من طبيعة الإنسان أن يعيش وسط درجات متفاوتة من عدم اليقين. فنحن مخلوقات تقف على حدود الماضي والمستقبل؛ نستحضر ذاكرتنا ونبني عليها احتمالات لا تنتهي لما هو قادم، وهذا ما يجعل الحياة أشبه بلعبة ألغاز دائمة. لكن هذا التوقّع المستمرّ قد يتحوّل إلى قلق، ثم إلى دوامة من التفكير المفرط والشلل.
في كتابها الجديد «كيف تقع في حب أسئلة حياتك؟»، تحاول عالمة النفس السلوكي إليزابيث وينغارتن أن تفك هذا اللغز؛ فتروي رحلتها الشخصية والفكرية مع عدم اليقين، وكيف يمكن للفرد لا أن يتحمله فقط، بل أن يتعايش معه وربما يحبه. وفي حوار أجرته معها مجلة Greater Good خلال فعالية في «جمعية كتاب بيركلي»، تحدّثت عن الأفكار التي قادتها إلى تأليف هذا الكتاب.
من أين بدأت الحكاية؟
تقول وينغارتن إنها وصلت في فترة من حياتها إلى حالة من الارتباك العميق، وكانت تشعر أن حياتها تتشقق عند محورين أساسيين:
أولًا: الزواج.
فقد كانت حديثة العهد بارتباطها، لكنها لم تكن تشعر بالطمأنينة. بل كانت تسأل نفسها سؤالًا مخيفًا:
«هل عليّ أن أطلب الطلاق؟»
كان هذا السؤال ثقيلًا لدرجة أنه جعلها تتجنب التفكير، ثم تعود إليه مرارًا لأنها لا تستطيع تجاهله.
ثانيًا: العمل.
تركت وظيفتها لتتفرغ لمشروع إبداعي حلمت به طويلًا. لكن المشروع لم يقلع. كانت تواجه السؤال الأكثر إيلامًا:
«ما الذي أفعله بحياتي؟»
وتقول:
لقد وضعت كل رهاناتي في هذا المشروع، ثم وجدت نفسي أمام فراغ كبير. كنت أقرأ وأستمع لكل ما يمكن أن يقدّم لي إجابة: كتب تطوير الذات، حلقات بودكاست، حوارات… لكن كل ذلك لم يقدّم لي ما أبحث عنه. والأسوأ أنني شعرت بوحدة عميقة، لأنني كنت أواجه سؤالين مصيريين في الوقت نفسه.
اللافت أن كل تلك المصادر كانت تردد النصيحة ذاتها: «تقبّلي عدم اليقين».
تقول وينغارتن:
هذه الجملة كانت تبدو لي منفصلة تمامًا عن الواقع. فمن السهل تقبّل الغموض عندما نتحدث عن مفاجأة عيد ميلاد، لكن من الصعب أن نقول لمريض ينتظر نتيجة خزعة: «احتضن عدم اليقين». أو أن نقول لمن فقد شخصًا عزيزًا: «أحبّ الغموض في حياتك». بدا لي ذلك نوعًا من الإيجابية الزائفة التي تتجاهل الألم الإنساني.
وفي خضم كل هذا، وقعتُ على كتاب «رسائل إلى شاعر شاب» لريلكه. وهناك صادفت عبارته الشهيرة:
«أحبِب الأسئلة ذاتها.»
وشبّه الأسئلة بالغرف المغلقة أو الكتب الغامضة، ودعا إلى «عيش الأسئلة»، لا استعجال الإجابات.
أعجبت بهذه الفكرة، لكنها كانت تبدو بعيدة عني. كنت أكره أسئلتي، لا أحبها. ومن هنا بدأت فكرة الكتاب:
كيف يمكن أن نحبّ الأسئلة التي تؤلمنا؟ وكيف نفعل ذلك في زمن يعبد الإجابات السريعة؟
ما هو عدم اليقين نفسيًا؟ ولماذا نهرب منه؟
تُعرّف وينغارتن عدم اليقين بأنه:
«حالة من الشك تعيق التقدم أو تؤخره».
فعندما لا نعرف الإجابة، نشعر أننا واقفون في مكاننا. ووجدت في أبحاثها أن الإنسان مبرمج على تفضيل الوضوح، لأن التعامل مع الغموض يستهلك طاقة عقلية أكبر.
وتشرح نظرية تُسمى «الدماغ الأناني»:
أثناء فترات ندرة الغذاء عبر التاريخ، كان على الدماغ أن يوفر الطاقة، ففضّل تجنّب الظروف الغامضة التي تستنزف الجهد الذهني. ولهذا أصبحنا نميل تلقائيًا إلى البحث عن الإجابات الجاهزة.
