور، بل عن البحث العلمي نفسه: صبره، تعقيداته، وكيف نتعامل مع ما لا يسير كما نخطط له.

الحيوانات… لها شخصيات أيضًا

في دراسات السلوك الحيواني، نلاحظ دائمًا أن لا فرد يشبه الآخر. فالقطط والكلاب — مثل البشر — لها مزاجها وتفضيلاتها الخاصة. وهذا لا يقتصر على الثدييات؛ حتى أبسط الكائنات لها “بصمة” سلوكية.

وذباب الفاكهة الذي عملت عليه، على بساطته، يملك اختلافات واضحة في أنماط حركته وقراراته:

  • بعضها يميل دائمًا لليسار، وبعضها لليمين

  • منها من يفضل الدفء، ومنها من يبحث عن البرودة

  • ومنها من ينجذب للضوء، ومنها من يختار الظل

وهذه السلوكيات تبقى ثابتة نسبيًا طوال حياة الذبابة.

الشخصية — في الحيوانات كما البشر — تتشكل عبر الجينات والبيئة معًا. فقد تحدد الظروف التي ينشأ فيها الحيوان بعض صفاته، بينما تحدد الجينات صفات أخرى. فنرى مثلًا أن الذباب الذي يفضل الحرارة ينجب ذرية تميل للبيئة الحارة أيضًا.

وليس ذلك فحسب، فهناك جينات لا تحدد أي خيار يفضّله الفرد، بل تحدد مدى اختلاف الأفراد عن بعضهم البعض — أي مقدار التنوع الداخلي في المجموعة.

وهنا يظهر السؤال المهم: لماذا تبقى مثل هذه الجينات في الطبيعة؟ وما فائدتها؟

التنوع… استراتيجية للبقاء

تفسر نظرية تطورية تُعرف بـ التحوّط (bet-hedging) هذا اللغز. ففي بيئة تتغير ظروفها باستمرار، يكون التنوع داخل المجموعة أشبه بوليمة من الخيارات. لا أحد يعرف أي خيار سيلائم الظروف القادمة.

لنتخيل جينين:

  • جين يقلل التنوع (low-var): يجعل الأفراد متشابهين

  • جين يزيد التنوع (high-var): يجعل الأفراد مختلفين جدًا

عندما تكون البيئة مستقرة ومتوسطة الحرارة، ينجح أفراد low-var جميعًا — فهم جميعًا ملائمون للظروف. أما أفراد high-var، فقد يكون بعضهم مناسبًا وبعضهم لا.

لكن عندما تصبح البيئة غير مستقرة — أبرد أو أسخن من المعتاد — يفشل أفراد low-var جميعًا، لأن تنوعهم محدود. بينما ينجو دائمًا جزء من أفراد high-var، لأن تفضيلاتهم مختلفة، وبعضها يلائم الظروف الجديدة.

هكذا تصبح الجينات التي تنتج التنوع وسيلة للبقاء عبر الأجيال.

كيف يغير التطور هذا التنوع؟

هنا جاءت التجربة التي كرستُ لها أكثر من عام ونصف.

اخترت سلوكًا بسيطًا: تفضيل اتجاه الالتفاف داخل متاهة على شكل حرف Y.
بعض الذباب ينحاز دائمًا لليسار، وبعضه لليمين، والبعض يتردد بين الاثنين.

واللافت أن:

  • اتجاه الالتفاف نفسه لا يُورَّث مباشرة

  • لكن مقدار التباين بين الأفراد في الاتجاه يُورَّث

وهذه هي “الشخصية” في هذا النظام.

استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لتتبع آلاف الذباب عبر 21 جيلًا. وكنت أركز على مجموعات الإخوة:

  • إخوة يتخذون قرارات متشابهة → جين منخفض التنوع

  • إخوة يختلفون كثيرًا → جين مرتفع التنوع

ثم أسمح لحاملي جين high-var فقط بالتكاثر.

وفي نهاية التجربة، ظهرت مجموعات لديها مستويات هائلة من التنوع السلوكي — إثبات قوي أن الشخصية، أو الفردانية السلوكية، يمكن أن تتطور بالانتخاب، سواء في الطبيعة أو المختبر.

أعمل الآن على فهم ما حدث داخل جينات هذه المجموعات، وكيف تغيرت أدمغتها وأجسادها مع الزمن.

هل يمكن أن تتطور الشخصية طبيعيًا تحت ظروف بيئية معينة؟

بعد أن أثبتُّ أن الشخصية يمكن أن تتطور، أردت أن أعرف:
ما الظروف الطبيعية التي تجعلها تتطور؟

ذباب الفاكهة من الكائنات التي تعتمد على البيئة لتنظيم حرارتها. لذلك فإن تفضيل الحرارة أمر أساسي لضمان بقائها ووضع بيضها.

ومع ازدياد اضطراب درجات الحرارة عالميًا، يُرجح أن التطور سيفضل الاستراتيجيات التي تنتج تنوعًا أكبر — أي التحوّط.

لذلك افترضت أنه إذا وفّرنا للذباب بيئة حرارية تتغير باستمرار عبر الأجيال، فإن تفضيل الحرارة نفسه سيصبح أكثر تنوعًا.

بدأت مع زميلة لي تصميم مساكن حرارية يمكن التحكم بدرجاتها وتغييرها تدريجيًا. لكن ضيق الوقت وتعقيدات التجربة جعلا المشروع يتوقف — ولا يزال ينتظر فرصة لاستكماله.

ما الذي خرجت به من كل هذا؟

علمتني هذه التجربة الطويلة شيئَين مهمين:

  1. ليس كل شيء يسير كما نتوقع — وهذا جزء أصيل من البحث العلمي.

  2. ورغم الأعطال، والروبوتات المتعطلة، والساعات الطويلة، والتجارب المؤجلة — يظل الفضول العلمي أقوى.

فما زلت أرغب في فهم كيف تشكّل البيئة والتطورُ الشخصية، وكيف يستجيب السلوك الفردي لتغيّر العالم من حوله.

مقالات ذات صلة