يدرس الباحثون السمات الشخصية، والدوائر العصبية، والتجارب التي تقود الأطفال إلى القيام بأعمال بطولية تفوق أعمارهم.
كثير من دراسات الطفولة تخبرنا بأن الأطفال يميلون إلى الأنانية بحكم النمو الطبيعي. لكن الواقع يدهشنا دائمًا بقصص لأطفال يجدون أنفسهم في قلب أزمات مرعبة، فيُظهرون قدرًا من الشجاعة والتعاطف قد لا يقدر عليه كثير من البالغين.
ولعل أبرز الأمثلة جاءت من التحقيق الجاري حول حادثة الطعن التي استهدفت فتيات صغيرات في ساوثبورت بإنجلترا عام 2024؛ إذ كشفت الشهادات أن طفلة وقفت أمام أختها لتحميها من الطعنات. هذا النوع من الشجاعة اللحظية يفوق ما قد يُتوقع من بالغين في الظروف ذاتها.
كما ظهرت روايات عن أطفال صغار أمسكوا بالأبواب ليسمحوا لغيرهم بالهرب أولًا، وآخرين حاولوا تهدئة زملائهم لئلا يلفتوا الانتباه إلى أنفسهم بالصراخ أو الركض. ومثل هذه القصص نسمعها مرارًا في حوادث إطلاق النار في المدارس بأميركا—ومنها قصة المراهق الذي واجه المسلّح في إحدى مدارس كولورادو في سبتمبر 2025.
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يتمكن أطفال في هذا العمر من ضبط أعصابهم، والتحلي بهذا القدر من الإيثار، وسط خوف يشلّ الكبار؟
تشير الأبحاث النفسية إلى أن القدرات المعرفية والعاطفية والشخصية التي يحتاجها الإنسان للشجاعة تبدأ بالتشكل أبكر مما نتصور.
شخصيات قوية... حتى قبل سنّ المراهقة
ورغم أن أغلب ما نعرفه عن الشجاعة يأتي من دراسات على البالغين، فإن دراسة أجراها عالم النفس التطوري بيتر موريس عام 2009 بحثت العلاقة بين الخوف والشجاعة لدى أطفال بين 8 و13 عامًا.
وخلصت إلى أن هناك ارتباطًا بين ارتفاع مستوى الشجاعة وبين سمات معينة، مثل:
الانبساطية (الاجتماعية)
الانفتاح على التجارب
القدرة العقلية المرتفعة
كما كشف موريس أن 94% من الأطفال شاركوا سابقًا في موقف يظهر شجاعة، مثل مواجهة حيوان يخيفهم أو الدفاع عن صديق يتعرض للتنمر.
وبحسب دراسة أُنشرت عام 2021، فإن الانبساطية لدى المراهقين تحميهم من القلق، مما يفسر كيف يقدر بعض الأطفال على التماسك وقت الخطر.
حين يدفع الخوف نحو حماية الآخرين
في تجربة أجرتها جوانا فييرا وزملاؤها عام 2020، طُلب من المشاركين الاختيار بين تلقي صدمة كهربائية بسيطة أو مساعدة شخص آخر لتجنبها.
وجاءت النتيجة لافتة: كلما زادت احتمالية الخطر، زاد استعداد الأشخاص للتضحية بأنفسهم لحماية غيرهم.
وتشير النتائج إلى أن حالات الدفاع الذاتي تُفعّل في الدماغ آليات أخرى متعلقة بالرعاية والعناية بالآخرين.
وفي تحليل آخر عام 2014، بحث عالما النفس طوني بيوكانن وستيفاني بريستون كيف يمكن للضغط النفسي أن يدفع إلى الإيثار. وجدا أن الدوائر العصبية المسؤولة عن رعاية الآخرين تحت الضغط تتداخل مع دوائر المكافأة والتحفيز. أي أن الدماغ—في لحظات التوتر الشديد—قد يدفعنا بعيدًا عن تجنب الخطر نحو حماية الآخرين.
هذا النمط السلوكي يظهر أيضًا لدى الحيوانات من الفئران حتى الغوريلا.
وقد فرّق عالم النفس الاجتماعي دانيال باتسون بين نوعين من الاستجابة للخطر:
استجابة قائمة على النطاق الشخصي: تركز على نجاة الفرد نفسه.
استجابة قائمة على التعاطف: تدفع نحو حماية الآخرين.
والأطفال يملكون كلا الاستعدادين، مما يجعل شجاعتهم أكثر إدهاشًا حين يغلب الإيثار على الخوف.
التعاطف يظهر مبكرًا جدًا
أظهرت دراسات عديدة أن الأطفال قادرون على إظهار ملامح التعاطف منذ سن مبكرة جدًا:
في عمر 12 شهرًا يمكنهم ملاحظة توقّع distress لدى الآخرين.
وفي عمر سنتين يمكنهم تقديم كلمات مواساة، أو نصائح بسيطة، أو تشتيت الانتباه لتهدئة الشخص المتألم.
حتى الرضّع يستجيبون بصوت البكاء حين يسمعون بكاء طفل آخر—وهو ما يشير إلى استجابة تعاطفية بدائية.
لكي يستطيع الأطفال التصرف بهذه الحكمة وقت الخطر، لا بد أنهم استدعوا مهارات الوظائف التنفيذية في الدماغ، بالإضافة إلى أجزاء من الجهاز الحوفي (اللمبيك) المسؤول عن تنظيم الانفعالات.
وتتطور هذه المناطق بسرعة في الطفولة، لكنها لا تكتمل إلا في مرحلة البلوغ.
إضافة إلى ذلك، تبيّن من الشهادات أن الأطفال كانوا قادرين على تذكّر تعليمات حصلوا عليها مسبقًا حول كيفية التصرف في الطوارئ—فعندما يتكرر التوجيه، يصبح استدعاؤه تحت الضغط أسهل.
كبح ردّة الفعل… واختيار الشجاعة
تؤكد الأبحاث أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة يملكون القدرة على:
ملاحظة مشاعر الآخرين
ضبط ردود أفعالهم
اتخاذ قرارات تعاكس اندفاع «القتال أو الهرب»
فالطفل الذي يبقى هادئًا وقت الخطر لا يفقد خوفه، بل يتمكن من كبحه بما يكفي لمساعدة الآخرين.
وفي دراسة عام 2010 أجريت على بالغين يعانون رهاب الثعابين، طُلب منهم الاقتراب من أفعى حيّة. وتبيّن أن الشجاعة ترتبط بقدرة الدماغ على فصل الإحساس بالخوف عن الشعور الجسدي به.
وهذا يفسر كيف يستطيع بعض الأطفال التصرّف بحكمة رغم الهول الذي يعيشونه.
الأثر النفسي: هل تحمي الشجاعة أصحابها لاحقًا؟
قدرة الطفل على الفعل وسط الخطر ""ما يُعرف بـ الكفاءة الذاتية"" تحميه جزئيًا من آثار الصدمات لاحقًا.
كما تشير دراسة عام 2019 إلى أن صفات مثل:
الأمل
الكفاءة
التفاؤل
يمكن أن تمنع تطور اضطراب ما بعد الصدمة.
ومع ذلك، يبقى الأطفال المعرضون للعنف في مواجهة خطر نفسي كبير، مهما بدوا شجعانًا. وتختتم الأبحاث بأن البطولة لا تعني الغياب التام للألم، لكنها قد تمنح الأطفال بعض القوة لمواجهة ما يعقب الكارثة من آثار نفسية قاسية.