هل أصبحنا أقل قدرة على تحمّل الغموض؟
تشير إحدى الدراسات إلى علاقة بين انتشار الهواتف الذكية والإنترنت وبين انخفاض قدرتنا على تحمّل عدم اليقين. فالهاتف يمنحنا وهم السيطرة:
قبل دخول مطعم نبحث عن القائمة.
قبل السفر نخطط رحلتنا بدقة.
عند الشعور بالارتباك، نهرب إلى الهاتف بدلًا من الجلوس مع الشعور ذاته.
وبذلك فقدنا فرصًا صغيرة لتدريب أنفسنا على التعامل مع الغموض. تقول وينغارتن:
«تحمّل عدم اليقين عضلة لم نعد نستخدمها، بل تركناها تضعف».
أنواع الأسئلة: شجرة كاملة من التأمل
تستخدم المؤلفة تشبيهًا جميلًا يجعل الأسئلة تبدو كأجزاء مختلفة من شجرة:
1) أسئلة الخوخ
تنضج سريعًا، وإجاباتها واضحة نسبيًا.
2) أسئلة البابايا
تحتاج سنوات لتنضج، مثل:
– هل سينجح علاج الخصوبة؟
– هل سيكون تغيير عملي قرارًا صائبًا؟
3) أسئلة «خشب القلب»
هي الأسئلة التي تشكّل جوهر حياتنا ولا تختفي:
– من أنا؟
– مَن أصبح؟
– وكيف أعيش حياة ذات معنى؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابة نهائية… بل نعيش معها.
4) أسئلة الأوراق الميتة
أسئلة تربطنا بالندم والماضي، وتمنعنا من الحركة:
– لماذا فعلت ذلك؟
– ماذا لو لم أفعل؟
وهي أسئلة يجب إسقاطها كما تسقط أوراق الشجر اليابسة.
ماذا يجعل السؤال سؤالًا جيدًا؟
ترى المؤلفة أن هناك معيارين أساسيين:
1) السؤال الجيد يفتح الباب ولا يغلقه
السؤال «هل أطلب الطلاق؟» سؤال ثنائي خانق.
أما الأسئلة الأفضل فهي التي تسمح بالخيارات:
– ما الذي يجب أن يتغير لنستمر؟
– كيف يمكن إنقاذ العلاقة؟
2) السؤال الجيد يعمل كبوصلة داخلية
أي أنه يعيدك إلى نفسك، لا إلى توقعات الآخرين.
تقدم مثالًا شخصيًا: سؤال «هل أنجب طفلًا ثانيًا؟» كان سؤالًا يطرحه الآخرون عليها أكثر مما كانت تطرحه على نفسها، ولذلك أعادت صياغته:
– كيف أعرف إن كنتُ أريده؟
– ما العلامات التي تساعدني على اتخاذ القرار؟
3) يجب التمييز بين الأسئلة التي تحرّكنا… وتلك التي تحبسنا
السؤال الذي يعيدك إلى الماضي ويزيد الندم هو سؤال يجب تركه، لأنه لا يخلق احتمالات جديدة.
هل علينا الاستمرار في طرح الأسئلة الكبيرة طوال حياتنا؟
يقول المحاور إن أسئلة من نوع «هل يجب أن أبقى مع زوجي؟» لم تكن متاحة للنساء تاريخيًا بسبب القوانين والقيود الاجتماعية. واليوم نعيش في عالم يعطي الفرد حرية أكبر، لكنه يضعه أيضًا أمام أسئلة معقدة لا تنتهي.
وتردّ وينغارتن:
المشكلة ليست في طرح الأسئلة، بل في نوعية الأسئلة.
فاستجواب العلاقة باستمرار قد يصبح مرهِقًا، لكنه مفيد إذا كان جزءًا من أسئلة أوسع تساعد على بناء العلاقة، لا هدمها.
وتضيف:
العلاقات الحقيقية لا تعتمد على سؤال واحد نهائي، بل على أسئلة متجددة، لأن الإنسان يتغير باستمرار.
وتحذّر من حالة تسميها «السير أثناء النوم» في العلاقة—عندما يتوقف الفضول، ويتوقف طرح الأسئلة التي تسمح بمعرفة الشريك من جديد.
فالأسئلة الجيدة هي التي تُبقي العلاقة حيّة، والذات يقظة، والمعنى مستمرًّا.
المصدر