منذ زمن بعيد ترسّخت في أذهان كثيرين فكرة قاسية مفادها أن الإنسان يولد أنانيًّا، يحركه الجشع والمصلحة، وأن التعاون غفلة، والإيثار وهم، والحروب قدر لا ينجو منه مجتمع. حتى العواطف وُصمت بأنها مصدر الخطيئة والاضطراب، وأن العقل وحده جدير بالثقة؛ أمّا المشاعر فخيل جامحة لا بد من لجمها.
وفي خضم هذا الإرث الفكري القاتم، تعرّضت الرحمة —أرقّ المشاعر الإنسانية— للازدراء. فقد رأى كانط أنها “رقة لا ينبغي أن تكون بين البشر”، وذهب آخرون إلى أنها ليست إلا التفافًا أنانيًا لخدمة الذات.
لكن العلم الحديث جاء اليوم ليقلب هذه الصورة رأسًا على عقب، وليكشف أن الرحمة ليست ضعفًا يعيب الطبيعة البشرية، بل قوة راسخة في أعماق تكويننا، محفورة في خلايانا العصبية، وتفيض حكمة وضرورة.
رحمةٌ مكتوبة في الدماغ
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الإنسان مهيّأ فطريًا للالتفات إلى معاناة الآخرين. ففي دراسات على الأمهات، ظهر أن رؤية الأم لطفلها تُنشّط مناطق دماغية مرتبطة بالمشاعر الإيجابية، وكأن الدماغ يتعرف تلقائيًا على أول موضوعات الرحمة: الأبناء.
العجيب أن هذه الاستجابة ليست حكرًا على الأمومة؛ فقد وجد باحثون أن مجرّد تخيّل الأذى الواقع على الآخرين يُشعل شبكة الدماغ نفسها. وكأن التعاطف ليس خيارًا نكتسبه، بل شعورًا مُضمّنًا في بنيتنا العصبية، يكشف وحدانية الطبيعة البشرية أمام الألم.
وتذهب أبحاث أخرى إلى ما هو أعمق:
مساعدة الآخرين تُشغّل دوائر الدماغ نفسها المسؤولة عن الشعور بالمتعة والمكافأة.
أي أننا نُكافَأ داخليًا عندما نمدّ يد العون. وهذا وحده كافٍ لنسف فكرة أن الإنسان مخلوق يسعى فقط لمصلحته.
ولا يقف الأمر عند الدماغ، فالجسد بأكمله يتجاوب مع هذا الشعور. فعندما يواجه الإنسان خطرًا، يتسارع نبضه استعدادًا للقتال أو الهرب. أمّا عندما يشعر بالرحمة، فإنه يهدأ: ينخفض معدل ضربات القلب، وتنفتح مسارات الاقتراب والتهدئة—وكأن الجسد يستعد لاحتضان الآخر لا لمواجهته.
ويأتي الأوكسايتوسين، هرمون الارتباط، ليعزز هذه الصورة أكثر. فهو يرتفع خلال الرضاعة واللمسات الدافئة، ويُفرز عندما نمارس سلوكًا رحيمًا أو نتلقى عاطفة صادقة. وهكذا تصبح الرحمة دائرة مغلقة تتغذى من نفسها: نرحم، فيزداد الأوكسايتوسين، فنصبح أكثر قدرة على الرحمة.
لغة الرحمة… لا تحتاج إلى كلمات
إذا كانت الرحمة حقًا جزءًا من تكوين الإنسان، فلا بد أن تظهر على وجوهنا وحركاتنا. وهذا ما تؤكده الدراسات.
فللرحمة تعبير وجهي مميز: حاجبان مائلان ونظرة مشفقة. ومن يُظهر هذا التعبير يكون غالبًا مستعدًا للمساعدة.
لكن الأعمق من الوجه هو اللمس.
فاللمسات —من مصافحة دافئة إلى تربيتة على الكتف— تحمل قوة لا تنقلها اللغة. وقد أثبتت التجارب أن الغرباء قادرون على تمييز الرحمة من مجرد لمسة عابرة على الساعد.
وكأن للرحمة تردّدًا كونيًا يفهمه البشر بالفطرة قبل أن تنطقه الشفاه.
هل تقود الرحمة إلى الإيثار؟
الشعور بالرحمة شيء، وتحويله إلى فعل شيء آخر.
لكن الأبحاث هنا أيضًا تقف إلى جانب الطبيعة الإنسانية. فقد أظهرت سلسلة من الدراسات أن من يشعر برحمة صادقة تجاه شخص متألّم، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل الألم عنه —حتى عندما يستطيع الهرب من الموقف تمامًا.
وفي تجارب أخرى، ساعدت المشاركات أشخاصًا يشعرون بالوحدة، دون أن يعرف أحد عن فعلتهن، ما يعني أن الرحمة ليست حاجة إلى المديح، بل رغبة أصيلة في رفع الألم عن الآخر، حتى في الخفاء.
إنها حالة يتجاوز فيها الإنسان ذاته، ويستجيب لأسمى ما في فطرته.
هل تولد الرحمة معنا… أم تُزرع فينا؟
تكشف الأبحاث الحديثة أن المشاعر الإيجابية، ومنها الرحمة، ليست رهينة الجينات. فالمناطق الدماغية المسؤولة عنها أكثر قابلية للتشكّل والتعلم من غيرها.
وتشير الدراسات التي تتبعت الأطفال وهم ينشأون إلى أن:
العلاقة الآمنة مع الوالدين تنشئ طفلًا أكثر تعاطفًا منذ عمر ثلاث سنوات.
العنف الأسري يخنق البذرة قبل أن تنمو.
التربية القائمة على الحوار والشرح تُنمّي القدرة على فهم مشاعر الآخرين.
نموذج القدوة هو المعلم الأكبر؛ فالطفل الذي ينشأ في بيت يقدّس الرحمة ينمو ليصبح إنسانًا رحيمًا.
وفي دراسة إنسانية مؤثرة تناولت الألمان الذين أنقذوا اليهود خلال الحقبة النازية، كان العامل الأبرز خلف هذا الإيثار العظيم هو ذكريات الطفولة داخل أسر تُعلّم الرحمة لا بالعظات، بل بالممارسة.
الرحمة… أساس بقاء المجتمعات
تتشكل المجتمعات وفق رؤيتها لطبيعة الإنسان. فإذا اعتقدت أن الإنسان جشع بطبيعته، ستبني مؤسسات خشنة، وقوانين قائمة على الشك، وعلاقات يطغى عليها الخوف.
أما إذا آمنت بأن الرحمة جزء أصيل من تكوين الإنسان، فإنها تفتح الباب أمام مدارس أكثر إنسانية، ومستشفيات أدفأ، وأماكن عمل تؤمن بأن الكرامة أولًا.
لقد آن الأوان أن نعيد النظر في الصورة القاتمة التي رسمتها الفلسفات القديمة عن الإنسان. فالرحمة ليست شذوذًا في السلوك البشري، ولا ضعفًا في الطبيعة البشرية، بل هي إحدى ركائزها.
إنها اللغة الأولى التي نتواصل بها، والغريزة التي حفظت بقاءنا، والفضيلة التي نستطيع —إن شئنا— أن نبني بها عالمًا أفضل.
